كتب ساري عرابي:
لا يوجد أيّ معنى لعقد مقارنة في ذروة أحداث المسجد الأقصى للقول إن العدوّ الصهـ.ـيـ.ـوني أرحم أو للقول إنّ معاناة الفلسطينيين أقلّ، لاسيما إن كان "نجم السوشال ميديا" صاحب المنشور، لم يُعرف له حتى كتابة ذلك المنشور، في حدود ما رأيت (يبدو أنّه حذفه لاحقًا) سوى هذه الخفّة والجهل الطافح وافتقاد الحكمة، في التعليق على أحداث القدس والأقصى، وكأنه مرض ينزّ به قلب لا تعرف لماذا يضيق بهذا التعاطف مع مشهدية فلسطينية كهذه!
هذه المقارنة في وقتها وسياقها لا تفعل شيئًا سوى الفتّ في عضد الفلسطينيين أو إثارة الحزن في هذا الطرف أو ذاك من الأمّة أو إثارة الفتنة بين أبناء الأمّة الواحدة.
المقارنات التي من هذا النوع اعتباطية، فضلاً عن أنها تافهة، فعدالة أي قضيّة لا تتعلّق بمستوى بطش العدوّ أو الطاغية، والطاغية كان طاغية والثورة عليه محقّة قبل أن يزيد بطشه والعدوّ المحتلّ كذلك، وهكذا..
ومع أنني لا أرغب في تفكيك هذا الخطاب وبيان تهافته الآن، لحساسية اللحظة، إذ يمكن تفهمه في أوقات أخرى، لكن ينبغي أن نذكّر ببدهيات تاريخية تغيب عن العقول المسلوبة بالنرجسية وأضواء الشهرة:
1. القضية الفلسطينية بدأت منذ أكثر من 100 سنة ولم تبدأ أمس أو من عشر سنوات.
2. القضية الفلسطينية نتاج هزائم إسلامية وعربية تملي واجبًا لا يسقط بالتقادم: هزيمة الدولة العثمانية أمام الاستعمار الإنجليزي، وهزائم الجيوش العربية في حربي 48، و67.
3. جوهر فرادة القضية الفلسطينية ليس في مستوى البطش، بل في النفي والإحلال.. فنحن نواجه أن تُنفى فلسطين كلها، بتاريخها وهوية أهلها الأصليين ووجودهم السياسي، مقابل إحلال "إسرائيل" بالكامل مكانها.. صمود أهلها، وحده، الذي يحبط هذا المسعى.
4. ومع ذلك فعدوّنا ليس رحيمًا، فإن كان هذه المرّة في اقتحاماته للمسجد الأقصى، قد امتنع عن استخدام الرصاص الحيّ، خشية من تطوّر الهبّة وتمددها، فإنّه في أحداث 1990 و1996 و2000 كان يتعمد تفجير جماجمنا وفقأ عيوننا بالرصاص الحيّ.
5. لا أريد التذكير بحرب غزة عام 2014 التي حوّل فيها غزّة إلى جحيم، فإنّ البعض لن يتورّع عن خلق مقابلة مسلحة بين الطرفين، فيكفي أن أذكّر بأنه كان يحصدنا حصدًا مطلع انتفاضة الأقصى، لكسح المظاهرات العزلاء على الحواجز، وهذا البطش الموغل في الإجرام هو الذي دفع نحو عسكرة الانتفاضة لردّ الصاع صاعين!
6. لا ينبغي أن نكون بحاجة بعد هذا لاستحضار كل المجازر، وحوادث تهشيم الجماجم والعظام، وتهجير الآلاف، وهدم البيوت، فهذه عقود طويلة من ذلك كلّه، ومع ذلك يجب وضع هذا الإجرام في سياق استعماري غربي، يحرص فيه العدوّ على تزيين وجهه في العالم، لخصوصية استعماره.
7. أمّا عن الاهتمام العربي بهبّة القدس مقابل إهمال الإعلام العربي لقضايا أخرى محيطة بفلسطين، فهذه والله مهزلة في التصوّر، فبدلاً من أن نفرح لعودة قضية محلّ إجماع لتحظى بشيء من الاهتمام، بعد سنوات من إهمال قضايانا كلها، يثير البعض هذا الحزن البارد!
8. وكأنّ القضية الفلسطينية لم تهمّش في أجندة الإعلام العربي طوال الثورات العربية، في أحسن الأحوال لأنّ الحدث الساخن الطارئ يفرض نفسه، إذا استبعدنا النوايا التآمرية، وكأن الفلسطينيين لم يعانوا في العقد الأخير من حملات الشيطنة والنبذ وإثارة الكراهية والتنميط الأسود واتهامهم ببيع أرضهم، ولم تكشف ظهور هم بموجات التطبيع الواسعة!
هذه أمّة واحدة، قضيتها واحدة، قد يصعب علينا التوفيق بين خطاباتنا وخياراتنا بسبب تمزق الأمة وفرقتها وصعوبة أوضاع المستضعفين منا، لكن هذا لا يقتضي زيادة الفرقة فرقة، والجهل جهلاً، بمثل هذه المقارنات الخفيفة