عزيزي الكريم
ببساطة ، أنا لست ضد التطور التراكمي لنص الرواية التاريخية ، ولا ضد تحليلها ونقدها وتصفيتها لبناء فهم أعمق وأكثر نضجا ، فذلك جزء أصيل من المنهج العلمي ، وهذا هو أساس ردي عليك من البداية.
لكن رفضي ينصب على ما يسمى بـ"التطور التاريخي" حين يستخدم كذريعة لصياغة رواية خيالية ، تفصل حسب مزاج بعض المفكرين البربر أو النسويات المعاصرات ، دون أي سند من نص تاريخي موثق أو نقش أصلي ، بل فقط لإشباع نزعة رمزية أو شعور شعبوي تجاه شخصية الكاهنة.
هذا لا يسمى تطوراً علميا ، بل هو ببساطة تحريف للتاريخ وليّ لأعناق النصوص.
أنا لا أمانع تمجيد الكاهنة كرمز نضالي أمازيغي ، أو حتى تشبيهها بـ "جان دارك" في سياق رمزي أو سياسي ، فهذه اختيارات شخصية وفكرية ، خاصة بأصحابها ، هم أحرار فيما يريدون.
أرفض فقط ، أن يعاد إنتاج الحدث التاريخي بما يناقض نصوصه الأولى ، أو بما يسنده من نص حقيقي ، ثم يسوق ذلك باعتباره "تطورا في القراءة".
أما بالنسبة لثورة ميسرة المطغري ، فقد كنت واضحا منذ البداية:
لم أبرر أبدا الظلم أو فرض الضرائب الجائرة ، ولم أدافع عن الحاكم ، لكنك – على النقيض – بدأت بردك بتسليط الضوء على مظلومية البربر، وهذا ردك الأصلي بالنص:
"ثورة ميسرة المطغري (740م) لم تكن مجرد تمرد عشوائي، بل كانت ردة فعل على السياسة الضريبية الجائرة للولاة الأمويين ...".
ونصك واضح جدا ، ولا يوجد له أي تبرير ، ولا يمديك "تتفرنك" ، فهذا النص ما بعده ، يقيدك في الجرم تماماً.
نصك ليس "تحليلاً" مجرداً ، بل خطاب يبرر الفعل من منطلق المظلومية ، ويمهد عاطفيا لقبول ما أعقب تلك الثورة ، وهو ما لا يمكن القبول به.
ثم أخذت في كل رد تنتقل من تبرير ضمني إلى تفسير مائل ، إلى أن قلت في نهاية المطاف:
"السياق التاريخي والسياسي قد يكشف عن أسباب وفواعل لا تبرر الفعل، لكنها تفسره."
هذا ليس تفسيراً حيادياً ، بل تسويغ ناعم للفعل ، يبدأ بأنه بما تقول: "ردة فعل على سياسة جائرة"، وينتهي بأنه "رد مفهوم من الناحية التاريخية".
فهل أصبح سفك الدماء، ونهب الأموال، وانتهاك الأعراض "مفهوما"؟!.
الحدث يحلل ، لكن لا يبرر.
وفهم دوافع الانفجار لا يعني شرعنته ، ولا يعفي من إدانة فظاعاته ، خاصة حين تستباح فيه الدماء والفروج وتنهب الأموال.
تحياتي.