اما اليوم: فنحن أمام انتقال من نقيض هذا المعنى تمامًا . من الفاشر لا تخرج اللغة بل الدم ، لا تنتقل الرؤيا بل عدوى العنف ، وبصورة أشمل استنساخ مرضي للفوضى .
لم يعد الأمر احتكاك ثقافات ولا تفاعل أطراف بل تهريب أزمة من جغرافيا مأزومة إلى جغرافيا هشة وكأن العبور فقد دلالته الحضارية وتحول إلى قناة تصريف للخراب .
هذا النموذج المشترك الذي يتجسد سياسيًا وأمنيًا في نمط يتكرر من الفاشر إلى حضرموت .
فعندما نضع الحالتين تحت عدسة التحليل نجد قاسماً مشتركاً كونهما أمام قوة محلية مسلحة تقدم بوصفها “مدافعة عن الحقوق” تعمل خارج منظومة الجيش الوطني ونسق الدولة وتُمنح شرعية أمنية موازية للدولة .
هنا لا يجري دعم الأمن بمعناه المؤسسي بل إحلال وظيفة الدولة بقوة بديلة تُغلف تدخلها بخطاب الضرورة وتباشر فعلها خارج أي عقد اجتماعي جامع .
هذه القوى لا تحمل تصورًا للدولة ولا مشروعًا وطنيًا بل تقوم على ولاء شبكي يتداخل فيه المال والسلاح والحماية .
يتحول السلاح من أداة دفاع أو ردع إلى وسيلة لإدارة المجتمعات بالقسر ، وتصبح القوة هي اللغة الوحيدة التي تُفرض بها الوقائع ومع الوقت لا ينتهي العنف ، بل يُعاد تدويره جغرافيًا: صراعات يُزعم تحييدها ثم يُنقل فائضها إلى ساحات جديدة وهكذا ، إنها إدارة للفوضى عبر النقل لا عبر الحل وإبقاء دائم للأقاليم في حالة توتر تسمح باستمرار الفاعل المسلح .

