من الضروري تصحيح مفهوم شائع منذ البداية: السعودية ليست في صراع مع القضية الجنوبية ولا مع المجتمع الجنوبي. هذا الموقف ثابت في الخطاب الرسمي والسلوك السياسي السعودي منذ سنوات، والخلط بين الأمرين يحجب رؤية حقيقة الصراع. الخلاف الحقيقي يتمحور حول المجلس الانتقالي الجنوبي تحديدًا، ليس من جهة كونه حركة سياسية تعبّر عن مطالب شعبية مشروعة -وأؤكد أنها مطالب مشروعة كما يعرف أي متابع ومتعاطف مع هذه القضية المحقة- المشكلة تكمن في أن هذا المجلس كيان عسكري - سياسي خاضع بالكامل للنفوذ الخارجي، ومتماهٍ في خياراته الإقليمية مع شبكة مصالح تمتد إلى إسرائيل.
عند هذه النقطة، وهذه النقطة تحديدًا، يخرج الملف من كونه نزاعًا يمنيًّا داخليًّا حول الهوية أو الحكم الذاتي، ليصبح جزءًا من صراع إقليمي أوسع على النفوذ والممرات والحدود. التمييز بين «القضية الجنوبية» و«المجلس الانتقالي» ليس ترفًا لغويًّا ولا تحذلقًا تحليليًّا، وإنما هو مفتاح مهم لفهم الموقف السعودي، ومن دونه لا يمكن فهم الموقف الحالي ولا المستقبلي. الرياض تدعم حق الجنوبيين، كل الجنوبيين بلا استثناء، في تقرير مصيرهم ضمن إطار سياسي يمني شامل، لكنها ترفض أن يتحول الجنوب إلى كيان وظيفي انتهازي يخدم أجندات إقليمية تتعارض مع مصالح السعودية الحيوية ومصالح اليمن الكبير واستقراره وعدم انفجار حرب الكل على الكل في اليمن وجنوبه تحديدًا.