الدعم الإداري

نحو شراكة عسكرية متقدمة : المغرب والولايات المتحدة يرسمان خريطة دفاعية جديدة 2026–2036

amigos

عضو مميز
إنضم
16 فبراير 2025
المشاركات
4,927
التفاعل
6,471 167 5
الدولة
Tunisia
تكشف وثيقة أمريكية تتحدث عن إعادة تشكيل الإطار الدفاعي بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، خلال الفترة 2026–2036، أن الأمر لا يتعلق فقط بتحديث اتفاق عسكري ثنائي، بل بتحول عميق في طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، انتقال من التعاون التقليدي إلى هندسة أمنية مشتركة أكثر تعقيدا وامتدادا زمنيا، تقوم على فكرة “التكامل العملياتي” بدل الاكتفاء بالتنسيق أو الدعم اللوجستي.
هذا التحول يعكس إدراكا أمريكيا متزايدا بأن المغرب لم يعد مجرد شريك إقليمي في مكافحة الإرهاب أو التدريب العسكري، بل أصبح فاعلا محوريا داخل معادلة أمنية أوسع تمتد من شمال إفريقيا إلى منطقة الساحل، ومن البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي. فالموقع الجغرافي للمغرب، المتحكم عمليا في أحد أهم الممرات البحرية العالمية عبر مضيق جبل طارق، يمنحه قيمة استراتيجية مضاعفة في حسابات الأمن البحري والطاقة والتجارة الدولية.
في هذا السياق، تأتي فكرة “المواقع الأمنية التعاونية” كصيغة وسط بي
ن القواعد العسكرية التقليدية والانتشار الدائم، إذ تسمح بوجود بنى لوجستية خفيفة قابلة للتوسع السريع عند الحاجة، دون تكلفة سياسية أو عسكرية كبيرة. هذا النموذج يعكس تحولا في العقيدة العسكرية الأمريكية نفسها نحو المرونة والانتشار الشبكي بدل التمركز الثقيل، ويجعل من المغرب فضاء عملياتيا متقدما يمكن تعبئته بسرعة في حالات الأزمات الإقليمية أو التهديدات العابرة للحدود.
ومن أبرز ما تكشفه هذه الخريطة الدفاعية الجديدة إنشاء مركز متقدم للطائرات المسيرة، وهو مشروع يتجاوز البعد التقني ليصل إلى مستوى إعادة تشكيل مفهوم الحرب الحديثة. فالمركز لا يقتصر على التدريب أو التشغيل، بل يمتد إلى تطوير التكتيكات المرتبطة بالحرب متعددة المجالات، حيث تتداخل العمليات البرية والجوية والبحرية والسيبرانية وحتى الفضائية في منظومة واحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة. وبهذا المعنى يتحول المغرب إلى منصة اختبار لتقنيات الحرب المستقبلية، بما في ذلك أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، التي أصبحت عنصرا حاسما في النزاعات المعاصرة، خاصة في مناطق الهشاشة الأمنية مثل منطقة الساحل.
وفي العمق التقني لهذه الشراكة، تبرز منظومة Link-16 باعتبارها أحد أهم عناصر الربط العملياتي بين الجيشين، إذ تتيح تبادل البيانات الاستخباراتية والعملياتية في الزمن الحقيقي، ما يرفع مستوى التنسيق إلى درجة غير مسبوقة من التكامل. هذا النوع من الشبكات القتالية لا يعزز فقط الفعالية الميدانية، بل يخلق أيضا حالة من الترابط البنيوي بين المنظومات العسكرية، تجعل الفاصل بين الجيوش المتعاونة أكثر ضبابية في بعض السيناريوهات العملياتية.
إلى جانب ذلك، يتوقع أن يشهد التعاون الصناعي العسكري تطورا في اتجاه إنتاج مشترك مرتبط خصوصا بسلاسل التوريد الخاصة بطائرات F-16، بما يعزز قدرات المغرب في الصيانة والتحديث وربما في بعض مراحل التصنيع الجزئي. هذا النوع من التعاون لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى الاقتصاد التكنولوجي، حيث تصبح الصناعة الدفاعية رافعة للتنمية التقنية وبناء الكفاءات المحلية في مجالات متقدمة مثل الإلكترونيات والدفاع السيبراني.
في الوقت نفسه، يمثل البعد السيبراني أحد أهم محاور هذه الخريطة الدفاعية، خصوصا في ظل تزايد التهديدات التي تستهدف البنى التحتية الحيوية، مثل الموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات. وينظر إلى حماية منشآت استراتيجية مثل ميناء طنجة المتوسط كجزء من الأمن القومي الموسع، الذي لم يعد يقتصر على المجال العسكري التقليدي، بل يشمل الاقتصاد الرقمي وسلاسل الإمداد العالمية.
أما على مستوى الجغرافيا السياسية، فإن هذا التقارب يعيد تموضع المغرب داخل شبكة النفوذ الأمريكي في إفريقيا والمتوسط، ويمنحه دورا متقدما في مراقبة وتحليل التوازنات الأمنية في منطقة الساحل، حيث تتقاطع التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. وفي المقابل، يثير هذا التموقع تساؤلات إقليمية، خصوصا لدى الجزائر، التي تنظر بحذر إلى أي تعاظم للدور العسكري المغربي المدعوم أمريكيا، في سياق تاريخي يتسم بالتنافس الجيوسياسي بين البلدين.
كما أن هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق الأوروبي، خاصة لدى إسبانيا، التي ترتبط مصالحها الأمنية بشكل مباشر بمضيق جبل طارق، ما يجعل أي تغيير في التوازن العسكري في المنطقة موضوع متابعة دقيقة. وفي الخلفية الأوسع، يتقاطع هذا التحول مع التنافس الدولي بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من الصين وروسيا من جهة أخرى، في إطار إعادة تشكيل النفوذ العالمي في إفريقيا، حيث لم يعد الصراع قائما فقط على الموارد، بل أيضا على البنية الأمنية والتكنولوجية.
ومع ذلك، فإن هذا المستوى من التكامل يطرح إشكالات تتعلق بمفهوم السيادة الاستراتيجية، إذ إن تعمق الاعتماد على الأنظمة الأمريكية في مجالات القيادة والسيطرة والاتصال قد يؤدي إلى نوع من الاندماج غير المتكافئ في بعض الجوانب. فبينما يعزز هذا التعاون القدرات العملياتية للمغرب ويمنحه موقعا إقليميا متقدما، فإنه في الوقت نفسه يفتح نقاشا حول حدود الاستقلالية في القرار العسكري والتكنولوجي.
في النهاية، تبدو هذه الخريطة الدفاعية الممتدة إلى عام 2036 بمثابة محاولة لإعادة تعريف طبيعة الشراكات العسكرية في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الجيوش أو القواعد، بل بقدرة الدول على الاندماج في شبكات أمنية وتكنولوجية معقدة، تتحكم فيها البيانات والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد بقدر ما تتحكم فيها الدبابات والطائرات.

 
عودة
أعلى