الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

chadliboubakir_893377703.jpg


كاتب ‬مذكراته ‬عبد ‬العزيز ‬بوباكير ‬يكتب ‬للشروق ‬عن ‬الجوانب ‬الخفية ‬من ‬شخصية ‬الراحل:‬

لم أكن أتصوّر يوما أن ألتقي الرئيس الشاذلي بن جديد، فقد كنت طالبا في الخارج أثناء عهدته الأولى، بعيدا عما يجري من صراعات في الساحة السياسية، ولم تكن تصلني عنه إلا النكت التي تؤلف حوله وحول أسلوب حكمه، والتي تأكدت بعد معاشرتي له طيلة ستّ سنوات، ولقاءاتي معه كل أسبوع، أنها في غالبها من نسج خصومه من بارونات النظام، الذين أزاحهم من مواقعهم بسهولة مذهلة وبصرامة قلّ نظيرها إلى حد جعل أحد الوزراء المقرّبين منه يقول "سحّتهم كلّهم دون خوف أو تردّد"، وبعضها الآخر ناتج عن جهل بشخصية الرجل الذي جمع في ذاته بين صرامة العسكري، وبين ذكاء عملي ورثه عن أصوله الفلاحية، ونزاهة يشهد له بها حتى الأعداء، ثم عشت في عهدته الثانية من دون اهتمام بها، لأني كنت فقدت الثقة في إصلاح النظام السياسي الجزائري، وكنت شبه متأكد من أن إصلاحات الشاذلي في مجال نظام الحكم والاقتصاد والتعددية الإعلامية آئلة، لا محالة، للفشل، فالنظام متصلب ورافض لأيّ نقاش حول إصلاحه في العمق وحتى من داخله.

أما بعد استقالته، فقد كنت مقتنعا ككلّ الجزائريين أن الشاذلي سواء أخرج كريم النفس من الباب الواسع أو قفز من النافذة الضيّقة، فهو في كل الأحوال غادر السياسة وطلّقها بالثلاث حاملا معه أسراره وأوهامه وخيبات أمله وحلمه بجعل الجزائر بلدا قوّيا مزدهرا، يقضي أوقاته في داره في أعالي الأبيار وإقامته ببوصفر وسفرياته للعلاج على حساب الجيش في بلجيكا.

.

أول لقاء مع الرئيس

تم لقائي الأول به بمحض الصدفة، وربّ صدفة خير من أن تسعى وراء موعد لن تحصل عليه من رئيس جمهورية. ذات يوم كلّمني صديقي إسماعيل أمزيان، صاحب دار النشر القصبة، وقال لي إنه يحتاجني في أمر مهم. ذهبت للقائه وركبنا سيارته باتجاه مجهول بالنسبة لي، وفي الطريق قال لي اسماعيل نحن ذاهبان لزيارة الشاذلي، قلت له: "أيّ شاذلي؟"، أجابني الرئيس بن جديد، لم أصدّق لكن اسماعيل حرز ذلك فأردف ستكتب مذكراته. وهكذا دخلت لأول مرة "دار النسيم" أي دار الشاذلي. اعترف قبل الوصول أن شعورا انتابني شبيه بإحساس الصوفية: "فراغ القلب" أي لا شيء. رافقنا حرسه الخاص إلى صحن الدار المليء بأنواع نادرة من النباتات والورود تبدو في صيانة جيّدة، شاهدت الشاذلي من بعيد منزويا في ركن، في تلك اللحظة انتابني شعور مزودج وخطر ببالي وكأنه خرج للتو من رواية من روايات الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز، أي باتريارك يعيش عزلة قاتلة، تأكدت فيما بعد أنها اختيار واع منه، فقد كان يرفض استقبال أي مسؤول جزائري، أما الشعور الثاني فهو أن الرجل يشبه أسدا شاخ، لكنه مازال محافظا على أنيابه ولبدته. ولم أفق من سطوة هذا الشعور إلا لما قال: "تفضل، أجلس تشرب قهوة".

.

قهوة الشاذلي ووجع العشرية السوداء

جلست ورحت أحدّق فيه. مازال محافظا على بنيته الرياضية، وقسمات وجهه لم تتغير كثيرا، وشعره يلمع بشيب وقور. إنه في شيخوخته يشبه الممثل الأمريكي جف شاندرل، الشيء الوحيد الذي تغيّر فيه هو عينه اليمنى مالت قليلا إلى الحول وكأنها يريد أن تحرج من حدقتها. فيما بعد عرفت أنه يعاني من مرض حاد في الغدة الدرقية أثر على عينيه. سألناه عن صحته وأحواله فأجاب بكلمات مقتضبة غير معير لأسئلتنا اهتماما كبيرا. بدأ يتحدث بانفعال وغضب كالانسان المجروح، وكأنه يرد على من أساءوا إليه، تحدث عن التحاقه المبكر بالثورة، هو ووالده سنة 1955، نافيا بالدليل التحاقه بالجيش الفرنسي، مندّدا بمن يروّج لذلك قصد الإساءة لتاريخه النضالي.

لم أر في حياتي أحدا يتحدث عن والده مثلما يتحدث الشاذلي عن الهادي بن جديد بحب جم وتبجيل كبير وإعجاب يبلغ حدّ التقديس. تحدث عن فترة حكمه، وعن من يسميهم الخبثاء الذين يصفون عهده بالعشرية السوداء قائلا "الله يسوّدها عليهم"، وعن الاصلاحات التي قام بها وسط معارضة شديدة من معارضيه وأصحاب المصالح "أو اللي يخافوا النار، لأن كروشهم معمّرة بالتبن"، كما يحلو له أن يصفهم. كان ينتقل من موضوع إلى آخر بارتجال ودون تسلسل، ثم يعود إلى نفس الموضوع. استمعنا إليه أنا وإسماعيل باهتمام، دون تدخل. ودّعنا في صحن البيت، وبعد خروجنا قال لي اسماعيل: "ستكون مهمتك صعبة"، أجبته: "إنها مغامرة تستحق أن تخاض".

.

جزء من الذاكرة في ذمتي..

في البيت، قضيت الليلة أفكر من أين أبدأ، وأتساءل عن مخاطر هذه المغامرة، ثم تجاوزت هذا التردّد وأقنعت نفسي أنه يجب أن أساهم في انقاذ جزء من الذاكرة الوطنية، وأن كتابة مذكرات رئيس لا تتاح لأي انسان، وأنها مغامرة جميلة جديرة بأن تعاش بكل ما فيها من أتعاب ومن أفضال أيضا. وبدأت استذكر المسار النضالي للشاذلي أثناء الثورة، رغم أنه لم يكن من عادته الحديث عن نفسه كمجاهد. فقد كان يعتبر أن ما قام به أثناء الثورة واجب أسوة بأبناء جيله، وتذكرت ردّه على عمار بن عودة لما سلّمه هذا الأخير وسام الأثير مخاطبا إيّاه: "أنت أبو المجاهدين"، فردّ عليه الشاذلي: "لا، أنا مجاهد بسيط ككل المجاهدين". حاولت أن استرجع أهم معالم ومحطات حكمه مدة 13 سنة، بما فيها من ايجابيات وسلبيات، حاولت في حدود ما أعرف أن أرسم عنه ملمحا سيكولوجيا ربّما يساعدني على معرفة الرجل معرفة أفضل. ووصلت في النهاية إلى أن أفضل شكل من أشكال الإعداد لمذكراته هو الارتجال، لكن الارتجال المنظم، أي أدعه يتحدث أكثر مما أسأل، ثم أقوم بمسك الخيوط التي تساعدني على تكوين صورة عن الرجل وحكمه وآرائه صحيحة ووافية قدر الإمكان.

وكنت أعرف أن الكثير من المؤرخين والكتّاب والإعلاميين حاولوا الاتصال به للحصول على موافقته لتسجيل مذكراته أو حوارات مطوّلة معه، لكنه رفض رفضا قاطعا. وكان يعتبر أنه من الأفضل ترك الوقت للوقت، كما يقول الفرنسيون، وأن الصمت أحيانا أفضل من الصراحة الجارحة، وأن مذكراته يجب أن تكتب وتصدر في الجزائر. من بين الذين اتصلوا به من الأجانب بينيامين ستورا والقناة التونسية "المستقلة" و"الجزيرة" و"العربية"، ومن الجزائريين محمد بن شيكو وهابت حناشي واحميدة عياشي، كما حاول معه عابد شارف، لكن الاتصال بينهما انقطع لأسباب أجهلها.

كانت خرجته الأولى بعد صمت دام تسع سنوات في 13 جانفي 2001 في دردشة في شكل مقال مع محمد بن شيكو على صفحات "لوماتان" بعنوان "حقائقي"، وفي الحقيقة كان العنوان تشويقيا أكثر منه حقائق، فالشاذلي لم يقل في ذلك اللقاء أشياء مهمة، وإنما أثار قضايا ملمّحا أنه يمكنه الحديث مستقبلا، لم يذكر أسماء ولم يستفض في الحديث عن قضايا ظلت بلا جواب إلى اليوم مهددا، انه قد يكشف عن حقائق مجهولة ومزعجة للبعض. كان ذلك رسالة واضحة الى خصوم. مازلت أذكر وقع تلك القنبلة التي فجرّها الشاذلي، وأذكر أيضا التململ الذي حدث في أوساط الاعلاميين والطبقة السياسية والأجهزة الأمنية. كان الكل يتساءل ما الذي يريده الشاذلي؟ هل خرجته محسوبة، ومن يقف وراءها؟ هل هي مجرد صدفة، أم رغبة للرجل للرد على خصومه الذين تجاوزوا حدود اللياقة في تقييم شخصه وفترة حكمه. ومما قاله الشاذلي في تلك الدردشة "إن الصمت الذي فرضه على نفسه هو اختيار شخصي ولا أحد فرضه عليه". فقد ظل كما كتب بن شيكو "مرتبطا بثبات حازم بمقاومته لشياطين الجدل، وهو الموقف الذي سمح له بالنظر الى العالم المحيط به نظرة باردة ومن دون عداوة ولا أوهام عن الرجال، ضميره مرتاح وأنه غير نادم على أي شيء قام به".

.

عندما يبكي الشاذلي الصديق بن يحيى

في اللقاء الثاني قاطعته وهو يتحدث بسؤال يبدو أنه أزعجه فردّ عليّ منزعجا "أنتم لا تفهمون"، فلذت بصمتي لكي لا أزعجه أكثر، وبعد لحظات انتبه إلى صمتي وقال لي: "لماذا لا تسألني"، فأجبت إذا كانت أسئلتي تزعجكم من الأفضل أن لا أسأل، فانتبه إلى الأمر وقال لي: "معذرة، لم أكن أقصد، وأصارحك أن الأدوية التي أتناولها تجعل مني قلقا وعصبيا إلى حد لا يطاق أحيانا، وكل محيطي وحتى زوجتي تعاني من ذلك وأولادي أيضا". بعد ذلك أصبح منشرحا ينكت. قبل أن أفارقه في صحن البيت سألته، وكان ذلك اليوم هو نصف نهائي كأس العالم - فرنسا اسبانيا والبرازيل غانا - هل تتابعون المونديال؟ أجابني: "لا، مع أني خدمت كرة القدم الجزائرية أكثر من غيري". قلت له "أنتم تحبون"، فأجابني "أفضل الغطس والتنس والشطرنج والصيد".

خلال لقاءاتي الطويلة تحدث مرّة عن الموت المأساوي لوزير الخارجية في عهده محمد الصديق بن يحيى، ولم ينه الحديث وانفجر باكيا. ووجدت نفسي في وضع حرج لا يحتمل وأنا أمدّ له منديلا من الورق ليمسح دموعه، وطال الصمت بيننا خمس دقائق، ثم قال لي "لو كان عندي من أمثاله خمسة وزراء لجعلت من الجزائر قوة إقليمية عظمى".

.

خطأ الصحفيين وجريمة اليتيمة

طلب مني مرافقته إلى عنابة، ثم الطارف، حيث التقى في جامعتها مع المجاهدين الأحياء في القاعدة الشرقية والطلبة. تحدث باسترسال مدة ساعتين كاملتين عن القاعدة الشرقية، وعن هيئة الأركان العامة، وعن ما يسمى بمؤامرة العقداء، وعن علاقته بهواري بومدين، وأشياء كثيرة. كنت أتابع، وأنا في القاعة، ولاحظت تواجدا كثيفا لمراسلي الصحافة في الطارف وعنابة. وكانت الأسئلة تتهاطل وهو يجيب. كتبت له كلمة سلّمتها لحارسه الخاص وقلت له: "قل للرئيس أن يقرأها"، وقد كتبت فيها "أن القاعة تعجّ بالمراسلين المحليين، وقد يخطئ بعضهم في فهم كلامكم أو تأويله خارج السياق". انتبه إليّ الشاذلي وبايماءة من رأسه، فهمت أنه فهم كلامي. واختتم الجلسة بالقول: "على أيّة حال، الحديث في القضايا التاريخية يطول، وأعدكم بلقاءات أخرى، والتفاصيل ستقرؤونها في مذكراتي. وبالفعل، حدث ما كنت أتوقعه، فقد كانت التغطيات الصحافية في أغلبها خاطئة، ونزعت كلام الرئيس من السياق الذي قيل فيه. ولما سألني الرئيس عن الأمر، قلت له: "إن الصحافة ارتكبت نفس الأخطاء مما يدل على أن يدا واحدة كانت وراء ذلك". وقد تألم الرئيس أثناء العشاء في إقامة الولاية، وهو يشاهد نشرة الثامنة تتحدث عن لقاء لصاحب حزب مجهري مع كمشة من مناضليه قبل الحديث عن لقاء الشاذلي الهام مع أصدقائه المجاهدين والطلبة. ولما لفت انتباهه إلى ذلك قال لي "نوّكل عليهم ربي". وهي العبارة التي كان يرددها باستمرار حين ينزعج من أمر ما.

تألم مرة أخرى وهو يقرأ افتتاحية في جريدة لا أذكر اسمها بعنوان "اخرس يا الشاذلي"، عقّب "شايف يا عبد العزيز هذه الجرائد ظهرت بفضل اصلاحاتي، وهي اليوم تريدني أن أصمت". قلت له: "سيادة الرئيس، هذه العبارة سبق لجورج مارشي، الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي أن قالها للصحفي ألقاباش على شاشة التليفزيون Taisez vous monsieur Alcabache"، فردّ: "قالها رجل سياسي لصحفي، واليوم يقولها صحفي لرئيس جمهورية". وكانت تلك الافتتاحية كتبت بعد عامين ردا على حوار أجراه باحثان يابانيان مع الشاذلي يتحدث فيه عن مراحل من حياته ونضاله. لماذا الكتابة بعد سنتين؟ السؤال مطروح.

.

أراد ان يهدي مكتبته للمكتبة الوطنية فتجاهلته خليدة تومي

كان يقضي أيامه في مطالعة الصحف والكتب التاريخية والسير الذاتية. والمبادرات الجميلة التي قام بها هو إهداءه مكتبته المؤلفة من أكثر من ثلاثة آلاف كتاب لجامعة الجزائر. ولهذه المبادرة قصة. طلب مني أن أنصحه لمن يهدي مكتبته، فأشرت عليه بالمكتبة الوطنية، وكلمت الزاوي والوزيرة خليدة، لكنها تجاهلت الأمر...

كان رحمه الله أبا مثاليا، على أخلاق سامية، عطوف حنون، وكريم النفس، وفضلا عن ذلك انسانا وطنيا مخلصا لبلده لم يغادره يوما إلا للعلاج. والجزائر هي البلد العربي الوحيد التي يعيش رؤساؤها فيها من بن بلة إلى كافي إلى الشاذلي إلى عبد العزيز بوتفليقة.

ذات يوم كنت معه في ليلة شتوية، وكان معنا أخواه العقيد المرحوم عبد المالك وحزام. ارتطمت حمامة بزجاج صحن البيت، محدثة دوّيا يشبه الانفجار، فالتفت الشاذلي، وقال لأخيه: "إنها حمامة، إن ماتت ادفنها، وان مازالت حيّة ساعدها على الطيران". كان يحب الحيوانات ويعشقها، ومما رواه لي أنه كان يرفض في شبابه إطلاق النار على الأيّل البربري الذي كان أنذاك موجودا بأعداد كبيرة في القالة والطارف، لأن الأيّل يذرف الدموع حين يصاب بطلقة.

تميّزت سياسته الخارجية بالبراغماتية والاعتدال والانفتاح. وكانت له علاقة متينة مع الرئيس الإيطالي برتيني وملك بلجيكا بودوان والملك الإسباني خوان كارلوس تجاوزت العلاقة البروتوكولية إلى العلاقة الحميمة.

دعته جامعة السوربون في الإمارات العربية للمشاركة في ندوة كبرى حول الجنرال ديغول والعالم العربي دعي اليها الرئيس الفرنسي جاك شيراك وبطرس غالي وميشال دوبري وشوفنمان وغيرهم من رجال السياسة البارزين فاستشارني وقلت له "لازم تشارك"، لكنه بعد أيام قال لي أنه لا يحبذ المشاركة، وعندما سألته عن السبب ردّ المشارقة أيّدهم ديغول أثناء عدوان 1956، وبعده لمصلحة فرنسا، أما نحن فقتّلنا، ولو شاركت وقلت لهم هذه الحقيقة لن يعجبهم الحال.

.

عندما غضب الشاذلي مني

في السنة الماضية سافرت إلى دبي للمشاركة في لجنة التحكيم لجائزة الصحافة العربية، ثم بعد ذلك إلى الكويت للمشاركة في ندوة دولية تحت مسمّى "العرب يتجهون شرقا"، أخبرته أني مسافر لمدة طويلة، لكنه نسي وظل يتصل بي باستمرار وهاتفي مغلوق. وعندما ذهبت بعد عودتي إلى بيته لأطمئن عليه، وجدته في فورة غضب عليّ لا توصف. وبعد أن هدأ عانقني قائلا: "أنا آسف أستاذ اذا كنت تريد أن أسعى لك لتعيينك في منصب مسؤولية فالأمر سهل" أجبته: "شكرا سيادة الرئيس، أنا زاهد مثلكم في المسؤولية".

وبالفعل، كان زاهدا في المسؤولية وفي الدنيا. قبل موته بأربعة أسابيع التقيته ولاحظت تدهور حالته الصحية، فلم أرد أن أطيل معه البقاء، أراد أن يودعني إلى خارج البيت، لكني رفضت ذلك بأدب. وبعد يومين كلّمني في التليفون وقال لي "سي عبد العزيز، أنت أخي، أحرص على المذكرات"، وفهمت من ذلك أنه يودّع الحياة والأحبة، ومن خانوه، ومن جعلهم رجالا، وكما كتبت في الشروق هو ودعهم وشيّعهم، وليسوا هم من ودعوه ومن شيّعوه.
 
التعديل الأخير:
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

مقتطفات من مذكرات الشاذلي بن جديد "ملامح حياة"

cha_1_247176510.jpg


كانت خطواتي الأولى في عالم السياسة تحت تأثير الوالد الذي كان مرشدي الحصيف في هذا الميدان، كنت، بالطبع، أسمع بأسماء مصالي الحاج وفرحات عباس والشيخ الإبراهيمي، لكنني لم أكن أدرك، في مثل سني، مغزى الصراعات التي كانت تجري آنذاك بينهم وبين الإدارة الإستعمارية، كان مستوى النقاش السياسي يتجاوز حدود مداركي. لذا كان علي أن أتعلم بنفسي.



وجدتني وأنا بعد شاب يافع أدخل عالم السياسة من باب الإنتخابات. فقد شجعني والدي على المشاركة كمراقب في انتخابات 1947 التي جرت بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون الأساسي للجزائر الذي رفضته كل الأحزاب الوطنية. واختارني لأداء تلك المهمة معلم فرنسي كان يرأس مركز الإنتخابات في أولاد دياب لحثهم على التصويت على لوائح الحزب، وإفشال التزوير الذي كنا نخشى منه، كانت أول تجربة لي اكتشفت خلالها المبادئ الأولى للعمل الحزبي، وأهمها الدعاية السياسية وتنظيم التجمعات والخطب وتوزيع الملصقات .

في المركز الذي عملت به حاول القايد مختاري أن يؤثر في سير الانتخابات، فجلس بطريقة استعراضية على كرسي بالقرب من الصندوق، ولم يتوقف عن التحديق باستفزاز في وجوه الناخبين لترهيبهم ودفعهم إلى التصويت على قوائم الإدارة. طلب مني والدي أن أسأل المسؤول عن المركز عن أحقية هذا القايد التواجد معنا هنا.

وحين سألته قال لي ليس من حقه، ثم طلب منه أن يغادر المكان. قبل خروجه شتمني هذا القايد وهدد بالانتقام مني. وبالفعل، شكاني إلى الدرك الذي ظل يترصد تحركاتي عدة أيام لاعتقالي في أطراف البلدة، فاضطررت إلى الهروب إلى عنابة في سيارة »طراكسيون« للنائب في المجلس الجزائري باي العڤون. كان هذا القائد صديقا للعائلة، ثم أصبح عدوها اللذود وسببا في العديد من المشاكل التي لاحقت والدي فترة طويلة.

عاد والدي إلى عمل الأرض بعد انقطاعه عنها أثناء فترة نفيه وسنوات الحرب العالمية الثانية. كانت أراضيه تقع في سهل عنابة بمحاذاة الواد الكبير الذي ينبع من الحدود التونسية وتصب مياهه في البحيرة الكبيرة المسماة المخاضة والممتدة من موريس إلى مكاني عرف بـ 45. وكانت المياه تغمر المنطقة كلها في فصل الشتاء، فيضطر السكان إلى استعمال البطاح للانتقال بين ضفتي البحيرة.

وكان الوالد يسعى إلى تقليد المعمرين في طريقة تنظيم العمل والسقي وجني المحاصيل، واقتنى الآلات الزراعية الحديثة لاستعمالها في فلاحة أراضيه، ومازالت بقايا الجرار التي اشتراه في الخمسينيات موجودة إلى اليوم، أمام ما تبقى من بيتنا الذي هدم خلال الثورة.

كان التنافس بينه وبين معمري المنطقة شديدا، لكنه لم يكن متكافئا. ذات يوم قال أحد المعمرين، باستخفاف، لوالدي وكنت أترجم بينهما:

»يا سي بن جديد السماء واسعة ومليانة غبار، وإذا بقيت تنظر إليهما يتعمروا عينيك بالغبار«. ومن الواضح أنه كان يقصد من وراء كلامه لا تحاول أن تقلدنا لأنك لن تصل إلى مستوانا مهما بذلت من جهد.



وكانت الإدارة، من جهتها، تثقل كاهل والدي بالضرائب. وكانت ترسل إلى أراضيه مفتشين لجرد أملاكه ومحاصيله. وذات مرة سجل المفتشون في الجرد أن الهادي بن جديد يربي الخنازير. ولما ذهب الوالد يشتكي في مدينة القالة محتجا بأن المسلمين يعتبرون الخنزير حراما ولا يربونه، كان ردهم الوحيد »ادفع الضرائب وسنرى فيما بعد«. كانوا يعرفون أنه لا يربى الخنزير، لكنهم أرادوا الضغط عليه وتركيعه.

إلا أن والدي لم يستسلم للأمر الواقع. فكان يتعاون أحيانا مع بعض المزارعين الأوروبيين، منهم صديقه المعمر الفرنسي برنار. كانا يشتريان الماشية الراهمة من الفلاحين في سوق موريس ـ بن مهيدي حاليا ـ ويقومان بتربيتها وعلفها جيدا في »السبعة« الغنية بالأعلاف، ثم يبيعانها في أسواق المنطقة بأسعار مضاعفة. وكانت أسواق المنطقة فرصة أسبوعية للفلاحين لبيع وشراء البقول والماشية وعقد الصفقات وتبادل المنافع. وكنت من حين إلى آخر أرافق والدي في عربة خيل إلى سوق موريس Morris أيام الأربعاء وبلاندان Blandan أيام الإثنين.

في تلك الفترة اشترى والدي فرسا بعدما أصبحت غير صالحة للسباقات التي تقام في عنابة. كان فخورا بها ويعتني بها شخصيا. ذات ليلة تسلل مجهولون إلى الإسطبل واخرجوا الفرس، واقتادوها إلى مكان غير بعيد، وقتلوها رميا بالرصاص. والمؤكد أن ذلك كان تحديرا واضحا للوالد من أن الرصاصة القادمة ستكون من نصيبه، إن هو واصل تعنته ومشاكساته.

كنت في الغالب مساعد الوالد في تنظيم العمل فوق أراضيه، أقوم عادة بعمل المحاسب. كنا ندفع للفلاحين تسبيقات ونقتطعها من أجورهم بعد ذلك، أتذكر أنني كنت أساعدهم بمواد غذائية دون علم والدي. وأعتقد أن العطف الذي لازمني طيلة حياتي على الفلاحين مصدره احتكاكي بهم حين كانوا يعملون في أراضي الوالد. كان عمل الأرض، في ذلك الوقت، شاقا وصعبا بالفعل. وكان الفلاحون يشتغلون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وكان أغلبهم عمالا موسميين قدموا من مناطق الشاوية والمناطق الحدودية الفقيرة بعد أن دفعتهم المجاعة والبطالة والحاجة إلى سهل عنابة الخصب بحثا عن الرزق.

وكانوا يقيمون بعائلاتهم طيلة موسم الحرث وجني المحاصيل.

في أراضينا كان يعمل خماسون ـ أي الفلاحون الذين يأخذون، كما هو معهود، خمس المحصول ـ وخضارون، وهم الفلاحون الذي كان والدي يوظفهم في موسم جني محاصيل الكاكاو والتبغ والقمح والشعير والحبوب الجافة إلى غير ذلك مما كنا ننتجه من خضر. هؤلاء كانوا يأخذون نصف الغلال بعد خصم البذور والتكاليف الأخرى.

أما المعمرون فقد كانوا يستغلون هؤلاء الفلاحين أبشع استغلال، واخترعوا في ذلك الوقت عبارة تدل على مدى احتقارهم لهم، وهي le burnous de 1 Arabe suer، التي يمكن ترجمة معناها »اجعل الفلاح يعمل حتى تنهك قواه الجسدية وينضج برنوسه عرقا«. ولا شك أن هذه العبارة تدل، في الوقت نفسه على نوع من الكفاية الذاتية والإدعاء والمعجرفة أقامها معمرون من أمثال Beugin, Magran, Cardenti, Albertini, latril, Zamit ومن جاء من بعدهم، على عرق ودماء الجزائريين. فبعد أن بسط هؤلاء يدهم على الإدارة المحلية، خالقين بذلك »لوبي«، قويا في المجالس المنتخبة، شرعوا في الإستيلاء على أراضي العروض عن طريق الإبتزاز والمصادرة والتهديد وتفكيك الروابط الأسرية لدفع بعض أفرادها إلى بيع أراضيهم، وتمكن بعضهم من تملك آلاف نظرا لشساعتها، بواسطة طائرة. وبالإضافة إلى الاستغلال كان بعض المعمرين يبتز الفلاحين في حقوقهم، فبرتانيا، مثلا، كان يدفع للفلاحين قسيمات تشبه العملة ليشتروا بها المواد الغذائية من مخازنه، أي أنه كان يدفع لهم رواتب بيد ليستردها باليد الأخرى.

لم يكن العمل الفلاحي في أراضي والدي يستهويني حقا. فقد قضيت طفولتي وجزءا كبيرا من مراهقتي في مدن عنابة ودارال وموندوفي، وفقدت مع مرور الوقت ارتباطي بالريف، ولذلك استأذنت الوالد للمشاركة في مسابقة بمركز التكوين المهني في عنابة، يسمى اليوم واد القبة. وشارك معي في المسابقة، أيضا، ابن خالي مبروك، لكن النجاح لم يحالفه. كان ذلك في نهاية 1947، كنا نتلقى دروسا نظرية وتطبيقية في ميدان البناء والكهرباء ومختلف المهارات اليدوية. وكنا نخضع في هذا المركز، الذي كنت مسؤولا فيه عن المرقد، إلى نظام داخلي صارم. كان هذا النوع من التكوين ذا مستوى عال، ولم يكن متاحا إلا لقلة من الجزائريين.

في ذلك المركز بدأت اكتسب الوعي، بفعل الاختلاط بتلاميذ من مدن أخرى، مثل قالمة وعنابة، كانوا يدرسون معي، وشرعنا في المركز نجمع بانتظام الإشتراكات لحركة انتصار الحريات الديمقراطية، رغم ضعف المنحة التي كنا نتقاضاها. في نهاية كل شهر كان أحد مناضلي الحركة، لا نعرف حتى اسمه، يتصل بنا لاستلامها، لم تكن الشعارات السياسية التي كانت ترفعها الأحزاب الوطنية آنذاك مفهومة بالنسبة إلينا. وكان مفهوم الاستقلال الوطني حلما غامضا، لكن اقتناعنا به كان راسخا. وعزز هذا الإيمان ما كنا نلاحظه من ظلم وتعسف. كنا نشاهد أجانب من المالطيين والإيطاليين واليهود يستقرون في سهل عنابة ويجدون العمل بسهولة وتوفر لهم الإدارة كل الإمكانات للنجاح، أما الجزائريون فكانوا يطردون من مناصب عملهم لأبسط الأسباب. وقد طردت، شخصيا، من إحدى الورشات لسبب تافه.

تخرجت من مركز التكوين المهني بدبلوم لم يفدني كثيرا في حياتي العملية، وحين غادرت المركز طلب مني أحد المعلمين أن أقترح عليه من يخلفني في الإشراف على المرقد، فوقع اختيار على مصطفى سرايدي الذي تحمل مدينة سرايدي اسم عائلته اليوم، بعدما كانت تسمى في العهد الإستعماري بيجو Bugeaud. كان مصطفى نشيطا وذكيا وأكثرنا وعيا وتبصرا. لقد فقدت عائلته في حوادث 8 ماي 1945 وخلال حرب التحرير العديد من الشهداء. أما هو فقد إلتحق بصفوف الثورة سنة 1956، وكان يقود فوجا من الفدائيين في مدينة ڤالمة واستشهد في السنة نفسها. وكان لي صديق حميم آخر هو محمود، وكنا نسميه ولد الرومية لأن مربيته فرنسية الأصل. كنا كل مساء بعد الدروس نخرج للتنزه في شوارع عنابة، ونغامر أحيانا بالذهاب إلى ساحة Bertagna ـ ساحة الثورة اليوم ـ التي كانت آنذاك فضاء خاصا بالأوروبيين، وكان أكثر ما يستهوينا آنذاك الأفلام السينمائية وكرة القدم، فكنا نتردد على دور السينما وملاعب كرة القدم في نهاية الأسبوع. وكانت أكثر المقابلات إثارة هي التي تجمع بين فريقي عنابة وڤالمة. ورغم التنافس الشديد بين الفريقين، إلا أن كرة القدم كانت آنذاك تعبيرا عن الإنتماء إلى وطن وعقيدة.
 
التعديل الأخير:
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

اللقاء بعميروش

حين كنت أتماثل للشفاء من الجرح الذي أصيبت به في رجلي اليمنى التقيت عميروش في دكان أحمد القبائلي بسوق الأربعاء، كان قد دخل تونس في نوفمبر 1956 بعد إخفاقه في مهمة إصلاح الأوضاع المتردية في الأوراس. وقد رسخ في ذاكرتي كما هو في صوره المعروفة: طويل القامة، ذا بنية قوية، ونظرة ثاقبة بقشابيته المزرقشة وشاشه. كان عميروش شديد الحرص على وحدة صفوف المجاهدين، وقد قام بعدة وساطات سواء في الولاية الأولى أو تونس. وفي 1959 وفي طريقه إلى تونس لتوضيح الأوضاع مع الحكومة المؤقتة استشهد هو والعقيد الحواس في جبل ثامر في ظروف غامضة. وشاء المولى تعالى أن أكون الإنسان ـ بعد أن أصبحت رئيسا ـ الذي اكتشف أن جثتي عميروش والحواس موجودتان في قبو بالقيادة العامة للدرك الوطني. فأمرت دون تردد، باستخراجهما من هناك وإعادة دفنهما في مربع الشهداء بالعالية.

.

دفن صاحب البشرة السوداء

في سيدي طراد، دُفن المفكر والمناضل فرانز فانون، هذه حقيقة أراد البعض إخفاءها، وحتى في الملتقيات التي تنظم سنويا حول شخصيته وفكره لا يشيرون إلى أن الشاذلي هو من واراه التراب. توفي فانون في مستشفى بميريلاند في الولايات المتحدة بعد إقامة فيها للعلاج من مرض اللوكيميا. وكنا آنذاك نسمع باسمه، ونعرف أنه مثقف من جزر المارتينيك التحق بالثورة الجزائرية، على غرار العديد من الثوار والمثقفين الأجانب، وأنه عمل في تونس مع عبان رمضان في في قسم الإعلام، وشارك مشاركة فعالة في التعريف بالثورة الجزائرية من خلال كتبه ومداخلاته في الملتقيات الدولية وعمله الدبلوماسي خاصة في إفريقيا. ولا أدري مدى صحة ما أشيع آنذاك عن وجود تواطؤ بين الفرنسيين والأمريكيين حتى لا يعالج فرانز فانون من مرضه.



قبل موته ترك رسالة إلى أصدقائه يطلب فيها منهم أن يدفن في الجزائر في مقبرة للشهداء. لما توفي نقلوا جثمانه إلى تونس، واتصلت الحكومة المؤقتة بقيادة الأركان بحثا عن مقبرة للشهداء، لكنهم لم يجدوا أية مقبرة للشهداء. لما توفي نقلوا جثمانه إلى تونس، واتصلت الحكومة المؤقتة بقيادة الأركان بحثا عن مقبرة للشهداء، لكنهم لم يجدوا أية مقبرة في تلك المنطقة. في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 1961 اتصل بي من تونس الملازم الأول آيت سي محمد، السكرتير العام لهيئة أركان الشرق سابقا، مستفسرا عن وجود مقبرة الشهداء في المنطقة الشمالية للعاليات. أخبرته أننا ندفن شهداءنا في مقبرة سيفانة الواقعة في الجهة الجنوبية من سيدي طراد. وفعلا كنا قد دفنا 12 شهيدا احترقوا بأسلحتهم بعد أن قنبلتهم طائرة أغارت عليهم فجأة في مرتفعات سيدي طراد.

لكن بدل إرسال جثمانه ودفنه سرا، قامت الحكومة المؤقتة بإعلان وفاة فرانز فانون، وأكثر من ذلك أعلنت أنه سيدفن في مقبرة للشهداء بالتراب الجزائري. ربما كانت للحكومة المؤقتة حسابات سياسية كنا نجهلها، لكن الإعلان عن دفن فرانز فانون بالتراب الجزائري سبب لنا مشاكل كثيرة، وكدنا ندفع الثمن غاليا. فبعد أن علمت فرنسا بالخبر أرسلت طائرتين من نوع ب 26 ظلت تحلق باستمرار على طول الحدود في المنطقة المعروفة no man's land وتبحث عن أي شيء يتحرك لقنبلته.

قمنا بحفر القبر ليلا، وهيأنا كل شيء لدفن فانون. في اليوم الموالي جاء وفد يمثل الحكومة المؤقتة وقيادة الأركان وأحضر معه الجثمان إلى واد بغلة. كان ضمن الوفد محمد الصغير نقاش، مسؤول الصحة في جيش التحرير الوطني، والطبيبان يعقوبي وبونفة، وممثلة عن الصليب الأحمر الدولي، والصحافيان اليوغسلافيان بيتشار ولابيدوفيتش.

وقد استغربت تصرفات بعض أعضاء الوفد الذين جاؤوا لالتقاط صور أمام نعش الفقيد. ولما وصلنا إلى الحدود قلت لهم إنني لا أستطيع أن أغامر بهم لأنهم يجهلون مخاطر المنطقة، وأن الطائرات مستمرة في التحليق والتصوير، وإنها ستكشفنا وستقمبلنا. عاد الفود من حيث جاء، ودفننا فانون بمقبرة سيفانة بعد أن أدينا له التحية العسكرية، ودفنا معه، كما أوصى بذلك، كتبه »سحنة سوداء وأقنعة بيضاء«، »العام الخامس للثورة الجزائرية«، و»معذبو الأرض«. وبعد الاستقلال أعاد المجاهدون في شهر جوان 1965 دفن رفاته بمقبرة الشهداء بعين الكرمة.

.

في جيجل

وفي الوقت الذي كانت فيه الفيالق الموالية للقيادة العامة في بوسعادة تنتظر السير نحو العاصمة، كلفني هواري بومدين بتهجيز الفيالق المتبقية من الجمهرة وفيلقين من الولاية الثانية والتوجه إلى مدينة جيجل. دخلنا جيجل أنا والعربي برجم، وقمنا بتنصيب ستة فيالق بأعالي المدينة في ثكنة le camp chevalier التي أخلاها الجيش الفرنسي والفيلق السابع عشر في جبال تاكسنة. وكان سكان جيجل مندهشين وهم يشاهدون مدينتهم تتحول بين عشية وضحاها إلى ما يشبه ثكنة في الهواء الطلق. كنا في حالة استنفار دائم نتابع تطورات الوضع. وكان مجال تحركنا يمتد حتى سوق الاثنين. أي الحدود مع الولاية الثالثة. وقد حدد لي هواري بومدين مهمة واضحة ودقيقة وهي تحييد الولاية الثالثة. فقد كان يخشى أن تتحالف لجنة الاتصال والدفاع عن الجمهورية التي أسسها في تيزي وزو كريم بلقاسم ومحمد بوضياف مع الولاية الرابعة لاحتلال العاصمة. وكانت مهمتي تتمثل في احتلال القواعد الخلفية في بجاية وتيزي وزو والدخول من هناك إلى العاصمة في حال تحرك جنود الولاية الثالثة باتجاهها.

في الأسبوع الأول من شهر أوت تم التوصل إلى اتفاق بين كريم بلقاسم بوضياف ومحند أولحاج من جهة، وممثل التحالف بن بلة وقيادة الأركان، أي ما عرف بجماعة تلمسان، من جهة أخرى. وقد لعب محند أولحاج دورا كبيرا في إقناع الأطراف المتصارعة بالإصغاء إلى لغة العقل ونبذ الأطماع وأفضى ذلك إلى الاعتراف بالمكتب السياسي كأعلى هيئة سياسية. وإثر ذلك اتصل بي هواري بومدين وأطلعني على فحوى الاتفاق وآخر تطورات انسحاب جنود الولاية الرابعة من العاصمة.

بلغ تأزم الوضع درجة لا تطاق فاضطرت قيادة الأركان بالتنسيق مع المكتب السياسي إلى إعطاء أمر يوم 30 أوت بالسير نحو العاصمة وشاركت في القوات الزاحفة نحو العاصمة قوات الولاية الثانية والأولى والسادسة والخامسة.

وبعد خمسة أيام انتهت محنة اقتتال الإخوة الأشقاء بدخول جنود القيادة العامة وعلى رأسها بومدين منتصرة إلى العاصمة. وبدأت مرحلة جديدة ستكون هي الأخرى زاخرة بالأزمات والمحن.

انفرجت أزمة صائفة 1962 بدخول جيش قيادة الأركان إلى العاصمة يوم 9 سبتمبر، وتلاشت أحلام أولئك الذين كانوا يغذون اقتتال الإخوة الأشقاء، واستعاد الشعب الأمل بعد التمزقات والصراعات التي أعقبت وقف إطلاق النار وكادت أن تزج بالبلاد في دوامة حرب أهلية لا تحمد عواقبها. كانت صرخة »سبع سنين بركات« أقوى من طلقات الرصاص.

لقد تأسفنا كلّنا لسقوط ضحايا أبرياء في المواجهات بين قيادة الأركان وقوات الولاية الرابعة، ولم يكن من السهل رؤية أولئك الذين كانوا بالأمس في خندق واحد يوجهون السلاح إلى صدور بعضهم البعض. لكن كان لابد من حلّ، حتى لو تم عن طريق القوة، لتجاوز تلك المحنة العصيبة التي احتكم فيها الخصوم إلى أهوائهم ورغباتهم وطموحاتهم الجنونية أكثر من احتكامهم إلى العقل والرزانة وضبط النفس إزاء خطورة الموقف.

أصبحت قيادة الأركان، في وقاع الأمر، هي القوة الوحيدة في الساحة القادرة على حسم أي موقف بفضل تماسك وانضباط جنودها والتفاهم حول قيادتهم. وحتى أولئك الذين كانوا ينازعون قيادة الأركان السلطة باسم الشرعية حينا، وأولوية السياسي على العسكري حينا آخر، أو يتهمونها بمحاولة فرض حل عن طريق القوة كانوا في قرارة أنفسهم يخطبون ودها.

لقد خرجت، بالفعل، قيادة الأركان العامة منتصرة من هذه الأزمة - المحنة، وكان أعضاؤها يشعرون أنهم جنبوا الشعب امتحانا عسيرا ومزيدا من إراقة الدماء ووضعوا حدا للسباق الجنوني نحو الحكم واقتسام غنائم الحرب. وفضلا عن هذا الشعور كانت قوتها الضاربة، 24 ألف جندي وتأييد الولاية الأولى والخامسة والسادسة لها، تؤهلها إلى طرح نفسها بكل ثقة في النفس كطرف فاعل أو على الأقل كحكم في أية تسوية سياسية.

في نهاية سبتمبر جرى الإعلان عن تشكيل أول حكومة للجزائر المستقلة برئاسة أحمد بن بلة. كانت، بلا شك، حكومة تسوية، تنازلات متبادلة، ونجح هواري بومدين في افتكاك خمس حقائب وزارية، واحتفظ لنفسه بوزارة الدفاع الوطني. كان بن بلة في البداية مترددا في قبول منصب رئاسة المجلس.

وهكذا هي الحال دائما معه...



وما من شك أن سبب تردده يعود إلى خوفه من أن يظهر في أعين معارضيه والرأي العام على أنه أصبح سجين قيادة الأركان، خصوصا وأن خصميه، آيت أحمد وبوضياف، كانا لا يترددان في التصريح بذلك متهمين إياه بالنزوع إلى الزعامة. لكن بومدين نجح في إقناعه في النهاية بعد العديد من اللقاءات التي جمعته به في فيلا ريفو بتلمسان، رفقة ضباط مجاهدين، وبعد أن قدم له ضمانات بدعم الجيش له وتعهد هذا الأخير بحفظ الأمن والاستقرار. أصبح جيش التحرير بعد دخوله العاصمة جيشا وطنيا شعبيا أنيطت به مهام جديدة. وكانت المهمة العاجلة التي أولاها هواري بومدين عنايته الخاصة هي تحويله من جيش مكوّن من قدماء مجاهدين إلى جيش نظامي عصري، من جيش تحرير إلى جيش بناء. أنشئت على المستوى المركزي مديريات جديدة للتخطيط والمالية والتسليح والمستخدمين أسندت في غالبها إلى الضبط الفارين من الجيش الفرنسي، أما الضباط المجاهدون فقد كلفوا بالنواحي والوحدات. وقد تسببت هذه التعيينات في إحداث شرخ في قيادة المؤسسة العسكرية ستظهر نتائجه بعد سنوات قليلة. كان الضباط المجاهدون لا يثقون في الفارين من الجيش الفرنسي بسبب التحاقهم المتأخر بصفوف الثورة ويتهمونهم بالسعي إلى إقصائهم وتهميشهم باسم الخبرة والتقنية. حنكة بومدين نجحت في تجاوز ذلك الخلاف الموروث منذ سنوات حرب التحرير. ورغم ذلك كله انصرف اهتمام قادة النواحي إلى إعادة تنظيم الوحدات وإدماج الجنود المسرحين في الحياة المدنية والتكفل بمشاكلهم الاجتماعية.
 
التعديل الأخير:
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

«إنكم شعب عظيم وبلدكم بلد جميل»

أسعفتني الظروف بزيارة بعض البلدان تحضرني اليوم ذكرياتها.

وكان لي خلالها حظ اكتشاف تجارب شعوب أخرى، استفدت منها كثيرا في مسيرتي كقائد عسكري وسياسي. ويتعلق الأمر بالصين ومصر والمغرب وكوبا والاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا وأوغندا. وقد زرت هذه البلدان إما ممثلا شخصيا للرئيس هواري بومدين، أو ممثلا لمجلس الثورة. وكان أكثر ما رسخ في ذاكرتي لقائي بالزعيم الصيني ماوتسي تونغ والرئيس المصري جمال عبد الناصر.

كانت أول رحلة قمت بها إلى خارج الوطن بعد الاستقلال إلى الصين البعيدة، وكان ذلك في أكتوبر 1963. واليوم لا أتمالك نفسي في استرجاع ذكريات تلك الزيارة. استدعاني هواري بومدين إلى وزارة الدفاع الوطني، وكلفني بترأس وفد عسكري هام يضم قادة أركان النواحي العسكرية لمشاركة الشعب الصيني احتفاله بالذكرى التاسعة والعشرين للمسيرة الكبرى، وكان هناك وفد مدني آخر قاده إلى بكين وزير الدولة عمار أوزقان. أعترف أني كنت مسرورا ومرتبكا في آن واحد. مسرورا لأن الفرصة أتيحت لي لزيارة بلد صديق دم للجزائر خلال الكفاح المسلح دعما لا يقدر بثمن على الصعيدين السياسي والعسكري، ومرتبكا لأننا، أنا والوفد المرافق لي، مجاهدون لم يسبق لنا السفر إلى الخارج، نجهل أصول البروتوكول، ولم نشارك من قبل في مفاوضات.

كان الصينيون يريدن مساعدتنا في المجال العسكري، وفي الوقت نفسه فك العزلة المضروبة عليهم، ومد نفوذهم إلى البلدان حديثة العهد بالاستقلال.

سألت هواري بومدين: »لماذا لا تذهب أنت شخصيا، خصوصا وأن الدعوة وجهت إليك بصفتك وزير للدفاع«؟

فأجابني بنبرة الشخص المتأكد من شكوكه: »اللعب راه بعشانا«.

فهمت أنه يقصد بن بلة.

ثم أضاف: »الأمور ما تعجبش«

في تلك اللحظة أدركت أن بومدين كان يخشى أن يسافر إلى الصين. وحين يعود يجد بن بلة قد أقاله من منصب نائب رئيس مجلس الحكومة ووزارة الدفاع.

سافرنا إلى الصين، وظلت عبارات بومدين تراود ذهني طيلة الرحلة. وبسبب انعدام خط جوي مباشر مع بكين آنذاك، اضطررنا إلى السفر إلى هونغ كونغ عبر باريس. وبعد أن حطت بنا الطائرة في مطار أورلي ـ الجنوبي، وقعت مشكلة كادت تؤدي إلى حادث دبلوماسي بين الجزائر وفرنسا. فبمجرد وصولنا أخذوا منا جوازات السفر، ولم يعيدوها إلينا. وظلت الطائرة رابضة في المطار مدة طويلة.

قمنا أيضا، بزيارة أورومكي، عاصمة مقاطعة كسينجيانغ، ذات الأغلبية المسلمة، وأعجبنا بالمعمار المتميز لمساجد جماعة الويغور الناطقة باللغة التركية. وقد اكتشفنا، مندهشين، أنهم يعرفون الجزائر، وكانوا يتابعون باهتمام أحداث ثورتنا.

كان وزير الدفاع الصيني الماريشال لين بياو، أونابوليون الصين كما كانوا يسونه، غاضبا بسبب عدم تلبية بومدين لدعوته. حاولنا أن نقنع الصينيين بالظروف التي حالت دون تلبيته الدعوة، من دون أن نشرح لهم التفاصيل، لكن بلا جدوى، لم يستقبلنا لين بياو، وعين جنرالا هو مدير ديوانه، لمرافقتنا، ومع ذلك لم تخل الرحلة من مواقف طريفة، منها أن بعض المرافقين لي، من العسكريين الجزائريين، كانوا طول الوقت مندهشين من طريقة التحية الصينية والابتسامة الدائمة على شفاههم، قبل عودتنا إلى أرض الوطن. عبر بيرمانيا ثم القاهرة، أقام الزعيم الصيني ماوتسي تونغ، وكان مرفوقا بشونلاي وأعضاء المكتب السياسي حفلا بهيجا على شرفنا واستقبلنا بحفاوة بالغة. وأذكر مما قاله لي عبارة ظلت راسخة في ذهني إلى اليوم: »إنكم شعب عظيم، وبلدكم بلد جميل«.

.

تمرد شعباني

وقد كانت بعض الصراعات مما فرضته الظروف علينا، كما كان بعضها الآخر مما فرضناه على أنفسنا. ومن ذلك ما عرف بتمرد شعباني الذي كان. في حقيقة الأمر، مكيدة خسيسة ذهب ضحيتها أحد ضباط الجزائر المخلصين. ولابد لي هنا أن أوضح ملابسات وظروف ذلك التمرد لأني كنت طرفا أساسيا وفاعلا في مجرياته وفي مآله. فأنا من أجهض ذلك التمرد قبل أن يتخذ أبعادا خطيرة.

كان شعباني قائدا للناحية العسكرية الرابعة. وكان الخلاف بينه وبين بومدين هو إسناد بومدين للمراكز الحساسة في وزارة الدفاع الوطني إلى الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، الذين كان شعباني يعتبرهم قوة ثالثة وخطرا حقيقيا على الثورة. وأشيع آنذاك أن بن بلة يريد استخلافه على رأس الناحية بعمار ملاح. رفض شعباني مغادرة مقر الناحية بعد أن استدعاه بن بلة إلى العاصمة للالتحاق بالمكتب السياسي. ووصلت الأزمة بينهما إلى طريق مسدود رغم الوساطات العديدة التي قام بها بعض الوجوه السياسية و العسكرية. وتطوّرت الأزمة، بحيث أصبحت تهدد بتصدع المؤسسة العسكرية الفتية.

كثيرون من الناس، ومنهم أصدقاء شعباني، يعتقدون أن بومدين كان يحمل حقدا دفينا لشعباني، ويعتبره منافسا له في قيادة الجيش، وأنه هو من دفعه إلى التمرد، وهو من حاصره في بسكرة، وهو من شكّل المحكمة، وهو من أمر بإعدامه. والحقيقة غير ذلك. لقد سبق لهواري بومدين أن أوضح موقفه من هذه القضية في حوار مع الصحفي المصري لطفي الخولي بقوله:

"بن بلة هو الذي دفع الأخ شعباني لهذه الغاية المأساوية، إلى الموت. فخلال سنة كاملة بذل بن بلة كل ما في وسعه من أجل تأزيم العلاقات بين قيادة الأركان وشعباني. قائد الناحية الرابعة. ثم عيّن بعد ذلك العقيدين شعباني والزبيري وأنا شخصيا في المكتب السياسي، وهم كلّهم مسؤولون عن قيادة الجيش.. وبموجب هذا القرار كان بن بلة يريد وضع حد لوجود شعباني كقائد ناحية على الصحراء وتعيين شخص آخر بدله. لكن شعباني كشف خديعة بن بلة ورفض الالتحاق بالمكتب السياسي«.

هذه رواية بومدين. ومن واجبي، شخصيا، أن أدلي بشهادتي على الأقل في الأحداث التي كنت طرفا فيها في هذه المأساة المؤلمة.

الواقع أن أحمد بن بلة هو الذي ألّب العقيد شعباني ضد هواري بومدين. كان يناور دائما ويحب الدسائس منذ أن أوصلناه إلى الحكم. كان ذلك هو طبعه ولم يتغيّر قيد أنملة. كان يريد دائما أن يشعل نار الفتنة بيننا. كان شعباني عضوا في قيادة الأركان. نائبا للطاهر الزبيري إلى جانب بن سالم والعقيد عباس، لكنه كان، بلا شك، يطمح إلى أكثر من ذلك بالنظر إلى صغر سنه.

أعلن شعباني تمرده في ظروف غامضة وعصيبة على أكثر من صعيد. ففي ذلك الوقت كانت الجزائر لا تزال تضمد جراحها. وكنا ما نزال نعاني من صعوبات في تنظيم مؤسسات الدولة والمجتمع ونتخبط في مشاكل عديدة ورثناها عن الاستعمار.

بعد أن أصبح التمرد أمرا واقعا اتصل بي بومدين هاتفيا، وكان إلى جانبه الرئيس بن بلة، وأخبرني أن هذا الأخير يطلب مني احتلال مركز قيادة الناحية الرابعة. وكانت قيادة الأركان قد اتخذت قرارها بالإجماع على ضرورة إجهاض هذا التمرد في أسرع وقت. وأعدت خطة لإطفاء نار هذه الفتنة التي كانت تهدد بتمزيق أوصال البلاد. أطلعتني قيادة الأركان على هذه الخطة، وأخبروني أنهم سيرسلون عمار ملاح من أريس. أما أنا شخصيا فكلفت بالإشراف على العملية والتنسيق بين القوات المشاركة فيها، ورافقني في هذه المهمة نائبي في الناحية الخامسة محمد عطايلية. هذه التعليمات وصلتني عن طريق برقية، ولم أكن أدري أن شعباني كان على علم بها. ذلك أن أحد المسؤولين في الإشارة، أصله من بسكرة، كان متواطئا معه وأطلعه على الخطة بالدقة والتفصيل. اتخذ شعباني تدابير مضادة لخطتنا. ولحسن الحظ، أنني لم أطبق حرفيا الخطة كما وردت من قيادة الأركان، وتصرفت وفق حقائق الميدان. استقدمت عبر بريكة الفيلق السابع عشر، وهو من أفضل الفيالق تجهيزا وتدريبا، وأعطيت لقائده تعليمات بأن لا يدخل بسكرة حتى نصل نحن. وطلبت أيضا منه أن يبقى عند مشارف المدينة فوق التلال حتى نستطيع أن نراه. وهذا ما لم يكن يتوقعه شعباني، ولما وصلنا إلى خنقة سيدي ناجي شاهدنا مواقعهم. كانت معي بعض الدبابات، وأمرت الجنود أن لا يطلقوا النار حتى تأتيهم التعليمات. وفي أثناء ذلك تلقيت أمرا من بومدين لإقامة قيادة أركان العملية في باتنة، لأنه كان يعتقد أن الأمر سيطول.

أرسلت الفصيلتين في جهتين مختلفتين وحاصرنا المتمردين. وعندما شاهد جنود شعباني أن الجيش طوّقهم هربوا ودخلوا إلى معسكراتهم. وحتى شعباني لم يكن يتصوّر السرعة التي تمت بها العملية، كما لم يكن ليخطر بباله أن جنوده الذين كانوا أوفياء له تخلوا عنه، دون أن يطلقوا رصاصة واحدة. وحين أخبروه أنه محاصر، هو وجيشه، لم يصدق. هرب مع أركان قيادته، ونسي في مكتبه سترته التي وجدنا فيها بطاقة تعريفه. أما جنوده فقد دخلوا الثكنة، وأوصدوا الأبواب خلفهم. وحين وصلنا إليهم سلّموا أنفسهم دون أدنى مقاومة. أما شعباني فقد التجأ إلى صديقه سعيد عبيد، وطلب منه الحماية في بوسعادة يوم 08 جويلية 1964.
 
التعديل الأخير:
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

بومدين كما عرفته

عرفت هواري بومدين في الربع الأول من عام 1960، وبالضبط في شهر فيفري. آنذاك بدأ نجمه يسطع بعد التحاقه بغار الدماء، قادما إليها من هيئة أركان الغرب. بعد قرارات الدورة الثانية للمجلس الوطني للثورة الجزائرية المنعقدة في طرابلس. بعد تنصبيه على رأس الأركان العامة، سافرنا نحن قادة المناطق الثلاث، أنا وعبد الرحمن بن سالم والزين النوبلي، للقائه بعد التغييرات التنظيمية الجديدة التي أدخلت على هيكل الجيش والمهام التي أنيطت به في الظروف الجديدة. وكنا، والحق يقال حذرين بالنظر إلى التجارب التي عشناها مع قادة سابقين.

مضى على ذلك الوقت خمسة عقود كاملة، ومازالت أذكره كما رأيته لأول مرة.

كان نحيفا، طويل القامة، أشقر الشعر، غائر الوجنتين، أسوّدت أسنانه من التدخين. فقد كان يشعل السيجارة من أختها كان مثل الناسك، متقشفا في أكله، متواضعا في ملبسه، تخاله حين تنظر إليه وسط الجنود أنه واحد منهم. ورغم ما يبدو على ملامح وجهه من صرامة وجدية، إلا أنه خجول إلى درجة الحياء.

كان بومدين شخصية منطوية على نفسها، كتومة وخجولة، كان قليل الحديث يستمع أكثر مما يتكلم، لا يتسرع في اتخاذ القرارات ويشاور المقربين منه، ولم يكن مستفردا بالرأي كما يشاع عنه. لكنه في الوقت نفسه كان فعالا وصارما حين يتعلق الأمر بمصلحة البلاد. أما في حياته الشخصية، فقد كان متواضعا يرفض حياة البذخ والمظاهر الخادعة. هذه هي الصورة التي احتفظت بها عنه أثناء عملي معه في المنطقة الشمالية للعمليات، وحين أصبح وزيرا للدفاع، وعندما تولى منصب الرئاسة لم يتغير في الجوهر إلى أن رحل عن هذه الدنيا.

كان في الغالب يتخذ القرارات بعد فحص كل الاحتمالات وردود الفعل يترك الأمور حتى تنضج، لكنه بعد أن يتخذها كان نادرا ما يتراجع عنها. ربما كان ذلك هو أسلوبه في الحكم.



في اجتماعنا به في غار الدماء سألنا عن كل صغيرة وكبيرة عن الأوضاع دون أن يبدي رأيه فيها. كان يريد أن يعرف على الخصوص قدراتنا العسكرية ومعنويات المقاتلين، ويستفسر عن خطي موريس وشال. بعد افتراقنا توسمنا فيه خيرا. لعله الرجل الذي أهلته الأقدار لإنقاذ الثورة. اتفقنا أنا وبن سالم بعد عودتنا على إعطاء الرجل فرصته. فهو جديد وغير معروف في وسط الضباط إلا سماعا، كما أنه غير متورّط في الأحداث العاصفة التي عرفتها القاعدة الشرقية. ومن حسن الحظ، أننا كنا نجهل أنه هو الذي ترأس المحكمة التي حكمت بالإعدام على العموري وعواشرية ونواورة والرائد لكحل والضباط الآخرين. فربما كان موقفنا منه سيختلف. وفي حقيقة الأمر، كنا نسعى إلى تجاوز الانسداد ولو بتقديم تنازلات. فقد أصبحنا مقتنعين أكثر أن أهم شيء هو إنقاذ الثورة وتصحيح مسارها. كان الفرق بينه وبين محمدي السعيد كبيرا سواء في طبعهما أو ثقافتهما أو قدراتهما على قيادة الرجال.

أما في إدارته لشؤون الدولة فقد كان بومدين سواء في الجيش أو في مجلس الثورة أو الحكومة يستشير مساعديه في أهم القرارات التي يتخذها. كان محاورا ذكيا. ومجادلا مقنعا. وكان نهجه في إدارة شؤون البلاد يستند إلى رؤية بعيدة المدى تنبذ الارتجال والتسرع. بعد موته حاول البعض التنصل من مسؤولياتهم المباشرة في بعض القرارات التي اتخذت جماعيا ونسبت نتائجها السلبية أو فشلها إلى بومدين.

وأريد أن أؤكد أننا كلنا نتحمل القرارات الكبرى في عهد بومدين بسلبياتها أو إيجابياتها. والواقع أنه لم يكن يحكم وحده. وعلى العموم يمكن القول أنه استند على ما عرف بجماعة »وجدة« والمجاهدين قادة النواحي العسكرية والضباط الفارين من الجيش الفرنسي والمستشارين الخاصين. وأعقتد أنه أراد من خلال ذلك تحقيق نوع من التوازن في تسيير دواليب الحكم.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

00_150716872.jpg




محاولة انقلاب الطاهر الزبيري

كانت محاولة انقلاب الطاهر الزبيري، في شهر ديسمبر 1967 هي أكبر شرخ في مجلس الثورة بعد انسحاب علي محساس وبشير بومعزة وعلي منجلي منه. واليوم، حين استعيد تفاصيلها استغرب تصريحات الطاهر الزبيري، الذي يصرح حينا: "لو لم يكن الشاذلي لاستلمت الحكم"، وحينا أخر يقول: "إن الشاذلي كان سيقف مع المنتصر". والحقيقة غير ذلك تماما. كنت على دراية بوجود خلافات بين الرئيس هواري بومدين وقائد الأركان، لكني لم أكن أتصوّر أن تصل الأمور إلى حد استعمال القوة لاستيلاء على الحكم. والحقيقة أن هذه الخلافات لم تكن مع الطاهر الزبيري فقط. ذلك أن بعض أعضاء مجلس الثورة كانوا يتهمون بومدين، في السر والعلن، بالاستفراد بالسلطة مع جماعة وجدة وتعيينه للضباط الفارين من الجيش الفرنسي في مناصب حساسة بوزارة الدفاع. تعمق الخلاف بينهما بعد أن رفض الطاهر الزبيري حضور احتفالات أول نوفمبر 1966. ثم بعد ذلك كثرة تنقلاته بين قيادة الأركان وفيلق الدبابات في برج البحري. ويبدو أن بومدين كان يترصد تحركاته لحظة بلحظة. وبدأت الأزمة تتعمق بعد فشل العديد من الوساطات التي قامت بها شخصيات سياسية وعسكرية. شعرت، والحقل يقال، بخطورة الموقف ببوزريعة في بيت عبد الرحمن بن سالم، الذي دعانا بعد اجتماع لمجلس الثورة وقادة النواحي لتناول الغذاء.

كنا خمسة: سعيد عبيد، عبد الرحمن بن سالم، العقيد عباس، يحياوي وأنا. تناولنا الغذاء في جو أخوي، وتحدثنا في عدة قضايا كانت تشغلنا آنذاك. وكنت أنا سأسافر مساء ذلك اليوم بالطائرة إلى وهران، ولم أدرك في تلك اللحظة أن هناك مؤامرة تحاك في الخفاء، وأنني طرف فيها من حيث لا أعلم. انتقلنا إلى الصالون لتناول القهوة، ولاحظت أن كل الجماعة صامتة، ولم يفاتحني أحد بما كان يدور في أذهانهم. لاحظت أنهم غمزوا السعيد عبيد لأنهم كانوا يعرفون الصداقة المتينة التي تربطني به وأرادو استغلال ذلك. ثم بعد ذلك طلبوا منه أن يكلّمني باسمهم.

نهض السعيد عبيد، وقال بنبرة أحسست فيها نوعا من اللوم والعتاب، وفي الوقت نفسه الاستنجاد.

- هل يعجبك الوضع يا سي الشاذلي.. أقصد الوضع الذي تعيشه البلاد؟ هل أنت راض عن هذه المشاكل؟

- أجبته: أية مشاكل؟

- رد: المشاكل التي يتخبط فيها البلد، هل يعجبك ذلك؟

- قلت: كل البلدان تعيش مشاكل. حقيقة هناك مشاكل كثيرة، لكني أعتقد أنها يمكن أن تحل بالحوار، وفي أطر المؤسسات القائمة.

- رد: حاولنا حلّها في الأطر والمؤسسات القائمة، ولم تصل إلى نتيجة.

وكانت المشاكل التي يقصدها السعيد عبيد هي أن بومدين وجماعة وجدة استحوذوا على سلطة القرار، وأن مجلس الثورة لم تعد له أية فعالية بعد أن غادره العديد من أعضائه، وأن بومدين حيّد تقريبا قيادة الأركان، ومنح جلّ الصلاحيات في وزارة الدفاع الوطني إلى الضباط الفارين من الجيش الفرنسي.

في تلك اللحظة أدركت أن الجماعة تخطط لشيء ما، وأن الأمر خطير، وأن وجودنا في دار بن سالم لم يكن دعوة بريئة لتناول الغذاء وشرب القهوة، خصوصا بعد أن أضاف السعيد عبيد: "نحن مطالبون الآن باتخاذ قرار حاسم". حينئذ فهمت أن الأمر واضح، وأنهم يخططون لمحاولة انقلاب على بومدين.

قلت لهم: "أنتم تعرفون صراحتي، وأريد أن أقول لكم من الآن حتى لا تظنوا أن الشاذلي غدر بكم.. أنا سأكون ضد كل من يستعمل القوة والعنف للاستيلاء على الحكم. أنا أعرف الطاهر الزبيري منذ 1956 عرفته قبل بومدين. وأريد منكم أن تعرفوا هذا جيدا حتى لا تقولوا أن الشاذلي خاننا ولم يف بوعده. موقفي واضح: سأكون ضد كل من يستعمل القوة والعنف لزعزعة استقرار البلاد".

حاولوا إقناعي بالانضمام إليهم، لكنهم فشلوا وافترقنا. بعد خروجي من دار بن سالم أدركت صعوبة الموقف وخطورة الوضع، وتكوّن لديّ إحساس بأن البلاد ستدخل لا محالة في دوامة من العنف وإراقة الدماء، وأنه ما لم نعالج الأمور بهدوء وبرودة أعصاب سنزج بالجزائر في حرب أهلية هي في غنى عنها بعد جسامة التضحيات وقوافل الشهداء التي دفعتها قبل سنوات قليلة. كنت أريد أن أرفع أيّ لبس فيما يخص هذه القضية، وأطلع الجميع على موقفي من هذه المحاولة غير المحمودة العواقب.

ذهبت إلى بيت الطاهر الزبيري في الأبيار، وقلت له كنت مع الجماعة وأطلعوني على نواياهم، وأريد أن تعرف أنت موقفي. ربما سيأتون إليك، ويقدمون لك معلومات خاطئة. عرضت عليه ما قالته لي الجماعة وشرحت له موقفي، وهو أني سأقف ضد كل من يستعمل العنف، وأن هناك مجلسا للثورة يمكن أن تحل داخله كل المشاكل والخلافات.

قلت له: "هناك مؤسسات، وإنني لست مستعدا لتعويد الجيش على الانقلابات التي أصبحت موضة في المشرق العربي وإفريقيا وآسيا". لم يعلّق الطاهر الزبيري على كلامي، غير أني فهمت من صمته أنه مصمّم على تنفيذ خطته. وفي تلك اللحظة تملكني شعور بالإحباط والخوف. أيّ مشروع سيطرحه الزبيري؟ وأيّة رؤية يحملها لو افترضنا أنه سينجح في انقلابه على بومدين؟

لم اكتف بما قمت به، بل ذهبت فورا إلى رئاسة الجمهورية، وطلبت مقابلة الرئيس هواري بومدين. قلت له: جئت لأسلم عليك، وأتمنى لك التوفيق في مهامك. وأنا ذاهب اليوم إلى وهران. أيّ موقف تتخذه سيكون هو موقفي، وستجدني إلى جانبك. لم أضف أيّ كلمة ولم أخبره بما وقع في اللقاء مع الجماعة.

لم يعلق بومدين على ما قلته، وحين ابتسم وهو يودّعني، فهمت أن المخابرات أطلعته على المؤامرة. فقد كان واثقا من نفسه ولم يبد أيّ علامة من علامات القلق والتشوّش.

عدت إلى وهران رفقة محمد الصالح يحياوي، الذي طلب مني أن أضع تحت تصرفه هليكوبتر ليلتحق بالناحية العسكرية الثالثة. لكني رفضت متحججا بأن الثلج لا يسمح بالطيران. وكنت في الواقع، أعرف أنه يريد أن يصل بسرعة إلى الناحية الثالثة لتحييدي ومنعي من التدخل ضد القوات الموالية للطاهر الزبيري.

في منتصف شهر ديسمبر تحركت الوحدات نحو البليدة قادمة من المدية، مليانة والأصنام، وكان على رأس القوات الموالية للزبيري صهره العياشي. وكنت على اتصال دائم مع بومدين أطلعه بتفاصيل الاستعدادات. طلب مني بومدين أن أرسل فصائل من رماة البازوكا لأن الطاهر الزبيري كان يتقدم نحو العاصمة بدبابات. والدبابة لا تصدّها إلا البازوكا أو الدبابة. أرسلت طائرتين على متنهما فصيلتين حطّتا في مطار بوفاريك. ومن المطار تنقلوا مباشرة إلى العفرون، حيث تمركزوا هناك فوق التلال في انتظار قدوم الطائرات من ورڤلة.

وبدأت الفصائل التي أرسلتها في قصف الدبابات، فحرقوا أعدادا منها، سدّت الطريق ومنعت تقدم بقية الدبابات، كما تعطلت دبابات أخرى في الطريق. وانتهى الأمر في أقل من ربع ساعة بعد ضربات البازوكا وتدخل طائرات الميغ 17 والميغ 21. وقيل فيما بعد أن هذه الطائرات كان يقودها طيارون روس، وهذا غير صحيح.

هرب الجنود الموالون للزبيري إلى الجبال المجاورة، تاركين وراءهم الدبابات والشاحنات تحترق، وبعضهم سلّم نفسه. هكذا انتهت هذه العملية الجنوبية التي كان مآلها الفشل بسبب أخطاء تكتيكية وتقنية فادحة. فأي عسكري هذا الذي فكر في القيام بانقلاب عسكري، ولا يحسب حسابا للطيران وطول المسافة؟ فالأصنام تبعد عن العاصمة 200 كلم.

وقبل ذلك كنت قد أرسلت فيلقا احتل ثكنة إسناد الانقلابيين في الأصنام لقطع الدعم عنهم، ووضعته تحت قيادة زرقيني. ووقع بيني وبين عبد القادر شابو خلاف حول من سيتولى الإشراف على العملية. فقد أرسل شابو برقية إلى قادة الفيالق يأمرهم فيها بعدم الامتثال إلا لأوامره. مما دفعني إلى الاتصال عاجلا بهؤلاء القادة، طالبا منهم عدم تنفيذ أيّ أمر، ما عدا الأوامر الصادرة عن الناحية الثانية.

بعد فشل العملية هرب الطاهر الزبيري وبعض من جماعته. وكانوا كلّهم من نفس المنطقة، وهو ما يؤكد الطابع الجهوي والقبلي لهذه العملية، وربّما هرّبه الأمن الذي أمّن له طريق عبور الحدود التونسية، قبل أن يلتحق بالمغرب. بعد فشل الانقلاب جاءني قاصدي مرباح، وطلب مني أن أسلمه ضباط الناحية الثانية المتعاطفين مع الانقلاب، لكني رفضت. وحين اشتكاني إلى بومدين طلب منه بومدين أن ينسى الأمر، وقال له: "إن الشاذلي مسؤول عن تصرفاته".

في سنة 1979 اتصل بي بن الطاهر الزبيري، عن طريق شخص مقرّب منه، ليقول لي إنه يريد الدخول إلى أرض الوطن. فطلبت منه أن يصبر قليلا في انتظار دراسة القضية. وذات يوم أخبرني مساعدي في الرئاسة أنه وصل إلى المطار. سمحت له بالدخول بشرط أن يمكث في بيته وأن لا يمارس السياسة.
 
التعديل الأخير:
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

انتحار السعيد عبيد

لم يستطع الرائد السعيد عبيد إقناعي بالانضمام إلى الانقلابيين وأدرك أنني لست رجل انقلابات، وأنني مصمم على التدخل بحزم ضد كل من يستعمل القوة والعنف للاستيلاء على الحكم. وكان يعرف أني أملك وحدات قتالية ضخمة ومجهزة أحسن من غيرها. ظل السعيد عبيد مترددا، وقرر اتخاذ موقف حيادي ففقد بذلك ثقة بومدين والزبيري في آن واحد. وأمر جميع وحدات الأولى بالدخول إلى الثكنات.

وقال لقادتها لا تتدخلوا، دعوهم يقتتلون بينهم. "لست مع جماعة بومدين.. ولست مع جماعة الزبيري".. لكن جماعة الزبيري كانوا يزورونه في بيته، هددوه وشتموه ووصفوه بالجبان، خاصة زرداني. وقد ساءت حالته النفسية بفعل ذلك وضاقت الدنيا في عينيه.

بعد فشل عملية الانقلاب وجد السعيد عبيد في مكتبه ميّتا، وراجت آنذاك شائعات بعضها تقول إن كومندوس قتله، وبعضها الأخر يتهم سليمان هوفمان بقتله وغيرها من الشائعات التي تروّج في مثل هذه الحالات.

صدّقت الفيالق التي كانت تابعة للناحية العسكرية الأولى شائعة مقتل السعيد عبيد. فاعتصمت بالثكنات والمعسكرات وأغلقت الأبواب، ومنعت دخول أي شخص، معلنة بذلك عدم اعترافها بالنظام. كان بومدين حكيما ولم يفقد رباطة جأشه، ولم يلجأ إلى استعمال القوة، لأنه كان يدرك خطورة الوضع ويسعى إلى تخفيف التوتر، فاتصل بي وطلب مني أن أقنعهم بالعدول عن ما قاموا به، فذلك يمكن أن يتحوّل إلى تمرّد آخر، وقال لي: "إنهم يحترمونك ويصغون إليك فحاول معهم".

لم أخرج من وهران، واتصلت بالتليفون بقائد فيلق في تنس كنت أعرفه. وطلبت منه الاتصال بقادة الفيالق الأخرى وتبليغهم تعهدي بتوضيح ملابسات موت السعيد عبيد. وقلت له: "إننا سنجري تحقيقا جديا، وحين نتآكد أن جماعة ما هي التي قتلت سعيد عبيد سنتخذ الإجراءات الضرورية وفقا للقانون". اتصل قادة الفيالق بعضهم ببعض وقرّروا الرجوع إلى النظام. واليوم مازلت مقتنعا أن العناية الإلهية هي التي جنّبتنا الدخول في حرب أهلية.

أردت أن أعرف الحقيقة وأقطع الشك باليقين وأفي بالوعد الذي قطعته على نفسي في آن واحد. ذهبت إلى بيت سعيد عبيد، وكان قبل لموته يدعوني أثناء تواجدي بالعاصمة إلى تناول الغذاء أو العشاء معه. استقبلتني زوجته، وكان الحزن لا يزال باديا على وجهها، وكانت تبدو منهارة.

قلت لها: "جئت لأراك، وتعرفين أن القضية خطيرة. وأريد منك أن تصارحيني بالحقيقة". تردّدت قليلا ثم قالت لي: "السعيد عبيد انتحر، هو اللي قتل روحوا"، ثم أضافت: "لكنهم دفعوه إلى ذلك. نعم المسؤولون دفعوه إلى ذلك. كانوا يأتون إلى البيت، ومنهم عبد العزيز زرداني الذي كان يشتمه ويشتم عائلته وسمعته ويقول له: "أنت جبان.. أنت لست "شاوي". وكان هو يستمع إليهم ورأسه مطأطأ، وظل ساكتا. كانوا يريدون منه أن يقف إلى جانب الطاهر الزبيري".

"قبل أن ينتحر أحسست أنه يودعني بالتليفون. قال لي إنه مسافر إلى مكان بعيد، والظروف لا تسمح له أن يتصل بي. وقال لي حين يكبر الولد أعطيه قميصي وعليه شاراتي".

تعجبت وأجبته مستغربة: "أنت لما كنت تذهب في مهمة أو تسافر بعيدا كنت دائما تهتف لي. فأجابني: "إلى حيث أنا ذاهب لا يوجد تليفون". قالت: "أنت "قافز" وستجد التليفون وتتصل بنا". ولم أكن أدري أن هذه الكلمات كانت هي آخر ما أسمعه منه".

بعد أربعة أشهر من انقلاب الطاهر الزبيري تعرّض هواري بومدين إلى محاولة اغتيال فاشلة. فبعد انتهاء اجتماع مجلس الوزراء، وبعد خروج بومدين من قصر الحكومة أطلق عليه النار أحد أعوان الشرطة المضادة للشغب crs وأصيب بومدين برصاصة في الشفة العليا، أما سائقه الذي أنقذ الرئيس بأعجوبة، فقد اخترقت جسده عدة رصاصات. واستطاع أن ينقله رغم جراحه إلى مستشفى مايو. وأشيع أن الرئيس توفي. وفور محاولة الاغتيال اتصل الرائد ملاّح، وكان نائبا للطاهر الزبيري في قيادة الأركان، بأصدقائه ومنهم محمدي السعيد وأخبرهم أنه قضي على بومدين وما على المعارضة الآن إلا استلام الحكم. غير أن حالة الرئيس لم تكن خطيرة فاستدعى الصحافة لتكذيب خبر الاغتيال. وفور سماعي الخبر انتقلت على جناح السرعة إلى العاصمة وزرت الرئيس في مستشفى مايو لأطمئن على صحته، وطلبت منه اتخاذ إجراءات صارمة ضد مدبري العملية، لكن بومدين أجابني بهدوء "ما عليش". وبعد أيام ألقت مصالح الأمن القبض على مدبر العملية والمتورطين معه. وبعد أن أصبحت رئيسا عفوت على الرائد ملاّح.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

انتحار السعيد عبيد

لم يستطع الرائد السعيد عبيد إقناعي بالانضمام إلى الانقلابيين وأدرك أنني لست رجل انقلابات، وأنني مصمم على التدخل بحزم ضد كل من يستعمل القوة والعنف للاستيلاء على الحكم. وكان يعرف أني أملك وحدات قتالية ضخمة ومجهزة أحسن من غيرها. ظل السعيد عبيد مترددا، وقرر اتخاذ موقف حيادي ففقد بذلك ثقة بومدين والزبيري في آن واحد. وأمر جميع وحدات الأولى بالدخول إلى الثكنات.

وقال لقادتها لا تتدخلوا، دعوهم يقتتلون بينهم. "لست مع جماعة بومدين.. ولست مع جماعة الزبيري".. لكن جماعة الزبيري كانوا يزورونه في بيته، هددوه وشتموه ووصفوه بالجبان، خاصة زرداني. وقد ساءت حالته النفسية بفعل ذلك وضاقت الدنيا في عينيه.

بعد فشل عملية الانقلاب وجد السعيد عبيد في مكتبه ميّتا، وراجت آنذاك شائعات بعضها تقول إن كومندوس قتله، وبعضها الأخر يتهم سليمان هوفمان بقتله وغيرها من الشائعات التي تروّج في مثل هذه الحالات.

صدّقت الفيالق التي كانت تابعة للناحية العسكرية الأولى شائعة مقتل السعيد عبيد. فاعتصمت بالثكنات والمعسكرات وأغلقت الأبواب، ومنعت دخول أي شخص، معلنة بذلك عدم اعترافها بالنظام. كان بومدين حكيما ولم يفقد رباطة جأشه، ولم يلجأ إلى استعمال القوة، لأنه كان يدرك خطورة الوضع ويسعى إلى تخفيف التوتر، فاتصل بي وطلب مني أن أقنعهم بالعدول عن ما قاموا به، فذلك يمكن أن يتحوّل إلى تمرّد آخر، وقال لي: "إنهم يحترمونك ويصغون إليك فحاول معهم".

لم أخرج من وهران، واتصلت بالتليفون بقائد فيلق في تنس كنت أعرفه. وطلبت منه الاتصال بقادة الفيالق الأخرى وتبليغهم تعهدي بتوضيح ملابسات موت السعيد عبيد. وقلت له: "إننا سنجري تحقيقا جديا، وحين نتآكد أن جماعة ما هي التي قتلت سعيد عبيد سنتخذ الإجراءات الضرورية وفقا للقانون". اتصل قادة الفيالق بعضهم ببعض وقرّروا الرجوع إلى النظام. واليوم مازلت مقتنعا أن العناية الإلهية هي التي جنّبتنا الدخول في حرب أهلية.

أردت أن أعرف الحقيقة وأقطع الشك باليقين وأفي بالوعد الذي قطعته على نفسي في آن واحد. ذهبت إلى بيت سعيد عبيد، وكان قبل لموته يدعوني أثناء تواجدي بالعاصمة إلى تناول الغذاء أو العشاء معه. استقبلتني زوجته، وكان الحزن لا يزال باديا على وجهها، وكانت تبدو منهارة.

قلت لها: "جئت لأراك، وتعرفين أن القضية خطيرة. وأريد منك أن تصارحيني بالحقيقة". تردّدت قليلا ثم قالت لي: "السعيد عبيد انتحر، هو اللي قتل روحوا"، ثم أضافت: "لكنهم دفعوه إلى ذلك. نعم المسؤولون دفعوه إلى ذلك. كانوا يأتون إلى البيت، ومنهم عبد العزيز زرداني الذي كان يشتمه ويشتم عائلته وسمعته ويقول له: "أنت جبان.. أنت لست "شاوي". وكان هو يستمع إليهم ورأسه مطأطأ، وظل ساكتا. كانوا يريدون منه أن يقف إلى جانب الطاهر الزبيري".

"قبل أن ينتحر أحسست أنه يودعني بالتليفون. قال لي إنه مسافر إلى مكان بعيد، والظروف لا تسمح له أن يتصل بي. وقال لي حين يكبر الولد أعطيه قميصي وعليه شاراتي".

تعجبت وأجبته مستغربة: "أنت لما كنت تذهب في مهمة أو تسافر بعيدا كنت دائما تهتف لي. فأجابني: "إلى حيث أنا ذاهب لا يوجد تليفون". قالت: "أنت "قافز" وستجد التليفون وتتصل بنا". ولم أكن أدري أن هذه الكلمات كانت هي آخر ما أسمعه منه".

بعد أربعة أشهر من انقلاب الطاهر الزبيري تعرّض هواري بومدين إلى محاولة اغتيال فاشلة. فبعد انتهاء اجتماع مجلس الوزراء، وبعد خروج بومدين من قصر الحكومة أطلق عليه النار أحد أعوان الشرطة المضادة للشغب crs وأصيب بومدين برصاصة في الشفة العليا، أما سائقه الذي أنقذ الرئيس بأعجوبة، فقد اخترقت جسده عدة رصاصات. واستطاع أن ينقله رغم جراحه إلى مستشفى مايو. وأشيع أن الرئيس توفي. وفور محاولة الاغتيال اتصل الرائد ملاّح، وكان نائبا للطاهر الزبيري في قيادة الأركان، بأصدقائه ومنهم محمدي السعيد وأخبرهم أنه قضي على بومدين وما على المعارضة الآن إلا استلام الحكم. غير أن حالة الرئيس لم تكن خطيرة فاستدعى الصحافة لتكذيب خبر الاغتيال. وفور سماعي الخبر انتقلت على جناح السرعة إلى العاصمة وزرت الرئيس في مستشفى مايو لأطمئن على صحته، وطلبت منه اتخاذ إجراءات صارمة ضد مدبري العملية، لكن بومدين أجابني بهدوء "ما عليش". وبعد أيام ألقت مصالح الأمن القبض على مدبر العملية والمتورطين معه. وبعد أن أصبحت رئيسا عفوت على الرائد ملاّح.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

استعادة مرسى الكبير

في شهر فيفري 1968، بعد وصول بومدين إلى سدة الحكم الذي قرر إعادة النظر في بعض بنود اتفاقية إيفيان، أشرفت على جلاء الجيش الفرنسي من قاعدة مرسى الكبير قبل انقضاء آجال الاتفاقية وهو إنجاز اعتز به كثيرا. فقد كنت شخصيا، اعتبر استقلال الجزائر منقوصا مالم نستعد هذه القاعدة الاستراتيجية، وما لم يخرج آخر جندي فرنسي من التراب الوطني. وفي نهاية 1970 استرجعت القوات الجوية الجزائرية قاعدة بوصفر، آخر موقع احتفظ به الجيش الفرنسي في الجزائر بموجب اتفاقيات إيفيان.

والحقيقة أنني لم أكن مدركا لحجم التنازلات التي قدّمها في إيفيان الوفد المفاوض لفرنسا إلا بعد تعييني على رأس الناحية الثانية. واقتنعت أيضا، أن المجاهدين ما كانوا ليضعوا السلاح في جويلية 1962، لو أنهم كانوا على علم بكل تفاصيل بنود إيفيان.

مرسى الكبير منطقة حساسة استراتيجيا، فهي قاعدة بحرية وميناء مضاد للسلاح النووي. كانت بمثابة دولة داخل دولة، وكنا نجهل ما يحدث بداخلها. فقد أجرّت الجزائر هذه القاعدة لفرنسا لمدة 15 سنة ابتداء من الاستفتاء على تقرير المصير مع إمكانية تجديد الإيجار باتفاق الطرفين. ورغم أن فرنسا تعترف بالطابع الجزائري لهذه القاعدة إلا أنها حصلت على امتيازات وتنازلات كبيرة منها تعهد الجزائر بوضع أماكن وتسهيلات لفرنسا ضرورية لحسن سير القاعدة، ومنها الاستفادة من خدمات المطارات القريبة من القاعدة. وتعترف الجزائر بحق فرنسا في استعمال أرضية القاعدة وأنفاقها ومياهها الإقليمية والمجال الجوي، كما خوّلت الاتفاقية لفرنسا كل السلطات، فيما يخص مسائل الدفاع والأمن حفظ الأمن في حدود القاعدة. كانوا يسيطرون على المنطقة كلّها حتى عين الترك، وكان يمنع على جنودنا الدخول إلى هذه المنطقة.

كلّفني الرئيس هواري بومدين بالتفاوض مع الجيش الفرنسي للبحث عن إجراءات سريعة لخروج الفرنسيين من قاعدة مرسى الكبير قبل انقضاء آجال الاتفاق.

قبل أن أتطرق إلى المفاوضات يجدر بي أن أذكر بأن الفرنسيين شرعوا دون علمنا في بناء تحصينات دفاعية لحماية مرسى الكبير من أي هجوم محتمل. وتبدأ هذه التحصينات من مرجاجو (بوصفر)، وتمتد حتى سانتا كروز، لتطل على وهران. ومعنى ذلك أن الجيش الفرنسي إما أنه يتوقع هجوما محتملا من الجزائريين، وإما أنه كان يخطط للبقاء في القاعدة حتى بعد انتهاء أجال الاتفاقية.

كان الفرنسيون قد استلهموا دروس عملية "كاتابيلت" حين دمّرت البحرية الأمريكية في سنة 1940 أسطولهم في مرسى الكبير، كما درسوا تجربة الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية. فعملية "طورش" التي قادها الجنرال إيزنهاور، لم تدم سوى ثلاثة أيام. في البداية أراد الحلفاء الدخول من مرسى الكبير معتقدين أنه تابع للحلفاء، لكنهم فوجئوا بقوات الماريشال بيتان تطلق النار عليهم. فاضطروا إلى إنزال قواتهم في الأندلس حيث المركب السياحي اليوم. في ذلك الوقت كان يوجد هناك رصيف إنزال ساعدهم على النزول في الشاطىء بدباباتهم وشاحناتهم. ثم صعدوا نحو مرجاجو، وشرعوا في قنبلة جنود الماريشال بيتان من أعلى، هكذا احتلت إذن قاعدة مرسى الكبير في الحرب العالمية الثانية. استخلص الفرنسيون الدرس، وفكروا أنه إذا حاول الجزائريون استعادة القاعدة، فإنهم سيلجؤون حتما إلى الطريقة نفسها.

كنت على صلة مستمرة بالجنرال قائد القاعدة. وعندما علمت أنهم شرعوا في بناء هذه التحصينات طلبت لقاءه. كان ديغوليا، يتمتع بحسّ رفيع في الشرف العسكري.

قال لي بصراحة اندهشت لها حين سألته عن سبب بناء هذه التحصينات: "وصلتنا أخبار تقول إنكم تستعدون لمهاجمتنا، ولهذا شرعنا في اتخاذ الاحتياطات الضرورية للدفاع عن أنفسنا".

قلت له: "لا توجد حجة تدفعنا إلى استعمال القوة، نحن موقّعون على اتفاقيات ايفيان، وهي واضحة في هذا الشأن". ثم أضفت: "أنا أطمئنك باسم وزارة الدفاع الوطني أنه ليس في نيّتنا مهاجمتكم". وعدني بتوقيف بناء التحصينات، وأقسم لي بشرفه العسكري. هكذا توقّفت الأشغال.

أثناء اللقاء قلت له إن اتفاقيات إيفيان على وشك الانتهاء، وطلبت منه أن يسمح لبعض ضباطنا الشباب من البحرية الوطنية بإجراء دورات تدريبية وتكوينية لضمان السير الحسن للقاعدة بعد الجلاء. وطلبت أيضا أن يتركوا لنا العتاد الموجود بها. وشرعنا في مفاوضات عسيرة معهم. فوافقوا على تكوين 50 ضابطا، وعلى التنازل على عتاد قيمته 15 مليار سنتيم في ذلك الوقت بمليار فقط. وأعتقد أن الجنرال ديغول هو الذي وافق على هذا المبلغ. أرسلت تقريرا مفصلا بذلك إلى وزير الدفاع الذي كان يتابع عن كثب المفاوضات. وسارت الأمور على ما يرام.

وفي مساء 31 جانفي نظّم حفل نزلت خلاله الألوان الفرنسية. وفي أول فيفري تم رسميا استعادة القاعدة. ولأول مرة يرفرف العلم الوطني ويعزف النشيد الوطني في القاعدة بعد 138 سنة من الاحتلال.

يوم الجلاء دعاني قائد القاعدة الجديدة فارنر ليسلّم لي المفاتيح إلى حفل استقبال. وأقيمت المأدبة فوق ظهر باخرة راسية بالقاعدة كانت البوارج الأخرى قد غادرت القاعدة. وشارك في الحفل الجنرال قائد القاعدة وقيادته العامة، وحضر كذلك السفير الفرنسي وحرمه، جئت أنا وأعضاء قيادة أركان الناحية. أثناء الحفل أخذت زوجة السفير قائمة الأكل، وطلبت من الجنرال أن يكتب لها كلمة بتوقيعه. لاحظت أن وجه الجنرال أحمّر واغرورقت عيناه بالدموع. طلب مني الإذن بالخروج مرة أخرى إلى الأرض الجزائرية. ثم توادعنا، قبل أن تبحر الباخرة مطلقة قذائف وداع في عرض البحر. وقمت رفقة هواري بومدين وأعضاء من مجلس الثورة والحكومة وضباط من البحرية الوطنية بتفقد الوحدات البحرية الجزائرية التي دخلت الميناء ويتعلق الأمر بسفينتين، الأولى نسّافة Torpilleur والثانية لحفر السواحل Patrouilleur
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

الخلاف مع قايد أحمد

أعلنت الثورة الزراعية في نوفمبر 1971، وصدرت القوانين المنظمة لها وميثاق الثورة الزراعية، ونصبّت لجنة وطنية لها، ثم سنّت القوانين المنظمة للتعاونيات الفلاحية، وأنشىء اتحاد وطني للفلاحين الجزائريين، وبدأت حملات تطوّع الطلبة لشرح أهداف هذه الثورة. لكن لم يكن هناك إجماع حولها داخل مجلس الثورة. وكان بعض أعضاء هذا المجلس يرفضونها في السر. فقد استغربت ذات مرّة من كلام أحمد درايا وهو يقول لي: "لماذا يتبرع والدك بأراضيه لصالح صندوق الثورة الزراعية؟" أما بعضهم الاخر، وخاصة قايد أحمد، فكان يعارضها علنا.

وكنت شخصيا، كلّما أثير موضوع الأرض أتحدث عن معاناة سكان الريف، والسبب هو أنني ابن الريف، وأعرف قيمة الأرض بحكم ملكية والدي لأراض شاسعة، وبحكم احتكاكي في شبابي بالفلاحين. وكنت أردّد دائما أن سكان الريف لم يستفيدوا من انجازات الثورة، وهم لا يزالون يسكنون الأكواخ ويعانون من مشاكل عديدة ويفتقدون إلى أبسط مرافق الحياة. سكان الريف احتضنوا الثورة وعانوا أهوالها. فهم الذين كانوا يخفون المجاهدين ويوفرون لهم المؤونة ويرشدونهم في الجبال. لقد تاحملوا العبء الأكبر من التضحيات، وكانوا كلّما وقع اشتباك لنا مع الجيش الفرنسي يدفعون الثمن غاليا.

كنت في حقيقة الأمر غير متمس للثورة الزراعية بالشكل الذي طُرحت به. وكنت أميل إلى الرأي القائل إنه يجب أنه نفعل شيئا ما لصالح الفلاحين عن طريق توزيع الأراضي المهملة عليهم ومنحنهم تسهيلات وقروض. لكن مجموعة من العلمانيين أقنعت بومدين بعكس ذلك، فأصبح البيروقراطيون الذين أحاطهم به الطيبي العربي في وزارة الفلاحة، هم المسيّرون الفعليون، يصدرون القوانين والأوامر، وتاه الفلاح في هياكل معقّدة لا يفهمها وقوانين غامضة لا تخدمه. وكلّما كثرت القوانين خصوصا حين يتعلق الأمر بالأرض، كلما أصبحت غير ناجعة. هؤلاء البيروقراطيون رفعوا شعار "الأرض لمن يخدمها"، لكن المشكلة هي أنهم سنّوا مجموعة من القوانين مستهلمة من اشتراكيات متناقضة وبعيدة عن الواقع الجزائري. وبمرور الوقت فقد الفلاح، الذي لم يتعوّد على التعاونيات الإنتاجية وتعاونيات التسويق، صلته بالأرض، ولم يعد يستفيد من ثمار جهده. كما أن الأشكال التي اعتمدت في عمل الأرض لم تحل المشاكل ولم توفّر الاكتفاء الذاتي الغذائي، بل إنها عقّدت الأمور أكثر، فأصبحنا نستورد كل ما نستهلكه من بيض ولحوم وحليب وحتى البصل. ذات يوم كنت مع عائلتي على متن يخت فلاحظت سفينة متوقفة غير بعيد عنا. اقتربت منها، بعد أن سلّمت على ركابها سألتهم عن سبب توقفهم في عرض البحر. فأخبروني أن السفينة أصيبت بعطب في محركها. سألتهم: "هل أنتم أعضاء في تعاونية صيد؟؟، بعد تردد قالوا لي نعم. وحين شجعتهم على مواصلة الحديث اعترفوا لي: سيادة الرئيس "الشركة هلكة، نحن لم نتعوّد على هذه الطريقة في العمل".

أعود بعد هذا الاستطراد إلى النقاش الحاد والعنيف أحيانا بين هواري بومدين وقايد أحمد. كان بومدين متمسكا بالثورة الزراعية وقائد أحمد يرفضها من الأساس. كان دورنا نحن في مجلس الثورة هو التوفيق بينهما. لكن أغلبنا كان يسكت ولا يتدخل. لكني بدأت ألاحظ أن قائد أحمد يرفع صوته على صوت بومدين وأعضاء مجلس الثورة صامتون. والصمت يعني إما أنهم محايدون، وإما موافقون قايد أحمد الرأي. وحين أدركت أن الأمور وصلت إلى حد المساس بوحدة القيادة السياسية، طلبت الكلمة وتدخلت بالقول:

"يا سي سليمان أنت مسؤول أمانة الحزب، وبومدين هو رئيس الدولة، وهو من يقرر في نهاية الأمر. دع الأمور تسير كما يراه بومدين وسنرى. لماذا تريد أن تفرض رأيك علينا بالقوة، نحن عيّناك على رأس أمانة الحزب، وإذا لم تكن مقتنعا بالثورة الزراعية فأنت حرّ، لكن لا يجب أن تعقد الأمور".

وبسبب هذا الخلاف الجذري انتقل قايد أحمد إلى معارضة الرئيس هواري بومدين في سنة 1972 بعد أن عملا طويلا معا في هيئة الأركان العامة ومجلس الثورة.

أريد أن أقول في نهاية الأمر أن سي سليمان، الذي مات رحمه الله في المنفى، كان على حق. أنا كنت مع إصلاح زراعي لو طبقناه تطبيقا عقلانيا وسليما من دون تسرّع ومن دون هياكل بيروقراطية جامدة، لما كنّا وصلنا إلى الكارثة التي عرفتها الجزائر طيلة عقدين من الزمن.

نعم اختلفت مع قائد أحمد وعارضت رأيه لكني اليوم أقول أنه كان على حق. ونحن كنا مخطئين.

حين دخل بومدين في غيبوبة، وكنت أنا مسؤولا على أسلاك الأمن كان أول قرار اتخذته بعد اطلاعي على التقارير التي كانت تصلني، والتي عرفت من خلالها أن المسؤولين كانوا يمنعون تسويق المنتوج الفلاحي لولاية إلى ولاية أخرى، هو السماح بانتقال المنتوجات الفلاحية بحرية بين الولايات.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

بومدين يقترح عليّ وزارة الداخلية

في أواخر 1974 بلغ الخلاف بين الرئيس هواري بومدين ووزير الداخلية أحمد مدغري ذروته. كان أحمد مدغري أحد الوجوه المتنفذة في جماعة "وجدة". وبالرغم من تواضعه وانطوائه، إلا أنه عُرف بحرصه على التطبيق الصارم للأوامر كان من أنصار بناء دولة عصرية قوية. وعمل من أجل تحقيق ذلك بتفان وإخلاص، ونجح منذ تعيينه على رأس وزارة الداخلية في إعادة هيكلة الإدارة الجزائرية وإرساء دعائم مؤسسات الدولة.

كان أحمد مدغري يعتبر نفسه أب الإدارة الجزائرية، ووجد في بعض وجوه جماعة "وجدة" من يشجعه على هذا الاعتقاد. وسعى جاهدا، إلى بسط نفوذه المطلق على دواليب هذه الإدارة. وربّما أن الخلافات التي ظهرت بينه وبين هواري بومدين تعود إلى هذا السبب. إضافة إلى أن مدغري لم يكن يشاطر الرئيس رؤيته حول تطبيق الثورة الزراعية، وفي تدخل الحزب في الإدارة. وكنا نلمس ذلك في اجتماعات مجلس الثورة، وكان مدغري يلوّح دائما بتقديم استقالته.

اتخذ الرئيس هواري بومدين قراره بتنحية أحمد مدغري من وزارة الداخلية، حين كان في زيارة إلى تيارت. كنت أهّم بتوديعه عند حدود الناحية العسكرية الثانية بتيسمسيلت، حين قال لي: "واصل معنا الرحلة إلى الجزائر". قضينا الليلة في الأصنام، وجاءني الطيبي العربي ليقول لي، بعد أن حاول مطوّلا جسّ النبض، إن هناك تعديلا حكوميا مرتقبا، وإن الرئيس يقترح عليك وزارة الداخلية. حينئذ أدركت لماذا كان الرئيس يصرّ على أن أواصل معه الرحلة إلى العاصمة.

لكني رفضت اقتراح الرئيس لسببين. الأول هو أن بومدين لم يتقرح عليّ مباشرة المنصب، ولجأ إلى الطيبي العربي لمعرفة رد فعلي. فمنصب سيادي، كوزارة الداخلية، يجب أن يقترح مباشرة من رئيس الدولة. ولسبب الثاني، هو أني كنت أعرف تداخل صلاحيات أسلاك الأمن، وأعرف أن وزير الداخلية ليس حرا في اتخاذ قراراته.

كان أحمد مدغري في ذلك اليوم مضطربا، تبدو على ملامح وجهه علامات الارتباك والقلق. ولم يتوقف عن سؤالي، وكأنه أدرك ما كان ينتظره، "هل أنت ذاهب معنا إلى العاصمة". حينئذ فهمت أن قرار الرئيس لا رجعة فيه.

بعد ذلك تفاقمت الأزمة النفسية التي كان يعانيها. وكان مسدسه لا يفارقه، حتى حين كان يزور الرئاسة، وأشهد أن بومدين كلّف أحمد دراية بالاعتناء به والتكفل به نفسيا. وفي 10 ديسمبر من السنة نفسها عثر عليه ميّتا في منزله. وقيل آنذاك إنه انتحر، بعد إصابته بوسواس والله أعلم. بعد رفضي لاقتراح الرئيس. عيّن هواري بومدين محمد بن أحمد عبد الغني وزيرا للداخلية.

لقائي مع الجنرال جياب

من أجمل الذكريات التي مازلت أحتفظ بها إلى اليوم لقائي بالجنرال جياب. فأثناء الزيارة الأولى التي قام بها إلى الجزائر زارني بوهران في 8 جانفي 1976، مرفوقا بعبد الله بلهوشات. كان اللقاء حارا وحميميا في آو واحد، وشعرت بنفس الشعور الذي انتباني حين التقيت بتشي غيفارا في قسنطينة. شعور يصعب تفسيره، هو مزيج من الإعجاب والاحترام أمام بساطة الثوار. ربّما يعود ذلك إلى أننا حاربنا نفس المستعمر، هو في ديان بيان فو، وأنا في الجزائر.

وقد لمست من حديثي معه، فضلا عن خصاله الإنسانية، قدرته الفائقة على شرح تكتيك حرب العصابات. وقد كانت له تجربة في هذا الميدان، حين سحق الجيش الفرنسي في ديان بيان فو، وخلال قيادته للعمليات العسكرية ضد جيش فيتنام الجنوبي والولايات المتحدة. وكان أيضا يتحدث في السياسة بأبسط المفردات وأبلغ الصوّر. أليس هو القائل في قاعة حرشة "الامبريالية تلميذ غبي؟". لم يفارقني طيلة إقامته بوهران، متجنبا الحديث إلى عبد الله بلهوشات، لأنه كان يعرف أن هذا الأخير كان خصما له في ديان بيان فو، في نهاية الزيارة أهدى لي علم الفيتنام، وأهديت له مسدسي الذي لازمني طيلة حرب التحرير، وزار جياب الجزائر مرة ثانية. واستقبلته كرئيس للجمهورية. لم يتغيّر، بخفة روحه وابتسامته المنشرحة. كنت قد قرّرت محو ديون الفيتنام، وكلّمت وزير الخارجية في الأمر لكنه لم يذكرني بالقضية.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

من أين لك هذا؟

كانت آخر زيارة للرئيس هواري بومدين إلى وهران في فيفري 1978. فقد حلّ بوهران على رأس وفد كبير لتدشين إنجازات هامة في ميدان. البترول والغاز. فدشّن مركب الغاز الطبيعي الميمع gnl1 في أرزيو، والشطر الأول من الميناء البترولي أرزيو الجديد، ومركب الميتانول والمشتقات الأخرى. كما وضع حجر الأساس للمصنع الجديد لتمييع الغاز gnl2 في بطيوة. وفي اليوم الموالي دشّن سد السفادة بغليزان.

في مساء اليوم الأول تناولنا العشاء معه في مستغانم، أنا والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي. لم يطل بومدين البقاء معنا، وانصرف للنوم، مدّعيا التعب. لكنني لاحظت على وجهه نفس التكشيرة ونفس تقطيب الوجه التي سبق لي وأن لاحظتهما خلال زياراته الخاصة لي بوهران.

ولم يخطر ببالي أنها أعراض المرض، الذي سيخطفه بعد أشهر، بدأت تنهش جسده. بعد انصرافه تحدثنا، أنا وطالب عن مؤتمر الحزب التي كان التحضير له يشغل بال الرئيس، والذي كان من المفروض أن يصحح مسار التجربة من خلال بناء حزب جماهيري قوّي وقادر على تجنيد الجماهير حول الخيارات الكبرى للبلاد. ونظرا إلى ثقتي الكبيرة بالدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، طلبت منه أن يطرح قضية المسؤولين الذين يستغلون نفوذهم ومناصبهم في أجهزة الدولة من أجل اكتناز ثروات فاحشة. وقلت له: "نحن نعوّل عليك، يجب أن يكون شعار المرحلة القادمة "من أين لك هذا؟". وكنت أكرّر على مسامعه: "إن الشعار الذي رفعناه "الرجل المناسب في المكان المناسب" لم يطبق دائما بالشكل المناسب. وكان بومدين في خطاب شهير قد خيّر هؤلاء بين الثورة والثروة. ومما قاله: "لا يمكن، من الآن فصاعدا، أن نمسك العصا من الوسط".

وعندما كان بومدين يزورني للراحة في وهران، كنت أتحدث معه عن ضرورة إحداث إصلاحات في هياكل الدولة وتغيير الرجال. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي أثير معه هذه القضية. فقد ألححت عليه مرارا على ضرورة الإسراع في التحضير لمؤتمر الحزب. ومما قلته له "إذا لم نقم بذلك فأنا سأطلب التقاعد" وبالفعل، فكرت مليّا في ذلك، وشرعت في البحث عن بيت في العاصمة لأقضي فيه ما تبقى لي من عمر.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

العلاقة مع المغرب قبل 1979

قدت الناحية العسكرية الثانية مدة 15 سنة دون انقطاع. وكنت مدركا تمام الإدراك لجسامة المسؤلية وثقلها الملقاة على عاتقي.

ذلك أن هذه الناحية حسّاسة، وتكتسي أهمية استراتيجية كبيرة، بحكم شساعة إقليمها وضمّها لثلث أفراد الجيش ونوعية سلاحه المتطوّرة. وفضلا عن ذلك، فإن حساسية الناحية تنبع، بالدرجة الأولى، من كونها متاخمة للحدود المغربية. كان احتمال نشوب نزاع مسلّح مع المغرب، في ظل التوتر المستمر بين البلدين واردا في أية لحظة. وكان همّي الوحيد هو الحيلولة دون وقوع ذلك، والحرص في الوقت نفسه على وحدة التراب الوطني وسلامته.

وكان هذا الهاجس يؤرّقني على الدوام كمجاهد وكقائد عسكري. فأنا أنتمي إلى جيل آمن إيمانا راسخا، بوحدة الشعوب المغاربية، جيل لم يساوره الشك أبدا في أن ما يجمع بين شعوب المنطقة أقوى مما يفرق بينها، جيل يعتبر وشائج التاريخ وروابط الدين وحقيقة الجغرافيا والتطلع إلى مصير مشترك واحد تجعل من هذه المنطقة وحدة متجانسة في طموحاتها منسجمة في تطلعاتها، لكن دسائس الاستعمار وأطماع بعض الساسة حالت دون ذلك.

وكان إيماني هذا، وإيمان جيلي، يستند بطبيعة الحال، إلى تجربة واقعية في الكفاح المشترك أثناء ثورتنا المجيدة. فنحن لم ننس أن الشعبين الشقيقين التونسي والمغربي احتضنا المجاهدين الجزائريين بكل فخر واعتزاز في فترة صعبة، وأن أبناء هذين الشعبين رفعوا السلاح في وجه المستعمر الفرنسي، وحاربوا معنا في خندق واحد، ومنهم من استشهد في سبيل استقلال الجزائر.

ومن المؤسف القول، إنه مع استعادة البلدان المغاربية لاستقلالها انبعثت لدى بعض الساسة النعرات الإقليمية الضيّقة والحسابات الأنانية والأطماع التوسعية لدى بعضهم الآخر. وأضحت آمال الوطنيين في الوحدة والتحرر وكأنها أضغاث أحلام.

وقد نشأت مشكلة المطالب الحدودية قبيل الاستقلال، ومارس الملك الحسن الثاني ضغوطا مختلفة على الحكومة المؤقتة لمنعها من إجراء الاستفتاء حول تقرير المصير في منطقة تندوف التي كان يدّعي مغربيتها. وقام بنشر قواته على طول الحدود. كان ذلك أول مؤشر على أن الحدود ستتحّول إلى حقل ألغام سينسف كل الإرادات الطيّبة في طريق إقامة مغرب موّحد ومتحرر. ونفس المطامع لمسناها في الحدود الشرقية. فبورڤيبة بدأ مع اقتراب الاستقلال ينتقل من التلميح إلى التصريح بمطامعه في الحدود مع الجزائر.

هذه الأطماع المعلنة حينا، والمبطنة حينا آخر، جعلتني طيلة قيادتي للناحية العسكرية الثانية لا أطمئن إلى نوايا الملك. وكانت قواتنا في حالة شبه استنفار دائم تقريبا.

لقد كانت العلاقات بين الجزائر والمغرب متوترة باستمرار، ولم تتسم بالثقة المتبادلة والتعاون الأخوي وحسن الجوار إلا نادرا. كما أن العلاقة بين هواري بومدين والحسن الثاني كانت متصلبة، وكأنما بين الرجلين حساب قديم يجب تصفيته، وحقد دفين لم يستطيعا تجاوزه. وخلق هذا كلّه جوا من الشك وانعدام الثقة انعكس سلبا على كل محاولات إرساء قواعد تعاون مثمر يصون تطلعات الشعبين إلى التحرر والاستقرار.

فلا أحد منا في الجزائر نسي أن المغرب حاول احتلال جزء من التراب الوطني في وقت خرجت فيه الجزائر ممزقة مثخنة بالجراح بعد حرب ضروس دامت أكثر من سبع سنوات. كان ذلك اعتداء سافرا، وكانت صرخة بن بلة الشهيرة اليائسة "حڤرونا.. حڤرونا" تحيلنا باستمرار على إحساس بالمرارة وخيبة الأمل والخوف في آن واحد من تبخر أحلام جيل كامل من الوطنيين في رؤية وحدة الشعوب المغاربية تتحقق بعد استعادة الاستقلال.

كنت في زيارة رسمية إلى الصين حين بلغنا خبر توغل الجيش المغربي يوم 15 أكتوبر 1963 في حاسي بيضاء وإقامته لمعسكرات هناك. حاولت إقناع القادة الصينيين بضرورة عودتنا إلى أرض الوطن. لكنهم أصروا على اتمام الزيارة. بعد عودتنا إلى الجزائر وجدنا ما عرف "بحرب الرمال" قد انتهت، وأن الجيش المغربي انسحب بعد تجند الشعب الجزائري، الذي هبّ كرجل واحد دفاعا عن سلامة ترابه، وبفضل مساعي منظمة الوحدة الافريقية، وضغوط جمال عبد الناصر وفيدال كاسترو، وأريد هنا أن أفتح قوسا لأحيي حكمة محند أولحاج الذي وضع في الوقت المناسب حدا لتمرّده في القبائل، وانضم إلى القوات الحكومية لصدّ العدوان في ذلك الظرف العصيب، وانحني أيضا أمام الشجاعة السياسية للزعيم المهدي بن بركة، الذي كان الصوت المغربي الوحيد الذي جهر بموقفه، مدينا الأطماع الامبريالية للعرش الملكي، ومعتبرا الاعتداء المغربي خيانة لنضال الشعوب المغاربية من أجل الوحدة. لقد كلّفه هذا الموقف ثمنا غاليا حيث حكم عليه بالإعدام غيابيا ليغتال في أكتوبر 1965.

كان الدرس الذي استخلصناه، نحن العسكريين، من تلك الحرب هو أن الحسن الثاني لم يتخل عن أطماعه التوسعية، وأنه لا يعترف بالحدود الموروثة عن الاستعمار، والتي نصّ ميثاق منظمة الوحدة الافريقية على حرمتها، شأنه في ذلك شأن الأحزاب المغربية، خاصة حزب الاستقلال لعلال الفاسي الذي كان يحلم "بمغرب كبير" يضم أجزاء كبيرة من غرب وجنوب غربي الجزائر وموريتانيا ويمتد حتى نهر السنغال".

لقد عبّرنا، نحن القادة العسكريين، في العديد من اللقاءات مع هواري بومدين عن رفضنا لتقديم أيّ تنازلات في مسألة الحدود. وكان بومدين غير راض عن الطريقة التي حلّت بها مسألة الحدود مع تونس. وكان موقفه هو أن الحدود الجزائرية لا ينبغي أن تكون محل متاجرة أو موضوع ابتزاز، خاصة وأنه كان يعرف أن بعض السياسيين يحاولون تقديم تعويضات اقتصادية في مقابل تخلي المغرب عن أطماعه، وكان هذا التوجه واضحا في اللقاء الثنائي الذي جرى بين أحمد بن بلة والملك الحسن الثاني في السعيدية في شهر ماي 1965، والذي رفض بن بلة مشاركتي فيه لأسباب أجهلها.

لم تتحسن العلاقة بين الجزائر والمغرب بعد حركة جوان التصحيحية. وظل كل طرف متمسكا بموقفه في مسألة الحدود. وبالإضافة إلى ذلك أصبحت المعارضة المغربية الموجودة في بلادنا، والتي ورثناها عن حكم بن بلة، تشكل عقبة في ريق نزع التوتر بين البلدين. كان الملك الحسن الثاني يصر، في كل مرة، على حل هذه المعارضة التي لجأت إلى الجزائر سنة 1963، معتبرا ذلك شرطا أوليا لإعادة بعث الدفء في العلاقة بيننا. كما كان يتهم الجزائر بدعم غريمه السياسي المهدي بن بركة.

كانت القيادة السياسية لهذه المعارضة تنشط في العاصمة، أما تنظيمها المسلح، فكان في مركزين بغرب البلاد، الأول في سيدي بلعباس والثاني في المحمدية، أي في إقليم الناحية التي أشرف عليها. إدراكا منه لضرورة تصفية الأجواء بين البلدين وتمهيدا لأول زيارة له إلى المغرب اتصل بي الرئيس هواري بومدين، لاستشارتي في الموضوع. قلت له بعد أن قدمت له عرض حال عن المسألة "إني لا أؤمن بمعارضة تنشط خارج بلدها، وإن الإخوة المغربيين إذا أرادوا أن يعارضوا حكم الملك، فليفعلوا ذكل داخل بلدهم". ثم شرحت لبومدين أن بحوزتي معلومات تقول إن المخابرات المغربية اخترقت صفوف هذه المعارضة. اقتنع بومدين بوجهة نظري، وطلب مني التصرف بما تمليه المصالح العليا للبلاد.

كان الجيش يشرف على تسليم هذه المعارضة وتدريبها، أما الإشراف السياسي واللوجيتسيكي فكان من صلاحيات جبهة التحرير الوطني. وكان المحافظ الوطني للحزب في عمالة وهران آنذاك يدعى قواسمية الشاذلي عبد الحميد، لذلك اعتقدت المخابرات المغاربية، والملك الحسن الثاني استنادا إلى تقاريرها، أن الشاذلي بن جديد هو من نظم سياسيا هذه المعارضة ووجهها. لقد اختلط عليهم الأمر بين اللقب والإسم تماما مثلما اختلط الأمر في بداية الثورة على المخابرات الفرنسية التي أعتقدت فترة طويلة أن لقبي هو الشاذلي. كنت، بالطبع حريصا على إخفاء لقبي مؤقتا حماية لعائلتي من قصاص الجيش الفرنسي، لكن الفرنسيين سرعان ما عرفوا حقيقة الأمر.

أعطيت أمرا لمصالح الأمن بحل التنظيم المسلح واسترجاع السلاح. وكمنت حريصا على أن أوفر فرص العمل في مزارع التسيير الذاتي لمن أراد من أعضائها البقاء في الجزائر، أما من أراد الاستفادة من العفو الملكي فقد سهلنا لهم أسباب المغادرة.

اختلاط الأمر على المخابرات المغربية بين اسمي ولقبي سبّب لي مشكلة جدية مع الملك الحسن الثاني. فخلال زيارة هواري بومدين الأولى إلى المغرب كنت الثاني من الناحية البروتوكولية، لكن الملك غيّر ورقة البروتوكول وجعل مني الرابع. وشعرت أثناء المحادثات بين الوفدين أن الملك يعاملني ببرودة وجفاء. فهمت السبب، وفي المساء رفضت حضور المأدبة التي أقامها الملك على شرف الوفد الجزائري، وقلت لمولود قاسم إذا سألك بومدين عن سبب غيابي قل له "الشاذلي متعب" وهو يعتذر عن الحضور"، وقد لام بومدين الملك الحسن بعد ذلك. وشعرت بتغيّر العلاقة بيننا خلال زياراتي الثانية إلى المغرب.

كان بومدين قبل لقائه الأول بالملك يراهن على المعارضة المغربية. وكان يعتبر مساعدتها دين في عنق الجزائر. وهذا أمر طبيعي، فبومدين عاش طويلا في الناظور ووجدة، وكان شاهدا على احتضان الشعب المغربي للمجاهدين، وكان تأييده لهذه المعارضة من قبيل رد الجميل للشعب المغربي. لكنه، بعد قمتي إفران وتلمسان، امتنع عن القيام بأيّ خطوة من شأنها تعكير الجو بين البلدين. وتميّزت هذه المرحلة بالاحترام المتبادل وحسن الجوار وتجنب الطرفين لهجة التصعيد. من مظاهر هذه السياسة الجدية تكليف بومدين لي بين 12 و22 ماي 1970 بالمشاركة في الأعياد المغربية الثلاثة، عيد العرش وعيد الشباب وعيد الجيش الملكي، أو مما يسميها المغاربة بالأعياد الثلاثة المجيدة، وضم الوفد الذي ترأسته قادة أركان كل النواحي العسكرية. كانت العلاقة بين البلدين طيّبة، واستقبلنا الأشقاء في المغرب بحفاوة بالغة وأحسنوا ضيافتنا، وحضرنا الاستعراض العسكري الضخم الذي أقسم بالمناسبة. كنت جالسا إلى يمين الملك الحسن الثاني داخل قمرّيته، وكان ولي العرش شقيقه عبد الله إلى يساره. اندهشت الوفود الأجنبية الأخرى لحفاوة الاستقبال والمقام الرفيع الذي خصنا به الملك. فلم يكن مألوفا أن يجلس أي وفد أجنبي جنب الملك، مهما عظم مقامه وسمت صفة تمثيله. وكان أحد الجنرالات واقفا إلى يميني إلى الخلف قليلا. كلّفه الملك بأن يشرح لي ويعلق على مجريات الاستعراض الذي شاركت فيه تشكيلة عسكرية جزائرية. خلال تلك الزيارة قلّدني الملك وساما ملكيا. ومن أطرف ما حدث خلالها هو أن حامل العلم الوطني، ضابط الصف شقيقي عبد المالك بن جديد. رفض تنكيس العلم الوطني لدى مرور الملك أمام التشكيلة العسكرية الجزائرية، وحين سئل عن سبب ذلك أجاب: "العلم الذي ضحى من أجله مليون ونصف المليون شهيد لا ينكس أمام إنسان حتى ولو كان ملكا.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

أوفقير يجسّ النبض

بعد انتهاء الاستعراض، كلف الملك الجنرال أوفقير بتنظيم حفلات على شرف الوفد الجزائري يسهر شخصيا عليها وكان قبل ذلك قد سأل شابو عن إمكانية الحديث معي سياسيا. زرت رفقة الوفد الدار البيضاء، وكان أوفقير حريصا على الاستفسار من حين إلى آخر عن أحوالنا. ذات يوم اتصل بي ضباط شباب برتبة رواد. ومن خلال الحديث معهم، فهمت أنهم يريدون أن يبلغوا لي رسالة ما. في الأخير، قالوا لي بعد تردّد »حاولوا أنتم في الجزائر أن تمنعوا القذافي من إقامة وحدة مع مصر، ريثما نطيح نحن هنا في المغرب بالملكية ونقيم نظاما جمهوريا، ثم بعد ذلك نبني اتحاد المغرب العربي الكبير«.

أعترف أنني صدمت لجرأتهم وتساءلت في قرارة نفسي هل رواد الضباط جادون فيما يقولون أم أنهم يريدون أن يختبروا نوايانا في الجزائر؟ لكن الشكوك التي ساورتني بدأت تتأكد بعد أن لاحظت أن الجنرال أوفقير يستدعيهم من حين إلى آخر ويسألهم عني.

كانت الانقلابات في ذلك الوقت موضة في بلدان آسيا وإفريقيا والعالم العربي ولم يكن المغرب بمنأى عنها.

زادت شكوكي أكثر بعد أن ذهبت إلى مراكش. نزلت بفندق "المأمونية" الفخم، الذي كانت تطيب الإقامة به لرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. كنت متعوّدا على النهوض باكرا وتناول فطور الصباح في البهو. في ذلك اليوم كنت وحدي. اقترب مني شاب واستأذن بالجلوس. بدا لي سلوكه مريبا، وبعد تردّد كرّر عليّ الكلام نفسه الذي سمعته من قبل من الضباط الشباب عن القذافي والعرش الملكي والإطاحة به والمغرب العربي الكبير. لم أفصح له عن رأيي وتظاهرت بتجاهل الأمر. لكني افترضت في الوقت نفسه أن الجنرال أوفقير هو الذي كلفه بنفس المهمة، وافترضت أيضا أن أوفقير إما أنه يريد أن يختبرني ويعرف موقفي من الملك والملكية، لأنه يعرف أني مسؤول على الوحدات الكبرى للجيش الجزائري المتواجدة على الحدود مع المغرب، وإما أنه جاد في نواياه ويخطط لشيء ما. وحين عدت إلى الجزائر أخبرت هواري بومدين بالأمر، فابتسم كعادته ولم يرد عليّ. هل كان بومدين على علم بذلك؟ لا أدري.

لم تكن تربطني بالجنرال أوفقير أية علاقة. لماذا، إذا، حاول أن يختبر موقفي في هذه المسألة؟ سؤال مازال يحيّرني إلى اليوم. كنت في الحقيقة أعرف علاقته الجيدة بالعقيد عبد القادر شابو، الأمين العام لوزارة الدفاع الوطني، فكلاهما من قدماء الجيش الفرنسي.

ويوم تحطمت المروحية التي كانت تقل شابو في شهر أفريل 1971 جاء الجنرال أوفقير وحضر جنازته وبكاه بدموع حارة. كانت هناك معلومات غير مؤكدة عن تنسيق بين أوفقير وشابو وجنرال تونسي خدم هو الآخر في الجيش الفرنسي، لتنظيم انقلابات في بلدان المغرب العربي برعاية من فرنسا. وكان هذا المسعى يندرج في خطة مدروسة وبعيدة المدى لحماية المصالح الفرنسية في المنطقة.

وأتيح لي خلال هذه الزيارة إلى المغرب الشقيق ملاحظة الفرق الكبير بين الضباط المغربيين الذين خدموا بالجيش الفرنسي ونظرائهم الذين خدموا في الجيش الإسباني من خلال حديثي مع الجنرال عبد السلام، وهو من قدماء الجيش الإسباني. قدماء الجيش الإسباني يدينون بولاء أعمى للعرش الملكي، أما من خدموا بالجيش الفرنسي فأغلبهم، كما هو معروف، تورطوا في محاولات الإطاحة بالملك.

ولعل أوفقير أراد أن يتأكد من موقفي من أيّ تغيير سياسي محتمل في منطقة المغرب العربي، لأن شابو أقنعه بعد أن علم أنني سأقود الوفد العسكري الجزائري أن الشاذلي بن جديد »هو رجلنا« وأنه سيؤيدنا في أيّ محاولة تغيير. تأكدت الشكوك التي ساورتني بعد مدة قصيرة.

في 27 ماي 1970 شارك في اللقاء الذي جمع في إفران بين بومدين والملك الحسن الثاني. كان اللقاء ناجحا وتمخض عن توقيع إتفاقية تمّ بموجبها إنشاء لجنة مختلطة لترسيم الحدود ترأسها عن الجانب الجزائري محمد زرقيني، وعن الجانب المغربي الجنرال أوفقير. اعترف المغرب بحق ملكية الجزائر لمنجم غار جبيلات، كما اتفق الطرفان على إنشاء شركة مختلطة لاستثمار هذا المنجم. كانت القمة ناجحة على كل الأصعدة، وفتحت الطريق نحو تصفية الأجواء، وبرز أمل عريض في التعايش والتطبيع. وفي الوقت نفسه سعى بومدين إلى تصفية الأجواء بين المغرب وموريتانيا وأدّت مساعيه إلى التوقيع على اتفاقية حسن جوار بين البلدين، وكللت كل هذه الجهود في سبتمبر من السنة نفسها بانعقاد قمة نواديبو، التي أوصت بالإسراع بتصفية الاستعمار عن الصحراء التي كانت تحتلها إسبانيا. لكن تسارع الأحداث أدى إلى العودة إلى نقطة الصفر.

بعد عام، بدأ مسلسل الانقلابات في المغرب الذي حاول البعض في المغرب وخارجه اتهام بلادنا بالوقوف وراءه. ففي 10 جويلية 1971 أجهض الملك انقلاب الصخيرات الذي قاده العقيد محمد عبابو. وقد بدا لي موقف الجنرال أوفقير آنذاك مثيرا للريبة، إذ سعى إلى محو آثار تورّطه في المؤامرة بإشرافه شخصيا على إعدام المتآمرين. ورغم سعي الملك بعد ذلك إلى الانفتاح على المعارضة ومحاولته المحتشمة لإصلاح عرشه بالتأسيس لملكية دستورية وقع انقلاب آخر قاده هذه المرة الجنرال أوفقير نفسه، الذي كان يعتبر ركيزة أساسية للعرش الملكي. كنا في الجزائر نعرف أن المعارضة وجزءا من النخبة العسكرية في المغرب معجبة بالتجربة الجزائرية في التصنيع والإصلاح الزراعي وديمقراطية التعليم، وأنها تسعى بكل الوسائل إلى الإطاحة بالعرش من أجل بناء مغرب موحّد. لكن الجزائر التزمت دوما مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها.

أدركنا كلنا، وعلى رأسنا هواري بومدين، هشاشة العرش المغربي بعد الهزات العنيفة التي تعرض لها في أقل من عامين. لكننا لم نحاول بتاتا استغلال ذلك.

صحيح أن بومدين كان يعتبر الملك الحسن الثاني عقبة في طريق الوجدة المغاربية، لكنه بعد قمتي إفران في 1969 وتلمسان في 1971 انتهج سياسة براغماتية مع الحسن الثاني مبنية على التعايش والاحترام المتبادل وامتنع عن دعم المعارضة المغربية التي كانت تتطلع إلى الجزائر لمساعدتها وتعتبرها النموذج والمثال.

وبذل بومدين جهودا كبيرة لإنقاذ مشروع وحدة المغرب العربي وحاول إقناع الملك بضرورة تطبيق اتفاقية نواديبو الموقعة بين الجزائر والمغرب وموريتانيا، والتي تنص صراحة على تكثيف جهود البلدان الثلاث والتنسيق بين قادتها من أجل الإسراع بتصفية الاستعمار في المنطقة وفقا لقرارات الأمم المتحدة.

لكن مشروع توحيد البلدان المغاربية اصطدم على الدوام بقضية الصحراء الغربية. وكان ملك المغرب يتهم الجزائر بأنها تقف وراء زعزعة عرشه من خلال دعمها سياسيا وعسكريا لجبهة البوليزاريو، بل أن الصحافة المغربية مافتئت تتهم الجزائر بأن لها أطماعا ترابية في الصحراء. واليوم أشهد أن هواري بومدين لم يكن يطرح القضية من هذه الزاوية لا في اجتماعات مجلس الثورة ولا في لقاءاته معي على انفراد.

كنا في الحقيقة مع تصفية الاستعمار الذي عانينا ظلمه أكثر من غيرنا ونعرف ويلاته وشروره. وكنا أيضا مع مبدأ تقرير المصير الذي ثبتته الأمم المتحدة في ميثاقها بعد الحرب العالمية الثانية، وطالبت في العديد من قراراتها بتمسكها بتطبيق هذا المبدأ في الصحراء الغربية، كما طالبت إسبانيا بتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية. فنحن في الجزائر قبلنا باستفتاء حول تقرير مصير بلادنا، رغم التضحيات الجسام التي قدمناها طيلة سنوات الحرب.

لكن المغرب وموريتانيا اللذين وقّعا على وثائق تعترف بضرورة تصفية الاستعمار في الصحراء، وحق الشعوب في تقرير مصيرها كان يعملان سرّا على اقتسام الإقليم الصحراوي. فقد وقّع الحسن الثاني ومختار ولد دادة اتفاقا سريا في أكتوبر 1974 يقتسمان بموجبه الصحراء الغربية، الشمال للمغرب والجنوب لموريتانيا. ثم اجتمعا بعد ذلك في الرباط لترسيم الحدود بينهما، وبعد ذلك وقّعا على حلف للدفاع المشترك.

لقد أحسسنا في الجزائر أن هذا كله موجّه ضدنا. كانت حسابات كل بلد منهما واضحة. الحسن يسعى لعزل موريتانيا عن الجزائر وإيهام المجموعة الدولية بأن ملف الصحراء طوي إلى الأبد. أما ولد دادة فقد أراد بذلك وضع حد لأطماع المغرب في تراب بلاده عن طريق رسم حدود جديدة لبلده مع المغرب.

اعتبر بومدين التحول المفاجئ لولد دادة طعنة في الظهر، بل وخيانة لالتزامات هذا الأخير مع الجزائر. كان ولد دادة لا يفوّت فرصة ليؤكد أنه صديق الجزائر، وكان يقيم تقريبا باستمرار في بلادنا. وقد ارتكب خطأ فادحا حين توهّم أنه سيتقي شر الملك بالانقلاب على بومدين. وقد سمعت بومدين في آخر اجتماع له معه في بشار، والذي حضرت جانبا منه مع أعضاء آخرين من مجلس الثورة ودام خمس ساعات، يقول له كلاما لم يسمعه منه من قبل. كما فقد بومدين هدوءه ورزانته في خطاب شهير، وهو يتحدث عن الرئيس الموريتاني. ومنذ ذلك الوقت، أعطى بومدين تعليمات لمساعدة المعارضة الموريتانية إلى أن أطيح بولد دادة في جويلية 1978، وكان انحيازه إلى المغرب في قضية الصحراء الغربية وعجزه عن التحكم في الوضع الجديد سببين مباشرين في الإطاحة به.

كان بومدين منشغلا يوميا بالعلاقة مع المغرب وقضية الصحراء الغربية. وكنت ألاحظ ذلك عليه في اجتماعات مجلس الثورة وأثناء زياراته المتكرّرة إلى الناحية العسكرية الثانية. وكانت القضية الأخيرة بالنسبة إليه مسألة شرف وتحد. وكان يردّد دوما أنه لن يسمح للملك بالاستيلاء على الصحراء على حساب الصحراويين. توتر الوضع بعد المسيرة التي نظمها الملك محتلا بذلك الإقليم الصحراوي. كانت هذه الخطوة هي نقطة اللارجوع.

وطرح أمام الجزائر خياران. الخيار الأول عسكري، والثاني دبلوماسي. وكان الخيار الأخير يرتكز على التفاوض مع التمسك بالشرعية الدولية ومقرّرات الأمم المتحدة ومحكمة لاهاي الدولية.

في أحد اجتماعات مجلس الثورة ناقشنا مطولا مشكل الصحراء الغربية من كل جوانبه، وكان هواري بومدين حريصا على معرفة رأي كل واحد منا. طرح بومدين مسألة جاهزية الجيش الجزائري في حال وقوع حرب، ولم يتدخل أيّ عضو من أعضاء مجلس الثورة. وحين طلب مني رأيي قلت له »إن الجيش يفتقد الإمكانيات، ويفتقد إلى التنظيم، وإننا موضوعيا غير جاهزين لتموين الوحدات بعيدا عن قواعدها في حالة حرب«. كان بومدين هو وزير الدفاع، وهو المسؤول الأول عن القوات المسلحة. ولم يكن من حقي أن أكذب عليه في مثل هذه المسألة الحساسة. لكن ما سمعه في الاجتماع لم يعجبه، فقال في لحظة غضب »إذا ما عنديش رجال«. وبعد أن كررت له أن الحقيقة هي هذه، ويجب أن نأخذها بعين الاعتبار، رد علي »ما نيش عليك يا الشاذلي، مانيش عليك..«. ربما كان يقصد الأعضاء الآخرين، ثم التفت إلى عبد العزيز بوتفليقة قائلا له »حضّر إذن كتائبك يا سي عبد العزيز«. وكان يقصد بذلك اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية.

بعد خروجنا من الاجتماع، قال لي أحد أعضاء مجلس الثورة »لماذا تعارضه في الاجتماع، إنه سيتذكر ذلك، وسينتقم منك«. ثم أضاف »لو كان رجلا لرمى برنوسه وذهب إلى بيته«. استغربت ذلك منه، خصوصا وأنه كان يحتمي بهذا البرنوس. ثم أجبته »أنا عسكري مثله، وأقول كلامي بصراحة، وأنا مستعد للخروج إلى التقاعد، وأصبح مواطنا عاديا«. وقد كرّرت هذا الكلام لبومدين في عدة مناسبات. لكن ثقته بي لم تتزعزع، وكان يفضل صراحتي على رياء المتملقين.

بعد هذه الحادثة كلف هواري بومدين زرقيني وسليم سعدي بإجراء تفتيش عام لوحدات الجيش في الناحية الثانية، وتقديم تقرير مفصّل عن وضعية الوحدات من حيث التنظيم والتسليح والتموين والجاهزية للقتال. وبعد شهر، قدما له تقريرا أكدا فيه كلامي في مجلس الثورة، بل أن التقرير كان سلبيا وأكثر سوداوية مما قلته أنا. وبعد أن اطلع بومدين على محتواه طردهما غاضبا من مكتبه. وفي الأخير اقتنع بومدين بوجهة نظري.

لكن كان بيننا مغامرون أقنعوا بومدين بإمكانية تدخل كتيبة من جنود الخدمة الوطنية من بشار، ووقعت مڤالا الأولى المؤسفة، وأسر جنودنا. كنا باستمرار في حالة استنفار قصوى. ودخل البلدان في دوامة خطيرة أدت إلى تأزيم العلاقة أكثر بين المغرب والجزائر وكادت تؤدي إلى نشوب حرب لا تحمد عقباها. كانت مغامرة لم يحسب لها أيّ حساب على المستويين السياسي والعسكري. وقد أدت إلى خلق جو من الاستياء في أوساط الجيش، وكان بعض أعضاء مجلس الثورة يسعون سرّا إلى تحميل بومدين مسؤولية هذا العار، ويتهمونه بتلطيخ سمعة الجيش. لكن مڤالا الثانية أنقذت الموقف وشعر بومدين أنه الآن في موقف قوة.

كما أدت هذه الحادثة أيضا إلى تأزيم الوضع الداخلي بعد النداء الذي وقّعه فرحات عباس وبن يوسف بن خدة وحسين لحول والشيخ خير الدين في مارس 1976. فبالرغم من أن النداء يدعو الطرفين باسم الأخوة الإسلامية والتضامن الإنساني إلى وقف الحرب، ورغم بكائه على المعاملة السيئة للرعايا المغربيين المطرودين من الجزائر ومأساة سكان الساقية الحمراء ووادي الذهب إلا أنه في واقع الأمر كان دعوة صريحة إلى الإطاحة ببومدين من خلال اتهامه بالحكم الفردي وعبادة الشخصية وإدانته للخيارات الكبرى البلاد.

ومما زاد من خطورة النداء أنه نشر في وقت كانت البلاد تستعد فيه لمناقشة الميثاق الوطني وإجراء انتخابات رئاسية. شعر بومدين أن النداء موجّه ضده شخصيا. واتخذ قرارا بوضع فرحات عباس وبن خدة وخير الدين ولحول تحت الإقامة الجبرية في بيوتهم.

ظلت العلاقات الجزائرية المغربية متوترة، إلا أن البلدين تجاوزا حالة الحرب رغم الحملات الإعلامية المتبادلة. لا غالب ولا مغلوب ديبلوماسيا. ولم يتم اللقاء الذي كان مرتقبا في بروكسيل بين الرئيس هواري بومدين والملك الحسن الثاني. وفي نهاية سبتمبر علمنا بمرض الرئيس بعد عودته من اجتماع جبهة الصمود والتصدي في دمشق. وفي 27 من الشهر نفسه، توفي رحمه الله. وظلت الوضعية متأزمة إلى أن التقيت الملك الحسن الثاني على الحدود في 26 فيفري 1983 وقرّرنا إعادة فتح الحدود بين البلدين التي ظلت مغلقة منذ 1975.

كانت هذه هي الخطوة الأولى في ملفي العلاقة بين الجزائر والمغرب وقضية الصحراء الغربية اللذين ورثتهما عن المرحوم هواري بومدين، وسهرت على الإشراف عليهما طيلة 13 سنة بروح الاستمرارية في النهج والثبات في الموقف. كان هناك من راهن على احتمال تخلي الشاذلي بن جديد عن قضية الصحراء الغربية، ونفض يده منها من منطلق أن المشكل في جوهره هو خصومة شخصية بين هواري بومدين والملك الحسن الثاني. هؤلاء تناسوا أن موقف الجزائر هو موقف مبدئي ينطلق من حق الشعوب في تقرير مصيرها وحل بؤر التوتر والنزاعات في إطار الشرعية الدولية.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

غضب الشقيري في غزة

في 1966 رافقت الرئيس هواري بومدين ضمن وفد سياسي وعسكري هام في أول زيارة رسمية له إلى مصر. وقد أولى بومدين لهذه الزيارة أهمية كبيرة، وكان يسعى إلى إعادة بعث الدفء إلى العلاقة بين البلدين بعد فترة الجمود التي طبعتها إثر حركة جوان 1965. كان يدرك المصاعب التي تواجه مصر داخليا وخارجيا، خاصة في اليمن والتهديد الإسرائيلي. كانت الزيارة ناجحة على أكثر من صعيد، ودعمت مكانة الجزائر عربيا، وساهمت في تقوية نفوذ بومدين الشخصي في المنطقة.

لقد التزمت الحكومة المصرية من حركة جوان، كما هو معروف، موقفا تكتيكيا. كانت حريصة على تواصل العلاقة مع بلادنا، وفي الوقت نفسه مهتمة بمصير بن بلة. فقد أوفد جمال عبد الناصر المشير عبد الحكيم عامر، مرفوقا بالكاتب الصحفي حسنين هيكل، إلى الجزائر للتباحث حول إمكانية إطلاق سراح بن بلة ولجوئه إلى مصر، لكن بومدين تردد في اتخاذ قرار بمفرده في مثل هذه المسألة الحسّاسة، وفضّل طرح الموضوع للنقاش في مجلس الثورة.

قلت لبومدين: »باسم ماذا يتدخل المصريون في شؤوننا الداخلية؟«

أجابني: باسم العروبة

قلت له: »إذا كانت العروبة تعني التدخل في شؤوننا الداخلية، فنحن لسنا عربا. والعروبة بطلنا منها«.

وكان بشير بومعزة جالسا إلى جانبي، فابتسم ابتسامة عريضة. وكان بعد ذلك، كلما التقاني، يمزح معي بالقول: »سي الشاذلي، بطلنا من العروبة«. رفضنا، بالطبع، طلب جمال عبد الناصر.

في القاهرة زار أحمد الشقيري، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الجامعة العربية، الرئيس هواري بومدين، وطلب منه السماح للوفد العسكري الجزائري بزيارة غزة. وكان الشقيري يريد من خلال هذه الزيارة رفع معنويات المقاتلين الفلسطينيين من خلال لقائهم بالمجاهدين الجزائريين. فقد كانت الثورة الجزائرية أنذاك هي القدوة والنموذج بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني.

وصلنا غزة على متن طائرة مصرية خاصة. وشاركنا في حفل خطابي تناول فيه الشقيري الكلمة، وتحدث بحماس عن تحرير فلسطين، وعن تضامن الأشقاء العرب مع القضية الفلسطينية، وأثنى على الوفد الجزائري وأسهب في تمجيد الثورة الجزائرية. وكانت الحشود تنادي بحياة العروبة ومصر والجزائر وفلسطين وعبد الناصر. وفي أثناء الهتاف بحياة عبد الناصر أحال الشقيري الكلمة إليّ، بصفتي رئيسا للوفد الجزائري، دون سابق إخطار. لم أكن أنتظر ذلك، فاضطررت إلى ارتجال كلمة قصيرة حييت فيها بسالة المقاومة الفلسطينية، وأكدت دعم الجزائر للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني. ثم دعوت المقاتلين الفلسطينيين إلى الاعتماد على أنفسهم وإمكانياتهم الذاتية، مضيفا أن دعم الأشقاء العرب مهم، لكنه لا يكفي، والثورة الجزائرية خير مثال على ذلك. وشرحت في كلمتي أن الدعم الخارجي ساعدنا كثيرا، لكننا اعتمدنا أساسا على أنفسنا وحققنا النصر.

ولم أنتبه في ذلك الوقت إلى أن أغلب الضباط وضباط الصف الذين كانوا يؤطرون ويدربون المقاتلين الفلسطينيين مصريون. وفهمت المخابرات المصرية من كلمتي أني أدعو الفلسطينيين إلى رفض الوصاية المصرية والتمرد عليها. كنت أعرف أن الشقيري ينسق مع المخابرات المصرية، ولكني لم أكن بالطبع أقصد ذلك.

وفي اليوم الموالي، غادر أحمد الشقيري غاضبا من دوننا على متن الطائرة التي نقلتنا إلى غزة. فاضطر الوفد العسكري الجزائري إلى العودة في طائرة عادية مزدحمة عن آخرها بمسافرين يحملون معهم حقائبهم وأمتعتهم، كانت بينهم امرأة تحمل سلة من دجاج. كانت الطائرة تشبه حافلة من تلك الحافلات المزدحمة عن آخرها في شوارع القاهرة.

بعد نزول تقني في بور سعيد، وصلنا إلى مطار القاهرة. ولم نجد في استقبالنا أحدا، ماعدا ممثل منظمة التحرير في القاهرة، الذي استأجر سيارتين لإيصالنا إلى مقر إقامتنا في قصر القبة، الإقامة الرسمية للوفد. واضطررنا إلى حمل حقائبنا بأنفسنا من مدخل القصر إلى غرفنا. وقد تعمّدت طول الطريق انتقاد الأوضاع في مصر، وكنت أعرف أن أغلب أصحاب سيارات الأجرة في القاهرة يتعاملون مع المخابرات، وأردت أن يصل كلامي إليهم. وبالفعل، بلغ الحادث أسماع عبد الناصر فغضب من تصرف الشقيري.

مساء ذلك اليوم، أقام عبد الناصر مأدبة عشاء على شرف الوفد الجزائري، وأصرّ ْعلى إجلاسي مع حسين الشافعي، نائب رئيس الجمهورية ومسؤول وزارة شؤون الأزهر، وفنانتين مصريتين مشهورتين، ربما إحداهما هي فاتن حمامة. وكان هو جالسا مع بومدين في الطاولة المقابلة. وظل يبتسم طول الوقت مشيرا من حين إلى آخر إلى حسين الشافعي لحثّه على الحديث معي. ففهمت أنه على علم بما حدث في غزة، وأنه يريد بهذه الطريقة إرضائي. لم أطلع بومدين على تفاصيل الحادثة، لأني كنت أعرف أن قاصدي مرباح، الذي رافقني إلى غزة، قام بذلك.

وبالرغم من هذه الحادثة، فقد كانت إقامتنا في القاهرة مفيدة وممتعة. فقد دعانا المصريون لحضور حفل ساهر غنّت فيه أم كلثوم، وخصصوا لنا الصفوف الأمامية في المسرح. كانت أم كلثوم تغني وتنظر إلينا ملوّحة باتجاهنا بمنديلها. كان بومدين من المغرمين بأم كلثوم، ويحفظ أغانيها عن ظهر قلب، فأراد الحضور، لكن غياب عبد الناصر، بسبب انشغاله، حال بروتوكوليا دون ذلك.

في مصر اكتشفت خفة الروح المصرية. وحتى عبد الناصر كان صاحب نكتة. ويقال إنه استحدث في الرئاسة مكتبا للنكتة، يزوّده يوميا بما يدور في الشوارع من نكت. وكان يقول »أنا الزعيم الوحيد، ولا أقبل أن يشاطرني الزعامة إلا أم كلثوم«.

وروى لنا نكتة في غاية الطرافة، وهي أن الفنان محمد عبد الوهاب جاء يشتكي له من ثقل الضرائب التي يدفعها وكان عبد الناصر يعرف بخل عبد الوهاب.

فقال له: »اهدأ يا محمد، لماذا تفقد أعصابك، إخواننا الجزائريون المعروفون بعصبيتهم، لم يحركوا ساكنا حين سمعوا بالانقلاب على بن بلة، وأنت تفقد أعصابك بسبب الضرائب، اذهب إلى الجزائر لتهدأ أعصابك«. كانت هذه النكتة تنطوي بطبيعة الحال، على مغزى سياسي واضح.

غادرنا القاهرة التي انتشرت فيها أنذاك نكتة تقول إن بومدين كان يطلب من عبد الناصر عدم المرور من هذا الشارع أو ذاك، لأن بومدين كان مدانا لكل أصحاب الدكاكين بها حين كان طالبا في الأزهر.

بعد فترة، تقرّر في اجتماع لجامعة الدول العربية إنشاء مكتب عسكري للتنسيق بين الجيوش العربية. وزار وفد مصري، يرأسه جنرال، الناحية العسكرية الثانية بوهران، لكني لم أستقبله، وكلفت قائد أركان الناحية بمرافقته. كانت حادثة غزة مازالت حيّة في ذاكرتي. وقد اشتكى ذلك الجنرال تصرفي إلى بومدين.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

إفاضة بومدين كما عرفته

عرفت هواري بومدين في الربع الأول من عام 1960، وبالضبط في شهر فيفري. أنذاك بدأ نجمه يسطع بعد التحاقه بغار الدماء، قادما إليها من هيئة أركان الغرب، بعد قرارات الدورة الثالثة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية المنعقدة في طرابلس. بعد تنصيبه على رأس الأركان العامة، سافرنا نحن قادة المناطق الثلاث، أنا وعبد الرحمن بن سالم والزين النوبلي، للقائه بعد التغييرات التنظيمية الجديدة التي أدخلت على هيكل الجيش والمهام التي أنيطت به في الظروف الجديدة. وكنا والحق يقال، حذرين بالنظر إلى التجارب التي عشناها مع قادة سابقين.

مضى على ذلك الوقت خمسة عقود كاملة، ومازلت أذكره كما رأيته لأول مرة.

كان نحيفا، طويل القامة، أشقر الشعر، غائر الوجنتين، أسودت أسنانه من التدخين. فقد كان يشعل السيجارة من أختها. كان، مثل الناسك، متقشفا في أكله، متواضعا في ملبسه. تخاله حين تنظر إليه وسط الجنود أنه واحد منهم. ورغم ما يبدو على ملامح وجهه من صرامة وجدية، إلا أنه خجول إلى درجة الحياء.

كان بومدين شخصية منطوية على نفسها، كتومة وخجولة. قليل الحديث يستمع أكثر مما يتكلم، لا يتسرع في اتخاذ القرارات ويشاور المقربين منه، ولم يكن مستفردا بالرأي كما يشاع عنه. لكنه في الوقت نفسه كان فعالا وصارما حين يتعلق الأمر بمصلحة البلاد. أما في حياته الشخصية، فقد كان متواضعا يرفض حياة البذخ والمظاهر الخادعة. هذه هي الصورة التي احتفظت بها عنه أثناء عملي معه في المنطقة الشمالية للعمليات، وحين أصبح وزيرا للدفاع، وعندما تولى منصب الرئاسة. ولم يتغير في الجوهر إلى أن رحل عن هذه الدنيا.

كان، في الغالب، يتخذ القرارات بعد فحص كل الاحتمالات وردود الفعل، ويترك الأمور حتى تنضج، لكنه بعد أن يتخذها كان نادرا ما يتراجع عنها. ربما كان ذلك هو أسلوبه في الحكم.

في اجتماعنا به في غار الدماء سألنا عن كل صغيرة وكبيرة عن الأوضاع دون أن يبدي رأيه فيها. كان يريد أن يعرف على الخصوص قدراتنا العسكرية ومعنويات المقاتلين، ويستفسر عن خطي موريس وشال. بعد افتراقنا توسمنا فيه خيرا. لعله الرجل الذي أهلته الأقدار لإنقاذ الثورة. اتفقنا أنا وبن سالم بعد عودتنا على إعطاء الرجل فرصته. فهو جديد وغير معروف في وسط الضباط إلا سماعا، كما أنه غير متورط في الأحداث العاصفة التي عرفتها القاعدة الشرقية. ومن حسن الحظ، أننا كنا نجهل أنه هو من ترأس المحكمة التي حكمت بالإعدام على العموري وعواشرية ونواورة والرائد لكحل والضباط الآخرين. فربما كان موقفنا منه سيختلف. وفي حقيقة الأمر، كنا نسعى إلى تجاوز الانسداد ولو بتقديم تنازلات. فقد أصبحنا مقتنعين أكثر أن أهم شيء هو إنقاذ الثورة وتصحيح مسارها. كان الفرق بينه وبين محمدي السعيد كبيرا سواء في طبعهما أو ثقافتهما أو قدراتهما على قيادة الرجال.

أما في إدارته لشؤون الدولة، فقد كان بومدين سواء في الجيش أو في مجلس الثورة أو الحكومة يستشير مساعديه في أهم القرارات التي يتخذها. كان محاورا ذكيا، ومجادلا مقنعا. وكان نهجه في إدارة شؤون البلاد يستند إلى رؤية بعيدة المدى تنبذ الارتجال والتسرع. بعد موته حاول البعض التنصل من مسؤولياتهم المباشرة في بعض القرارات التي اتخذت جماعيا ونسبت نتائجها السلبية أو فشلها إلى بومدين. وأريد أن أؤكد أننا كلنا نتحمل القرارات الكبرى في عهد بومدين بسلبياتها وإيجابياتها. والواقع أنه لم يكن يحكم وحده. وعلى العموم يمكن القول إنه استند على ما عرف بجماعة »وجدة«، والمجاهدين قادة النواحي العسكرية، والضباط الفارين من الجيش الفرنسي، والمستشارين الخاصين. وأعتقد أنه أراد من خلال ذلك تحقيق نوع من التوازن في تسيير دواليب الحكم.

اهتم بومدين بالتعريب، وكان اهتمامه نابعا من قناعته بأن استعادة اللغة الوطنية لمكانتها هو مطلب رفعته الحركة الوطنية ونصت عليه كل الوثائق الرسمية للثورة الجزائرية. أثناء حكمه تمّ تعريب الإدارة والعدالة وسطرت سياسة شاملة للتعريب التدريجي لكل أطوار التعليم، وهي السياسة التي واصلت أنا تطبيقها بعد رحيله. لكن بومدين لم يكن من دعاة الانغلاق. فقد كان يدعو دوما إلى الانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى بما يخدم اللغة العربية. كان يحسن اللغتين، لكنه كان يتفادى في خطبه الحديث باللغة الفرنسية.

كان عميق الإيمان، حريصا على تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية وتكييفها مع الاختيار الاشتراكي. لا ننسى أنه درس في الأزهر، وكان كتابه المفضل هو القرآن الكريم. كان يحفظه عن ظهر قلب ويستشهد بآياته في خطبه. كان يعتبر الإسلام دين العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات. لكنه كان في الوقت نفسه يرفض احتكار الفكر الإسلامي أو تأويل الإرادة الإلهية. كان يقول دائما في خطبه إن الإسلام يرفض استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. والكل مازال يذكر خطابه الشهير في مؤتمر قادة البلدان الإسلامية الذي عقد بلاهور سنة 1974 وجملته المدوية »إننا نرفض أن ندخل الجنة وبطوننا خاوية«. وكانت هذه الجملة تعبر في حقيقة الأمر عن تصوّر جديد لإسلام منفتح على حقائق العصر.. إسلام التسامح والتفتح والحوار. وجرّ عليه هذا التصريح انتقادات عنيفة في الداخل والخارج.

لقد وقف بحزم ضد كل أشكال التعصّب والتطرف والمغالاة التي حاولت استعمال الدين لأغراض سياسية. ويكفيه فخرا أنه شيّد عشرات معاهد التعليم الأصلي، وكان يرعى شخصيا ملتقيات الفكر الإسلامي.

أما علاقته بي شخصيا فكانت علاقة ثقة واحترام متبادلين. كان لا يشك في إخلاصي وصداقتي له. وهذه الصداقة صقلتها العديد من المحن والتجارب، منها تمرّد شعباني ومحاولة علي منجلي تأليبي عليه وحركة 19 جوان ومحاولة انقلاب الطاهر الزبيري، تأكد بومدين فيها بأني لن أطعنه في الظهر رغم أن البعض كانوا يحاولون النيل من علاقتنا. كان من عادتي أن أزوره في رئاسة الجمهورية حين أكون في العاصمة. وكان بومدين يوصي البروتوكول بأن أدخل الرئاسة من دون موعد أو استئذان.

ذات يوم، أديت له زيارة مجاملة في بيته بالرئاسة حين كان عازبا، ولما دخلت وجدته يقيم حفل استقبال على شرف الوزير الأول التونسي الباهي لدغم. تراجعت إلى الخلف لأنصرف، ولما شاهدني بومدين ناداني: »أدخل يا سي الشاذلي«. وقدمني إلى الباهي لدغم بهذه الكلمات: »أقدم لك مدلل بومدين«. لم أكن أدري أن العديد من أعضاء مجلس الثورة يقولون عني إني مدلل الرئيس.

ويذكر أحمد طالب الإبراهيمي في الجزء الثاني من مذكراته »هاجس البناء« أن بومدين حدثه، وهو على سرير المرض في موسكو، عن علاقته بأعضاء مجلس الثورة، ومما قاله عني: »العضو الوحيد في مجلس الثورة الذي لم أشتك منه هو الشاذلي بن جديد. صحيح أنه لا يتدخل كثيرا في الاجتماعات التي تضم مجلس الثورة والحكومة، لكنه يملك حسا سليما. وحين كانت تشغلني المشاكل كنت أذهب إلى وهران للقائه. كان يقود بي السيارة، وكان التنزه معه ينسيني مشاغلي في الاجتماعات، وكان بومدين يلومني على ذلك. وأحيانا يسألني لماذا لا أظهر في التلفزيون إلا نادرا.

في السنوات الأخيرة من حياته كان يزورني في وهران، مقر الناحية العسكرية الثانية حين تضيق به الدنيا. كانت زياراته في الغالب مفاجئة ومن دون علم البروتوكول، حتى أن عبد المجيد علاهم وعبد العزيز بوتفليقة كانا يتصلان بي ليسألا عنه. كنت قد أفردت له فيلا في بوسفر، هي الإقامة السابقة لقائد قاعدة مرسى الكبير الفرنسي. وكنت أقوده بنفسي في نزهات بوهران وخارجها. وكنت أوصي الحرس باتباعنا من بعيد حتى لا نلفت الانتباه. ذات يوم توقفت أمام مفترق طرق ببوتليليس تفاجأ أحد حراس الغابات وفرّك عينيه غير مصدق »بومدين والشاذلي وحدهما أمامه«.

قبل رحيله كان بومدين يفكر جديا في إحداث تغييرات جذرية في السياسة المنتهجة في الزراعة والتصينع والتأميمات، بل أنه صارحني في العديد من المرات أنه ندم على بعض الإجراءات التي اتخذها. وكان مصمّما على الدعوة إلى مؤتمر للحزب لتقييم كل جوانب السياسة الوطنية لتحديد السلبيات وتسطير اختيارات جديدة. في إحدى زيارته لي بوهران صارحته بموقفي من المشاريع الكبرى. وقلت له إن الصناعة المصنعة لم تجعل من الجزائر بلدا مصنعا، وإن الثورة الزراعية أفقدت الفلاح صلته بالأرض، وإن البيروقراطية جاثمة على رقاب الناس. وإنه لابد من إحداث تغيير في الرجال والمؤسسات.

كان السهر يطول بنا إلى ساعة متأخرة من الليل حول رقعة الشطرنج، وكان دائما ينتصر عليّ. وكنت أنتهز الفرصة من حين إلى آخر لأحدثه عن بعض القضايا التي كنت أرى ضرورة حسمها، وبعض الأخطاء التي ينبغي إصلاحها. كان يبوح لي بأسراره الخاصة، ويحدثني في أموره الحميمة، رغم ما عرف عنه من تكتم وتفاديه الحديث عن نفسه ويشتكي من ثقل المسؤولية وخيانة الرجال. قلت له مرة إن الكثيرين من المقربين منه يتظاهرون أمامه بالولاء ويطعنونه في الظهر. وأضفت »ياكلوا الغلة ويسبوا في الملة«. ولما سألته لماذا لا يتخلص منهم؟ أجابني: »لو فعلت ذلك لقال الناس عني بومدين استغل أصدقاءه، ثم رماهم مثلما ترمى المنشفة«. وبالفعل كان بومدين لا يتسرع في تغيير المسؤولين من محيطه المباشر. وكان أهم تغيير قام به بومدين واضعا حدا لمراكز القوة التي بدأت تظهر في النظام هو تنحيته سنة 1977 الأحمدين، أي أحمد بن الشريف، الذي أنهيت مهامه من على رأس الدرك الوطني وعين وزيرا للري والبيئة وحماية المحيط، وأحمد دراية، الذي أبعد من مديرية الأمن الوطني وكلف بوزارة النقل. وكان ذلك اليوم أسعد الأيام في حياة بومدين. كان لا يتردد في الحديث معي عن حياته الخاصة بصراحة غير معهودة. وكنت دائما أحاول إقناعه بالزواج قائلا له: »الثورة الآن انتهت وعلى المرء أن يكمل نصف دينه«. أجابني بعد تردّد: »ابحث لي عن زوجة«. بدأت أفكر في الأمر جديا، ورحت أسأل عن عائلات شريفة يمكن أن تصاهر الرئيس. لكني عدلت عن هذا لاعتقادي أن الأصل في الزواج هو حرية الاختيار.

وتمضي الأيام ويصارحني بومدين متألما، وهو يصعد الدرج لينام بقوله: »يا سي الشاذلي لو كان رأيي حمار كنت نحطو أمامي ونضربوا بالعصا حتى يموت«. لا أدري إلى اليوم هل كان يلمح إلى إخفاق في حياته الخاصة، أم أنه مجرد تعبير عن ندم عن قرارات تسرع في اتخاذها.

كنت ألاحظ الإرهاق على ملامحه وكان يعاني بعض الآلام، لكنه لم يكن يشتكي. كان يتحمل الألم في صمت وشجاعة. وكان يقطب وجهه باستمرار. أرجعت سبب ذلك إلى إفراطه في العمل. ولم أدرك آنذاك أنه كان مريضا. كان يحدثني عن شجاعة الرئيس جورج بومبيدو ومعاناته من المرض الذي حرص على إخفائه عن الرأي العام. ومازلت أذكر عبارته حرفيا: »إني أقدر صبر بومبيدو«. ولم أربط أنذاك بين ما كان يعانيه وبين حديثه عن مرض بومبيدو. واتضح فيما بعد أن الاثنين ماتا بنفس المرض Wandenstrom وهو مرض خبيث ونادر. وقد سمعت فيما بعد من يقول إنه مات بلبن وكسرة أمه. ولا حاجة إلى إثبات سخافة مثل هذا الادعاء.

بعد عودته من دمشق من اجتماع جبهة الصمود والتصدي لم يعد بومدين يظهر علنا، وبدأت الشائعات تنتشر انتشار النار في الهشيم. سمعنا من يقول إنه اختفى عن الأضواء ليفكر في التغييرات التي كان عازما على إحداثها. والبعض يتحدث عن خلافات عميقة في مجلس الثورة أغضبت بومدين ففضل الاختفاء، وآخرون يروّجون لانقلاب ضده وحتى احتمال موته. وهكذا هو الحال دوما عندما يغيب الرئيس عن شاشة التلفزيون.

ثم تقرّر نقله إلى موسكو للعلاج، لقد فضل هذه المدينة على واشنطن وباريس لأسباب أمنية. كنت أتابع يوميا تطورات مرضه، ذات يوم قال لي الوزير المستشار، أحمد طالب الإبراهيمي، الذي رافقه إلى موسكو: »أنا ذاهب إلى موسكو، هل من وصية؟« أجبته: »قل للرئيس أن يهتم بصحته، فهي أولى، ويطمئن على الأوضاع في البلاد. فأنا سأقف ضد كل من تسوّل له نفسه التآمر عليه«. وبلغه الابراهيمي كلامي وقال لي بعد عودته إلى الجزائر إن الرئيس فرح حين أخبره الأطباء السوفييت أنه غير مصاب بسرطان المثانة وفرح عندما بلغته كلامك وراح يغني.

لكن المرض استفحل وبعد عودته من موسكو استقبل أعضاء مجلس الثورة والحكومة في فيلا »دار النخيل«. لم يعد بومدين هو ذلك الذي عرفته، ازداد نحالة، وفقد حيويته وبريق عينيه، ولم يعد يقوى على الكلام، وكانت رجلاه متورمتين. وحين صافحته أمسك بيدي مطولا وكأنه يريد أن يقول لي شيئا، لكن حضور الوزراء الآخرين حال دون ذلك. وفيما بعد أدركت أنه كان يريد أن يقول لي إنه عينني منسقا لأسلاك الأمن. وربطت بين ذلك وما كان يقوله لي من قبل: »أوصيك يا الشاذلي على البلاد والثورة«، غير أن الشخص الذي كلفه بإبلاغي بهذا القرار، وبالتواطؤ مع أعضاء آخرين في مجلس الثورة، لم يطبقوا إرادة الرئيس. لكن وأمام تردي الوضع اضطروا في النهاية إلى الرضوخ إلى الأمر الواقع. واتصل بي عبد الحميد لطرش، الأمين العام لوزارة الدفاع الوطني، ليخبرني أن الرئيس عينني مكلفا بأسلاك أمن الدولة.

ووافته المنية في 27 ديسمبر من عام 1978. وتلا رحيله نزاع محموم على السلطة كاد أن يعصف بأركان الدولة. فقد حاول البعض استغلال انعقاد مؤتمر الشبيبة لترجيح الكفة لصالحه، والبعض الآخر حاول الاستقواء بأطراف خارجية. وآخرون غرقوا في عقد تحالفات غير طبيعية. وكنت أنا غير معني بذلك.

لقد شعرت بأنني فقدت رفيقا في السلاح وصديقا غاليا عليّ. كان همّه الوحيد هو تحرير البلاد من الاستعمار وبناء جزائر تنعم بالعدالة الاجتماعية والرفاهية. كان يحلم بمجتمع متكامل ومتحرّر من التبعية والجهل. كان متفانيا في خدمة شعبه إلى درجة أنه نسي نفسه وعائلته وحقه في هذه الحياة. كان رأسي ورأسه »في شاشية واحدة«. وكنت دائما إلى جانبه في أخطر المراحل التي مرّ بها نظام حكمه. ومازلت إلى اليوم حين أتذكره أراه محاطا بهالة من نور.

ولطالما عجبت من أولئك الذين اتهموني بمحو آثار فترة بومدين، لأنهم بالتحديد من كان مستفيدا من الوضع، أو ما يسمى ببارونات النظام، وأقلية يسارية حاولت مساومتي لكنني رفضت. وحين شرعت في الإصلاحات بدأوا يتحدثون عن سعي الشاذلي إلى محو آثار بومدين، إن كل ما قمت به هو محاولة إصلاح نظام وصل إلى طريق مسدود كنا كلنا، وليس بومدين وحده، مسؤولين عما آلت إليه الأمور. ووجه الغرابة أن أولئك الذين تحدثوا عن سعي لمحوي آثار المرحلة البومدينية، هم نفس الأشخاص الذين وصفوا فترة حكمي بالعشرية السوداء.
 
رد: الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في ذمة الله عن عمر يناهز 83 سنة

إفاضة بومدين كما عرفته

عرفت هواري بومدين في الربع الأول من عام 1960، وبالضبط في شهر فيفري. أنذاك بدأ نجمه يسطع بعد التحاقه بغار الدماء، قادما إليها من هيئة أركان الغرب، بعد قرارات الدورة الثالثة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية المنعقدة في طرابلس. بعد تنصيبه على رأس الأركان العامة، سافرنا نحن قادة المناطق الثلاث، أنا وعبد الرحمن بن سالم والزين النوبلي، للقائه بعد التغييرات التنظيمية الجديدة التي أدخلت على هيكل الجيش والمهام التي أنيطت به في الظروف الجديدة. وكنا والحق يقال، حذرين بالنظر إلى التجارب التي عشناها مع قادة سابقين.

مضى على ذلك الوقت خمسة عقود كاملة، ومازلت أذكره كما رأيته لأول مرة.

كان نحيفا، طويل القامة، أشقر الشعر، غائر الوجنتين، أسودت أسنانه من التدخين. فقد كان يشعل السيجارة من أختها. كان، مثل الناسك، متقشفا في أكله، متواضعا في ملبسه. تخاله حين تنظر إليه وسط الجنود أنه واحد منهم. ورغم ما يبدو على ملامح وجهه من صرامة وجدية، إلا أنه خجول إلى درجة الحياء.

كان بومدين شخصية منطوية على نفسها، كتومة وخجولة. قليل الحديث يستمع أكثر مما يتكلم، لا يتسرع في اتخاذ القرارات ويشاور المقربين منه، ولم يكن مستفردا بالرأي كما يشاع عنه. لكنه في الوقت نفسه كان فعالا وصارما حين يتعلق الأمر بمصلحة البلاد. أما في حياته الشخصية، فقد كان متواضعا يرفض حياة البذخ والمظاهر الخادعة. هذه هي الصورة التي احتفظت بها عنه أثناء عملي معه في المنطقة الشمالية للعمليات، وحين أصبح وزيرا للدفاع، وعندما تولى منصب الرئاسة. ولم يتغير في الجوهر إلى أن رحل عن هذه الدنيا.

كان، في الغالب، يتخذ القرارات بعد فحص كل الاحتمالات وردود الفعل، ويترك الأمور حتى تنضج، لكنه بعد أن يتخذها كان نادرا ما يتراجع عنها. ربما كان ذلك هو أسلوبه في الحكم.

في اجتماعنا به في غار الدماء سألنا عن كل صغيرة وكبيرة عن الأوضاع دون أن يبدي رأيه فيها. كان يريد أن يعرف على الخصوص قدراتنا العسكرية ومعنويات المقاتلين، ويستفسر عن خطي موريس وشال. بعد افتراقنا توسمنا فيه خيرا. لعله الرجل الذي أهلته الأقدار لإنقاذ الثورة. اتفقنا أنا وبن سالم بعد عودتنا على إعطاء الرجل فرصته. فهو جديد وغير معروف في وسط الضباط إلا سماعا، كما أنه غير متورط في الأحداث العاصفة التي عرفتها القاعدة الشرقية. ومن حسن الحظ، أننا كنا نجهل أنه هو من ترأس المحكمة التي حكمت بالإعدام على العموري وعواشرية ونواورة والرائد لكحل والضباط الآخرين. فربما كان موقفنا منه سيختلف. وفي حقيقة الأمر، كنا نسعى إلى تجاوز الانسداد ولو بتقديم تنازلات. فقد أصبحنا مقتنعين أكثر أن أهم شيء هو إنقاذ الثورة وتصحيح مسارها. كان الفرق بينه وبين محمدي السعيد كبيرا سواء في طبعهما أو ثقافتهما أو قدراتهما على قيادة الرجال.

أما في إدارته لشؤون الدولة، فقد كان بومدين سواء في الجيش أو في مجلس الثورة أو الحكومة يستشير مساعديه في أهم القرارات التي يتخذها. كان محاورا ذكيا، ومجادلا مقنعا. وكان نهجه في إدارة شؤون البلاد يستند إلى رؤية بعيدة المدى تنبذ الارتجال والتسرع. بعد موته حاول البعض التنصل من مسؤولياتهم المباشرة في بعض القرارات التي اتخذت جماعيا ونسبت نتائجها السلبية أو فشلها إلى بومدين. وأريد أن أؤكد أننا كلنا نتحمل القرارات الكبرى في عهد بومدين بسلبياتها وإيجابياتها. والواقع أنه لم يكن يحكم وحده. وعلى العموم يمكن القول إنه استند على ما عرف بجماعة »وجدة«، والمجاهدين قادة النواحي العسكرية، والضباط الفارين من الجيش الفرنسي، والمستشارين الخاصين. وأعتقد أنه أراد من خلال ذلك تحقيق نوع من التوازن في تسيير دواليب الحكم.

اهتم بومدين بالتعريب، وكان اهتمامه نابعا من قناعته بأن استعادة اللغة الوطنية لمكانتها هو مطلب رفعته الحركة الوطنية ونصت عليه كل الوثائق الرسمية للثورة الجزائرية. أثناء حكمه تمّ تعريب الإدارة والعدالة وسطرت سياسة شاملة للتعريب التدريجي لكل أطوار التعليم، وهي السياسة التي واصلت أنا تطبيقها بعد رحيله. لكن بومدين لم يكن من دعاة الانغلاق. فقد كان يدعو دوما إلى الانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى بما يخدم اللغة العربية. كان يحسن اللغتين، لكنه كان يتفادى في خطبه الحديث باللغة الفرنسية.

كان عميق الإيمان، حريصا على تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية وتكييفها مع الاختيار الاشتراكي. لا ننسى أنه درس في الأزهر، وكان كتابه المفضل هو القرآن الكريم. كان يحفظه عن ظهر قلب ويستشهد بآياته في خطبه. كان يعتبر الإسلام دين العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات. لكنه كان في الوقت نفسه يرفض احتكار الفكر الإسلامي أو تأويل الإرادة الإلهية. كان يقول دائما في خطبه إن الإسلام يرفض استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. والكل مازال يذكر خطابه الشهير في مؤتمر قادة البلدان الإسلامية الذي عقد بلاهور سنة 1974 وجملته المدوية »إننا نرفض أن ندخل الجنة وبطوننا خاوية«. وكانت هذه الجملة تعبر في حقيقة الأمر عن تصوّر جديد لإسلام منفتح على حقائق العصر.. إسلام التسامح والتفتح والحوار. وجرّ عليه هذا التصريح انتقادات عنيفة في الداخل والخارج.

لقد وقف بحزم ضد كل أشكال التعصّب والتطرف والمغالاة التي حاولت استعمال الدين لأغراض سياسية. ويكفيه فخرا أنه شيّد عشرات معاهد التعليم الأصلي، وكان يرعى شخصيا ملتقيات الفكر الإسلامي.

أما علاقته بي شخصيا فكانت علاقة ثقة واحترام متبادلين. كان لا يشك في إخلاصي وصداقتي له. وهذه الصداقة صقلتها العديد من المحن والتجارب، منها تمرّد شعباني ومحاولة علي منجلي تأليبي عليه وحركة 19 جوان ومحاولة انقلاب الطاهر الزبيري، تأكد بومدين فيها بأني لن أطعنه في الظهر رغم أن البعض كانوا يحاولون النيل من علاقتنا. كان من عادتي أن أزوره في رئاسة الجمهورية حين أكون في العاصمة. وكان بومدين يوصي البروتوكول بأن أدخل الرئاسة من دون موعد أو استئذان.

ذات يوم، أديت له زيارة مجاملة في بيته بالرئاسة حين كان عازبا، ولما دخلت وجدته يقيم حفل استقبال على شرف الوزير الأول التونسي الباهي لدغم. تراجعت إلى الخلف لأنصرف، ولما شاهدني بومدين ناداني: »أدخل يا سي الشاذلي«. وقدمني إلى الباهي لدغم بهذه الكلمات: »أقدم لك مدلل بومدين«. لم أكن أدري أن العديد من أعضاء مجلس الثورة يقولون عني إني مدلل الرئيس.

ويذكر أحمد طالب الإبراهيمي في الجزء الثاني من مذكراته »هاجس البناء« أن بومدين حدثه، وهو على سرير المرض في موسكو، عن علاقته بأعضاء مجلس الثورة، ومما قاله عني: »العضو الوحيد في مجلس الثورة الذي لم أشتك منه هو الشاذلي بن جديد. صحيح أنه لا يتدخل كثيرا في الاجتماعات التي تضم مجلس الثورة والحكومة، لكنه يملك حسا سليما. وحين كانت تشغلني المشاكل كنت أذهب إلى وهران للقائه. كان يقود بي السيارة، وكان التنزه معه ينسيني مشاغلي في الاجتماعات، وكان بومدين يلومني على ذلك. وأحيانا يسألني لماذا لا أظهر في التلفزيون إلا نادرا.

في السنوات الأخيرة من حياته كان يزورني في وهران، مقر الناحية العسكرية الثانية حين تضيق به الدنيا. كانت زياراته في الغالب مفاجئة ومن دون علم البروتوكول، حتى أن عبد المجيد علاهم وعبد العزيز بوتفليقة كانا يتصلان بي ليسألا عنه. كنت قد أفردت له فيلا في بوسفر، هي الإقامة السابقة لقائد قاعدة مرسى الكبير الفرنسي. وكنت أقوده بنفسي في نزهات بوهران وخارجها. وكنت أوصي الحرس باتباعنا من بعيد حتى لا نلفت الانتباه. ذات يوم توقفت أمام مفترق طرق ببوتليليس تفاجأ أحد حراس الغابات وفرّك عينيه غير مصدق »بومدين والشاذلي وحدهما أمامه«.

قبل رحيله كان بومدين يفكر جديا في إحداث تغييرات جذرية في السياسة المنتهجة في الزراعة والتصينع والتأميمات، بل أنه صارحني في العديد من المرات أنه ندم على بعض الإجراءات التي اتخذها. وكان مصمّما على الدعوة إلى مؤتمر للحزب لتقييم كل جوانب السياسة الوطنية لتحديد السلبيات وتسطير اختيارات جديدة. في إحدى زيارته لي بوهران صارحته بموقفي من المشاريع الكبرى. وقلت له إن الصناعة المصنعة لم تجعل من الجزائر بلدا مصنعا، وإن الثورة الزراعية أفقدت الفلاح صلته بالأرض، وإن البيروقراطية جاثمة على رقاب الناس. وإنه لابد من إحداث تغيير في الرجال والمؤسسات.

كان السهر يطول بنا إلى ساعة متأخرة من الليل حول رقعة الشطرنج، وكان دائما ينتصر عليّ. وكنت أنتهز الفرصة من حين إلى آخر لأحدثه عن بعض القضايا التي كنت أرى ضرورة حسمها، وبعض الأخطاء التي ينبغي إصلاحها. كان يبوح لي بأسراره الخاصة، ويحدثني في أموره الحميمة، رغم ما عرف عنه من تكتم وتفاديه الحديث عن نفسه ويشتكي من ثقل المسؤولية وخيانة الرجال. قلت له مرة إن الكثيرين من المقربين منه يتظاهرون أمامه بالولاء ويطعنونه في الظهر. وأضفت »ياكلوا الغلة ويسبوا في الملة«. ولما سألته لماذا لا يتخلص منهم؟ أجابني: »لو فعلت ذلك لقال الناس عني بومدين استغل أصدقاءه، ثم رماهم مثلما ترمى المنشفة«. وبالفعل كان بومدين لا يتسرع في تغيير المسؤولين من محيطه المباشر. وكان أهم تغيير قام به بومدين واضعا حدا لمراكز القوة التي بدأت تظهر في النظام هو تنحيته سنة 1977 الأحمدين، أي أحمد بن الشريف، الذي أنهيت مهامه من على رأس الدرك الوطني وعين وزيرا للري والبيئة وحماية المحيط، وأحمد دراية، الذي أبعد من مديرية الأمن الوطني وكلف بوزارة النقل. وكان ذلك اليوم أسعد الأيام في حياة بومدين. كان لا يتردد في الحديث معي عن حياته الخاصة بصراحة غير معهودة. وكنت دائما أحاول إقناعه بالزواج قائلا له: »الثورة الآن انتهت وعلى المرء أن يكمل نصف دينه«. أجابني بعد تردّد: »ابحث لي عن زوجة«. بدأت أفكر في الأمر جديا، ورحت أسأل عن عائلات شريفة يمكن أن تصاهر الرئيس. لكني عدلت عن هذا لاعتقادي أن الأصل في الزواج هو حرية الاختيار.

وتمضي الأيام ويصارحني بومدين متألما، وهو يصعد الدرج لينام بقوله: »يا سي الشاذلي لو كان رأيي حمار كنت نحطو أمامي ونضربوا بالعصا حتى يموت«. لا أدري إلى اليوم هل كان يلمح إلى إخفاق في حياته الخاصة، أم أنه مجرد تعبير عن ندم عن قرارات تسرع في اتخاذها.

كنت ألاحظ الإرهاق على ملامحه وكان يعاني بعض الآلام، لكنه لم يكن يشتكي. كان يتحمل الألم في صمت وشجاعة. وكان يقطب وجهه باستمرار. أرجعت سبب ذلك إلى إفراطه في العمل. ولم أدرك آنذاك أنه كان مريضا. كان يحدثني عن شجاعة الرئيس جورج بومبيدو ومعاناته من المرض الذي حرص على إخفائه عن الرأي العام. ومازلت أذكر عبارته حرفيا: »إني أقدر صبر بومبيدو«. ولم أربط أنذاك بين ما كان يعانيه وبين حديثه عن مرض بومبيدو. واتضح فيما بعد أن الاثنين ماتا بنفس المرض Wandenstrom وهو مرض خبيث ونادر. وقد سمعت فيما بعد من يقول إنه مات بلبن وكسرة أمه. ولا حاجة إلى إثبات سخافة مثل هذا الادعاء.

بعد عودته من دمشق من اجتماع جبهة الصمود والتصدي لم يعد بومدين يظهر علنا، وبدأت الشائعات تنتشر انتشار النار في الهشيم. سمعنا من يقول إنه اختفى عن الأضواء ليفكر في التغييرات التي كان عازما على إحداثها. والبعض يتحدث عن خلافات عميقة في مجلس الثورة أغضبت بومدين ففضل الاختفاء، وآخرون يروّجون لانقلاب ضده وحتى احتمال موته. وهكذا هو الحال دوما عندما يغيب الرئيس عن شاشة التلفزيون.

ثم تقرّر نقله إلى موسكو للعلاج، لقد فضل هذه المدينة على واشنطن وباريس لأسباب أمنية. كنت أتابع يوميا تطورات مرضه، ذات يوم قال لي الوزير المستشار، أحمد طالب الإبراهيمي، الذي رافقه إلى موسكو: »أنا ذاهب إلى موسكو، هل من وصية؟« أجبته: »قل للرئيس أن يهتم بصحته، فهي أولى، ويطمئن على الأوضاع في البلاد. فأنا سأقف ضد كل من تسوّل له نفسه التآمر عليه«. وبلغه الابراهيمي كلامي وقال لي بعد عودته إلى الجزائر إن الرئيس فرح حين أخبره الأطباء السوفييت أنه غير مصاب بسرطان المثانة وفرح عندما بلغته كلامك وراح يغني.

لكن المرض استفحل وبعد عودته من موسكو استقبل أعضاء مجلس الثورة والحكومة في فيلا »دار النخيل«. لم يعد بومدين هو ذلك الذي عرفته، ازداد نحالة، وفقد حيويته وبريق عينيه، ولم يعد يقوى على الكلام، وكانت رجلاه متورمتين. وحين صافحته أمسك بيدي مطولا وكأنه يريد أن يقول لي شيئا، لكن حضور الوزراء الآخرين حال دون ذلك. وفيما بعد أدركت أنه كان يريد أن يقول لي إنه عينني منسقا لأسلاك الأمن. وربطت بين ذلك وما كان يقوله لي من قبل: »أوصيك يا الشاذلي على البلاد والثورة«، غير أن الشخص الذي كلفه بإبلاغي بهذا القرار، وبالتواطؤ مع أعضاء آخرين في مجلس الثورة، لم يطبقوا إرادة الرئيس. لكن وأمام تردي الوضع اضطروا في النهاية إلى الرضوخ إلى الأمر الواقع. واتصل بي عبد الحميد لطرش، الأمين العام لوزارة الدفاع الوطني، ليخبرني أن الرئيس عينني مكلفا بأسلاك أمن الدولة.

ووافته المنية في 27 ديسمبر من عام 1978. وتلا رحيله نزاع محموم على السلطة كاد أن يعصف بأركان الدولة. فقد حاول البعض استغلال انعقاد مؤتمر الشبيبة لترجيح الكفة لصالحه، والبعض الآخر حاول الاستقواء بأطراف خارجية. وآخرون غرقوا في عقد تحالفات غير طبيعية. وكنت أنا غير معني بذلك.

لقد شعرت بأنني فقدت رفيقا في السلاح وصديقا غاليا عليّ. كان همّه الوحيد هو تحرير البلاد من الاستعمار وبناء جزائر تنعم بالعدالة الاجتماعية والرفاهية. كان يحلم بمجتمع متكامل ومتحرّر من التبعية والجهل. كان متفانيا في خدمة شعبه إلى درجة أنه نسي نفسه وعائلته وحقه في هذه الحياة. كان رأسي ورأسه »في شاشية واحدة«. وكنت دائما إلى جانبه في أخطر المراحل التي مرّ بها نظام حكمه. ومازلت إلى اليوم حين أتذكره أراه محاطا بهالة من نور.

ولطالما عجبت من أولئك الذين اتهموني بمحو آثار فترة بومدين، لأنهم بالتحديد من كان مستفيدا من الوضع، أو ما يسمى ببارونات النظام، وأقلية يسارية حاولت مساومتي لكنني رفضت. وحين شرعت في الإصلاحات بدأوا يتحدثون عن سعي الشاذلي إلى محو آثار بومدين، إن كل ما قمت به هو محاولة إصلاح نظام وصل إلى طريق مسدود كنا كلنا، وليس بومدين وحده، مسؤولين عما آلت إليه الأمور. ووجه الغرابة أن أولئك الذين تحدثوا عن سعي لمحوي آثار المرحلة البومدينية، هم نفس الأشخاص الذين وصفوا فترة حكمي بالعشرية السوداء.
 
عودة
أعلى