الفصل السادس : الهوية الفرعونية في الوعي المصري: من الفخر الرمزي إلى الانتماء الثقافي بين المسلمين والأقباط.
ومع ترسخ استغلال الهوية الفرعونية في الخطاب السياسي الرسمي، أصبح من المهم تتبع أثر هذا التوظيف في الوعي الشعبي العام، لدى المسلمين والأقباط ، لنفهم كيف يتم استهلاك هذا الخطاب في الشارع المصري ، وما الحدود التي يفرضها الدين والانتماء الاجتماعي عليه.
الرؤية الإسلامية الشعبية: صراع رمزي مع البداوة الخليجية والمركزية الدينية:
في الخطاب الشعبي المصري، وخصوصا بين المسلمين، تظهر الهوية الفرعونية بوصفها أداة للمفاخرة الحضارية في مواجهة ما ينظر إليه على أنه "تهميش ثقافي" ، أو "استعلاء اقتصادي" من المجتمعات الخليجية المعاصرة ، وهو في الأصل ، كان ناشئ من تعبئة إعلامية حكومية ، وفي هذا السياق التعبوي ، لا يتردد بعض المصريين في استخدام أوصاف مثل "البدو" أو حتى "الأقزام" ، وهي ألفاظ دارجة في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل ، في إشارة إلى شعوب الخليج ، وذلك بهدف إظهار تفوق رمزي مبني على الحضارة والقدم التاريخي ، فيكررها الفرد المصري البسيط ، ناشدا التصدي ضد هذا التفوق الخليجي المتطور عنه حاليا ، يرددها بعد وعي في الغالب ، أو من منطلق مخفي بالدنيوية مقارنة مع هذا "البدوي" ، لكي يبدو اللفظ في فمه ، مملوء بالفخر والسمو والرفعة ، وغفل المصري البسيط ، أن السعوديين ، بوجه عام ، يفخرون بانتمائهم للبداوة ، ولا يملون عن ممارستها في صحرائهم ، رغم تطورهم الهائل ماليا وثقافيا.
لكن المسألة لا تتوقف عند البعد الحضاري فقط ، بل تمتد إلى البعد الديني الرمزي أيضا ، فالمصري المسلم المعاصر - وهو ينتمي إلى حضارة فرعونية قديمة، لكنه يعيش ضمن هوية إسلامية – يشعر أحيانا أن مركزية الإسلام التاريخي (الجزيرة العربية: مكة والمدينة) قد جرده من هذا التفوق ، ومن هنا تأتي محاولة بعض الخطابات الشعبية لإعادة تأويل التاريخ الفرعوني دينيا ، بادعاء أن الفراعنة كانوا موحدين أو على دين إبراهيم أو حتى يعرفون الإله الواحد ، وهي أطروحات لا تستند إلى أي أدلة علمية أو تاريخية ، لكنها تستخدم كجسر رمزي للتوفيق بين الفخر الحضاري والمرجعية الدينية.
هذا التوظيف يتيح للمصري المسلم أن يتبنى الهوية الفرعونية بكل فخر ، دون أن يشعر أنه في صدام مع عقيدته الإسلامية ، بل يرى نفسه – أحيانا – أكثر قدما وعمقا في التوحيد من أهل الجزيرة العربية أنفسهم ، كمحاولة منهم ، لنيل المجد التاريخي وأصالة الدين أيضاً ، وقد بلغ هذا التوجه ببعض الكتّاب(*) أن صاغوا أطروحات تتجاوز التأويل الرمزي إلى إسقاط صريح للمفاهيم الإسلامية على العقائد الفرعونية ، فادعوا أن الفراعنة كانوا يتبعون ما يشبه الشريعة المحمدية قبل ظهور الإسلام بقرون، بل ذهب أحدهم – في دراسة منشورة – إلى أن الحج ، كركن من أركان الإسلام ، كان معروفا ومعمولا به ضمن الطقوس الدينية الفرعونية ، وهي أطروحات تفتقر إلى الأساس التاريخي والمنهجي ، وتصنف في إطار المبالغة الفكرية غير المؤيدة بأدلة علمية ، بمعنى أدق "هرتلة فكرية" ، ومع ذلك ، هي تعبر عن الرغبة الشعبية العميقة في إثبات أسبقية دينية وتاريخية على المركز الإسلامي التقليدي في الجزيرة العربية.
الرؤية القبطية: الفراعنة كأسلاف روحيين وهوية ثقافية أصيلة
على الجانب الآخر من المشهد المصري ، يتبنى كثير من الأقباط نظرة أكثر عمقا واتساقا نحو الهوية الفرعونية ، تتجاوز المفاخرة الحضارية أو الصراع الرمزي مع المحيط العربي، إلى مستوى الارتباط الوجودي والثقافي ، ففي الوعي الجمعي القبطي ، ينظر إلى الحضارة الفرعونية بوصفها الأصل التاريخي والروحي للهوية القبطية ، ليس من باب التفوق على الآخر ، بل من باب الاستمرارية التاريخية والانتماء العميق لأرض مصر.
بعكس ما نراه في الخطاب الإسلامي الشعبي، لا يسعى الأقباط عادة إلى "توحيد" الفراعنة دينيا أو محاولة أسلمتهم ، بل على العكس ، يعترفون بوضوح أن أسلافهم كانوا وثنيين ، وأن التحول إلى المسيحية كان نقطة فاصلة روحيا ، لكنه لم ينه الصلة بالثقافة الفرعونية ، بل حافظ عليها في شكل جديد ، هذا يظهر بوضوح في استمرار استخدام الرموز الفرعونية في الكنائس، وتبجيل النيل، والاحتفاء بالزراعة والاحتفالات الموسمية ، وهي كلها امتدادات لممارسات مصرية قديمة، اندمجت لاحقا في الطقوس الدينية القبطية.
ويؤكد هذا الأمر ، الباحث "جيسون تومسون" في كتابه "تاريخ مصر" ، فيشير إلى أن الأقباط كانوا أوائل من تبنوا القطيعة الدينية مع الماضي الوثني ، لكنهم حافظوا على "حبهم لهويتهم المصرية"، مما ولد نوعا من الازدواج الثقافي الصحي: "نحن مصريون، لكننا لسنا وثنيين.".
الهوية القبطية: من الاستمرارية الحضارية إلى الخصوصية الثقافية
يرى بعض المفكرين الأقباط أن الطابع القومي المصري، الذي بني عبر آلاف السنين ، ظل محفوظا لديهم ، في لغتهم (القبطية) وطقوسهم وزيهم، وحتى أسمائهم. فهم يعتبرون أنفسهم الورثة الطبيعيين للفراعنة جينيا وثقافيا ، لا من حيث العقيدة ، بل من حيث الخصوصية الروحية المتجذرة في أرض مصر، والتي تطورت لاحقا مع اعتناق المسيحية ، دون أن تنقطع جذورها الحضارية ، لأنهم لم يمروا بتحولات لغوية أو هجرات كبيرة كما حدث مع المسلمين بعد الفتح الإسلامي.
هذا التصور يجعل الهوية الفرعونية بالنسبة لكثير من الأقباط مرجعية مركزية ، وأحيانا عنصراً مميزا عن محيطهم الديني والاجتماعي ، لكن دون أن يحمل ذلك بالضرورة نزعة استعلائية أو تنافسية ، بل كثيرا ما يستخدم هذا الانتماء كوسيلة لتأكيد الحضور الوطني ، وإثبات أن الأقباط جزء أصيل من التاريخ المصري ، وليسوا طارئين عليه كما تلمح أحيانا بعض الخطابات الإقصائية.
محددات الخطاب القبطي: فخر بالاستمرارية لا بالمواجهة
وعلى الرغم من أن بعض الخطابات القبطية قد تضفي على هذا الانتماء بعدا احتجاجياً في مواجهة التهميش أو محاولات طمس الهوية ، فإن الغالب في الرؤية القبطية للفرعونية هو الاستيعاب والامتداد ، لا المواجهة والصراع ، فهي رؤية تنطلق من الإحساس بأنهم أبناء أرض مصر الممتدة، وليست بحاجة لإثبات ذلك عن طريق مقارنات مع الآخر.
في النهاية، تمثل الرؤية القبطية للهوية الفرعونية سردية انتماء حضاري صامد عبر العصور ، تستند إلى استمرارية لغوية وثقافية ودينية متراكمة ، تختلف في منطلقاتها عن التوظيف السياسي أو الرمزي الذي نراه في أوساط أخرى من المجتمع.
أثر هذا التوجه الفكري على وعي المصري البسيط:
رغم أن الطبقة المثقفة أسست هذه الحركة الفكرية والهوية الفرعونية الحديثة ، فإن أثرها على الجماهير الشعبية كان متفاوتاً ، فبينما تبنى كثير من المصريين ، خصوصاً المسلمين ، الهوية الفرعونية كرمز للفخر الوطني والمواجهة الثقافية ، بقيت الصورة عند البعض مبهمة أو سطحية، تتحكم فيها الخطابات الإعلامية والتعليمية الرسمية التي تميل أحياناً إلى تلطيف الصورة، أو التحيز لقراءات معينة.
إضافة إلى ذلك، لعبت الأجهزة الحكومية، بما في ذلك الأجهزة الإعلامية والمخابراتية، دوراً مركزياً في توجيه الرأي العام، عبر إدارة حملات إعلامية ومنصات إلكترونية أحيانا تفتعل خلافات وصراعات مع دول الخليج أو جيران مصر ، وذلك لأغراض متعددة ، من بين هذه الأغراض ، إشغال المواطن البسيط بالخلافات المفتعلة بحيث يلتفت عن قضايا داخلية واقتصادية هامة ، أو بهدف ممارسة ضغط سياسي على بعض حكومات دول الخليج من خلال رسائل غير مباشرة مفادها : "أعطونا الدعم المالي أو السياسي مقابل إسكات هذه الأصوات والنقاشات الساخنة على منصات التواصل ووسائل الإعلام"،
هذه السياسة ليست بجديدة ، فقد اعتمدتها الحكومات المصرية السابقة في عهود عبد الناصر والسادات ومبارك ، لكن ما يختلف الآن هو أن السلطات الحالية قد تستهين بتطور الإعلام والوعي لدى الشعوب الخليجية ، وتظل تراهن على أساليب قديمة في الابتزاز الإعلامي والسياسي ، مما يجعل الشعب المصري وحده الضحية في هذا الصراع غير المتكافئ.
أما الأقباط ، فقد حافظوا على وعيهم التاريخي والعرقي، وبرزوا في مناسبات كثيرة كحاملين لهوية فرعونية متماسكة ، مستخدمين هذا الارتباط لتمييز أنفسهم عن المكونات الأخرى في المجتمع.
خاتمة:
في النهاية، يمكن القول إن تجربة محمد علي باشا في إحياء الهوية الفرعونية ، وبتأييد من الغرب الاستعماري ، كانت نقطة انطلاق مهمة لفكر قومي مصري حديث ، وفتحت المجال لحركة فكرية مستمرة تسعى إلى صياغة هوية وطنية تعترف بتعدد أصول المصريين ، وبالرغم من الاختلافات بين الطوائف في تفسير العلاقة مع الفراعنة، فإن الهوية الفرعونية تبقى مرجعية مركزية في الفهم الذاتي للمصريين ، تجمعهم تحت مظلة حضارية شاملة، تعكس تنوعهم التاريخي والاجتماعي.
===========
(*) الكتابات في هذا الشأن كثيرة من أن تحصر ، كثيرة لدرجة ، أنها اسس فهما خاطئا لدى الكثير من المصريين ، فهم ، تخطى ما نقشه وكتبه الفراعنة عن أنفسهم ، ليستقر في وعيهم حقيقة واحجة فقط ، وهي أن الفراعنة فعلا موحدين. ومن أراد مشاهدة "الهرتلة الفكرية" تلك ، فليكتب في البحث ، "هل الفراعنة موحدين" ، أو شيء نحو ذلك ، ومع هذا أضيف هذا الرابط لشخص يقال عنه "دكتور" !!:
إذا بحلل النفسيه المصريه
كان المصري فلاحا بسيطا. لا يعرف الحرب ولا يحب المشاكل.. وكما هي طبيعة الفلاحين هادئه صبوره متأنيه يحرث الأرض ويزرع بذوره يسقيها كل يوم وينتظر بجانبها الي ان تثمر..
ع نهر النيل الماء ممصدر الحياة تكونت المجتمعات تمدد السكان.. وتعود الناس حكامهم اجنبي ليس له علاقه ب فلاحين اخرين في مكان آخر.. فيظمن عدالته.. ولا يمانعون لو كان يبطش بهم يضرب رعيته وياخذ الاتوات فكلهم عنده سواء
كانوا يتملقون للحاكم احيانا.. وان كان مستبدا باطشا وله جواسيس يصنعون النكته للترويح واسعاد أنفسهم
وصل المستعمر الانجليزي.. الذي أراد البقاء خطط المدن وانشا الشوارع و القطارات والسكك الحديديه.. بني عين شمس والجامعات والمدارس..
في ذلك الوقت كان جدك ياطويق.. شامخا على بعيره أو حصانه.. ويقضي وقته يرعى ابله ومواشية..
وايام ينام في خيمته وايام تحت ضوء القمر... ايام يجوعون لا يجدون مايسد جوعهم.. ولو جاه ضيف ذبح له كل مايملك ..
إذا مرض أحدهم ذهبوا به إلى الطبيب الشعبي يكويه... في تلك الصحاري كان جد طويق قوي باس ولا احد يجرؤ على سرقة نياقه..
مجتمعهم بسيط.. وأحيانا من قل الزاد يتصامخون مع بعضهم..
ثم بدأت بطيئه جدا شح الموارد وقسوة الطبيعه مدارس شوية مباني تشكلت مظاهر بدايات حكومه شيئا فشيئا ظهر النفط بدا الابناء يتعلمون في مدارس والتعاقد مع معلمين من جيراننا.. قبلها لم يتعلم احد.. دليل انهم جو بعقود عمل وفلوس..
أصبح هؤلاء الأبناء مدرسون واطبا شوية مهندسين شوية مبتعثين الأرض كبيره وعددنا قليل نبغي نملأ الفراغات وياخذ كل شخص موقعه...
وظهر الأحفاد فرص أفضل ومستقبل واعد وهم الان في مستوى القيادة..
ولكن القوة واعتراف الآخرين بالتفوق وتسليمهم بالقيادة وحسن إدارة الموارد يظهر في الجيل القادم في مدة ٢٠ سنه...
شريطة عدم اضاعة الأموال عليهم