لقد شرحتُ كثيراً من الجوانب التقنية عن درون "بيرديكس" الأميركي الأصلي الذي قامت إيران باستنساخه وعرضه عام 2021م. وسيكون هذا ردي الأخير على تعليقك؛ لأنني لو قدمتُ لك أطناناً من الحجج والردود فلن تقتنع طالما أنك حسمت موقفك مسبقاً بعدم الاقتناع.
لذا، لندع المكابرة جانباً ونتحدث بلغة الفيزياء العسكرية؛ فتعليقك يحتوي على مغالطة هندسية وتكتيكية كبرى حول كيفية إسقاط وتحييد المقاتلات النفاثة، في كل مرة تأتي بمغالطات، وأقوم بتفكيكها ثم تعيد مغالطات ومغالطات ومغالطات!.
وسأبدأ بتفكيك مغالطات تعليقك هذا، ثم لن أرد لأنني أشعر وكأنني أدور في حلقة مفرغة؛
1- مغالطة "سرعة الصوت"؛ السرب الذكي لا يحتاج إطلاقاً لتجاوز سرعة الصوت ليطارد المقاتلة؛ فهو ليس صاروخاً اعتراضياً ملاحقاً! السرب يُنشر كـ (حقل ألغام معلّق) ثابت أو شبه ثابت مكاناً، وديناميكي حركةً، في مسار الطائرة المتقدم.
المقاتلة هي من تطير بسرعة 2 ماخ (سرعة الصوت مرتين)، وبحكم هذه السرعة الخارقة والاندفاع الفيزيائي الهائل، يحتاج الطيار إلى مسافة جغرافية واسعة جداً للمناورة والالتفاف. عندما يُفتح السرب الشبكي فجأة على مسافة قريبة أمام المقاتلة، فإن سرعة المقاتلة نفسها تصبح هي سبب تدميرها؛ لأن الارتطام بالدرونات القزمية يصبح حتمياً وخلال أجزاء من الثانية، تماماً كما تدمر الطيور الصغيرة محركات الطائرات المدنية النفاثة العملاقة عند الارتطام بها (Bird Strike). الكثرة الذكية تعترض المسار ولا تطارد الذيل.
2 - مغالطة "السيطرة الجوية وسقوط المركبة الأم"؛ فلسفة الحرب غير التماثلية الإيرانية بُنيت بالأساس على فرضية أن العدو يمتلك سيطرة جوية كاملة ومقاتلات فاخرة. لذا، "المسيّرة الأم" أو طائرة النقل المعدلة لا تطير في سماء مفتوحة لتنتظر القصف، بل تطير تحت مظلة شبكات دفاع جوي طبقي كثيف ومعقد لحمايتها حتى لو قيل جدلاً إن إيران لا تمتلك هذه المظلة بكفاءة مطلقة، فإن هذا ليس محور نقاشنا هنا؛ لأن طرحك ينسف بالكامل المفهوم العملياتي لفكرة حقول الألغام الجوية المعلقة، وينكر مبدأ الدرونات القزمية التي تطلق من المسيرة الأم أو طائرات النقل بغض النظر عن هوية المشغّل.
عموماً، الغرض هو استدراج مقاتلات "السيادة الجوية" إلى فخ الارتفاعات المتوسطة فوق الأراضي الوطنية عبر تكتيكات الخداع الجغرافي، ومن ثم إطلاق الأسراب المحمولة في ثوانٍ معدودة قبل أن تتمكن المقاتلة من رصد الناقل أو استهدافه. الحادثة الأخيرة والتقرير الاستخباراتي الأميركي لم يذكرا أن طائرة النقل الإيرانية سقطت، بل أكدا سقوط مقاتلة السيادة الجوية الثقيلة الـ F-15، وهذا هو الواقع العملياتي الذي صدم مراكز القرار الأميركي.
3 - مغالطة "المسافات الطويلة والبطارية"، نكرر للمرة الثالثة لترسيخ المفهوم الهندسية، هذه الأسراب قزمية وانتحارية ومضحية؛ كفاءتها لـ 20 - 30 دقيقة ليست عيباً تقنياً بل هي ميزة عملياتية. المنظومة صُممت لتقطع بضعة كيلومترات فقط فور قذفها جوياً لخنق المقاتلة التي دخلت حقل العمليات والاشتباك بها فوراً، وليست مصممة للمسافات الاستراتيجية.
محاكمة أسلحة الذكاء الاصطناعي الشبكي المتكامل بعقلية المناورات التقليدية القديمة، لا يستقيم ..
وبعد كل هذه الشروحات والمستندات الفنية التي قدمتها في موضوعي هذا، نترك للقارئ الكريم ووعيه كامل الحرية ليقرر بنفسه،
وشكراً لك.