فمن قائل: إن المظاهرات من أسباب الفتنة، ومن قائل: إن المظاهرات لم تُعْرَف في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عهد الخلفاء الراشدين، ومن قائل: إنها ليست من أعمال المسلمين ولا يقرها الإسلام، ومن قائل: إنها فوضوية ويقوم بها أناس لديهم فساد تصور وقلة إدراك للمصالح من المفاسد، ويُحَرِّمُها ويُحَرِّمُ المشاركة فيها، وما إلى ذلك من حجج يقف أمامها أبسط مثقف حائراً متسائلاً في أي عصر يعيش هؤلاء المفتون؟! وما هو سند فتاواهم؟! وليس من إجابة لفتاواهم إلاَّ القول بأنَّ هؤلاء يعيشون حياة الترف والراحة والمكرمات السخية والمناصب الجلية وليس لهم شغل بمعاناة الآخرين ومآسي العالمين.
وإليكم التأصيل الشرعي لجواز ووجوب المظاهرات وشروطها الشرعية:
أولاً:- إن المظاهرات كانت على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعهد الخلفاء الراشدين وسلف الأمة لصد العدوان وتحقيق الإيمان والإنكار على الظلم والكفر والطغيان، فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد أن أسلم والمسلمون يخفون إسلامهم في دار الأرقم خوفاً من بطش الزمرة الظالمة التي تستولي على مكة، قال: يا رسول الله أَلسنا على حق إن متنا وإن حيينا ؟ قال: {بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم}، قال عمر: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجنَّ، فخرج المسلمون في صفين: صف يتقدمه عمر، وصف يتقدمه الحمزة عم النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى دخلوا المسجد الحرام فنظرت إليهم قريش فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلُها، فسماه رسول الله -صلى عليه وسلم- بالفاروق لأنَّ الله فَرَّقَ به بين الحق والباطل، رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- .
وإن طاب لبعض الناس تضعيف الحديث فإنه يؤخذ به في فضائل الأعمال لأن صدَّ الظلم والجهرَ بالحق من أفضل الأعمال كما قرر ذلك الثَّبْتُ من العلماء، وقد خرج شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ والعزُّ بن عبد السلام وغيرُهما لمقارعة الظلم والظالمين وذلك ثابت ومشهور لا يخفى على أحد.
وما اعتراضُ امرأةٍ أمام الجمهور على عمر بن الخطاب حين أراد تحديد مهور النساء إلاَّ تظاهرة نسوية تُطَالِب بحقها المشروع، وما تقدُّمُ المسلمين بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر إلى قافلة قريش التجاريةِ إلاَّ تظاهرةٌ لاسترداد الحق الشرعي المسلوب، والأمثلة على تظاهرات تلك العصور كثيرة، فوا عجبي لمن يقول إنها لم تكن معهودة في تلك العهود!
ثانياً:- من المُقَرَّر في القواعد الفقهية أن الأصل في الأشياء الإباحة مالم يرد نص في تحريمها، فالمظاهرات في أصلها مباحة لم يرد نص على تحريمها، ثم انتقلت من الإباحة إلى الوجوب على قاعدة [مالا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب] وقاعدةِ [للوسائلِ أحكامُ المقاصد]، فصدُّ العدوان وإيقافُ الظلم عند حده واستردادُ الحقوق إلى أهلها ومنعُ الفساد من الواجبات -ولا تتم إلاَّ بوسائل عديدة منها المظاهرات الحضارية السلمية- لذا فإن المظاهرات بهذا تكون واجبةً يأثمُ القادرُ عليها إن تركها أو تَخَلَّفَ عنها، فإنه ليس للوسائل حدود في الوصول إلى المقاصد المشروعة.
ثالثاً:- إنَّ المظاهرات تُحَقِّقُ معروفاً وتُنْكِرُ مُنْكَراً وتُذَكِّرُ بالحقوق والواجبات وتؤآزر الأخوةَ في بلدان أخرى لتقوِّيَ عزائمهم، لذا فإنها من الواجبات؛ لأنها تُرسل رسالةً إلى الأعداء بمدى حرص المتظاهرين على حقوقهم ومدى تماسكهم ووحدتهم.
رابعاً:- إنَّ وسائل تغيير المنكر كثيرة، وقد نص الحديث النبوي على ثلاث منها في قوله عليه الصلاة والسلام: ((من رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))، فالمظاهرات تغييرٌ للمنكرِ باللسان حتى لا يلجأ الفردُ الى أضعف الإيمان وهو الإنكارُ بالقلب فقط.
خامساً:- إنَّ القول بجواز المظاهرات ووجوبها ينبغي أن يكون محكوماً بضوابط لا يجوز تجاوزها، فلا يجوز الاعتداء على الأموال العامة والخاصة، ولا يجوز إزهاق الأرواح وأذى الآخرين، ولا يجوز الكلام الفاحش البذئ، ولا يجوز الظلم والفساد، ولا استخدام العنف والتجريح، ولا الإطاحة بالمؤسسات الخدمية والعلمية والتراثية، ولا تهديم العمران وتخريب الطرقات.
فالمظاهرات بهذا الثوب الحضاري تكون شرعيةً ينال فاعلها عند الله تعالى ثواباً، فإن عاش عاش بكرامة النصر وعزّ المؤمنين، وإن مات فهو شهيد الدفاع عن الدين والمال والعرض والنفس والعقل كما أخبر المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
أما القول بأن التظاهر فيه تقليد للكفار: فهي حجة مردودة، فليس كلُّ ما يفعله الكفار ممنوعاً على المسلمين، وإلا لَحَرُمَ ركوب السيارات والطائرات عند السفر للحج، ولَحَرُمَ التحدث في التلفاز والإذاعة، ولَحَرُمَ مكيف الهواء وثلاجة التبريد وأفران الكهرباء، والحق: أنَّ كلَّ ما يُحَقِّقُ خيراً ويدفع شراً لا مانع منه شرعاً.
وأما القول بأن المظاهرات خروج على الإمام وواجبُ الفرد أن يتحمل المكروه من إمامه: فهذا صحيح في القضايا الفردية المحدودة، أما إذا عمّ الطغيان والفساد وأُهينت الأمة وتواطأ الحكام مع الأعداء ضدَّ الأمة وتآمر على البلد وحضارته وثرواته، فإنَّ عزله والخروج عليه واجب؛ لأنَّ مصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الفرد الحاكم.