فهم إيران: حقائق استراتيجية يجب على واشنطن إدراكها
أحد المحركات الأساسية للتوترات الحالية ليس مجرد خلاف سياسي، بل سوء فهم جوهري لما يحفّز قيادة إيران. وأي استراتيجية أمريكية فعّالة يجب أن تبدأ بوضوح بشأن أولويات النظام الأساسية والقيود التي تحكمه.
1. البرنامج النووي ركيزة أيديولوجية — وليس مجرد مسألة سلاح
في واشنطن، غالبًا ما يُطرح برنامج إيران النووي بصيغة ضيقة: هل ستصنع إيران قنبلة أم لا؟
في طهران، المسألة أوسع بكثير.
لقد أصبح البرنامج النووي جزءًا متجذرًا من الهوية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية. فهو يرمز إلى السيادة، والاستقلال التكنولوجي، ومقاومة الضغوط الغربية. بالنسبة للمرشد الأعلى Ali Khamenei، فإن التخلي الكامل عن البرنامج لن يُنظر إليه كتنازل تقني فحسب، بل كاستسلام داخليًا عن أحد أهم منجزات الثورة.
وهذا يضيّق بشكل كبير هامش القبول باستسلام كامل.
2. الصواريخ والطائرات المسيّرة أصول استراتيجية غير قابلة للتفاوض
العقيدة الدفاعية الإيرانية تقوم أساسًا على مبدأ عدم التماثل. وبسبب افتقارها إلى سلاح جو حديث، ومواجهتها لقوة تقليدية متفوقة من الولايات المتحدة وإسرائيل، تعتمد طهران على:
- الصواريخ الباليستية
- صواريخ كروز
- الطائرات المسيّرة (UAVs)
- شبكات الوكلاء الإقليميين
هذه القدرات لا تُعد أوراق مساومة من منظور إيران، بل هي أداة الردع الأساسية وبوليصة التأمين لبقاء النظام. وأي مطلب أمريكي يقوّض هذه القدرات بصورة جوهرية سيُنظر إليه على أنه تهديد وجودي لاستمرارية النظام.
3. هناك مرونة تكتيكية — لكن في الملف النووي فقط مقابل رفع اقتصادي حقيقي
أظهر خامنئي في السابق استعدادًا لقبول قيود على:
- مستويات التخصيب
- حجم المخزون
- أنظمة التفتيش
لكن فقط مقابل تخفيف اقتصادي ملموس وكبير — وليس مجرد تخفيف ضغوط أو تأجيل تهديدات.
من وجهة نظر طهران، الاستقرار الاقتصادي مقبول. أما الإذلال الاستراتيجي فغير مقبول.
4. بقاء النظام هو الهدف الأسمى
فوق الأيديولوجيا، وفوق الطموحات الإقليمية، وفوق الرأي العام — يضع النظام أولوية قصوى لبقائه.
لكن هذا البقاء لا يمكن أن يأتي على حساب الشرعية الأيديولوجية. فإذا بدا أن القيادة تتخلى عن مبادئ الثورة تحت ضغط غربي، فإنها تقوّض السردية التي تبرر حكمها.
وهنا تكمن المفارقة:
يمكن للنظام أن يقدّم تنازلات تكتيكية — لكن ليس بطريقة تُفهم على أنها خيانة للثورة.
5. التصوّر الديني للمرشد الأعلى له أهميته
لا يرى خامنئي نفسه زعيمًا سياسيًا تقليديًا، بل حارسًا لثورة ذات طابع إلهي.
ويُصوَّر معارضة النظام داخليًا ليس فقط كخلاف سياسي، بل كمعارضة للنظام الإلهي. وهذا يفسّر استعداد النظام لاستخدام قوة مفرطة ضد الاحتجاجات الداخلية. والافتراض بأن الاضطرابات الداخلية ستُسقط النظام بسهولة يعكس سوء فهم لصلابة القيادة الأيديولوجية وقدرتها القمعية.
الدلالات الاستراتيجية للولايات المتحدة
خامنئي ليس انتحاريًا. لكنه أيضًا غير مرجّح أن يقدّم تنازلات تحت مطالب قصوى يراها مدمّرة للنظام.
من منظور طهران، لا تسعى واشنطن إلى تسوية وسط، بل إلى إضعاف هيكلي للجمهورية الإسلامية.
وهذا يخلق مسارين استراتيجيين رئيسيين أمام الولايات المتحدة:
الخيار الأول: اتفاق يركّز على الملف النووي
- القبول بتخصيب إيراني محدود.
- فرض سقوف صارمة، ومتطلبات تخفيف (تحويل أو تقليل المخزون)، وتعزيز أنظمة التفتيش.
- تقديم تخفيف اقتصادي حقيقي وملموس.
- إبقاء ملف الصواريخ والوضع الإقليمي خارج نطاق الاتفاق إلى حد كبير.
هذا النهج يقدّم أولوية لعدم الانتشار النووي على حساب تغيير النظام.
الخيار الثاني: ضغط تصعيدي أو مواجهة عسكرية
- السعي إلى تنازلات أوسع.
- المخاطرة بتصعيد إقليمي.
- افتراض أن عدم الاستقرار الداخلي قد يضعف النظام.
غير أن الرهان على احتجاجات جماهيرية لتغيير النظام جذريًا يظل أمرًا شديد عدم اليقين، ولا يشكّل أساسًا صلبًا لاستراتيجية طويلة المدى.
الخلاصة
من غير المرجح أن يتغير المرشد الأعلى. ففي منظوره، التنازلات الواسعة تعني استسلامًا أيديولوجيًا وانكشافًا مستقبليًا.
وإذا أُجبر على الاختيار بين:
- تراجع استراتيجي مفروض بإملاءات أمريكية،
أو
- مواجهة كبرى،
فقد يقبل بتحمّل مخاطر كبيرة على افتراض أن واشنطن تفضّل في النهاية صراعًا محدودًا وسريعًا — لا حربًا إقليمية طويلة.
وأي سياسة أمريكية تقوم على سوء فهم لهذه القيود قد تؤدي إما إلى تصعيد بلا أوراق ضغط، أو إلى تفاوض بلا واقعية.