في ثقافتنا السياسية، من يشاركك الخندق لا يُعاد فحص نياته بعد انتهاء المعركة. ومن يضع أبناءه في خطوط النار لا يُختزل دوره في قراءة مجتزأة. ومن يتحمّل معك الكلفة لا يُفاجأ بخطاب يُدار في العلن وكأن ما سبق لم يكن. هنا لا نتحدث عن تباين في الرأي، بل عن وفاء للشراكة، قيمة لا تقبل الالتباس حين تُعرض الوقائع بإنصاف.
ومن هنا يصبح التساؤل مشروعاً: كيف يُعاد توصيف هذا الدور وكأنه تهديد لأمن الشريك، وهو في جوهره دفاع عنه؟ كيف يُتَّهم من جاء ليحمي الخاصرة ويمنع تمدد الخطر بأنه مصدره؟ وأي منطق يسمح بقلب الوقائع، فيُسأل من دفع الثمن عن نياته، بينما تُتجاهل نتائج هذا التشكيك وتداعياته؟
في الحسابات الاستراتيجية، لا تُقاس المواقف بما يُقال عنها، بل بما تُنتجه. والنتيجة المباشرة لإدارة الخلاف بهذا الشكل هي إضعاف الثقة، والثقة هي العمود الفقري لأي تحالف فعّال. ما يُعرف بالنيران الصديقة لا يصيب هدفاً محدوداً، بل يربك الردع، ويفتح ثغرات، ويمنح الخصوم فرصاً لا يدفعون ثمنها. حين تتآكل الثقة، تتقدم الفوضى خطوة، ويتراجع الاستقرار خطوة أخرى.
الدكتور علي النعيمي