تشكل الوثائق التشريعية الأمريكية المرفقة أساساً مرجعياً لـ "خارطة طريق التعاون الدفاعي (2026-2036)"، والتي تعكس تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية المشتركة؛ من مجرد صفقات تسليح تقليدية إلى "توطين تكنولوجي وشراكة جيواستراتيجية متقدمة". تكشف البنود الدقيقة لهذه الخارطة عن هندسة مدروسة لصعود المغرب كقوة عسكرية وصناعية مهيمنة إقليمياً، وتتجلى أبرز ركائز هذا التحول الوثائقي في:
أولاً: ريادة تكنولوجيا الأنظمة المستقلة: ينص الاتفاق صراحة على تأسيس "مركز امتياز للطائرات المسيرة" (Drone Center of Excellence)، وهو ما لا يقتصر على الاستخدام العملياتي، بل يمثل نواة صلبة لنقل التكنولوجيا المتقدمة وتوطين صناعة الابتكار الدفاعي لتكون نموذجاً للشراكات المدفوعة بالتكنولوجيا.
ثانياً: البنية التحتية للصناعات الجوفضائية: يكشف البند المتعلق بالتأهيل المشترك للمدارج الاستراتيجية وتأسيس "مجمع شامل الميادين" (All-domain range complex) عن تهيئة بنية تحتية سيادية قادرة على استيعاب، وصيانة، وتطوير مقاتلات الجيل المتقدم. هذا التأهيل اللوجستي هو الأرضية الخصبة التي مهدت لإدراج المغرب ضمن سلاسل التوريد العالمية لتصنيع وتجميع الأجزاء الحساسة لمقاتلات "إف-16 بلوك 72" (F-16 Block 72)، مما ينقل المملكة من مستهلك للعتاد إلى شريك موثوق في الهندسة العسكرية الأمريكية.
ثالثاً: التكيف مع حروب الجيل الخامس: تلزم الوثيقة بتحديث القوات المغربية لمواجهة التهديدات السيبرانية، والحروب الهجينة، مع دمج الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحرب المستقلة (Autonomous warfighting). هذا المستوى من التعاون يتطلب بنية صناعية محلية متطورة لتأمين "سلاسل التنقل واللوجستيات".
تؤسس هذه الوثائق لواقع جيواستراتيجي مرعب للمتربصين؛ فالمغرب يبني بصمت بنية تحتية سيادية ستمكنه من استيعاب مخزونات "الإف-16" الأمريكية وتحديثها محلياً لأقوى نسخ "البلوك"، متوجاً مسار توطين وإنتاج أجزائها ضمن سلاسل التوريد العالمية. هذا الانتقال البراغماتي لبناء أقوى أسطول جوي في إفريقيا، يوجه إنذاراً مشفراً للخصوم: سماء المملكة باتت مصنعاً للردع، وتخبئ لكم مفاجأة عسكرية كبرى ستعصف بأي موازين قوى إقليمية سابقة.
