طعنة في خاصرة النيل.. هل ضحّى المغرب بالشقيق المصري من أجل سراب إثيوبي؟
صورة تعبيرية بواسطة خاص عن مصر
تبدو الذاكرة السياسية في الرباط قصيرة على نحو يثير الدهشة فعلى مدار عقود طويلة شكّلت مصر جدار صد دبلوماسي حقيقيًا حمى المصالح المغربية في جامعة الدول العربية والمحافل الدولية وتجنّبت القاهرة دائمًا استخدام ورقة “البوليساريو” نكايةً في المغرب رغم الخلافات السياسية العابرة وتقلّبات الإقليم ولم يكن ذلك مجاملة عاطفية بل قرارًا استراتيجيًا مصريًا ثابتًا باعتبار وحدة الأراضي المغربية جزءًا من منطق الأمن القومي العربي.
واليوم تردّ الرباط هذا التاريخ الثقيل بمناورة عسكرية من قلب أديس أبابا لتفعيل التعاون العسكري ونقل الخبرات الدفاعية بين البلدين والمفارقة هنا صارخة حد الصدمة فمصر التي دعمت وحدة الأراضي المغربية في الصحراء تجد نفسها أمام مشهد تنتقل فيه الخبرة والسلاح المغربي إلى دولة لا تهدد فقط وحدة الأراضي الصومالية بل تهدد مباشرة شريان الحياة المصري.
توقيع اتفاقيات تفعيل التعاون العسكري بين البلدين
الرهان الخاسر.. استبدال الثابت بالمتغير
المغامرة المغربية لا تكمن فقط في التوقيت بل في جوهر الحسابات فالمغرب يُقامر بعلاقة استراتيجية راسخة مع دولة تُعد عمود الخيمة في النظام العربي والأفريقي من أجل نظام سياسي إثيوبي يترنّح تحت وطأة الحروب الأهلية والفشل الاقتصادي والمقارنة هنا ليست أخلاقية بل حسابية بحتة فمصر دولة مستقرة وثقيلة وممتدة النفوذ بينما نظام آبي أحمد نظام متقلّب محاصر داخليًا وقابل للاهتزاز في أي لحظة.
استبدال الحليف المصري الثابت بنظام إثيوبي متغير لا يبدو “براغماتية” بل انتحارًا استراتيجيًا فإذا سقط نظام آبي أحمد غدًا وهو احتمال وارد في تاريخ إثيوبيا الحديث سيجد المغرب نفسه وقد خسر النيل ولم يكسب الحبشة وعاد بخفي حنين ولكن هذه المرة ربما لن يجد لا ظهير مصري ولا غطاء عربي.
الرسالة الخاطئة.. انتهازية لا واقعية
تحاول الرباط تسويق تحركاتها تحت عنوان “الواقعية السياسية” لكن الخيط بين الواقعية والانتهازية أرفع من أن يُرى بالعين المجردة فالتحالف العسكري مع دولة تُعد تهديدًا وجوديًا لأكبر دولة عربية لا يمكن قراءته إلا كرسالة استغناء الرسالة العملية تقول إن المصالح الضيقة داخل الاتحاد الأفريقي باتت أهم من أمن مصر المائي.
هذه الرسالة وإن منحت الدبلوماسية المغربية نشوة مؤقتة تزرع شرخًا عميقًا في شمال أفريقيا شرخًا.. لن يلتئم بسهولة.
فالأمن المائي ليس ملفًا تفاوضيًا بل خط أحمر وجودي ومن يتجاهله إنما يعلن خروجه من منطق التضامن العربي.
مقارنة لا تحتمل التأويل
المشهد يزداد قسوة حين تُوضع الوقائع جنبًا إلى جنب فمصر رغم ثقلها التاريخي وقدرتها على التأثير لم تعترف يومًا بالبوليساريو لا في لحظات القوة ولا في لحظات الضعف في المقابل يختار المغرب توقيت ذروة الأزمة المائية ليوقّع اتفاقًا عسكريًا مع الخصم الأول لمصر في أفريقيا التوقيت هنا ليس تفصيلًا عابرًا لكنه رسالة سياسية مكتملة الأركان عنوانها قصر النظر والمجازفة غير المحسوبة والتنكر للتاريخ.
عدم الاعتراف.. الضمانة التي لم تُقدّر
منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم لم تعترف مصر قط بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” هذه ليست مجرد ورقة دبلوماسية بل الضمانة الكبرى للموقف المغربي.
فمصر بثقلها العربي والأفريقي لو اعترفت في أي لحظة ضعف لانهار جزء كبير من الموقف المغربي دوليًا ومع ذلك أغلقت القاهرة أبوابها تمامًا أمام البوليساريو ورفضت حتى فتح مكتب تمثيل رغم الضغوط الجزائرية الهائلة.
العودة للاتحاد الأفريقي.. الجميل المنسي
حين قرر المغرب إنهاء سياسة الكرسي الشاغر والعودة إلى الاتحاد الأفريقي عامي 2016 و2017 كانت مصر من أوائل الدول التي قادت حملة الترحيب والتسهيل بينما حاولت قوى إقليمية عرقلة العودة وفرض شروط سياسية.
لعبت القاهرة دور الميسّر والداعم الذي أعاد للمغرب مقعده ونفوذه والمفارقة المؤلمة أن هذا المقعد الذي ساعدت مصر في استعادته يُستخدم اليوم لتوقيع اتفاقيات ربما تضر بالأمن المائي المصري.
الغاز الجزائري.. إغراء رُفض
لم تكن المواقف المصرية مجانية أو سهلة فالقاهرة تمتلك علاقات قوية مع الجزائر دولة الغاز والطاقة واحتاجت هذا الدعم في لحظات اقتصادية حرجة ومع ذلك رفضت مصر مقايضة موقفها من الصحراء بأي امتيازات اقتصادية وفضّلت تحمّل برود في العلاقات حفاظًا على ظهر المغرب أما اليوم يبدو المشهد معكوسًا مصر ترفض إغراءات الغاز بينما المغرب يركض خلف وعود إثيوبية غير مضمونة على حساب شريان حياة المصريين.
وحدة الأراضي.. خطاب ثابت
في كل المحافل الدولية تلتزم الدبلوماسية المصرية خطابًا واضحًا حول الحل الأممي الذي يحفظ وحدة الأراضي والسيادة الوطنية.
اقرأ أيضا.. المغرب يفعل اتفاقية مع إثيوبيا لتدريب عناصر الجيش الإثيوبي داخل مدارسه العسكرية
هذا الخطاب الذي يرفض الانفصال ضمنيًا هو ما يحتاجه المغرب في معركته السياسية ومع ذلك يتحالف اليوم مع دولة تهدد وحدة دولة عربية أخرى وهي الصومال في تناقض صارخ يفتح الباب لاتهامات الازدواجية.
الجامعة العربية.. الدرع الذي انكسر
لطالما كانت القاهرة بحكم موقعها ونفوذها سدًا يمنع تمرير أي قرارات عربية تُحرج المغرب في ملف الصحراء كانت هي الدرع الذي تتكسر عليه محاولات الإدانة والسؤال الآن يبدو قاسيًا لكنه مشروع ..
هل يكون رد الجميل بتقوية جيش آبي أحمد الذي يتحدى الإرادة العربية والمصرية؟
شرعنة التعنت.. الخنجر الأخطر
وأخطر ما في التحرك المغربي ليس نقل خبرة أو توقيع اتفاق بل الرمزية السياسية فإثيوبيا تسعى منذ سنوات لتصوير مصر على أنها دولة معزولة عربيًا.
صورة تعبيرية بواسطة
خاص عن مصر
اليوم يقدم المغرب هذه الهدية مجانًا سيستخدم آبي أحمد الاتفاق ليقول إن دولة عربية مؤثرة تقف معه وتتجاهل الصراخ المصري بهذا يكسر المغرب أحد محرمات الأمن المائي العربي ويمنح شرعية سياسية لنظام يهدد بعطش أكثر من مئة مليون إنسان.
تحالف الأطراف.. الضلع الثالث الصامت
لا يمكن قراءة التقارب المغربي الإثيوبي بمعزل عن الضلع الثالث الصامت وهو إسرائيل فالعلاقات العسكرية والتكنولوجية التي تربط تل أبيب بكل من الرباط وأديس أبابا تثير تساؤلًا مقلقًا هل نحن أمام إعادة إحياء لاستراتيجية تحالف الأطراف التي تهدف إلى محاصرة الدول العربية الكبرى عبر الجوار غير العربي؟ وهل قبل المغرب أن يكون جزءًا من هذه الكمشة التي تضيق الخناق على القاهرة مدفوعًا بوهم مكاسب سريعة؟
حرق الجسور.. عندما يُستعدى شعب
بعيدًا عن الحسابات الرسمية هناك خسارة أخطر فالمغرب كان يتمتع بمكانة خاصة في قلوب المصريين خارج حسابات السياسة ولكن البراغماتية الباردة التي تنتهجها الرباط اليوم تُقامر بهذا الرصيد الشعبي فالمصريون قد يغفرون اختلاف المواقف لكنهم لا ينسون من يصافح اليد التي تحاول خنقهم
هنا لا يخسر المغرب نظامًا في القاهرة فقط بل يخاطر بعداء شعب كامل.
مقامرة بلا غطاء
في النهاية يبدو أن الرباط اختارت طريقًا ذا اتجاه واحد مدفوعة بنشوة انتصارات دبلوماسية مؤقتة لكن الجغرافيا لا ترحم، والماء أثقل من الحبر.
قد تكسب الرباط ود آبي أحمد لبعض الوقت وقد تبيع أسلحة وأسمدة أو ربما قد تبيع ما هو أكثر من ذلك لكنها في المقابل تخسر الظهير المصري الذي لم يخذلها يومًا.
صفقة خاسرة بكل المقاييس فمن يضحي بالنيل من أجل سراب الحبشة سيستيقظ يومًا ليجد نفسه وحيدًا في صحراء السياسة القاحلة.. بلا ماء وبلا أشقاء.
تبدو الذاكرة السياسية في الرباط قصيرة على نحو يثير الدهشة فعلى مدار عقود طويلة شكّلت مصر جدار صد دبلوماسي حقيقيًا حمى المصالح المغربية
aboutmsr.com