الإمارات ليست طرفاً ثانوياً في الملف اليمني حتى يتكرّم البعض عليها بعبارة “جزاهم الله خير ما قصّروا” ثم يطوي الصفحة؛ هي الفاعل الأكثر انتظاماً واستدامة في تحمل كلفة الحرب، في حين أن “الشرعية” نفسها تعاني من عطب بنيوي يجعل قدرتها على أداء الواجب الوطني والعربي موضع سؤال لا موضع تزكية.
أولاً: من يحمـل العبء الفعلي؟
القول إن “الشرعية قامت بما عليها” يتجاهل أن من وفّر الغطاء الجوي والبحري واللوجستي، ومن دفع الثمن الاقتصادي والأمني والسياسي خارج حدود اليمن، هي دول التحالف وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، بينما بقيت بنية الشرعية أسيرة الانقسامات والمصالح المتعارضة بين مكوناتها.
لو كانت الشرعية قد أدّت فعلاً ما عليها، لما ظلّت عاجزة سنوات عن بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، ولما تحولت مناطق نفوذها إلى ساحات تنافس بين شبكات محلية وحزبية وقبلية، جزء كبير منها معتمد تاريخياً على الدعم السعودي وسوء استخدامه.
ثانياً: الشرعية… تركة النظام الزيدي لا “مشروع دولة”
تصوير الشرعية كـ “واجب وطني وعربي قائم” يتغافل عن أن جزءاً كبيراً من نخبها هو امتداد مباشر للنظام الزيدي القديم في صنعاء، الذي راكم الثروة والسلطة في الشمال لعقود، واحتكر مفاصل الدولة وأقصى القيادات السنية كلما برزت في الجيش أو السياسة.
هذه البنية التاريخية هي التي مهّدت عملياً لصعود مشروع الحوثي الإمامي، إذ ظلّ توظيف الورقة المذهبية والقبلية أداة لإعادة إنتاج السيطرة في الشمال، بينما يدفع الجنوب ومعظم اليمنيين من أهل السنة ثمن هذا الاحتكار منذ عقود.
ثالثاً: إخفاق النخب اليمنية لا يُحمَّل للإمارات
الإشكال الجوهري ليس في “ضغط التحالف” ولا في “تداخل الأدوار”، بل في نخب يمنية تكيّفت تاريخياً على نمط ريعي: تستنزف الدعم السعودي والخليجي، وتستخدم الورقة القبلية والمذهبية لإطالة عمرها السياسي، من علي عبد الله صالح حتى كثير من وجوه الشرعية الحالية.
تحميل الإمارات مسؤولية تعقيد المشهد مع تجاهل هذا الإرث يشبه محاسبة فريق الإنقاذ على شكل المبنى المنهار، مع إعفاء المهندس الفاسد الذي بناه؛ التدخل الإماراتي جاء على بنية مريضة، لا على دولة وطنية مكتملة المؤسسات.
رابعاً: الإخوان وشق التحالف… واقع لا دعاية
من يتجاهل دور الإخوان داخل بنية الشرعية، وعلى رأسهم علي محسن الأحمر ومن يدور في فلكه، يتجاهل عمداً أحد أهم مصادر التشظي داخل المعسكر المناهض للحوثي؛ فهؤلاء تعاملوا مع التحالف على أساس مقايضة: دعم مالي مقابل تعويم مشروعهم الحزبي، لا استعادة دولة لكل اليمنيين.
ملفات مثل تعز، وما رافقها من سوء إدارة واتهامات واسعة بسرقة المخصصات المالية والعسكرية، إضافة إلى الهجوم الإعلامي المستمر على الإمارات وتخوين السعودية، لم تكن “أخطاء فردية” بل تعبيراً عن مشروع يريد توظيف الحرب لتصفية خصومه لا لبناء دولة.
خامساً: الجنوب وتعقيد الادعاء بأن “الشرعية هي الفاعل الأقوى”
الادعاء بأن الشرعية “الفاعل الأقوى” يتجاهل أن الجنوب اليوم ليس كتلة واحدة؛ المجلس الانتقالي له مشروع واضح للانفصال، بينما حضرموت والمهرة تتحركان وفق رؤى مختلفة تماماً، وهذا التعدد في الجنوب يعكس فشل الشرعية في تقديم إطار وطني جامع.
ما وُصف بأنه “تخريب إماراتي” في الجنوب يغفل نقطة أساسية: الفراغ الأمني والسياسي الذي تركته الشرعية هو الذي استدعى بناء قوى محلية بديلة، من أحزمة ونخب وقوات أمنية، وهي القوى التي أوقفت تمدد الحوثي والإخوان معاً في أكثر من جبهة، بينما كانت بعض مراكز القرار في الشرعية تقايض الجبهات بالصفقات.
سادساً: عن “المزايدة الأخلاقية” بالشرعية
من السهل جداً استخدام لغة عاطفية عن “الحمد لله أنهم قائمون بواجبهم الوطني والعربي”، لكن المعايير الجادة لا تقيس الواجب بالتصريحات بل بالمخرجات: هل بُني جيش وطني موحد؟ هل أُغلِقت قنوات الفساد؟ هل تم تحييد الولاءات العائلية والمذهبية داخل القرار؟ الإجابة العملية حتى الآن: لا.
أخلاقياً، من يهاجم الإمارات لأنها تصدت لمشروع الإخوان، ثم يبرئ نخباً يمنية مارست الإقصاء والفساد والتطييف لعقود، يمارس انتقائية فجة: يهاجم من يدفع الكلفة ويدافع عمن أنتج الأزمة أصلاً.
سابعاً: عن السودان وصراع الإخوان
ربط الموقف الإماراتي في السودان حصراً بـ “الصراع مع الإخوان” وتجاهل تشابك المصالح الإقليمية والدولية هناك تبسيط مخلّ؛ الإخوان جزء من المشهد، لكنهم ليسوا وحدهم، والبيئة السودانية أصلاً مخترقة من قوى دولية وإقليمية متنافسة.
من يريد محاكمة الإمارات في السودان عليه أن يطبّق المعيار نفسه على كل القوى التي سلّحت ودعمت أطرافاً مختلفة هناك، لا أن ينتقي حالة واحدة ليُسقط عليها سردية مسبقة عن “طموحات إماراتية” ويغض الطرف عن مشاريع أخرى لا تقل شراسة.
ثامناً: لماذا الدفاع عن الإمارات هنا مشروع وضروري؟
لأن النقاش ليس عن “دولة ملائكية” مقابل “شرعية كاملة العيوب”، بل عن موازنة موضوعية: طرف تحالف تحمّل عبئاً عسكرياً وأمنياً واقتصادياً مستمراً، في مقابل بنية شرعية مثقلة بولاءات زيدية، وإرث صالح، وتغلغل إخواني، وعجز مزمن عن بناء مؤسسات دولة.
ولأن اختزال المشكلة في “تصرفات الإمارات” يقدّم خدمة مجانية للنخب اليمنية التي تريد الخروج من الحرب كما دخلتها: دون مراجعة، دون مساءلة، ودون أن تدفع الثمن السياسي لأخطاء عقود، بينما تستمر في استنزاف الدعم الخليجي باسم “الشرعية” و”الواجب العربي”.
بهذه المعطيات، من يريد إنصافاً حقيقياً للدم اليمني، ولأمن الخليج، ولجهد التحالف، لا يجوز له أن يعفي الشرعية من مسؤوليتها البنيوية التاريخية، ثم يحمّل الإمارات وزر تعقيدات صنعها يمنيون أولاً، واستثمرت فيها مشاريع أيديولوجية وطائفية قبل أن يدخل أي طرف خارجي على الخط.