منذ نهايات القرن الثامن عشر، دخلت الجزيرة العربية مرحلة اضطراب جديدة، هذه المرة بفعل التوسع النجدي القادم من الدرعية. فقد توسعت غارات عبدالعزيز بن محمد بن سعود وولاته لتشمل الأحساء وقطر ثم البحرين، ثم بدأ يُنظر إلى عُمان وساحلها المتصالح باعتبارهما الهدف التالي.
كان مفتاح التمدد شرقًا هو واحة البريمي، تلك الرقعة الخضراء الغنية بالماء والآبار والأفلاج، الواقعة على خط الاتصال بين نجد، والباطنة، والظاهرة، والساحل. لذلك كُلّف مطلق المطيري بغزو «عُمان الصير»؛ أي مناطق الساحل التي تسكنها قبائل بني ياس وغيرها، على أمل أن يستولي على قرية ذات موارد مائية يتّخذها قاعدة لغاراته.
في تلك اللحظة جرت أول مواجهة حقيقية بين القوى السعودية الصاعدة وبين أبوظبي وبني ياس. فشلت حملة مطلق في إخضاع الظفرة وموطن بني ياس، واصطدم الغزاة بالمجتمع القبلي الذي لم يكن مستعدًا للتنازل عن أرضه، ولا لدفع الزكاة لسلطة خارجية، ولا لاستقبال دعاة يأتون من نجد ليُعلّموه «دينًا جديدًا» على حد تعبير بعض المصادر.
لاحقًا، ومع تتابع الحملات بقيادة إبراهيم بن عفيصان وسالم بن بلال الحراق، سقطت البريمي تحت نفوذ الدولة السعودية الأولى، وتحالفت معها قبائل مثل النعيم وآل بوشامس وبني كتب، ودفعت الزكاة تحت الضغط والقوة. لكن الموقف لم يكن واحدًا عند الجميع؛ قبائل هناوية مثل بني ياس والمناصير والظواهر تمسكت بمذهبها المالكي أو الشافعي، ورفضت الانخراط في الحركة الوهابية، وبقيت على مسافة حربية ودينية من الدرعية.
ومع أن بعض الروايات المتأخرة حاولت أن تخلط بين الهناوي والغافري، وتدّعي أن بني ياس من القبائل الغافرية التي بايعت الدولة السعودية الأولى واعتنقت المذهب الوهابي، إلا أن السياق التاريخي، وروايات المؤرخين، وأحداث المعارك، كلها تسير في اتجاه معاكس تمامًا. فبني ياس لم يظهر لهم أي والٍ نجدي في الظفرة، ولم تُذكر لهم قلاع أو حاميات سعودية في أراضيهم، بل كانوا في قلب المقاومة التي واجهت الغزو في أكثر من محطة، من مطلق المطيري إلى ابن غردقة، ثم لاحقًا في معارك العانكة.
كان مفتاح التمدد شرقًا هو واحة البريمي، تلك الرقعة الخضراء الغنية بالماء والآبار والأفلاج، الواقعة على خط الاتصال بين نجد، والباطنة، والظاهرة، والساحل. لذلك كُلّف مطلق المطيري بغزو «عُمان الصير»؛ أي مناطق الساحل التي تسكنها قبائل بني ياس وغيرها، على أمل أن يستولي على قرية ذات موارد مائية يتّخذها قاعدة لغاراته.
في تلك اللحظة جرت أول مواجهة حقيقية بين القوى السعودية الصاعدة وبين أبوظبي وبني ياس. فشلت حملة مطلق في إخضاع الظفرة وموطن بني ياس، واصطدم الغزاة بالمجتمع القبلي الذي لم يكن مستعدًا للتنازل عن أرضه، ولا لدفع الزكاة لسلطة خارجية، ولا لاستقبال دعاة يأتون من نجد ليُعلّموه «دينًا جديدًا» على حد تعبير بعض المصادر.
لاحقًا، ومع تتابع الحملات بقيادة إبراهيم بن عفيصان وسالم بن بلال الحراق، سقطت البريمي تحت نفوذ الدولة السعودية الأولى، وتحالفت معها قبائل مثل النعيم وآل بوشامس وبني كتب، ودفعت الزكاة تحت الضغط والقوة. لكن الموقف لم يكن واحدًا عند الجميع؛ قبائل هناوية مثل بني ياس والمناصير والظواهر تمسكت بمذهبها المالكي أو الشافعي، ورفضت الانخراط في الحركة الوهابية، وبقيت على مسافة حربية ودينية من الدرعية.
ومع أن بعض الروايات المتأخرة حاولت أن تخلط بين الهناوي والغافري، وتدّعي أن بني ياس من القبائل الغافرية التي بايعت الدولة السعودية الأولى واعتنقت المذهب الوهابي، إلا أن السياق التاريخي، وروايات المؤرخين، وأحداث المعارك، كلها تسير في اتجاه معاكس تمامًا. فبني ياس لم يظهر لهم أي والٍ نجدي في الظفرة، ولم تُذكر لهم قلاع أو حاميات سعودية في أراضيهم، بل كانوا في قلب المقاومة التي واجهت الغزو في أكثر من محطة، من مطلق المطيري إلى ابن غردقة، ثم لاحقًا في معارك العانكة.
في عام 1811م، كانت البريمي تحت قبضة الحامية النجدية، بينما كانت ظلال الوهابيين تمتد على أجزاء واسعة من عُمان والساحل. في تلك الأثناء، تحرّك عبدالعزيز بن غردقة من الأحساء بقوة كبيرة باتجاه البريمي، أملاً في تعزيز السيطرة السعودية على الداخل العماني.
هنا، اجتمع الشيخ شخبوط بن ذياب، حاكم أبوظبي، بقائد جيش بني ياس الشيخ سعيد بن شرارة الفلاسي، وتوافقا على خطة لا تحتمل أنصاف الحلول: ضربة واحدة قاضية. اختار سعيد بن شرارة موقعًا يُسمى «بوذيب» قرب الختم، تحيط به الكثبان الرملية من كل جانب، ونصب كمينًا محكمًا ينتظر فيه الجيش النجدي.
ما إن دخلت قوات ابن غردقة إلى المنطقة واستقرت، حتى انقضّت عليهم سرايا بني ياس والمناصرين لهم من خلف الكثبان، فتحولت الرمال إلى مسرح لمعركة خاطفة وحاسمة. انتهت المواجهة بهزيمة نكراء للجيش النجدي، ومقتل عبدالعزيز بن غردقة وعدد كبير من رجاله، وسُجلت «وقعة بوذيب» في ذاكرة أبناء المنطقة باعتبارها واحدة من أبرز لحظات المقاومة المباشرة للنفوذ السعودي الأول.
لم تكن بوذيب مجرد انتصار ميداني؛ فقد تزامنت مع سلسلة من الانتكاسات الأخرى التي أصابت الدولة السعودية الأولى في الخليج، منها هزيمة قوات ابن عفيصان والرحمة في خكيكيرة أمام البحرين، وهجمات سلطان مسقط سعيد بن سلطان على الحاميات السعودية في قطر، ثم لاحقًا سقوط الدرعية نفسها على يد قوات محمد علي باشا عام 1818م. في خلفية هذه الأحداث، بقيت أبوظبي بعيدة عن السيطرة المباشرة، محافظة على ظفرة وبادية بني ياس خارج مدار النفوذ السعودي، رغم سقوط البريمي لفترة زمنية.
هنا، اجتمع الشيخ شخبوط بن ذياب، حاكم أبوظبي، بقائد جيش بني ياس الشيخ سعيد بن شرارة الفلاسي، وتوافقا على خطة لا تحتمل أنصاف الحلول: ضربة واحدة قاضية. اختار سعيد بن شرارة موقعًا يُسمى «بوذيب» قرب الختم، تحيط به الكثبان الرملية من كل جانب، ونصب كمينًا محكمًا ينتظر فيه الجيش النجدي.
ما إن دخلت قوات ابن غردقة إلى المنطقة واستقرت، حتى انقضّت عليهم سرايا بني ياس والمناصرين لهم من خلف الكثبان، فتحولت الرمال إلى مسرح لمعركة خاطفة وحاسمة. انتهت المواجهة بهزيمة نكراء للجيش النجدي، ومقتل عبدالعزيز بن غردقة وعدد كبير من رجاله، وسُجلت «وقعة بوذيب» في ذاكرة أبناء المنطقة باعتبارها واحدة من أبرز لحظات المقاومة المباشرة للنفوذ السعودي الأول.
لم تكن بوذيب مجرد انتصار ميداني؛ فقد تزامنت مع سلسلة من الانتكاسات الأخرى التي أصابت الدولة السعودية الأولى في الخليج، منها هزيمة قوات ابن عفيصان والرحمة في خكيكيرة أمام البحرين، وهجمات سلطان مسقط سعيد بن سلطان على الحاميات السعودية في قطر، ثم لاحقًا سقوط الدرعية نفسها على يد قوات محمد علي باشا عام 1818م. في خلفية هذه الأحداث، بقيت أبوظبي بعيدة عن السيطرة المباشرة، محافظة على ظفرة وبادية بني ياس خارج مدار النفوذ السعودي، رغم سقوط البريمي لفترة زمنية.
بعد أن هدأت عاصفة الدولة السعودية الأولى، ظهرت قوة أخرى على سواحل الخليج: الأسطول البريطاني. في 1820م، وبعد حملة بحرية قاسية على رؤوس القواسم وموانئ الساحل، فُرضت «وثيقة الهدنة البحرية» على مشايخ الساحل، ومن بينهم أبوظبي، لتبدأ مرحلة جديدة عُرف فيها الساحل باسم «الساحل المتصالح». وقع الشيخ شخبوط بن ذياب على الهدنة بنفسه، رغم أن الحكم كان في يد ابنه الشيخ طحنون بن شخبوط، ما يعكس استمرار نفوذه في الملفات الخارجية الحساسة.
في الجانب الآخر من نجد، لم ينتهِ الطموح السعودي بسقوط الدرعية؛ ففي عام 1824م أعاد تركي بن عبدالله بناء الدولة السعودية الثانية، ثم مدّ نفوذه إلى الأحساء حوالي 1830م بعد هزيمة آل عريعر. ومع صعوده، بدأت البريمي تعود مرة أخرى إلى صدارة المشهد الإقليمي.
في سنة 1833م، أرسل تركي قائده عمر بن محمد بن عفيصان إلى البريمي بقوة كبيرة، واستمال بعض القبائل، وبايعته فئات كانت ترى في نفوذه فرصة للتخلص من خصومها في الداخل العماني. غير أن الشيخ طحنون بن شخبوط في أبوظبي، المعروف بموقفه الصلب من التوسع السعودي، ظل يراقب المشهد بحذر، وبدأت مراسلات سعودية – بريطانية جديدة تُحاول إحياء صيغ من «الصداقة» المشتركة على حساب قبائل المنطقة.
ومع توالي الانقلابات في الدرعية (اغتيال تركي، ثم مشاري، ثم صعود فيصل بن تركي)، بقي الموقف الظبياني متّسقًا: مقاومة أي تمدد نجدي باتجاه البريمي أو الساحل، وعدم التنازل عن استقلال الإمارة السياسي والديني.
في الجانب الآخر من نجد، لم ينتهِ الطموح السعودي بسقوط الدرعية؛ ففي عام 1824م أعاد تركي بن عبدالله بناء الدولة السعودية الثانية، ثم مدّ نفوذه إلى الأحساء حوالي 1830م بعد هزيمة آل عريعر. ومع صعوده، بدأت البريمي تعود مرة أخرى إلى صدارة المشهد الإقليمي.
في سنة 1833م، أرسل تركي قائده عمر بن محمد بن عفيصان إلى البريمي بقوة كبيرة، واستمال بعض القبائل، وبايعته فئات كانت ترى في نفوذه فرصة للتخلص من خصومها في الداخل العماني. غير أن الشيخ طحنون بن شخبوط في أبوظبي، المعروف بموقفه الصلب من التوسع السعودي، ظل يراقب المشهد بحذر، وبدأت مراسلات سعودية – بريطانية جديدة تُحاول إحياء صيغ من «الصداقة» المشتركة على حساب قبائل المنطقة.
ومع توالي الانقلابات في الدرعية (اغتيال تركي، ثم مشاري، ثم صعود فيصل بن تركي)، بقي الموقف الظبياني متّسقًا: مقاومة أي تمدد نجدي باتجاه البريمي أو الساحل، وعدم التنازل عن استقلال الإمارة السياسي والديني.
حين انتهى حكم الشيخ خليفة بن شخبوط عام 1845م، واجهت أبوظبي فراغًا سياسيًا حرجًا. تذكر الرواية المحلية أن امرأة مسنة من أهل أبوظبي قصدت الشيخ محمد بن حمد المغيربي، شيخ المرر وأحد كبار وجهاء بني ياس، وطلبت منه أن يتولى ضمان الأمن مؤقتًا حتى لا تنزلق الإمارة إلى الفوضى.
انطلق المغيربي ومعه أعيان أبوظبي إلى ليوا، حيث كان يقيم الشيخ هلال بن شخبوط وأخوه محمد بن شخبوط بعيدًا عن مشقات الحكم. طلبوا منهما أن يتوليا السلطة، لكنهما اعتذرا لكبر سنهما، فاقترح الشيخ هلال أن ينتظروا قليلاً. بعد حين دخل عليهم شاب بدوي، عُرف بين الناس بقوته وبأسه، فقال الشيخ هلال: «هذا شيخكم الجديد… سعيد بن طحنون بن شخبوط». هكذا، وببساطة الصحارى وعمق حساباتها، تمّت بيعة شيخ سيترك بصمته العميقة في صراع البريمي.
منذ سنوات قليلة فقط، كانت الحامية السعودية قد رسّخت وجودها في قصر الصبارة بالبريمي، وأقامت فيها قوة يقودها سعد بن مطلق المطيري. في 1848م، قرر الشيخ سعيد بن طحنون، بالتنسيق مع الإمام حمود بن عزان في صحار، أن يكسر هذه الهيمنة من الداخل، فحاصر قصر الصبارة حتى استسلمت الحامية السعودية.
لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فقد أدرك ابن مطلق أن الدعم النجدي لن ينقطع عنه، وأن محاولات استعادة البريمي مسألة وقت، لهذا طلب من الدرعية المدد، وبالفعل سُيِّرت قوة جديدة باتجاه الواحة. هنا تكررت «حكمة بوذيب» لكن باسم جديد وميدان آخر؛ جمع الشيخ سعيد بن طحنون حلفاءه من بني ياس والمناصير، وتحالف مع قبائل النعيم وآل بوشامس والعوامر والغفلة وبني كتب، ثم اختار موقع «العانكة» جنوب غرب البريمي، حيث بئر ماء ستكون لعنة على من يطمع بها.
في أكتوبر 1848م، وصلت القوات السعودية إلى بئر العانكة عند الصباح، وما إن استقرت حتى انقضّت عليها القوات الظبيانية وحلفاؤها من خلف الرمال. تحولت «وقعة العانكة» إلى مذبحة عسكرية للغزاة؛ قُتل معظم المقاتلين، وانسحبت فلول قليلة عطشى عبر الصحراء، وتمكن سعد بن مطلق من النجاة بصعوبة إلى الشارقة.
إلا أن السياسة لا تمشي دائمًا على وقع السيوف وحدها؛ فقد تدخّل شريف مكة محمد بن عون ساعيًا إلى الصلح، فقبل الشيخ سعيد طلبه، وتقرّر أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، ويُسمح للحامية السعودية بالعودة إلى البريمي، على أن يتم وقف الحرب. لم يكن هذا القرار مُرضيًا لا لسعيد بن طحنون ولا لبعض قبائل النعيم التي ضاقت بجور الحامية، لكنه يعكس طبيعة التداخل بين الدين، والقبيلة، والإمبراطورية العثمانية، والحجاز، ونجد، وعُمان، وأبوظبي في تلك اللحظة المعقدة.
انطلق المغيربي ومعه أعيان أبوظبي إلى ليوا، حيث كان يقيم الشيخ هلال بن شخبوط وأخوه محمد بن شخبوط بعيدًا عن مشقات الحكم. طلبوا منهما أن يتوليا السلطة، لكنهما اعتذرا لكبر سنهما، فاقترح الشيخ هلال أن ينتظروا قليلاً. بعد حين دخل عليهم شاب بدوي، عُرف بين الناس بقوته وبأسه، فقال الشيخ هلال: «هذا شيخكم الجديد… سعيد بن طحنون بن شخبوط». هكذا، وببساطة الصحارى وعمق حساباتها، تمّت بيعة شيخ سيترك بصمته العميقة في صراع البريمي.
منذ سنوات قليلة فقط، كانت الحامية السعودية قد رسّخت وجودها في قصر الصبارة بالبريمي، وأقامت فيها قوة يقودها سعد بن مطلق المطيري. في 1848م، قرر الشيخ سعيد بن طحنون، بالتنسيق مع الإمام حمود بن عزان في صحار، أن يكسر هذه الهيمنة من الداخل، فحاصر قصر الصبارة حتى استسلمت الحامية السعودية.
لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فقد أدرك ابن مطلق أن الدعم النجدي لن ينقطع عنه، وأن محاولات استعادة البريمي مسألة وقت، لهذا طلب من الدرعية المدد، وبالفعل سُيِّرت قوة جديدة باتجاه الواحة. هنا تكررت «حكمة بوذيب» لكن باسم جديد وميدان آخر؛ جمع الشيخ سعيد بن طحنون حلفاءه من بني ياس والمناصير، وتحالف مع قبائل النعيم وآل بوشامس والعوامر والغفلة وبني كتب، ثم اختار موقع «العانكة» جنوب غرب البريمي، حيث بئر ماء ستكون لعنة على من يطمع بها.
في أكتوبر 1848م، وصلت القوات السعودية إلى بئر العانكة عند الصباح، وما إن استقرت حتى انقضّت عليها القوات الظبيانية وحلفاؤها من خلف الرمال. تحولت «وقعة العانكة» إلى مذبحة عسكرية للغزاة؛ قُتل معظم المقاتلين، وانسحبت فلول قليلة عطشى عبر الصحراء، وتمكن سعد بن مطلق من النجاة بصعوبة إلى الشارقة.
إلا أن السياسة لا تمشي دائمًا على وقع السيوف وحدها؛ فقد تدخّل شريف مكة محمد بن عون ساعيًا إلى الصلح، فقبل الشيخ سعيد طلبه، وتقرّر أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، ويُسمح للحامية السعودية بالعودة إلى البريمي، على أن يتم وقف الحرب. لم يكن هذا القرار مُرضيًا لا لسعيد بن طحنون ولا لبعض قبائل النعيم التي ضاقت بجور الحامية، لكنه يعكس طبيعة التداخل بين الدين، والقبيلة، والإمبراطورية العثمانية، والحجاز، ونجد، وعُمان، وأبوظبي في تلك اللحظة المعقدة.
في عام 1855م، وبعد سنوات من الاضطراب في الحكم والقبائل، اجتمع أعيان أبوظبي وقرروا استدعاء شاب تربّى بعيدًا عن الإمارة ليكون حاكمًا جديدًا. كان هذا الشاب هو زايد بن خليفة بن شخبوط، المعروف لاحقًا بزايد الأول أو زايد الكبير، الذي عاش فترة من حياته في الخان بالشارقة وبين أخواله من قبيلة السودان، ومرّ بدبي عند آل مكتوم، قبل أن يُعاد إلى أبوظبي وهو في نحو الثامنة عشرة من عمره.
مع توليه الحكم، بدأت الإمارة تدخل مرحلة جديدة تُوصف عادة بالعصر الذهبي لأبوظبي. جمع زايد بني ياس وحلفاءهم من المناصير والعوامر تحت رايته، وبسط نفوذه على مناطق واسعة، وأنهى محاولات الانفصال في العين والبريمي بالصلح لا بالاستئصال، مكرّسًا نموذجًا مختلفًا في إدارة التوازنات القبَلية.
في البريمي، اقتسمت القوى الفضاء السياسي: واحة العين بقرى الجيمي والقطارة والمويجعي وغيرها تحت سلطة أبوظبي، بينما بقيت قرى مثل أصعرى وحماسة تحت تأثير النعيم، مع وجود حاميات سعودية بقيادة تركي بن أحمد السديري في بعض الفترات. ومع ذلك، ظل زايد حاضرًا بقوة في البريمي، وفي عمان الداخلية، إلى درجة أن كوكس وصفه أثناء زيارته لأبوظبي عام 1902م بأنه «الشيخ العجوز الضخم الذي تجاوز الثمانين، ويتمتع بنفوذ يمتد إلى داخل عمان».
انخرط زايد الأول في صراعات الهناوية والغافرية في عمان، فانضم بحكم هناويته إلى حلفائه من الهناويين، وشارك في عدد من الحملات حتى استقر الحال في «عود التوبة» عام 1891م. هناك، تحت شجرة واحدة قريبة من العين، اجتمعت قبائل النعيم وآل بوشامس والظواهر وبني كتب والنيادات وبني كعب والغفلة وغيرها، وبايعت الشيخ زايد على صلح يُنهي عقودًا من الثأر والاقتتال.
خلّد الشاعر راشد بن حميد النيادي هذه اللحظة بقوله عن زايد و«عود التوبة»، وسمّى من يقصده بـ«حاكم يُؤدّى له على مطلوبه»؛ أي أن من يطلب الغفران أو حل النزاعات، يكفيه أن يصل إلى زايد وذاك الموضع الذي صار رمزًا للتوبة الجماعية عن الفتنة.
في الاتجاه الآخر، كانت قطر قد دخلت في تحالف مع العثمانيين، وظهر الشيخ جاسم بن ثاني لاعبًا جديدًا في معادلة الخليج. نشأت قضية خور العديد والسلع، وتصاعد الخلاف بينه وبين زايد بن خليفة، وتبادل الطرفان الحملات العسكرية من 1888 حتى 1891م، قبل أن ينتهي النزاع بالصلح مع بقاء العديد والسلع تحت سلطة زايد. ومع طرد العثمانيين من قطر في وقعة الوجبة عام 1893م، تراجع الخطر العثماني عن أبوظبي وقطر معًا.
حتى وفاته عام 1909م، ظل زايد بن خليفة يُعامل من خصومه قبل حلفائه بوصفه «إمامًا» للهناويين وقائدًا لقبائل واسعة تمتد من البريمي إلى عمق عُمان. وقد خاطبه بعض العلماء في رسائلهم بألقاب تُشبه ألقاب الخلفاء، مثل «أمير المؤمنين» و«يعسوب المسلمين»، في إشارة إلى ما بلغه من مكانة بين قبائل المنطقة>
مع توليه الحكم، بدأت الإمارة تدخل مرحلة جديدة تُوصف عادة بالعصر الذهبي لأبوظبي. جمع زايد بني ياس وحلفاءهم من المناصير والعوامر تحت رايته، وبسط نفوذه على مناطق واسعة، وأنهى محاولات الانفصال في العين والبريمي بالصلح لا بالاستئصال، مكرّسًا نموذجًا مختلفًا في إدارة التوازنات القبَلية.
في البريمي، اقتسمت القوى الفضاء السياسي: واحة العين بقرى الجيمي والقطارة والمويجعي وغيرها تحت سلطة أبوظبي، بينما بقيت قرى مثل أصعرى وحماسة تحت تأثير النعيم، مع وجود حاميات سعودية بقيادة تركي بن أحمد السديري في بعض الفترات. ومع ذلك، ظل زايد حاضرًا بقوة في البريمي، وفي عمان الداخلية، إلى درجة أن كوكس وصفه أثناء زيارته لأبوظبي عام 1902م بأنه «الشيخ العجوز الضخم الذي تجاوز الثمانين، ويتمتع بنفوذ يمتد إلى داخل عمان».
انخرط زايد الأول في صراعات الهناوية والغافرية في عمان، فانضم بحكم هناويته إلى حلفائه من الهناويين، وشارك في عدد من الحملات حتى استقر الحال في «عود التوبة» عام 1891م. هناك، تحت شجرة واحدة قريبة من العين، اجتمعت قبائل النعيم وآل بوشامس والظواهر وبني كتب والنيادات وبني كعب والغفلة وغيرها، وبايعت الشيخ زايد على صلح يُنهي عقودًا من الثأر والاقتتال.
خلّد الشاعر راشد بن حميد النيادي هذه اللحظة بقوله عن زايد و«عود التوبة»، وسمّى من يقصده بـ«حاكم يُؤدّى له على مطلوبه»؛ أي أن من يطلب الغفران أو حل النزاعات، يكفيه أن يصل إلى زايد وذاك الموضع الذي صار رمزًا للتوبة الجماعية عن الفتنة.
في الاتجاه الآخر، كانت قطر قد دخلت في تحالف مع العثمانيين، وظهر الشيخ جاسم بن ثاني لاعبًا جديدًا في معادلة الخليج. نشأت قضية خور العديد والسلع، وتصاعد الخلاف بينه وبين زايد بن خليفة، وتبادل الطرفان الحملات العسكرية من 1888 حتى 1891م، قبل أن ينتهي النزاع بالصلح مع بقاء العديد والسلع تحت سلطة زايد. ومع طرد العثمانيين من قطر في وقعة الوجبة عام 1893م، تراجع الخطر العثماني عن أبوظبي وقطر معًا.
حتى وفاته عام 1909م، ظل زايد بن خليفة يُعامل من خصومه قبل حلفائه بوصفه «إمامًا» للهناويين وقائدًا لقبائل واسعة تمتد من البريمي إلى عمق عُمان. وقد خاطبه بعض العلماء في رسائلهم بألقاب تُشبه ألقاب الخلفاء، مثل «أمير المؤمنين» و«يعسوب المسلمين»، في إشارة إلى ما بلغه من مكانة بين قبائل المنطقة>
بعد وفاة زايد الأول، تعاقبت على الحكم أسماء عدّة: طحنون بن زايد، ثم حمدان بن زايد الأول، وسلطان بن زايد، وصقر بن زايد، إلى أن استقرت الإمارة في يد الشيخ شخبوط بن سلطان بن زايد عام 1928م. في تلك الفترة توارى الحديث عن علاقة أبوظبي بالسعودية قليلًا؛ إذ كانت الدولة السعودية نفسها مشغولة بحروب الحجاز واستكمال بناء سلطتها الجديدة.
مع حمدان بن زايد الأول تحديدًا، ظهرت أولى الاتصالات غير المباشرة مع آل سعود في ثوب مختلف. فقد أعاد عبدالعزيز بن سعود بناء حكمه في نجد ثم تمدد إلى الأحساء، ما أعاد فتح ملف البريمي والظفرة. في المقابل، أدرك حمدان أن الدفاع عن استقلاله لا يكون بالسكون فقط، فدخل في تجارة السلاح بحجة تأمين نفسه من ابن سعود بعد غزوه الأحساء، بحسب ما ورد في تقارير الاستخبارات البريطانية.
تزامن ذلك مع لجوء بعض فروع آل سعود المعارضين لعبدالعزيز، المعروفين بـ«العرايف»، إلى أبوظبي، ومعهم حلفاؤهم من العجمان وآل مرة. استقبلهم الشيخ حمدان وأحسن ضيافتهم، وكتب رسائل إلى شيوخ آل مرة في الأحساء طالبًا مساعدتهم، ومؤكدًا أنه مستعد لتأمين طريقهم عبر الظفرة. هذا الموقف أزعج بريطانيا التي كانت تدعم عبدالعزيز، كما أزعج ابن سعود نفسه، الذي اشتكى في رسائله من أن «ولد زايد» وأهل عمان يساعدون أعداءه.
لكن ذروة التوتر لم تكن في تلك المرحلة، بل في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان. فقد تزامن استلامه الحكم مع بداية حقبة النفط، وانهيار تجارة اللؤلؤ بسبب اللؤلؤ الصناعي الياباني، وتزايد الضغوط البريطانية، وتحوّل الخليج إلى مجال حيوي للشركات البترولية الغربية.
في 1949م توغلت فرق جيولوجية تابعة لشركة الزيت العربية الأمريكية «أرامكو» من جهة السعودية إلى مناطق تقع ضمن حدود أبوظبي، حتى وصلت إلى جبل الظنة والمغيرة، في رحلة استكشافية لم تكن بريئة من الطموحات الحدودية. كتب الشيخ شخبوط رسالة احتج فيها بشدة على دخول هؤلاء «خلسة حدودنا»، ووصف ذلك بأنه «استخفاف بحقنا في بلادنا».
في الوقت ذاته، كثرت غارات ما وصفته الوثائق بـ«قطاع الطرق» القادمين من جهة الأحساء والتابعين لابن جلوي، الذين كانوا يحاولون فرض الزكاة على بدو الظفرة، ويمارسون القتل والسلب بحق من يرفض. لجأ الناس إلى إخفاء جمالهم، والتظاهر بأنهم من أهل الغوص، حتى لا يُجبروا على الدفع أو يتعرضوا للأذى، لكن الأمر تجاوز الحدود حين قُتل بعض رجالهم، فاشتكى الشاعر أحمد بن بليد المرر للشيخ شخبوط بالأبيات، فقام الأخير بوضع نقاط حراسة على حدود الظفرة الغربية لرد هؤلاء.
لم تكن هذه مجرد مناوشات حدودية؛ فقد كانت جزءًا من تمهيد سعودي لترسيخ مطالبة سياسية بأجزاء واسعة من الظفرة، بحجة أن قبائل المناصير وآل مرة وبني هاجر من رعايا السعودية، وأن وجودهم في تلك المناطق يشرعن المطالبة بها. لكن الروايات والوثائق التي جرى تقديمها في مداولات التحكيم أثبتت أن ولاء بني ياس والمناصير وغيرهم كان لأبوظبي، وأن الظفرة وليوا ومحيطهما ظلّت مرتبطة بآل نهيان منذ القرن الثامن عشر.
حين سُئل الشيخ شخبوط عن حدوده في إحدى المفاوضات، أجاب بجملة تختصر فلسفته السياسية كلها: «حدودي من مسقط راسي في بوظبي، إلى تحت كرسيك». رفض الدخول في لعبة الخرائط المرسومة من الخارج، وترك مهمة التفصيل للوفد البريطاني الذي قدّم أدلّة مكتوبة على حقوق أبوظبي التاريخية، من رسائل ومسوحات وسجلات تعداد.
مع حمدان بن زايد الأول تحديدًا، ظهرت أولى الاتصالات غير المباشرة مع آل سعود في ثوب مختلف. فقد أعاد عبدالعزيز بن سعود بناء حكمه في نجد ثم تمدد إلى الأحساء، ما أعاد فتح ملف البريمي والظفرة. في المقابل، أدرك حمدان أن الدفاع عن استقلاله لا يكون بالسكون فقط، فدخل في تجارة السلاح بحجة تأمين نفسه من ابن سعود بعد غزوه الأحساء، بحسب ما ورد في تقارير الاستخبارات البريطانية.
تزامن ذلك مع لجوء بعض فروع آل سعود المعارضين لعبدالعزيز، المعروفين بـ«العرايف»، إلى أبوظبي، ومعهم حلفاؤهم من العجمان وآل مرة. استقبلهم الشيخ حمدان وأحسن ضيافتهم، وكتب رسائل إلى شيوخ آل مرة في الأحساء طالبًا مساعدتهم، ومؤكدًا أنه مستعد لتأمين طريقهم عبر الظفرة. هذا الموقف أزعج بريطانيا التي كانت تدعم عبدالعزيز، كما أزعج ابن سعود نفسه، الذي اشتكى في رسائله من أن «ولد زايد» وأهل عمان يساعدون أعداءه.
لكن ذروة التوتر لم تكن في تلك المرحلة، بل في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان. فقد تزامن استلامه الحكم مع بداية حقبة النفط، وانهيار تجارة اللؤلؤ بسبب اللؤلؤ الصناعي الياباني، وتزايد الضغوط البريطانية، وتحوّل الخليج إلى مجال حيوي للشركات البترولية الغربية.
في 1949م توغلت فرق جيولوجية تابعة لشركة الزيت العربية الأمريكية «أرامكو» من جهة السعودية إلى مناطق تقع ضمن حدود أبوظبي، حتى وصلت إلى جبل الظنة والمغيرة، في رحلة استكشافية لم تكن بريئة من الطموحات الحدودية. كتب الشيخ شخبوط رسالة احتج فيها بشدة على دخول هؤلاء «خلسة حدودنا»، ووصف ذلك بأنه «استخفاف بحقنا في بلادنا».
في الوقت ذاته، كثرت غارات ما وصفته الوثائق بـ«قطاع الطرق» القادمين من جهة الأحساء والتابعين لابن جلوي، الذين كانوا يحاولون فرض الزكاة على بدو الظفرة، ويمارسون القتل والسلب بحق من يرفض. لجأ الناس إلى إخفاء جمالهم، والتظاهر بأنهم من أهل الغوص، حتى لا يُجبروا على الدفع أو يتعرضوا للأذى، لكن الأمر تجاوز الحدود حين قُتل بعض رجالهم، فاشتكى الشاعر أحمد بن بليد المرر للشيخ شخبوط بالأبيات، فقام الأخير بوضع نقاط حراسة على حدود الظفرة الغربية لرد هؤلاء.
لم تكن هذه مجرد مناوشات حدودية؛ فقد كانت جزءًا من تمهيد سعودي لترسيخ مطالبة سياسية بأجزاء واسعة من الظفرة، بحجة أن قبائل المناصير وآل مرة وبني هاجر من رعايا السعودية، وأن وجودهم في تلك المناطق يشرعن المطالبة بها. لكن الروايات والوثائق التي جرى تقديمها في مداولات التحكيم أثبتت أن ولاء بني ياس والمناصير وغيرهم كان لأبوظبي، وأن الظفرة وليوا ومحيطهما ظلّت مرتبطة بآل نهيان منذ القرن الثامن عشر.
حين سُئل الشيخ شخبوط عن حدوده في إحدى المفاوضات، أجاب بجملة تختصر فلسفته السياسية كلها: «حدودي من مسقط راسي في بوظبي، إلى تحت كرسيك». رفض الدخول في لعبة الخرائط المرسومة من الخارج، وترك مهمة التفصيل للوفد البريطاني الذي قدّم أدلّة مكتوبة على حقوق أبوظبي التاريخية، من رسائل ومسوحات وسجلات تعداد.
عندما نقرأ هذه السيرة متصلة من بئر «مليح» إلى حرب البريمي، ندرك أن إمارة أبوظبي لم تكن في أي مرحلة أرضًا تابعة أو ملحقة بمشروع خارجي، بل كانت دائمًا فضاء مقاومة وحدودًا صلبة أمام تمدد القوى المحيطة، سواء حملت راية دين أو راية إمبراطورية.
لم تخضع الظفرة وليوا لبندقية نجد، ولم تُغيّر بني ياس مذهبها المالكي أو الشافعي تحت ضغط دعوات الوهابية، ولم تُسجّل المصادر التاريخية أن واليًا نجديًا حكم أبوظبي أو أن قلاعًا سعودية رُفعت في قلب أراضيها. وفي كل مرة حاول الغزاة أن يجعلوا من البريمي بوابة للهيمنة، خرجت من الرمال وقائع تحمل أسماء مثل بوذيب والعانكة والبريمي، تذكّر بأن هذه الأرض عصيّة على الانكسار.
هذه الحكاية ليست مادة للفتنة ولا ذريعة لإحياء صراعات المذاهب والأحلاف؛ إنها شهادة على زمن مضى، وعلى رجال دفعوا ثمن تمسّكهم بأرضهم وعقيدتهم. لكل عهد دولته ورجاله، ولكل زمن أولوياته وتحالفاته؛ أما التاريخ، فلا ينبغي أن يُستدعى لتمزيق الحاضر، بل لتفنيد التزوير، وحماية الذاكرة، وفهم كيف وصلت المنطقة إلى ما هي عليه اليوم.
لم تخضع الظفرة وليوا لبندقية نجد، ولم تُغيّر بني ياس مذهبها المالكي أو الشافعي تحت ضغط دعوات الوهابية، ولم تُسجّل المصادر التاريخية أن واليًا نجديًا حكم أبوظبي أو أن قلاعًا سعودية رُفعت في قلب أراضيها. وفي كل مرة حاول الغزاة أن يجعلوا من البريمي بوابة للهيمنة، خرجت من الرمال وقائع تحمل أسماء مثل بوذيب والعانكة والبريمي، تذكّر بأن هذه الأرض عصيّة على الانكسار.
هذه الحكاية ليست مادة للفتنة ولا ذريعة لإحياء صراعات المذاهب والأحلاف؛ إنها شهادة على زمن مضى، وعلى رجال دفعوا ثمن تمسّكهم بأرضهم وعقيدتهم. لكل عهد دولته ورجاله، ولكل زمن أولوياته وتحالفاته؛ أما التاريخ، فلا ينبغي أن يُستدعى لتمزيق الحاضر، بل لتفنيد التزوير، وحماية الذاكرة، وفهم كيف وصلت المنطقة إلى ما هي عليه اليوم.


