كانت هناك مشاركة لأحد الأعضاء يسخر مني فيها ويطالبني ببعض العقلانية ... وسأتجاوز عن السخرية وأدلف مباشرة إلى العقلانية.
من لا يفهم حجم الدرس شديدة القسوة الذي تلقاه الروس كجزاء عادل جدا على محصلة الأعوام الثلاثة الماضية فهو في أبعد مسافة ممكنة عن فهم كل العلوم العسكرية والسياسية معا. ولأوضح كلامي أكثر سأضع لكم مثالا واحدا فقط من مئات الخيارات والأمثلة المتاحة عندي بفضل الله عز وجل.
مثال توضيحي (1):
ملاحظة في بداية المثال: ترقيمي للمثال لأن هناك ترقيم ينتهي بمئات الترقيمات من مروحة الخيارات والأمثلة شديدة التنوع.
عودة للمثال:
تمهيد لازم: لقد ذكرت سابقا بالموضوع إن الروس دخلوا الأزمة الحالية بدون خيارات سياسية لأنهم هم أنفسهم وبأيديهم أحرقوا معظم أو هو كل الخيارات السياسية في بداية الأزمة وتجاوزوا تلك الخيارات السياسية لعدة أسباب يطول شرحها سنتجاوزها الآن .. ولكن المهم هو أن الروس تجاوزوا كل خياراتهم السياسية وأحرقوها وأحرقوا معظم أوراقهم السياسية بتدخلهم العسكري منذ بداية الأزمة.
بل وكما ذكرت سابقا فإن الروس لم يكتفوا فقط بحرق خياراتهم السياسية فحسب، بل وحتى معظم خياراتهم العسكرية نفسها الموازية للأزمة تم حرق معظم خياراتها وأوراقها العسكرية منذ بداية الأزمة وفي أول ساعتها وأيامها.
ولدرجة أن الخيارات العسكرية المتبقية تقريبا لدى الروس أصبحت محصورة في التراجع الانهزامي عن الأزمة أو التقدم المفتقد لأي آفق سياسي واضح يصلح كغظاء سياسي ناجع لاستخدام الآة العسكرية.
بالجوار إلى كل ما سبق فإن الروس محاصرين سياسيا لدرجة غير مسبوقة من قبل وهذا مفهوم جدا ... على العكس والنقيض من الأمريكان.
فالروس أنفسهم أهدوا الأمريكان هدية كانت بالنسبة للأمريكان حلم غالي بل أكبر حلم قد يجول بمخيلتهم مطلقا في العصر الحالي .. وهذا الخطأ الفادح الروسي أدى لتوفير ظرف سياسي كان من المستحيل توفره للأمريكان بدون خطأ الروس العميق هذا.
المهم هنا هو أن خطأ الروس الفادح هذا أعطى للأمريكان فرصة فوق تاريخية لم يكن الأمريكان ليتمنون بأفضل منها بأي حال من الأحوال ... وهذه الفرصة السياسية كانت معقدة لدرجة إنها فتحت آفق سياسي وجيوسياسي شديد الضخامة بعرض وطول كوكب الأرض أمام الأمريكان بصورة فجائية جدا ... ولكن الأمريكان لم يتأخروا لوهلة في استغلال الفرصة إلى أبعد مدى ممكن واستثمار تلك الفرصة الكوكبية الجيوساسية والجيواستراتيجية.
كل ذلك أدى لعزلة غير مسبوقة في التاريخ للروس وخلاصتها أن الروس مهما يمتلكون من قوة عسكرية ولكنهم مفتقدون لأي أفق سياسي من أي نوع صالح لتوظيف تلك القدرات العسكرية الروسية الرهيبة. ومهما حاول الروس توظيف قدراتهم العسكرية بدون الأفق السياسي لعلوم المستقبليات المذكور فإنه أي توظيف للقدرات العسكرية الروسية بدون ذاك الغطاء المستقبلي المذكور سوف يؤدي بشكل حتمي جدا لفشل أي قدرات عسكرية مهما كانت في تحصيل نتائج مستقبليات سياسية مقبولة.
وهذا الكلام السابق يدخل الروس في طرق مسدودة جميعها لا يوجد من بينها طريق واحد يصلح للمورو بشكل لائق نحو المستقبل. كل الخيارات مغلقة كل الآفاق المستقبلية سلبية كل الخيارات العسكرية ستؤدي لمحصلة سلبية حتمية.
ولدرجة أن فلاديمير بوتين حاول عشرات المرات في كلماته وكلمات رجاله السياسيين كلهم مداعبة الصهيونية العالمية بكل الطرق الممكنة محاولا توصيف الثورة الأوكرانية بمعاداة السامية وكما نعلم فالمقصود بالسامية هنا هي الصهيونية.. وحاول الروس الاستنجاد في كلماتهم بالصهيونية ودعدعة مشاعر الصهيونية بشتى الطرق ولكنها ستكون حتما فاشلة لأن اليهود لأول مرة في تاريخهم الحديث يقفون في خانة تكاد تكون أقرب لخانة المفعول به ... وعلى أي حال فاليهود ليسوا في هذه الأزمة تحديدا في خانة الفاعل ... بل من المفارقات أن بعض أشد وألد أعداء اليهود القادمين من أعماق التاريخ هم من يقف في خلفية المشهد في خانة الفاعل وأبعدوا اليهود عنها بمسافة آمنة في هذه الأزمة شديدة التعقيد.
أما على الجانب الأخر فإن الأميركان أتاحت لهم الأزمة الحالية فرصة تاريخية شديدة الندرة أدت لتوسيع الخيارات السياسية الأميركية لدرجة غير مسبوقة ... ويكفي للأمريكان هنا بهذه الأزمة توظيف واستثمار أي خيار جيوسياسي متاح لهم في شكل عسكري بسيط للغاية حتى يقومون بتوجيه ردود سياسية شبه عسكرية على التحركات العسكرية الروسية سوف تجعل أي تحركات عسكرية روسية تأتي بنتيجة عكسية تماما.
مثال (1):
على سبيل المثال فقط فيكفي لنا أن نعلم مدى أهمية الخيارات السياسية المتوفرة بشكل نادر واستثنائي جدا للأمريكان وقدرة توظيف تلك الخيارات السياسية بشكل سياسي سوف يقوض أي قدرات عسكرية روسية ويشتتها ويجعل أي تحركات عسكرية روسية تأتي بنتيجة عكسية ...
فأمريكا تستطيع من خلال الفرصة السياسية المستقبلية النادرة الناتجة من خطأ الروس أن تعمل على استثمار تلك الفرصة النادرة من خلال تقديم الدعم لما يمكن أن نسميه بدول الطوق الروسي .. ومن خلال ذلك الدعم المقدم لدول الطوق يتم تشتيت المحاور التعبوية والاستراتيجية الروسية على عدة محاور وجبهات ليس من خلال العمل العسكري المباشر لأمريكا ولكن فقط من خلال توزيع بعض بطاريات الدفاع الجوي البسيطة نسبيا مثل بطاريات السلامرام.
فلنا أن نتخيل أمريكا تقوم مثل بالدفع العاجل لأوكرانيا بـ 80 بطارية سلامرام وتدفع لجورجيا بـ 30 إلى 50 بطارية مشابهة ولأذربيجان من 30 إلى 50 بطارية مشابهة وكذلك لباقي دول الطوق مثل بولندا ولاتفيا وليتوانيا واستونيا وفنلندا والسويد.
فلنا أن نتخيل بقدرات دفاعية بسيطة جدا نسبيا مثل السلامرام سوف تحصل أمريكا بالمجان على عدة جيوش مجهزة لتقطيع أوصال الجيوش الجوية الروسية ولا يتبقى لروسيا من بعدها أي خيارات عسكرية إلا خيارات عسكرية عمياء جدا جدا لدرجة غير مسبوقة.
كما تظل القدرات والخيارات السياسية في علوم المستقبليات لمن يقف في خانة المحرك والفاعل للأزمة تتيح له مروحة شديدة الاتساع من مختلف الخيارات لتحريك المواقع والأدوار وتوظيف مختلف الرؤى والسياسات ذات طابع الإدراك المستقبلي النادر من نوعه.
ملاحظة:
أنا هنا أعيد التأكيد مرارا ومرارا على أن كلامي ليس شخصي ضد أي طرف ولا حتى الروس أنفسهم أو أي طرف أخر أيا كان ومهما كان... فقط الأمر وما فيه أنني ألتزم بما أؤمن به وأعمل جاهدا لحساب ما أعتقده فقط لا غير وبدون أي شخصنة مع أي طرف مهما كانت الأمورالظنية بيننا.. فأنا لا ألتزم العداء لأي طرف بشري إنساني مهما كانت درجة الخلاف ولكنني ألتزم فقط بالولاء لما أدين به وأعتقده.. لذلك أرجو تخفيف حدة الشخصنة المفرطة لدى مختلف الأطراف.