من المنافسة إلى التكتل: لماذا يتسارع اندماج شركات الطيران الآن؟
يشهد قطاع الطيران العالمي موجة جديدة من الاندماجات والاستحواذات، مع اتجاه شركات الطيران إلى تعزيز قدراتها المالية والتشغيلية في مواجهة ارتفاع التكاليف، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتفاوت الطلب على السفر، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز منذ مطلع مارس/ آذار الماضي.
صفقات الاندماج والاستحواذ في قطاع الطيران
بعد سنوات من الاستقرار النسبي عقب موجة التكتلات الكبرى التي شهدها القطاع بين منتصف العقد الأول ومنتصف العقد الثاني من الألفية، عاد نشاط الاندماجات والاستحواذات ليبرز مجددًا في قطاع الطيران العالمي.وفي أميركا الشمالية وأوروبا وأميركا اللاتينية، تتجه شركات الطيران إلى صفقات اندماج واستحواذات تدريجية، وشراء حصص، في محاولة لتعزيز الحجم وتقليص التكاليف التشغيلية. ويأتي هذا النشاط المتجدد في وقت يواجه فيه القطاع ضغوطًا هيكلية مستمرة، ما يشير إلى أن دوافع التكتل باتت ترتبط بالمرونة والاستدامة أكثر من التوسع التقليدي.
وتعكس التطورات الأخيرة هذا الاتجاه بوضوح. ففي الولايات المتحدة، ناقش مسؤولون تنفيذيون احتمال إبرام اندماج كبير بين شركات طيران، بينما تواصل شركات أصغر البحث عن مشترين أو شركاء استراتيجيين. أما في أوروبا، فتواصل المجموعات التقليدية توسيع حضورها عبر شراء حصص أقلية واستحواذات تتم على مراحل.
وقال أندريه مارتينز، رئيس قطاع النقل والصناعات المتقدمة لمنطقة الهند والشرق الأوسط وأفريقيا في Oliver Wyman، إن “قطاع الطيران يتميز بمنافسة شديدة وتعقيد تشغيلي واحتياج مرتفع لرأس المال، لذلك تبحث شركات الطيران باستمرار عن وسائل لخلق قيمة، سواء عبر خفض التكاليف أو تحقيق تكامل أكبر في الشبكات أو تعزيز القدرة التنافسية تجاريًا”.
وأضاف أن “عمليات الاندماج والاستحواذ تساعد شركات الطيران على تحسين شبكات المسارات، وتعزيز الربط الجوي، وتوحيد تدفقات الحركة، وتعظيم أوجه التكامل، إلى جانب خفض التكاليف التشغيلية ورفع الربحية عبر الوجهات المختلفة”.
أبرز الصفقات الجديدة
تعكس الصفقات الأخيرة والمحادثات الجارية زخمًا متجددًا في نشاط الاندماجات والاستحواذات في قطاع الطيران، عبر أسواق ومناطق جغرافية متعددة، باختلاف نماذج شركات الطيران.
- في الولايات المتحدة، طُرحت فكرة اندماج محتمل بين United Airlines وAmerican Airlines، في خطوة قد تقلّص عدد كبار الناقلين الأميركيين من أربعة إلى ثلاثة لاعبين يسيطرون على معظم السعة السوقية. لكن التقارير التي صدرت في أبريل/نيسان أشارت إلى أن الرئيس التنفيذي لشركة أميركان إيرلاينز روبرت إيزوم رفض المقترح، معتبرًا أن الشراكات، بما في ذلك تعميق التعاون المحتمل مع Alaska Airlines، تمثل مسارًا أكثر أمانًا للنمو.
- وفي يناير/كانون الثاني، أعلنت Allegiant Travel Company إبرام صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار للاستحواذ على Sun Country Airlines، بهدف إنشاء شركة طيران أميركية مهيمنة في سوق السفر الترفيهي.
- وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، استكملت Republic Airways اندماجها مع Mesa Air Group، لتأسيس كيان موحد تحت اسم Republic Airways Holdings.
- أما في أوروبا، فقد استحوذت Lufthansa على حصة 41% في ITA Airways خلال يناير/كانون الثاني من العام الماضي مقابل 383 مليون دولار (325 مليون يورو)، بعد الحصول على موافقة الجهات التنظيمية الأوروبية. كما وافقت الشركة على شراء حصة 10% في شركة الطيران اللاتفية airBaltic.
- وفي ديسمبر/كانون الأول، وقّعت Pegasus Airlines اتفاقًا ملزمًا للاستحواذ على Smartwings Group، بما في ذلك Czech Airlines، مقابل نحو 180 مليون دولار (154 مليون يورو)، في خطوة تعزز حضورها داخل السوق الأوروبية.
- وفي أميركا اللاتينية، اتفقت شركتا الطيران منخفض التكلفة الرائدتان في المكسيك، Volaris وViva Aerobus، على الاندماج في ديسمبر/كانون الأول 2025، ضمن صفقة تستهدف تحسين الكفاءة التشغيلية، وخفض التكاليف، وتعزيز الاستقرار المالي.
- وفي آسيا، أنهت Korean Air استحواذها البالغة قيمته 1.3 مليار دولار على حصة مسيطرة تبلغ 63.9% في Asiana Airlines بنهاية 2024، في خطوة عززت توحيد سوق الطيران الكوري الجنوبي تحت ناقل وطني واحد. وتعمل أسيانا حاليًا كشركة تابعة، على أن يكتمل دمجها الكامل ضمن علامة وعمليات Korean Air بحلول الأول من يناير/كانون الثاني 2027.
لماذا تعود موجة الاندماجات الآن؟
تشير بيانات القطاع وتصريحات الخبراء إلى أن تجدد الاهتمام بصفقات الاندماج والاستحواذ في قطاع الطيران يرتبط بشكل مباشر بالضغوط الهيكلية المستمرة التي تواجه القطاع عالميًا.
وبحسب تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي IATA، من المتوقع أن تبلغ هوامش صافي أرباح شركات الطيران العالمية نحو 3.9% خلال 2026، دون تغيير يُذكر مقارنة بعام 2025، رغم تعافي الطلب على السفر. وتبقى هذه الهوامش أقل بكثير من متوسط الربحية المسجل في قطاعات أخرى، ما يعكس استمرار هشاشة القطاع.
ولا تزال تكاليف الوقود والعمالة وتأجير الطائرات تمثل عبئًا رئيسيًا على شركات الطيران. ورغم تراجع أسعار وقود الطائرات في وقت سابق من 2025، أعادت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط التقلبات إلى أسواق الطاقة.
وكانت IATA قد توقعت انخفاض أسعار وقود الطائرات بنحو 13% على أساس سنوي خلال 2025، بما يدعم ربحية الشركات، إلا أن تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران دفع أسعار النفط للارتفاع مجددًا، مع تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل في مايو/أيار 2026 وسط مخاوف من اضطرابات الإمدادات.
وأشار أندريه مارتينز إلى أن وقود الطائرات كان يمثل تاريخيًا نحو 30% من هيكل تكاليف شركات الطيران، لكنه بات يشكل في بعض الحالات ما بين 50% و60%، ما يضغط بشكل مباشر على مستويات الربحية.
وتتفاوت درجات التعافي من تداعيات الجائحة بين الشركات، إذ لا تزال بعض الناقلات تواجه ضغوطًا على السيولة، بينما تعاني أخرى من تفاوت الطلب بين الأسواق والمسارات المختلفة. وفي قطاع يتسم بكثافة رأس المال مثل الطيران، تمنح الاندماجات الشركات وصولًا أسرع إلى الأساطيل وشبكات الرحلات وقواعد العملاء.
وقال مدير مشاريع الحلول التقنية لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في Dover Fueling Solutions، أحيمد عز سعودي، لفوربس الشرق الأوسط، إن استمرار تقلب أسعار الوقود يدفع شركات الطيران، مثل قطاعات أخرى، إلى البحث عن كفاءة تشغيلية أعلى لحماية هوامش أرباحها المتآكلة.
وأضاف أن التوسع عبر الاندماجات يمنح الشركات قدرة أكبر على توحيد إدارة الوقود وتبسيط العمليات وتحسين الرؤية التشغيلية داخل الشبكات المعقدة.
وأوضح أن شركات الطيران الاقتصادي تبدو الأكثر تأثرًا بالضغوط الحالية، نظرًا لاعتمادها على هوامش ربح ضيقة، حيث يمكن لأي ارتفاع محدود في التكاليف أن يترك عليها أثرًا ماليًا كبيرًا.
وقال: “عندما ترتفع أسعار الوقود، تصبح قدرة الشركات على امتصاص التكاليف الإضافية محدودة للغاية، ما يفرض الحاجة إلى مستويات أعلى من التحكم والرؤية التشغيلية للحفاظ على الربحية”.
وفي الوقت نفسه، أضافت أزمة سلاسل إمداد الطائرات مزيدًا من الضغوط على القطاع، وساهمت في تسريع مناقشات الاندماج. فقد أدت تأخيرات التسليم لدى إيرباص وبوينغ إلى تعطيل خطط التوسع، وإجبار الشركات على تشغيل الطائرات القديمة لفترات أطول، ما رفع تكاليف الصيانة والتأجير.
ووفق بيانات IATA، تجاوزت فجوة تسليم الطائرات عالميًا 5300 طائرة، فيما تخطى إجمالي الطلبيات المتراكمة حاجز 17 ألف طائرة.
كذلك تدعم البيئة التنظيمية الأكثر مرونة نسبيًا في بعض الأسواق عودة الحديث عن صفقات الاندماج.
ففي الولايات المتحدة، ألمح بعض المسؤولين إلى وجود مساحة لمزيد من التكتلات في قطاع الطيران، رغم أن أي صفقة كبرى ستظل خاضعة لتدقيق تنظيمي صارم، وقد تتطلب التخارج من بعض الأصول.
وفي أبريل/نيسان، أبدى وزير النقل الأميركي شون دافي انفتاحًا على المزيد من عمليات الاندماج، مع تأكيده أن الموافقات ستُدرس وفق كل حالة على حدة، وبناءً على تأثيرها في المنافسة والمستهلكين.
ورغم ذلك، لا يزال تأثير اندماجات شركات الطيران محل جدل واسع. فبينما يرى المؤيدون أنها تعزز الكفاءة وتخفض التكاليف وتقوي الشبكات التشغيلية، يحذر المنتقدون من أن تراجع المنافسة قد يقلص خيارات المستهلكين ويزيد القوة التسعيرية للشركات، خاصة في الأسواق التي تهيمن عليها شركات قليلة.
وبدأ المستهلكون بالفعل يشعرون بتداعيات الاضطرابات الأوسع المرتبطة بالحرب مع إيران، بعدما أعادت شركات طيران في أوروبا وأجزاء من آسيا توجيه رحلاتها أو خفضها لتجنب الأجواء المتأثرة، ما ساهم في ارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة مدة الرحلات ورفع أسعار التذاكر على بعض المسارات الدولية.
كما أصبح المسافرون أكثر ميلًا لتأجيل الحجوزات، أو تقليص مدة الرحلات، أو التحول إلى السفر بالقطارات، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار وتعطل الرحلات الجوية.
نمو استراتيجي أم محاولة دفاعية؟
تبدو موجة الاندماجات والاستحواذات الحالية في قطاع الطيران مدفوعة بمزيج من التوسع الاستراتيجي والضغوط المالية المتزايدة.
وقال أندريه مارتينز إن “التموضع الاستراتيجي طويل الأجل كان دائمًا أحد المحركات الرئيسية لصفقات الطيران، لكن الضغوط الحالية، خصوصًا المرتبطة بالوقود وتكاليف التشغيل، تسرّع الحاجة إلى هذه التحركات”.
وأضاف: “شهد قطاع الطيران على مدار العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية موجات متتالية من التكتلات، خاصة في أوروبا وأميركا الشمالية، والزخم الحالي، لا سيما في الولايات المتحدة، يعكس مجددًا الحاجة إلى احتواء التكاليف، وتعزيز الربحية، وبناء قدر أكبر من المرونة التشغيلية”.
وباتت شركات الطيران الكبرى تتجه بشكل متزايد إلى الاستحواذات بهدف التوسع الجغرافي وتحسين الشبكات التشغيلية، بينما تبحث الشركات الصغيرة والمتوسطة عن الاندماج كوسيلة لمواجهة الضغوط التشغيلية والمالية المتفاقمة.
ويبقى نجاح موجة التكتلات الحالية في خلق شركات طيران أكثر قوة ومرونة، أو تحولها إلى عامل يقلّص المنافسة ويعيد تشكيل ديناميكيات القطاع عالميًا، مرهونًا بدور الجهات التنظيمية بقدر ارتباطه بالشركات نفسها.
شركات الخليج تسلك مسارًا مختلفًا
في المقابل، وبينما تتسارع مناقشات الاندماج في الولايات المتحدة وأوروبا وأجزاء من آسيا، تواصل شركات الطيران الخليجية التركيز على النمو العضوي بدلًا من صفقات الاندماج والاستحواذ.
وتواصل شركات كبرى مثل طيران الإمارات والخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران والخطوط السعودية إعطاء الأولوية لتوسعة الأساطيل، وتنمية الشبكات، والاستثمار في البنية التحتية، مع تعافي الطلب على السفر الدولي في المنطقة.
وعلى عكس العديد من شركات الطيران الغربية، تستفيد الناقلات الخليجية من دعم حكومي قوي، ونماذج تشغيل قائمة على مراكز عبور عالمية، إلى جانب أوضاع مالية أكثر توازنًا نسبيًا، ما يقلل الحاجة الفورية إلى الاندماج كخيار للبقاء.
وبدلًا من ذلك، تواصل الشركات الإقليمية ضخ استثمارات كبيرة في زيادة السعة التشغيلية والخدمات الفاخرة، بهدف تعزيز حضورها في سوق الرحلات الدولية طويلة المدى.
وقال مارتينز إن “منطقة الشرق الأوسط لم تشهد خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية موجة التكتلات نفسها التي عرفتها أوروبا أو أميركا الشمالية”.
وأضاف أن فرص الاندماج الانتقائي قد تظل قائمة داخل المنطقة، خصوصًا بين شركات الطيران متوسطة الحجم التي تواجه تحديات هيكلية أكبر مقارنة بالناقلات الكبرى، في حين قد تدرس بعض الشركات الإقليمية الكبرى أيضًا فرص شراكات أو تكتلات محددة وفق اعتبارات استراتيجية.
من المنافسة إلى التكتل: لماذا يتسارع اندماج شركات الطيران الآن؟
يشهد قطاع الطيران العالمي موجة جديدة من الاندماجات والاستحواذات، مع اتجاه شركات الطيران إلى تعزيز قدراتها المالية والتشغيلية في مواجهة ارتفاع التكاليف، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتفاوت الطلب على السفر.