الدعم الإداري

التونسيون وحرب الغوّاصات أثناء الحرب الكبرى

Obergruppenführer Smith

طاقم الإدارة
مـراقــب عـــام
إنضم
23 أكتوبر 2017
المشاركات
3,860
التفاعل
21,846 332 0
الدولة
Tunisia

الورقة من إنتاج الدكتور علي أيت ميهوب

المقدمة

رغم مرور ما يزيد على مائة سنة على اندلاع الحرب الكبرى فإنّ العديد من جوانبها لا يزال في حاجة إلى تعميق النظر. فلفترة طويلة اهتمّت الدراسات التاريخية عند تناولها هذا الصراع بمجموعة من المباحث، تركّزت أساسا على أسباب الحرب والمعارك الكبرى داخل التراب الأوروبي مع إعطاء الأولوية إلى الجانب العسكري العملياتي.
ومع تجدد المقاربات التاريخية فتح المجال لموضوعات بحثية مرتبطة بالحرب العالمية الأولى لا تخلو من الجدية والطرافة، تعطي مكانة أكبر للمحارب الإنسان على غرار دور المستعمرات في الحرب والصراع خارج التراب الأوروبي وثقافة الحرب وعنفها واقتصادها والمخيال الجمعي...

وفي هذا الإطار تنتزل محاولتنا هذه في الاشتغال على الحرب الكبرى انطلاقا من موضوع حرب الغوّاصات بالمتوسط عموما وبالسواحل التونسية خصوصا. ونعتقد أنّ هذا المبحث حريّ بالدراسة المعمّقة لجملة من العوامل.
فالغوّاصات وهي السلاح المستحدث قد شكّل استعمالها في النزاع الدولي منعرجا على مستويات مختلفة، من بينها دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب إلى جانب الحلفاء ضدّ الإمبراطوريات الوسطى.
ويتمثل السبب الثاني في ضراوة العنف الذي اتسمت به حرب الغوّاصات والذي لا يقلّ شراسة عمّا اتصفت به حرب الخنادق أو حرب الغازات. ويبقى السبب الثالث الأكثر أهمية، فأعداد ضخمة من التونسيين (عدّة مئات) أفنتهم الغوّاصات الألمانية من دون أن تكون لهم قبور وشواهد تؤرّخ لمقتلهم، وربما من دون أن يحتسبوا ضمن أعداد القتلى.

نسعى في هذه الورقة إلى كشف بعض أوجه حرب الغوّاصات الألمانية بالمتوسط وأساسا قرب السواحل التونسية، ونعمل على التعريف بأبرز كوارث تلك الحرب وخصوصا التي كان ضحاياها من التونسيين. ونتناول أخيرا بالبحث تأثير حرب الغوّاصات على الرأي العام بتونس وانعكاساتها المباشرة على الحالة الذهنية للمجندين التونسيين.


وقد استندنا لإنجاز هذه الورقة إلى جملة من المصادر الأرشيفية، من بينها تقارير اللجنة العسكرية للمراقبة البريدية المحفوظة بالأرشيف الوطني، وكذلك برقيات هيئة الأركان الواردة في أرشيف المصلحة التاريخية لجيش البرّ الفرنسي. كما اعتمدنا على عدد من المؤلفات التي تناولت المعارك البحرية أثناء الحرب الكبرى.

I – حرب الغوّاصات في المتوسط

لئن ظهرت الغوّاصات الحديثة في بداية القرن العشرين فإنّ استعمالها بقي إلى تاريخ اندلاع الحرب الكبرى محدودا.
فلم تضاهِ مكانتها مكانة السفن الحربية التقليدية: البارجة المدرّعة – البارجة – الطرّاد – الطوربيد...

وكان البحر المتوسط عند بداية الحرب أحد مجالات التفوّق البحري للحلفاء (بريطانيا وفرنسا) بسبب الفارق الكبير بين عدد وحداتهما البحرية وعدد وحدات الإمبراطوريات الوسطى (ألمانيا والنمسا-المجر)، وكذلك بسبب سيطرتهم على جميع مضائق هذا البحر (جبل طارق والسويس) وعلى قواعده الرئيسية (مالطا وبنزرت وقبرص ووهران).
ولم يظل إلاّ الأدرياتيك خاضعا لهيمنة الإمبراطورية النمساوية-المجرية.

وفي هذا الإطار من اللاتوازن برز سلاح جديد وهو الغوّاصة التي أحدث اعتمادها من قِبَل الإمبراطوريات الوسطى منعرجا حقيقيّا في مستوى الحرب البحرية وخاصّة بالمتوسط. فرغم أنّ عدد الغوّاصات الألمانية والنمساوية لم يكن يتجاوز اثنتي عشرة غوّاصة عند بداية الحرب، فإنّ قائد هيئة الأركان الألماني "فون بول" (Von Pohl) نجح في إقناع الإمبراطور غليوم الثاني بجدوى استعمال هذا السلاح.
فأصدر الإمبراطور في 4 فيفري 1915 إعلانا يفتتح به رسميّا حرب الغوّاصات.

ومنذ الأشهر الأولى لهذا الإعلان بدأت الغوّاصات الألمانية والنمساوية في إلحاق الخسائر بسفن الحلفاء، سيما بالحوض الشرقي للمتوسط، فأغرقت عددا كبيرا من البواخر الكبرى وأساسا تلك الناقلة للجنود على غرار:
  • نسف الباخرة البريطانية "روايال ادوارد" (Royal Edward) يوم 13 أوت 1915 في طريقها بين الإسكندرية ومودوروس، وكان على متنها 31 ضابطا و1335 رجل جيش.
  • إغراق الباخرة الكبرى "أولمبيا" (Olympia) في 2 أكتوبر 1915 وكان على متنها 5500 عسكري.
ثمّ وانطلاقا من شهر نوفمبر 1915 كان الدور على الحوض الغربي للمتوسط، فأغرقت مجموعة كبيرة من ناقلات الجنود، مثل باخرة "مارسيان" (Mercian) وباخرة "كلفادوس" (Calvados) وباخرة "فرانس IV" (France IV).
وعموما قُدّر عدد بواخر الحلفاء التي وقع نسفها خلال خريف 1915 بـ92 باخرة، من بينها 54 بريطانية.
وهو ما يثبت النجاح الباهر الذي حقّقته الغوّاصات الألمانية.
وحفز ذلك النجاح على الزيادة في عدد الغوّاصات.
فبنت ألمانيا أكثر من مائة غوّاصة جديدة، أكثر تطوّرا في مستوى السرعة كما في مستوى الأسلحة المعتمدة.

وتُعرف الغوّاصات الألمانية باسم "إي بوت" (U-Boat).
فكانت كلّ غوّاصة تحمل رقما إلى جانب الحرف U.
وأشهر الغوّاصات الألمانية التي نشطت في المتوسط: U-33 "قوسار" (Gausser) وU-35 "كوبهامل" (Kophamel) وU-38 "فالنتينير" (Valentinier) وU-39 "فورتسمان" (Fortsmann).
أغلب هذه الغوّاصات هي من الحجم الكبير، يتراوح طولها بين 70 و100 متر وعرضها بين 6 و7 أمتار، ذات قوّة رمائية وسرعتها عالية جدّا على سطح الماء (لا تقلّ عن 20 عقدة). تهاجم الغوّاصات الألمانية أهدافها باستعمال قذائف المدافع أو قذائف الطوربيد (السيفنات).
وأضيف إلى هذين السلاحين عنصر الألغام المزروعة التي دمّرت عددا كبيرا من السفن.
وكان ميناء "بولا" (Pola) النمساوي القاعدة الرئيسية للغوّاصات الألمانية بالمتوسط.


لقد توسّعت خلال سنة 1916 عمليات هذه الغوّاصات. فلم تعد أهدافها تقتصر على ناقلات الجنود والمعدّات العسكرية، بل شملت البواخر التجارية وحتى البواخر-المستشفيات. ومن أبرز الخسائر التي حلّت بسفن الحلفاء في 1916 نذكر:
  • إغراق الغوّاصة U-38 للطرّاد الفرنسي "بروفانس II" (Province II) في 5 فيفري 1916، وكان على متنه 1800 جندي، هلك منهم 930.
  • نسف وإغراق الطرّاد الكبير "غاليا" (Gallia) في 4 أكتوبر 1916، وكان يحمل 2000 عسكري فرنسي ومصري، غرق منهم 600 فرد.
لقد كانت حصيلة النصف الثاني من 1916 كارثية على سفن الحلفاء، إذ غرقت 96 باخرة بريطانية بحمولة 415.417 طنا، و136 باخرة إيطالية بحمولة 181.831 طنا، و24 باخرة فرنسية بحمولة 64.829 طنا.

حقّقت إذن الغوّاصات الألمانية خلال سنتي 1915-1916 نجاحا باهرا بالمتوسط، فألحقت خسائر فادحة بالحلفاء سواء فيما يتعلّق بنقل الجنود بين ضفتي المتوسط أو بين حوضيه أو فيما يتعلّق بأنشطتهم التجارية. ولم تسلم الدول المحايدة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا – قبل أن تنضمّ للحلفاء – من خطر الغوّاصات الألمانية. وبعد تزايد الضغوط الأمريكية اضطرّت ألمانيا إلى الالتزام ببعض الضوابط قبل نسف غوّاصاتها لسفن الحلفاء. ومن بين تلك الضوابط: التعرّف على جنسية الباخرة وإنذارها قبل الهجوم والسماح لركّابها بالنزول إلى البحر قبل إغراقها. وفي الكثير من الأحيان لجأت الغوّاصات الألمانية بهدف التخلّص من هذه القيود إلى التخفّي وراء العلم النمساوي، فكانت ترفع علم الإمبراطورية النمساوية – المجرية بدل العلم الألماني.

وجدت ألمانيا مخرجا لهذه الإشكالات بإعلانها يوم 1 فيفري 1917 حرب الغوّاصات دون قيود أو حرب الغوّاصات الشاملة (Guerre sous-marine sans restrictions) التي لم تعد الغوّاصات الألمانية


ملتزمة فيها بأيّ ضوابط كالإنذار المسبق. وهدف تلك الحرب هو إغراق أكثر ما يمكن من السفن الحربية والتجارية للدول الأعداء وحتى للدول المحايدة ما إن ترسو في موانئ دول عدوّة. وقد تضرّرت جرّاء تلك الحرب الولايات المتحدة الأمريكية ممّا دفع بقيادتها السياسية إلى دخول الصراع الدولي انطلاقا من أوت 1917.

وقد عرفت حرب الغوّاصات ذروتها خلال ربيع 1917. ففي شهر أفريل مثلا بلغت الحمولة الجمليّة لسفن الحلفاء التي وقع إغراقها: 900.000 طنا وهو رقم قياسي لم يبلغه العالم حتى زمن الحرب العالمية الثانية.

ولئن لم يقتصر تحرّك الغوّاصات الألمانية على البحر المتوسط، بل شمل أيضا المحيط الأطلسي وبحر الشمال، فإنّ انتصاراتها الأبرز قد تحقّقت في البحر المتوسط الذي صار الوجهة المفضّلة لقادة الغوّاصات. ويفسّر ذلك بجملة من العوامل:
  • تعدّد الطرق التجارية وكثافة النشاط التجاري بهذا البحر، خاصة في الطريق بين مضيقي طارق وقناة السويس.
  • كثافة عمليات نقل العسكريين داخل هذا البحر: مجنّدي شمال افريقيا نحو الضفة الشمالية أو نحو الحوض الشرقي، ونقل الجنود الفرنسيين والانقليز نحو جبهة سالونيك وأيضا نقل الجيش الصربي نحو جزيرة كورفو اليونانية ونحو مدينة بنزرت.
  • الحاجة الملحّة إلى نقل المعدّات العسكرية والمؤونة إلى مختلف جبهات القتال المطلّة على المتوسط.
  • ملاءمة العوامل المناخية وما يتبعها من وضوح الرؤية.
هكذا وإلى نهاية 1917 أضحت سفن الحلفاء في البحر المتوسط هدفا سهلا للغوّاصات الألمانية. وقد ارتبط نجاح الألمان في هذا البحر شديد الارتباط بسياسة الحلفاء لمواجهة خطر الغوّاصات، إذ غاب التجانس والوحدة بين تلك السياسة التي تخضع لاعتبارات عسكرية بقدر ما ارتبطت بتضارب مصالح الحلفاء الذين قسموا المتوسط إلى مناطق نفوذ وتشرف كلّ دولة على عدد منها. ففي البداية تقاسمت بريطانيا وفرنسا


مسؤولية المراقبة والدفاع عن المتوسط وفق معاهدة سابقة تعود إلى 10 فيفري 1913. ثمّ وبعد التحاق إيطاليا بدول الوفاق أُدخل تعديل على التوزيع الأوّل لمناطق النفوذ التي أضحت 18 منطقة، مُشكّلة فسيفساء حقيقيّة.

علاوة على غياب قيادة وسياسة دفاعية مشتركة وموحّدة فإنّ الحلفاء عانوا طويلا من تواضع وسائلهم الدفاعية المضادة للغوّاصات. فاقتصرت تلك الوسائل على تسليح البواخر الكبرى بالمدافع التي رغم أهميّتها لا يمكنها تفادي قذائف الطوربيد أو الألغام المزروعة. فجاءت النتائج مخيبة جدّا، خاصّة وأنّ وسائل التنصّت لم تكن بالكفاءة الكافية التي تسمح بتحديد مواقع الغوّاصات.

أمام هذا الفشل تمّ اعتماد أسلوب دفاعي جديد. إنه أسلوب "الطرق المحروسة"، ويتمثل في إلزام البواخر التجارية باتباع طرق محميّة. غير أنّ هذا الحلّ لم يثبت نجاعة كبرى، فوقع التخلّي عنه في شتاء 1917-1918 لفائدة نظام "القوافل المحروسة" وذلك بتجميع السفن التجارية وإحاطتها بعدد كبير من الطوّافات ومطاردات الغوّاصات. وكانت نتائج هذا التكتيك الدفاعي مشجّعة لا سيما بعد أن أصبحت الولايات المتحدة طرفا رئيسيا في الحرب على الغوّاصات الألمانية. فتراجعت نسبة سفن الحلفاء التي أُغرقت من 5.44% في جوان 1917 إلى 2.1% في نوفمبر 1917 إلى 1.21% في ماي 1918. ثمّ لم تنفك هزائم البحرية الألمانية تتالى منذ صائفة 1918 لتنتهي بها الأمر إلى حركة عصيان كبرى في شهر أكتوبر من السنة ذاتها.

ما نخلص إليه أنّ الغوّاصات الألمانية شكّلت لمدّة تزيد على ثلاث سنوات سلاحا استراتيجيّا بالنسبة إلى الإمبراطوريات الوسطى، نشطت في عدّة مناطق خاصة بالبحر المتوسط حيث حقّقت نتائج مهمّة، ممّا كلّف الحلفاء خسائر فادحة في مستوى أسطولها الحربي والتجاري وخسائر أكثر فداحة في المستوى البشري.
وكان من بين الضحايا عدد لا يستهان به من التونسيين.


II – التونسيون والسواحل التونسية هدفا للغوّاصات الألمانية


يجدر التذكير بأنّ السواحل التونسية – الجزائرية كانت قبل قدوم الغوّاصات الألمانية مسرحا لمعركة بحرية كلاسيكية قادها الطرّادان الألمانيان "غوبن" (Goeben) و"براسلر" (Breslau).
فلم تمض إلا أيّام على إعلان الحرب حتى تمركز هذان الطرّادان قبالة السواحل الجزائرية لتنفيذ الأمر التالي: "عرقلة العدوّ ومهاجمته وفق الإمكانيات بساحل الجزائر وبطريق بنزرت- طولون لمنعه من نقل قوّاته نحو فرنسا".
وقام الطرّادان فعلا يوم 4 أوت 1914 بمهاجمة ميناءي فيليفيل (Philippeville) وعنابة، فألحقا أضرارا كبيرة بتجهيزاتهما، واضطرّت فرنسا إلى إيقاف عمليات نقل الجنود لعدّة أيّام من سواحل شمال افريقيا نحو فرنسا.

ومع انطلاق حرب الغوّاصات أضحت السواحل التونسية-الجزائرية الخاضعة لإشراف البحرية الفرنسية ومراقبتها وجهة مفضّلة للغوّاصات الألمانية نظرا لعدد من الاعتبارات:
  • كثافة حركة الملاحة التجارية بهذه السواحل.
  • دور بعض الموانئ التونسيّة والجزائرية (بنزرت والجزائر ووهران) في حشد قوات شمال افريقيا وتعبئتها نحو الضفة الشمالية للمتوسط أو نحو الحوض الشرقي.
  • استقبال ميناء بنزرت وبدرجة أقلّ ميناءي الجزائر ووهران لبقايا الجيش الصربي ثمّ تعبئتها مجدّدا إلى سالونيك.
لقد مثّل شهر نوفمبر 1915 الانطلاقة الفعليّة لنشاط الغوّاصات الألمانية بهذه السواحل. وتسبّب ذلك النشاط في إغراق عشرات البواخر الكبرى الناقلة للجنود والمعدّات، كما لم تسلم من قذائفها حتى مراكب وقوارب الصيد الصغرى. ومن بين جميع تلك الحوادث سيتجه اهتمامنا إلى العمليات التي راح ضحيّتها تونسيون أو تلك التي جدّت بالقرب من السواحل التونسية:
  • نسف وإغراق باخرة "كلفادوس" في 4 نوفمبر 1915. تعدّ هذه العملية أولى الكوارث التي تحلّ بالتونسيين جرّاء نشاط الغوّاصات الألمانية. و"كلفادوس" هي باخرة شحن فرنسية، تتبع شركة "ترانساتلنتيك" (Transatlantique)، حشدت في 2 نوفمبر 1915 الكتيبة الرابعة من الفوج الثامن لعساكر الرماة "التيرايور" التونسيين، وعلى متنها 17 ضابطا و804 بين ضباط صفّ ورجل جيش، وكانت وجهتها المغرب الأقصى. وفي يوم 4 نوفمبر بينما كانت "كلفادوس" قبالة وهران اعترضتها غوّاصة أطلقت عليها في البداية قذائف مدفعيّة، فأمر ربان الباخرة بارتداء سترات النجاة وإنزال قوارب الإنقاذ. وحسب التقرير الفرنسي فإنّ الجنود التونسيين لم ينقذوا تلك العمليّة لأنّهم كانوا في قيلولة، فلم تنزل إلى قوارب الجهة الخلفية حيث يتواجد الضباط وضباط الصفّ. وبعد أن اقتربت الغوّاصة من "كلفادوس" أطلقت مجموعة من القذائف، أصابت إحداها الباخرة مباشرة. نجا من الحادثة 133 فردا كانوا قد نزلوا إلى القوارب الخلفية، في حين هلك 688 نفرا غالبيّتهم السّاحقة من "الرماة" التونسيين قتلا وغرقا.وتفسّر فداحة خسائر باخرة كلفادوس بافتقادها إلى وسائل دفاعية (مدافع) وكذلك إلى جهاز اتصال لاسلكي (T.S.F.) ينبّه في الإبّان إلى وجود غوّاصة.
  • نسف باخرة "أورنوك" (Orenoque) في سبتمبر 1917. أبحرت هذه الباخرة انطلاقا من ميناء بنزرت في اتجاه فرنسا، وكان على متنها عدد كبير من الجنود والعمّال التونسيين. تضاربت روايات السلطات الفرنسية والناجين من التونسيين حول ظروف الحادثة، إذ لم تقرّ السلطات الفرنسية بنسف الباخرة من قبل غوّاصة، بل إنّ كلّ ما في الأمر هو اصطدامها مع مركب نفطي "بوفي" (Bouvet) الذي اشتعل ثمّ غرق. أمّا الباخرة "أورنوك" فرغم تحطم مقدّمتها فقد نجحت في الوصول إلى عنابة. أمّا هلاك عدد من الركّاب فمردّه حسب هذه الرواية إلى حالة الذعر التي انتابتهم ودفعتهم إلى الارتماء في البحر. في المقابل جاءت روايات الناجين مغايرة تماما. وهذا مثال من تلك الروايات: [أبحرت من بنزرت يوم الأربعاء الفارط بأخرتان، وكنتُ على ظهر إحداها، وضمّت 5000 شخصا بين عسكريين وعمّال ووجهتنا مرسيليا. وضمّت الثانية عددا مماثلا من الأفراد. وحوالي العاشرة التقتنا غوّاصة نسفت الباخرة التي رافقتنا، وأصابت باخرتنا بقذيفة طوربيد، فغطس الجزء الأمامي في الماء ثمّ ارتفع مجدّدا. أمّا الباخرة الأولى فاشتعلت فيها النيران وتخبّط الغرقى المساكين في الماء. في حين هلك من باخرتنا 130 فردا وتمكّنا من الوصول إلى عنابة يوم الجمعة...]


ويشير هذا التضارب حسب اعتقادنا إلى سعي السلطات الفرنسية إلى التقليل من خطر الغوّاصات وقوّتها. في المقابل صار التونسيون مذعورين من هذه الغوّاصات وفي الآن ذاته منبهرين بها إلى درجة اختلاق روايات حولها.
  • غرق باخرة "مدسيس" (Medicis): جدّت هذه الحادثة في سبتمبر 1917. وروى أحد عساكر "التيرايور" الناجين تفاصيلها: "كنتُ ضمن مجموعة 70 جنديًّا، انطلقنا من تونس إلى بنزرت حيث أبحرنا على ظهر الباخرة "مدسيس" يوم 21 سبتمبر وكان على متنها 650 جنديا تونسيا. اعترضتنا غوّاصة نسفت باخرتنا، وقد غرق الجميع باستثناء مجموعتنا المتكوّنة من سبعين نفرا، لم يفرق منها إلا سبعة أفراد. والفضل في ذلك يعود إلى قائدنا "كيبلر" (Kebler) الذي أركبنا جميعا في قوارب الإنقاذ ونزل هو الأخير إلى البحر، ولولا ذلك لغرقنا جميعا وهلكنا بسبب الانفجار في حين غرق البقيّة بسبب إهمال قادتهم".
لقد مثّلت هذه الحوادث الثلاث أبرز الكوارث التي تعرّض لها مجندون وعمّال تونسيون في عرض البحر، لكنّها لم تكن الحوادث الوحيدة، بل جدّت عدّة عمليات قرب السواحل التونسية، نسفت خلالها الغوّاصات الألمانية سفنا للحلفاء أو للمحايدين وحتى قوارب الصيد الصغيرة:
  • إغراق الباخرة الإيطالية "أنكونا" (Ancona) قرب جزيرة زمبرة وكانت محمّلة بالبرتقال والعجين الغذائي في طريقها بين نابولي والولايات المتحدة الأمريكية، وهلك 153 راكبا.
  • نسف الباخرة الانقليزية "ترينقا" (Tringa) في 26 نوفمبر 1915 من قبل الغوّاصة الألمانية 48، وكانت الباخرة تحمل 3000 طنا من الذخيرة في طريقها إلى سالونيك.
كما وردت عدّة معطيات في مراسلات التونسيين والأجانب المقيمين بتونس حول عمليات أخرى وهذه بعض الأمثلة:
  • رسالة الجندي حمودة بن بلقاسم يُعلم فيها بنسف الباخرة "دوروتي" (Dorothy) قرب مالطا يوم 10 مارس 1917 وهي في طريقها من بنزرت إلى سالونيك، ويؤكد على أنّ الباخرة لم تصل إلى وجهتها وأنّ الأمر كان فضيعا.
  • رسالة من "مارت" بفريفيل في جويلية 1917 تعلن فيها أنّ "حرب الغوّاصات تشتدّ أكثر فأكثر في السواحل التونسيّة. فمنذ أيّام نُسف طوربيد ياباني وهلك 3/4 طاقمه. ومنذ يومين كان الدور على طوربيد فرنسي".
  • رسالة من تونسي مجنّد بالقطعة الثالثة بمدينة الشابّة إلى صالح بن محمد من الفوج الثامن للرماة التونسيين: "أعلمك أنّا على ظهر باخرة حربية وأنّ طائرة مائية قدمت من صفاقس نظرا لوجود غوّاصة ألمانية ارتكبت مجزرة في السفن الإيطالية والعربية. العدوّ يجبر الطواقم على الالتجاء للقوارب وبعد ذلك يغرق سفنهم ثمّ تختفي الغوّاصة".
  • رسالة "نيكولاس فلشنوبل" يوناني بصفاقس إلى جورج شارانيس بطرابلس يعلمه بنسف إحدى المراكب الصغرى قرب جرجيس وعلى متنها 500 كلغ من الاسفنج ومن الذخيرة، ويخبره أيضا بأنّ الغوّاصة الألمانية أغرقت بقية المراكب اليونانية التي تقوم بالصيد في تلك المنطقة وأنّ طاقم الغوّاصة نهب كلّ ما وجده في المراكب.
  • رسالة مؤرخة في 22 ماي 1918 من "ديمون" (Dumont) من فريفيل إلى "بيار لابورت" بنيويورك: "إنّنا نعيش في هذه الضفة من المتوسط في حالة رعب من الهجمات... في بنزرت صدمتنا هذه الأيّام الأخيرة بعمليات نسف خطيرة. خمس أو ست سفن كبرى نُسفت منذ ثلاثة أسابيع، من بينها ثلاث في الأسبوع ذاته. وهي سفن مُتجهة نحو سالونيك. المساكين السود والسمر الذين صعدوا على إحدى البواخر الكبرى هلك من بينهم 500 فرد..."
  • رسالة من أحد أوروبيي مدينة صفاقس إلى "اللوزرانا" (Luserna) بجنيف: "الغوّاصات الألمانية القذرة قرعت أبوابنا وأغرقت قوارب عربية وزرعت الألغام. إنه فعلا أمر مُكدّر. إلى أين نصل إلى هذا الحدّ؟"
رغم ما تحمله هذه المراسلات من مبالغات فإنّها تثبت أنّ الغوّاصات الألمانية نشطت بكامل السواحل التونسية بما فيها السواحل الشرقية، مستهدفة قوارب الصيد والمراكب الصغرى تونسية كانت أو أوروبية. بل


إنّ قذائف الغوّاصات لم تستثنِ حتى المدن. فقد تعرّضت مدينة المهديّة يوم 18 جوان 1917 إلى قصف غوّاصة ألمانية ألحقت أضرارا بمنزل أحد التونسيين وبمبنى القمارق. إنّ الهدف من هذه العمليات بالسواحل الشرقية للبلاد لم يكن هدفا عسكريّا أو استراتيجيّا لضعف أهميّتها العسكرية والاستراتيجية، بقدر ما كان دعائيا نفسيا لإدخال الرعب في نفوس الأهالي وإبراز القوّة الألمانية وضعف الحلفاء.

ولمواجهة خطر الغوّاصات الألمانية بالسواحل التونسية والشمال إفريقية عموما اتخذت السلطات الفرنسية مجموعة من الإجراءات، من بينها:
  • إيفاد قائد عسكري مع كلّ باخرة تنقل جنودا.
  • التقليص في عدد ناقلات الجنود إلى باخرة واحدة أسبوعيّا على الخطوط الثلاثة التالية: الجزائر- مرسيليا، وهران-مرسيليا، بنزرت – مرسيليا.
كما دعت السلطات الفرنسية السلطات العسكرية بأهمّ المدن – الموانئ التونسية إلى تكثيف المراقبة بالسواحل ودعوة حاميات هذه المدن إلى الاستعداد للتدخل عند كلّ طارئ مع مطالبتها باتخاذ جميع التدابير الضرورية، لكن في سريّة تامة حتى لا تثير انتباه الأهالي. وتقودنا هذه الإشارة إلى مسألة بالغة الأهميّة وهي تأثير حرب الغوّاصات في الرأي العام بتونس وتأثيرها في المجندين التونسيين خاصة.

III - تأثير حرب الغوّاصات على الرأي العام بتونس

لقد أسهمت جملة من العوامل في التأثير على الحالة الذهنية للمجندين التونسيين زمن الحرب الكبرى، فدفعت قسما منهم إلى الفرار أو محاولة الفرار، وقسما آخر إلى العصيان ورفض الإبحار نحو جبهات القتال. ونجد من بين تلك العوامل:
  • تناقل أخبار الحرب وخاصة أخبار الخسائر الفادحة التي لحقت بالقوات التونسية في مختلف الجبهات.
  • قدوم عشرات الآلاف من جرحى ومرضى جيوش الحلفاء للتداوي بالمستشفيات التونسية (بنزرت وتونس).
  • تنامي الدعاية الألمانية – التركية في صفوف المجندين التونسيين، محرّضة إيّاهم على العصيان.


وانضاف إلى هذه العوامل عامل آخر لا يقلّ أهميّة وهو حرب الغوّاصات الألمانية في المتوسّط. فقد بعثت تلك الحرب الذعر في نفوس الجنود الذين تحوّل ركوب البحر عندهم إلى مغامرة لا تقلّ خطورة عن مواجهة مدافع العدوّ ورشّاشاته. وأضحى بذلك عبور البحر في نظر الكثيرين عبارة عن موت محقّق. وممّا زاد في ترسيخ هذا الاعتقاد هو الانتشار الواسع لأخبار حرب الغوّاصات وما سبّبته من كوارث للعساكر التونسيين ولسفن الحلفاء. وكانت تلك الأنباء تصل عن طريق مراسلات الجنود، وكذلك عن طريق الصحف الفرنسية. وإن نجحت السلطات الفرنسية في مراقبة هذه المصادر، فإنّها وقفت أمام مؤشرات أخرى تثبت تزايد ضربات الغوّاصات الألمانية ومن بينها تدفّق الناجين من السفن الغارقة نحو المدن التونسية (الوطن القبلي وبنزرت)، وإلغاء أو تأجيل عدّة رحلات بحرية لناقلات الجنود من الموانئ التونسية والجزائرية. ولعلّ أكبر الكوارث التي تركت أثرا في نفسيّة الجنود وعموم التونسيين، وأخذت فيهم الهلع، هي إغراق باخرة "كلفادوس" ومقتل مئات التونسيين. ومن ثَمَّة شكّلت هجمات الغوّاصات عاملا رئيسيا في نفور التونسيين من المشاركة في الحرب عبر البحر والعصيان أو عبر دفع مبلغ التعويض.

ومع انتشار أفكار الجامعة الإسلامية بين التونسيين وتعاطف قسم كبير منهم مع الخليفة العثماني في حربه ضدّ الحلفاء، فإنّ أنباء إنجازات الغوّاصات الألمانية في الجبهة الشرقية وخاصة بالدردنال كانت محطّ اهتمام التونسيين ومصدرا لتعليقاتهم المختلفة. وهو ما تشير إليه إحدى مراسلات المقيم العام الفرنسي بتونس "ألابتيت" (Alapettite): "علمت ببالغ الأثر نبأ إغراق أربعة بوارج في الدردنال. فإلى جانب الخسائر المادية المروعة، لا بدّ من ذكر الأثر المعنوي الذي سبّبته الحادثة في ذهنيّة الأهالي المسلمين وكم منهم سيتبيّن صدق التنبّؤات السائدة هنا منذ بداية الحملة ضدّ الدردنال ومفادها أنّ السلطان بمجرّد النفخ يغرق البواخر الرومية، فكأنّ المعجزة تحقّقت. طبعا نحن ساهرون على عدم إفشاء الخبر".

وراجت أخبار في نفس الاتجاه وكثرت الأحاديث حول البواخر التي وقع شحنها من تونس في اتجاه الجبهة الشرقية: في مارس 1915 "تقاذفتها أمواج البحر على شاطئ بنزرت وهي مليئة بجثث الجنود التونسيين الذين أصابتهم اللعنة قبل بلوغهم الدردنال".


يبدو أنّه من الطبيعي أن تنشأ حول الغوّاصات، وهي السلاح الجديد الذي لا عهد للتونسيين به، القصص والروايات التي لم تكن تخلو أحيانا من البعد الخرافي. فأحد الجنود شبّه الغوّاصة بالحوت الكبير، والآخر اعتبر نجاته من غوّاصة ألمانية معجزة إلهيّة بتدخّل من صلحاء البلد، ومن أجل ذلك طلب من أفراد عائلته زيارة قبور هؤلاء الصلحاء وشكّرهم.

لم يقتصر الجزع من الغوّاصات على المجندين، بل مسّ عموم التونسيين سيما العمّال المتجهين إلى الحقول والمصانع الفرنسية، بعد أن صاروا أهدافا إضافية للغوّاصات الألمانية (نسف باخرة أورانوك مثلا)، وكذلك أصحاب مراكب الصيد ونقل البضائع بعد تمركز نشاط الغوّاصات في الساحل الشرقي للبلاد، "فقد نسفت هذه الغوّاصات أعدادا كبيرة من سفن جربة ذات حمولة 4 إلى 10 أطنان وتألم الكثير من سكان جربة وتجارها".

لقد دفعت حالة الخوف هذه البعض إلى الامتناع عن القيام برحلات بحرية أيّا كانت المغريات. فأحد المجنّدين التونسيين الناجين من كارثة "أورانوك" قال: "لن أعود إلى تونس قبل نهاية الحرب حتى وإن منحوني رخصة بعام. لن أنسى قطّ ما حدث في تلك الليلة... ولاحقا وأنا في قبري سأعود بي الذاكرة إلى مشهد الموت ذاك...".

واللافت للانتباه أنّ الشعور بالخوف من خطر الغوّاصات الألمانية لم يكن حكرا على التونسيين، بل نجد صداه عند أوروبيي البلاد التونسية بما في ذلك المجندين الفرنسيين. فإحدى كتائب "زواف" (zouave) الفرنسية رفضت في 11 أكتوبر 1916 الإبحار من ميناء بنزرت إلى سالونيك خشية الغوّاصات. وضمّت تلك الكتيبة 1850 جنديا تونسيا، وفي قسم منها كان يضمّ بين أعداده أعدادا من الإسبان واليهود. ولم تبحر الكتيبة إلا بعد تهديد عناصرها بالرشاشات.

كما تذمّر عموم الأوروبيين المقيمين بتونس من هذه الحرب ومن توقف أنشطتهم الاقتصادية وتضرّرها، وعبّر عدد منهم عن عدم الرغبة في الإبحار مجدّدا: "وأنا من جانبي أفضّل البقاء في الأراضي اليابسة على أن أُجابه حاليا الرحلات البحرية". وحمل البعض الآخر مسؤولية تدهور الأوضاع إلى البحرية الفرنسية لعدم جدّيتها في مواجهة الغوّاصات الألمانية. فالفرنسي "مونرو" (Maunereau) العامل بإحدى ناقلات الفحم

بسيدي عبدالله راسل "جيل روس" (Jules Rosses) ليعلمه: "منذ أربعة أشهر ونصف لم يرَ زوجي، فتصوّر كم أنا حزين. بالنسبة لحرب الغوّاصات فلا شيء أُنجز لإبطال فعل الغوّاصات التي تواصل تحرّكاتها المسعورة مستفيدة من جمال الطقس بالمتوسّط وهدوء المياه. وصارت غنائمها أكثر أهميّة يوما بعد يوم. وإذا حصل في أحد الأيّام ولم يقع إغراق سفينة فلأنّه لا توجد سفن...".

لقد تنبّهت سلطات الحماية إلى خطورة تأثير أخبار حرب الغوّاصات وخاصة الأنباء المتعلّقة بخسائر التونسيين. فعملت على منع تسرّب هذه الأخبار عبر جملة من الإجراءات، أهمّها مراقبة المراسلات القادمة من البلاد والخارجة منها وسنسرة كلّ ما له علاقة بعدد السفن الغارقة وعدد الضحايا: "ومن المستحيل أن أقول لك بسبب السنسرة عدد الخسائر التي سبّبتها الغوّاصات بالمتوسط، لكنها مرتفعة".

وقد دفعت تلك السنسرة بعض التونسيين إلى استعمال التشفير في مراسلاتهم. فمحمد بن علي شلايفية من المهدية كتب إلى محمد التومي (رقيب بالفوج الرابع للرماة) في جوان 1917: "الحدث البارز لهذا الأسبوع شخص ألقى أربع حجارات لم تبلغ مرادها، فردّ الأول بإلقاء حجارتين لم تسبّب أيّ ضرر. سقطت الأولى على الرصيف العائم وسقطت الثانية على الفلّة وراء مصنع بن رمضان...".
والمقصود بالشخص هي بطارية الميناء، أمّا الأوّل فهو غوّاصة، والحجارة ليست إلاّ قذائف مدافع البطارية ومدافع الغوّاصة.

وحاول المقيم العام إخفاء كارثة "كلفادوس" برفض استقبال الناجين من الكارثة تفاديا لإثارة زملائهم المستعدّين للرحيل. غير أنّ جهود المقيم العام لم تمنع تسرّب أخبار الغوّاصات عبر الصحف الفرنسية التي تروي أنباء حرب الغوّاصات في أدقّ تفاصيلها. فطلب المقيم العام أن تكون الجرائد الفرنسية أكثر حذرا حتى لا تنشر الرعب في صفوف التونسيين، الذين لم تعد معلوماتهم حول الغوّاصات مقتصرة على الصحف والمراسلات، بل كان لقسم منهم اتصال مباشر مع الناجين من البواخر التي نسفت، على غرار الناجين من باخرة "أنكونا" الذين حوّلوا إلى سيدي داود، وقد وفّر لهم أهالي القرية الخبز والقهوة والحليب والبيض. وقد قدّم أهالي قليبية بتحريض من الشيخ علي النجار المأكولات والمشروبات لطاقم الباخرة البريطانية "كلان كامبل" (Clan Campbell) (18 أنقليزي و60 هندوسي).

الخاتمة

لقد سعينا في ثنايا هذه الورقة إلى التعرّف على جانب آخر من مشاركة المستعمرات في الحرب الكبرى وإسهامها في المجهود الحربي للحلفاء من خلال ضريبة الدم التي دفع ثمنها جنود من هذه المستعمرات ومن بينهم الجنود التونسيون الذين لم تقتلهم المدافع والرشاشات والغازات فحسب، بل أهلكتهم أيضا الغوّاصات الألمانية. ولا نعلم إن تحوّل هؤلاء الجنود إلى مجرّد أرقام في قوائم قتلى الحرب أم أنّهم لم يُمكّنوا حتى من نيل هذا "الشرف"، ولفّهم النسيان ولفظتهم ذاكرة الحرب. لكن على مَن تُلقى المسؤولية في الخسائر التي تعرّض لها التونسيون في عرض البحر؟ هل تُلقى على فرنسا التي أجبرت المجندين والعمّال التونسيين على ركوب البحر دون أن توفّر لهم الحماية الكافية، أم تُلقى على ألمانيا التي أغرقت سفنا دون سابق إنذار ودون أن تترك لركّابها مجالا للنجاة؟

إنّ حرب الغوّاصات لم تكن إلا مظهرا من مظاهر عنف الحرب في أبشع صوره وهو القتل الجماعي، وجسّدت في الآن ذاته تحوّلا في مفهوم الحرب وفي الثقافة المرتبطة بها. فلم تعد الحرب نزالا بين محاربين بقدر ما أصبحت صراعا بين الأسلحة والمعدّات الحربية التي غدت أكثر تدميرا ووحشية، تهلك العسكريين مثلما تفني المدنيين (نسف البواخر التجارية وبواخر المسافرين وحتى بواخر المرضى).

أخيرا فإنّ حرب الغوّاصات الألمانية ونجاحاتها في المتوسّط وأساسا قرب السواحل التونسية أثرت في الرأي العام التونسي وفي ما تمثّله للحرب وللقوى المتحاربة على الأمدين القريب والبعيد. فعلى المدى القريب أدخلت فيهم الذعر والهلع ودفعت بجانب من الجنود إلى الفرار أو العصيان. أمّا على الأمد البعيد فساهمت تلك الحرب في ترسيخ انطباع التونسيين بالتفوّق الألماني عسكريا وتقنيا.
 



صدى الحرب العالمية الأولى في تونس من خلال النصوص التشريعية الصادرة "بالرائد التونسي"أوت – أكتوبر 1914


عبد المجيد بلهادي

المقدمة


كان إصدار صحيفة "الرائد الرسمي" أو "الرائد التونسي"، حدثا مهما في التاريخ التونسي، فقد كان ذلك إشارة إلى دخول البلاد في مرحلة من النهضة الفكرية والثقافية، خاصة وأن صدورها تزامن مع إحداث المطبعة الرسمية. ويمكن القول أيضا أن لهذه الصحيفة في الوقت الحالي، مكانة هامة بالنسبة للباحثين، فهي بمثابة الخزان الذي يحوي أسرار الدولة والمجتمع، ويخبرك عن مختلف التحوّلات والهزّات التي مرّت بها البلاد منذ سنة
1860 إلى الآن. ولنأخذ مثلا على ذلك فترة الحرب العالمية الأولى، فقد كانت هذه الصحيفة ومن خلال ما احتوته من أوامر عليّة وقوانين ومراسيم بمثابة المرآة التي تعكس ما كان يدور في البلاد وفي الأوساط الحاكمة، سواء كانت التونسية أو الفرنسية، ولكنها نقلت أيضا المعاناة التي تكبّدها التونسيون جرّاء اندلاع الحرب بين أوساط أوروبية بعيدة جغرافيا، ولكنها قريبة بحكم وضع المحمية الذي كانت ترزح تحته تونس. إنّ تعدّد وتنوّع وتواتر صدور التشريعات "بالرائد الرسمي التونسي" خلال هذه الأشهر الثلاثة، أوت – سبتمبر – أكتوبر 1914، وما مثلته من عناصر أساسية للإطار التشريعي، الذي خضعت له البلاد طيلة أربع سنوات، وكذلك لانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على التونسيين زمن الحرب، كانت دافعا أساسيا لهذا العمل، الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى محاولة الإحاطة بها وتصنيفها، وإبراز مختلف تأثيراتها في واقع التونسيين الاقتصادي والاجتماعي خلال هذه الفترة، وبالتالي محاولة التعرّف عن الكيفية التي عاش بها التونسيون الحرب، من خلال ما فُرض عليهم بمقتضى هذه التشريعات التي كان تصدر بشكل يومي وخاصة خلال شهر أوت من سنة 1914؟


1 - التعبئة العسكرية


تحوّلت تونس منذ إمضاء معاهدة الحماية في 12 ماي 1881، إلى محمية فرنسية، فقدت بمقتضاها سيادتها الداخلية والخارجية. وتطوّر وضعها إثر إبرام اتفاقية المرسى في 8 جوان 1883، إلى خضوع مباشر للإدارة الفرنسية، رغم الحفاظ على وجود شكلي للسلطة التونسية. وقد نجم عن هذا الأمر تحوّل البلاد ومواردها إلى توابع لفرنسا، وكذلك تأثّرها بكلّ ما يدور في المركز أو المحيط الفرنسي من أحداث، ولذلك نلحظ أنه بمجرد اندلاع الحرب العالمية الأولى بين القوّتين الأوروبيتين دول الحلف (النمسا – المجر – وألمانيا) من جهة ودول الوفاق (فرنسا، انقلترا، روسيا) من جهة أخرى، بدأ صدى هذه الحرب يشمل البلاد التونسية باعتبارها محمية فرنسية، وامتدادا للنفوذ الفرنسي. وهو ما يمكن أن نلمسه من خلال مجموعة القوانين والتشريعات التي صدرت في تونس منذ يوم 1 أوت 1914، وهي تبيّن بصفة عامة مدى ارتباط تونس بفرنسا سواء كان ذلك في المجال العسكري أو الاقتصادي والاجتماعي.


أ – إعلان حالة الحصار


اندلعت الحرب العالمية الأولى يوم 28 جويلية 1914، في وسط أوروبا قبل أن تتسع دائرتها لتشمل أقاليم ومناطق عدّة في العالم، إلا أنها ظلت بعيدة عن تونس، بل إن معارك هذه الحرب لم تشملها طيلة السنوات الأربع التي استغرقتها. ورغم ذلك فإنها تأثّرت بأحداثها منذ الأيام الأولى لانطلاقها، فقد حمل "الرائد التونسي" ليوم 3 أوت 1914 أمرا عليّا يتعلق بفرض حالة الحصار، وهو ما يعني دخولها في أتون المعركة وإن كان مجال القصف بعيدا. إنّ إعلان حالة الحصار، وكما يبدو من مضمون هذا الأمر العلي يعني انتقال مقاليد السلطة والنظام في تونس بصفة عامة إلى السلطة العسكرية، وما ينجر عن ذلك من تضييق على الأنشطة والحريات في البلاد، فبمقتضى الفصل الثاني مثلا وقعت إحالة سلطة المحاكم المدنية إلى المحاكم العسكرية، وذلك لفرض الراحة والأمن. وأشار الفصل الثالث إلى إمكانية إنشاء محاكم عسكرية مختصة


"النظر في الجرائم والجنح المخلّة بأمن الدولة وبالسلطات المقررة وبالنظام والراحة العامة مهما (هكذا) كانت صفة مرتكبها".


إلا أن أهم فصول هذا الأمر العلي وأخطرها على الوضع العام في البلاد، وأنه يفتح بابا للانتهاكات فقد كان الفصل الرابع، الذي أعطى السلطة والمحاكم العسكرية سلطات واسعة بدعوى فرض الأمن والراحة، وهي تتمثل في تمكينها من القيام بكلّ الإجراءات التي تراها مناسبة لتحقيق هذه الأهداف، ومما يمكن ذكره في هذا الإطار أنه أعطاها حق إجراء التفتيش والمراقبة للأفراد والمحلات، وكذلك عمليات المصادرة للممتلكات، والإبعاد بالنسبة لبعض الأشخاص الذين يشكلون تهديدا للأمن العام، وكذلك منع كلّ التظاهرات والاجتماعات والمطبوعات: "المحاكم العسكرية لها الحق أولا – في إجراء التفتيش بالنهار وبالليل بمحلّ كلّ شخص مهما كانت جنسيته، ثانيا – في إبعاد أصحاب الخبائث وأصحاب الشبهات مهما كانت جنسيتهم – ثالثا – في الأمر بتسليم الأسلحة والذخائر والتفتيش عنها ورفعها، رابعا – في منع المطبوعات والاجتماعات التي يظهر أنها مثيرة للهرج".


إنّ وضع هذا الأمر العلي في إطاره التاريخي، والذي صدر بإيعاز من السلطة الفرنسية بتونس، وهو وإن كان متعلقا بظرفية الحرب، فإنّه أتى ليعزّز الإجراءات الفرنسية التي تضيّق على نشاط التونسيين، ويبدو وكأنه تتمّة لما وقع اتخاذه إثر أحداث الجلاز سنة 1911 وأحداث الترامواي سنة 1912، فقد عرف التونسيون خلال سنة 1911، إعلان حالة الحصار وإحالة مهام حفظ الأمن للسلطة العسكرية، وصدر أمر بمنع الاجتماعات والجولان والوقوف بالطريق العام، ومنع أيضا كلّ تجمع لأكثر من ثلاثة أشخاص، وأغلقت المقاهي بالأحياء العربية لمدينة تونس، ووقع كذلك أمر بتوقيف بيع ومسك الأسلحة، وصدر كذلك أمر بتوقيف صدور الصحف التونسية.


وفي أعقاب أحداث الترامواي سنة 1912 تدرجت قرارات السلطة الاستعمارية العقابية إلى نفي الوطنيين من أعضاء حركة الشباب التونسي خارج البلاد، باعتبارهم من مثيري الشغب ومن الذين يهددون الأمن، ومن بينهم علي باش حانبة ومحمد نعمان وحسن القلاتي، ووقع إيقاف صدور جريدة "التونسي" (Le Tunisien). وبالتأكيد فإن السلطة الاستعمارية قد استغلت هذا الظرف المتولّد عن الحرب لمزيد تشديد قبضتها على البلاد، ومحاصرة أي نشاط قد يضعف من نفوذها، ولكنها عمدت في المقابل إلى إصدار تشريعات تمكّنها من استخدام القوى البشرية التونسية المتاحة، لتوجيهها إما نحو ساحات القتال، أو إلى مراكز الإنتاج بفرنسا، وبالتالي توفير عوامل إسناد لها. وقد تم ذلك في نفس الوقت في إطار عمليات تعبئة عسكرية مختلفة.


ب – التجنيد واستدعاء الاحتياط


افتتح عدد غرة أوت 1914، من "الرائد التونسي"، بالإعلان عن صدور أمر علي "في استدعاء عساكر الرديف الأهلي تحت السلاح من حصة عام 1904 إلى حصة عام 1910". وقبل الخوض في مضمون هذا الأمر العلي، وكذلك في دراسة تأثيراته المختلفة، لا بد من النظر إلى الإطار العام الذي صدر فيه، وخاصة ما يتعلق بالجانب القانوني الذي يتم بمقتضاه تجنيد التونسيين وإرسالهم إلى جبهات القتال في حرب لا تخوضها فرنسا.


إنّ العودة إلى دراسة تاريخ التجنيد في تونس، تبيّن أنّه خضع لمجموعة من القوانين التي تنظم هذه العملية منذ سنة 1857، وخاصة قانون 7 فيفري 1860، ومما تضمنه، هو إجبارية الخدمة العسكرية على كلّ رجل من أهل البلاد، ووقع تحديد مدة هذه الخدمة بثماني سنوات، وأشار إلى أن لكلّ مجند الحق في تقديم عوض (شخصي أو مالي). وإثر انتصاب الحماية حافظت السلطة الاستعمارية على هذا القانون باعتباره كفيل بخدمة مصالحها، لم تدخل عليه إلا بعض التنقيحات ومن بينها تخفيض مدة الخدمة العسكرية إلى سنتين فقط بموجب أمر 8 جوان 1886، لكن أمر 26 سبتمبر 1899، رفع هذه المدة إلى ثلاث سنوات، مع بقاء الجندي المسرّح مدة سبع سنوات على ذمة السلطات العسكرية.


وكان هذا الأمر يهدف من خلال ذلك إلى تكوين جيش احتياطي، وقد وقع التأكيد على ذلك بمقتضى أمر ثان صدر في 2 أفريل 1904، الذي مكّن من استدعاء السبع حصص الأخيرة المسرّحة في الجيش من جديد، كلّما تطلب الأمر ذلك، ويسمى هذا الصنف من المجندين بعسكر "الرديف".


ضمن هذه الأطر، يتنزّل صدور الأمر العلي في 2 أوت 1914، والذي يتعلق باستدعاء جيش الاحتياط أو "الرديف" للالتحاق بالخدمة العسكرية، ووضعهم تحت إمرة القيادة العسكرية الفرنسية، باعتبار أنّ تونس جزء من التراب الفرنسي كما صرّح بذلك: "من عبد الله سبحانه المتوكل عليه المفوض جميع الأمور إليه محمد الناصر باشا باي صاحب المملكة التونسية... أمّا فإنه بعد اطلاعنا على الأمر المؤرخ في 2 أفريل عام 1904 الموافق ليوم 16 محرم سنة 1322 الصادر في إحداث عساكر الرديف الأهليين والآن باستدعاء الجيوش الفرنساوية وجعلها مستعدة للحرب وعلى لزوم المدافعة عن التراب وعلى ما عرضه علينا وزير الحرب بدولتنا وما قرره وزيرنا الأكبر أصدرنا أمرنا هذا بما يأتي:الفصل الأول: عساكر الرديف من الأهالي التونسيين من حصة عام 1904 إلى حصة عام 1910 مستدعون تحت السلاح بمقتضى الإرشادات التي يعطيها وزير الحرب بدولتنا".


هكذا توجه الأمر العلي وبمقتضى القانون إلى الحصص المسرّحة من التجنيد، ودعاها إلى العودة إلى الخدمة وإن لم يتوقف عند السبع حصص الأخيرة، وقد استثنى في فصله الثاني "عساكر الرديف الأهليين الموظفون بالسجون والبوسطة والتلغراف وإدارة الأداءات والسكك الحديدية"، ومنح الفصل الثالث جنود الاحتياط الذين وقعت دعوتهم طيلة مدة خدمتهم مرتبا يومي بقيمة 25 صانتيما، وغرامة بنفس القيمة تدفع للعائلة في كل شهر.


إنّ هذا الأمر العلي وإن أعطى بعض الحقوق لهؤلاء المجندين، فإنّه لا يخفي بالضرورة الحاجة التي كانت عليها فرنسا لهذه الطاقات وهي تخوض حربها ضدّ ألمانيا، ومما يؤكد هذه الحاجة هو أن السلطات العسكرية سمحت بعودة "الفارين من الجيش والعصاة" إلى الخدمة، إثر صدور أمر علي يوم 14 أوت 1914. ومكّن الأمر الصادر عن رئيس الجمهورية الفرنسية في 10 أوت 1914، الشبان التونسيين الذين تبلغ أعمارهم على الأقل 17 سنة، وغير مقيدين بالجيش من عقد التزامات في الجيش الفرنسي طيلة مدة الحرب.


وبصفة عامة فقد أشارت بعض الدراسات إلى تطوّر تعبئة الطاقات العسكرية التونسية عند اندلاع الحرب، والتي وقع توجيه جزء منها نحو جبهات القتال، إذ ارتفع عدد المجندين التونسيين من 2971 سنة 1911 إلى 4212 سنة 1914، وإلى غاية شهر أفريل 1915 بلغ عددهم 26797 مجندا، أرسل من بينهم 2632 جنديا إلى المغرب الأقصى وحوالي 9267 تم توزيعهم بين مختلف الوحدات العسكرية بتونس مثل حرس الباي والفوجين الرابع والثامن، وتم إرسال البقية إلى الجبهات بفرنسا. وساهمت البلاد التونسية خلال فترة الحرب بصفة عامة، بحوالي 73 ألف جندي وعامل وهي مساهمة تعد مرتفعة مقارنة بعدد السكان (أي ما يعادل 9.3%) وبالنظر كذلك إلى مساهمة كلّ من الجزائر والمغرب (1% من مجموع السكان). وقد فقد منهم حوالي 13 ألف مجند خلال معارك هذه الحرب، لكن التعويل على الطاقات البشرية التونسية والاستفادة منها اتخذ أشكالا أخرى، فمنذ 1916، تحوّلت أعداد هامة إلى فرنسا كعمال وأجراء، وقد ساهمت هذه الطاقات في إعادة البناء والتعمير إثر انتهاء المعارك.


ج – تدابير عسكرية وأمنية احتياطية


لم تتوقف تأثيرات اندلاع الحرب العالمية الأولى، عند تجنيد التونسيين لإسناد الجهد الفرنسي، وإنما توسعت إلى جوانب أخرى، فقد اتخذت السلطات الاستعمارية الفرنسية عدّة تدابير احتياطية داخل البلاد التونسية، إذ تتالت الأوامر العلية والقوانين التي وجهت بشكل أو بآخر نحو التحكم في الأوضاع الأمنية، ومراقبة كلّ ما من شأنه أن يؤثر على الوجود الفرنسي بتونس، ومما يذكر في هذا الإطار أنّ اندلاع الحرب أدى مثلا إلى صدور أوامر عليّة حول صنع ونقل الأسلحة والمتفجرات، كان الهدف منها تشديد الرقابة على رواج هذه المواد ونقلها بالبلاد. ففي 4 أوت 1914 صدر أمر علي في هذا الغرض، شدد الفصل الأول منه على أن "من بيده" أنواع الديناميت وآلات الانفجار وغيرها أن يعلم المدير العام للأشغال ومدير المحافظة العامة (القائد العسكري) بما بيده منها وكميته زمن صدوره، وذلك في ظرف ساعات 48 من تاريخ صدوره".


أما الفصل الخامس فقد أكد على ضرورة الحصول على إذن من الجهات العسكرية عند نقل هذه المواد. وفي نفس هذا الإطار صدر أمر علي في تنقيح الأمر المؤرخ في 18 مارس 1913، المتعلق بمسك الأسلحة واستخدامها، وهو الذي شدد على مسألة الحصول على رخصة لامتلاك سلاح وحمله، وذكر بالعقوبات التي تنتظر المخالفين لهذا الإجراء.


واشتملت التدابير الاحتياطية التي اتخذتها السلطات الاستعمارية، وسائل الاتصال، وهي البريد والتلغراف والهاتف، فمنذ يوم 1 أوت 1914 صدر أمر علي يتعلق بمراقبة التلغرافات زمن الحرب، ومما يمكن استنتاجه من خلاله هو أنه يأتي في إطار مراقبة كلّ المعلومات الصادرة والواردة من وإلى تونس، والمتداولة داخلها أيضا، إذ أصبحت كلّ المراسلات بواسطة التلغراف تخضع إلى تأثيرات من السلطة العسكرية أو الأمنية المدنية بالمنطقة المعنية، كما فُرض على كلّ المقيمين بتونس تحرير التلغرافات المتبادلة بينهم داخل البلاد الفرنسية باللغة الفرنسية دون غيرها، وذلك من غرة أوت سنة 1914 وإلى أن يصدر الإذن بخلاف ذلك، وأعطيت أولوية البلوغ، إلى التلغرافات العسكرية والأمنية والديبلوماسية.


وخلال يوم 18 أوت 1914، وبناء على حالة الحصار التي كانت تخضع لها البلاد، صدر قرار من الجنرال قائد الجيش الفرنسي بتونس، يحجر استخدام أجهزة التلغراف الموجودة على ظهر السفن: "آلات التلغراف اللاسلكي بتونس، يحجر استخدام أجهزة التلغراف الموجودة على ظهر السفن: "آلات التلغراف اللاسلكي بالمراكب التجارية الفرنساوية أو الأجنبية توضع تحت الختم من ساعة وصول المراكب المذكورة لإحدى مراسي العمالة ولا يمكن استعمالها لأي سبب كان إلا بعد رخصة خصوصية يسلمها المدير العام للبوسطة والتلغراف بعد المفاهمة مع الجنرال". ووقع أيضا، إيقاف التخاطب بواسطة الهاتف بين المدن، وإن استثنيت من ذلك الاتصالات الهاتفية المتعلقة بخطوط السكة الحديدية، وتم تعطيل خدمة التلغراف بين تونس وألمانيا والنمسا.


أمّا بالنسبة لخدمات البريد (البوسطة)، فقد اتخذت نفس الإجراءات الرقابية تقريبا، إذ اتخذت كلّ المبادلات البريدية والمالية بين تونس وألمانيا والنمسا، ففي 2 أوت 1914، اتخذ المدير العام للبوسطة والتلغراف دلمولينو، قرارا بإبطال "تبادل الباكوات البوسطوية بين الإيالة وبين ألمانيا والنمسا"، وأضاف إليه يوم 4 أوت 1914، قرارا ثانيا يتعلق بإبطال المعاملات المالية بين الطرفين التي تتم بواسطة مؤسسات البريد: "مبادلات مادّات البوسطة والتلغراف والاستخلاص وإرسال الأشياء الواجب خلاص قيمتها قد ابطلت بين العمالة التونسية وبين ألمانيا والنمسا وبلاد لكسمبورغ". إنّ هذه الإجراءات المتعلقة بتوقف نشاط المبادلات البريدية، وإن كان ضعيف الأهمية بالنسبة للتونسيين، باعتبار أنّ علاقتهم ونشاطهم الاقتصادي مع هذه الأطراف، كان ضعيفا، فالأكيد أنه كانت له تأثيرات أخرى وخاصة بالنسبة للجاليات الأوروبية التي استوطنت البلاد.


هكذا تنوّعت وتعدّدت الإجراءات الاحتياطية، ذات الطابع الأمني والعسكري، التي اتخذتها السلطة العسكرية والأمنية في تونس من أجل التوقي من أي خطر داخلي محتمل، أو من تسرّب عناصر أو معلومات من الخارج، قد تهدد الوجود الفرنسي في البلاد، خاصة مع وجود بذور للتمرد في تونس، قد خبرتها هذه السلطة منذ 1911 و1912. ولابد من الملاحظة أنه تم في نفس الوقت اتخاذ مجموعة من التدابير على المستوى الاقتصادي لمواجهة متطلبات الحرب، فما هي أبرز هذه التدابير؟ وما هو تأثيرها على التونسيين؟


2 – تونس تحت الحصار الاقتصادي



أ – مراقبة النشاط الاقتصادي


إنّ المتتبع لأعداد "الرائد التونسي"، خلال هذه الفترة المدروسة، لا يمكنه إلا أن يلاحظ تنوّع وتعدّد الإجراءات في المجال الاقتصادي، التي فرضتها الحرب، وبالتأكيد ما كان لها من تأثير على عدّة جوانب من حياة التونسيين، وهي تبين بوضوح، كيف أن تونس عاشت بشكل أو بآخر حالة من الحصار الاقتصادي، شبيهة إلى حد ما بحالة الحصار الأمني والعسكري. ذلك أنّ مواردها ومنتجاتها وممتلكات السكان، أصبحت بحكم القانون تحت تصرف السلطة العسكرية، فقد صدر في غرة أوت 1914، وقبل حتى أن يتم إعلان حالة الحصار، أمر علي في منع تصدير المواد الفلاحية والغذائية ومواد التموين والاستهلاك إلى خارج البلاد التونسية.


أما المواد التي شملها تحجير التصدير، فهي الحبوب ومشتقاتها من الدقيق وزيت الزيتون والخضر والغلال والأسماك والأعلاف، إضافة إلى بعض مواد المحروقات "كالغاز والإسانس والمازوت". وإن منح الفصل الثاني من الأمر العلي، مدير الفلاحة والتجارة والاستعمار إمكانية الترخيص وبشكل استثنائي، بتصدير بعض المواد وبعد الموافقة المسبقة. ووقع خلال نفس الفترة منع تصدير الذهب والفضة والنحاس. وهذه الإجراءات وإن لم يكن لها تأثير كبير ومباشر على السكان التونسيين، باعتبار أنّ أنشطتهم الاقتصادية في هذه القطاعات، باستثناء صادرات زيت الزيتون، لم تتطور إلى درجة أنها أصبحت أنشطة تصديرية، وذلك لعدّة عوائق ومن بينها سياسة الحيف التي مارسها الاستعمار تجاههم منذ 1881، فإنها أثّرت في القطاع الاستعماري الرأسمالي، بتوقف نشاطه التصديري خلال هذه المرحلة، أو تقلّصه، إلا أن السلطة الاستعمارية سمحت بمقتضى الاستثناءات بعودة التصدير لبعض المنتجات كالخمور والزيوت.



ولعلّ أهم هذه الإجراءات وأكثرها تأثيرا بصفة مباشرة على واقع التونسيين هو صدور أمر علي في 14 أوت 1914، يرخص لمدير الفلاحة والتجارة والاستعمار بالشراء الجبري، لمجموعة من المواد، بعلّة تزويد السكان المدنيين، ومن بين هذه المواد يمكن ذكر، الحبوب، وزيت الزيتون والبقول والغلال، وبعض أصناف الحيوانات كالغنم والماعز والبقر والخيول والخنازير وغيرها. ورغم أنّ الفصل الثاني من هذا الأمر العلي، ينص على أنه "يدفع ثمن البضاعة عند تسلمها"، فإن الفصل الرابع هدّد كلّ من يخفي هذه المواد أو يمتنع عن بيعها بمجموعة من العقوبات. ويمكن القول أنّ هذا الأمر العلي يسمح بشكل أو بآخر بارتكاب التجاوزات، خاصة بعد أن وقع تعديله، في 20 أكتوبر 1914، من خلال منح رؤساء المجالس البلدية والعمال حقّ الشراء الجبري لهذه المواد، وإن اقتصرت مهامهم على شراء مواد المعاش.


أمّا على مستوى مراقبة بعض النشاطات الاقتصادية الأخرى، فإن ظروف الحرب ومن ورائها السلطة الفرنسية، فقد فرضت مجموعة جديدة من القيود، إذ صدر في 27 سبتمبر 1914 أمر علي "بتحجير التجارة مع رعايا مملكتي ألمانيا والنمسا والمحلات التجارية العربية أو الأشخاص المقيمين بهما".


وصدرت أوامر أيضا حول أوقات اغلاق المقاهي والمحلات التجارية العربية، كما وقع منع بيع الخمور إلى التونسيين المسلمين. إنّ اتخاذ مختلف هذه الإجراءات، وإن تعبر بشكل واضح عن رغبة السلطة العسكرية في التحكم في الوضع الاقتصادي ومراقبته، فإنّ ذلك يتنزّل بصفة عامة في إطار "تطويع الاقتصادي المحلي حسب حاجيات الحرب"، ولا أدلّ على ذلك من أن هذه السلطة اتجهت في نفس الوقت إلى عمليات التسخير التي استفاد منها المركز بالأساس.


ب – التسخير


لقد تولد عن فرض حالة الحصار بالبلاد التونسية، منذ يوم 2 أوت 1914، أنّ الإمكانيات الاقتصادية والبشرية في تونس أصبحت موجهة عموما لخدمة أهداف الحرب والمساعدة في الجهد العسكري الذي تؤديه فرنسا في مواجهتها لدول الحلف. وقد تبيّن من خلال الإجراءات التي تقدم ذكرها كيف وقعت تعبئة الموارد البشرية وتوجيه جزء منها إلى ساحات القتال، أمّا الموارد الاقتصادية، وخاصة الغذائية والمعاشية منها، فقد منع تصديرها إلى الخارج، وذلك بهدف توفير مخزون احتياطي يمكن توجيه جزء منه لتلبية حاجيات فرنسا أو فرقها المقاتلة على الميدان. ووقع اتخاذ قرار الشراء الجبري لهذه المواد وإن كانت الغاية في البداية الحفاظ على مستوى تزويد المدنيين بتونس بدون اضطراب أو نقص.


وفي هذا الإطار تشكّلت لجنتان تشرفان على هذه المسائل الاقتصادية، وهي "لجنة تتولى النظر في المسائل المختلفة التي تخص تزويد الأهالي المدنيين"، وتضم كلا من مدير الفلاحة والمتفقد العام للفلاحة ومدير تربية الحيوانات ورئيس حجرة الفلاحة بتونس، والوكيل الذي هو مدير مصلحة الوكالة بجيش الاحتلال.


أمّا اللجنة الثانية، فهي "اللجنة المركزية للسخريات"، وتتكون من مسيو ريكاو كاهية الكاتب العام بصفة رئيس، ومسيو ماريس المتفقد العام للفلاحة والكماندان ديزار كاهية رئيس أركان الحرب في قيادة جيش الاحتلال ومسيو ناتان لفيفك كاهية رئيس التموين العسكري، وسي الشاذلي العقبي عامل أحواز الحاضرة، ومما يلاحظ من خلال تركيبة اللجنتين هو حضور ممثلي القوى العسكرية وذلك تحت تأثير حالة الحرب.


وقد تم تطبيق إجراءات التسخير على المستوى الاقتصادي، باعتماد عدة طرق، فقد صدر يوم 11 أوت 1914، قرارا يتعلق بالغرامات التي يلزم دفعها في عمليات التسخير، ومضمون فصله الأول تحديد الأجور التي يتوجب دفعها للأشخاص والحيوانات التي يقع تسخيرها، في عمليات نقل المواد العسكرية وغيرها، وتراوحت هذه الأجور بين 4 و6 فرنكات في اليوم. وفي هذا الإطار تتحدث بعض الدراسات على أنه صدر في أفريل 1915 أمر من وزير الحرب بتسخير 54 ألفا من الخيل والحمير، أمّا الفصل الثاني من هذا القرار، فقد بين أسعار شراء الحيوانات: خيل الركوب من 1500 فرنك إلى 450، وذلك حسب الصنف والنوع، خيل الجر من 600 فرنك إلى 200 فرنك.


ومع تعاظم حاجيات فرنسا لعدة مواد شمل التسخير المواد الفلاحية والمعاشية، إذ "قام المراقبون المدنيون والقياد وإدارة المصالح الاقتصادية بتحريض الأهالي على بيع منتوجاتهم الفلاحية إلى الدولة بعد أن تقرّر إرسال 25 ألف طن من الشعير إلى انقلترا وفرنسا، وحدد ثمن 100 كلغ شعيرا بـ 19,5 فرنك و 31 فرنك بالنسبة للقمح"، وامتدت عملية التسخير إلى قطاع الماشية، إذ أرسلت يوم 16 أوت 1915 بإخرتين إلى مرسيليا محملتين بـ 14 ألف خروف من البلاد التونسية، وشملت العملية أيضا مواد أخرى كالصوف والجلود.


ولحد من الإفلات أرغمت السلطات الاستعمارية الأهالي على تسجيل أسمائهم بالإدارة العسكرية مع التنصيص على عدد المواشي التي بحوزتهم، ووقع التضييق على نشاط السكان من خلال صدور أوامر سنة 1918 تمنع نقل الحبوب من مكان إلى آخر إلا بترخيص استثنائي.


هكذا وقع تطبيق إجراءات التسخير والشراء الجبري على عدّة مواد وعدّة قطاعات اقتصادية، خلال فترة الحرب، وإن كان لمثل هذه الإجراءات بعض الانعكاسات السلبية على التونسيين مثل التحكم في الأسعار، أو عرض أسعار أقلّ ممّا هو متداول، وكذلك التضييق على التجارة الداخلية، وخاصة نقل الحبوب من جهة إلى أخرى، فإن الدراسات تتحدث بصفة عامة على أن فترة الحرب كانت فترة انتعاش كبرى للاقتصاد التونسي، إذ توقف توريد البضائع الأوروبية التي كانت تغزو الأسواق التونسية وتغرقها، وتمثل عائقا أمام تطور الحرف والصناعات التونسية، كما انتعش القطاع الفلاحي نتيجة ارتفاع الأسعار، ذلك أنّ سعر القنطار ارتفع من 30 فرنكا إلى 60 فرنكا بين 1914 و1918، وهكتولتر زيت الزيتون من 100 فرنك إلى 265 فرنكا.


واستفاد هذا القطاع أيضا من عوامل مناخية ملائمة بصفة عامة طيلة فترة الحرب باستثناء عام 1914، وكذلك من تزايد الطلب الفرنسي، إذ ضمنت احتياجات فرنسا المتزايدة كما تقول بعض الدراسات "سوقا ثابتة للفلاحين التونسيين فرغم صعوبات النقل، مر المعدل السنوي لصادرات قموح البلاد التونسية ودقيقها وسميدها إلى فرنسا من 225.000 قنطار قيمتها 5.600.000 فرنك بين 1910 و 1914 إلى 240.000 قنطار قيمتها أكثر من 9.100.000 فرنك بين 1915 و 1919". وعرف قطاع تربية الماشية بدوره نفس الانتعاش، وخاصة قطيع الأغنام والماعز، وبالتالي استفادة التونسيين المقيمين في وسط البلاد أو جنوبها، غير أنّ هذه الظروف الملائمة لتحسن الوضع الاقتصادي التونسي، تلاشت بمجرد انتهاء الحرب وعودة النشاط الاستعماري بقوّة.


الخاتمة


تتضمّن المدوّنة التشريعية التونسية، خلال سنة 1914 مجموعة من النصوص، في شكل قوانين ومراسيم وأوامر علية، تتعلق بالأوضاع التي فرضها عند اندلاع الحرب العالمية الأولى. وما يمكن استنتاجه من خلال هذه النصوص، هو أنها جاءت في تناغم تام مع المصالح الفرنسية، وفي خدمتها، سواء من خلال العمل على ضبط الأمن، ومراقبة الوضع الداخلي بكلّ دقّة، أو من خلال تمكين فرنسا من استغلال الإمكانيات البشرية والاقتصادية المتاحة، والاستفادة منها. وقد تبيّن بوضوح كيف كان لهذه التشريعات انعكاسات على حياة التونسيين، قد يبدو الجانب السلبي فيها غالبا بشكل كبير، فالمجند التونسي الذي أرسل إلى جبهات القتال، عاد ليجد نفسه منبتّا عن واقعه، والاقتصاد الذي انتعش بصفة ظرفية، عاد ليشهد انتكاسة خلال العشرينات، أمّا آلاف القتلى التونسيين الذين فقدوا في معارك هذه الحرب، فإنهم قتلوا في حرب أوروبية، وفي صراع بين قوى استعمارية أوروبية، تعتبر تونس إحدى ضحاياها، ولعلّ الملفت للانتباه هنا أنّ فرنسا الاستعمارية تنكّرت إثر الحرب، لهذه الدماء وللوعود التي أطلقها بعض قادتها في اتجاه سكان المستعمرات، وعادت إلى ممارسة سياسة قمعية في تونس، تجلّت سنوات 1922، 1925 و1926.
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى