التضاريس وتأثيرها على العمليات العسكرية

معمر القذافى

عضو مميز
إنضم
8 أكتوبر 2008
المشاركات
2,471
التفاعل
81 0 0
التضاريس وتأثيرها على العمليات العسكرية

لاشك أن هناك صلة وثيقة بين جغرافيا المنطقة والحرب، حيث إن التضاريس هي الهيئات الطبيعية التي تدور المعارك عليها. فليست ثمة معركة أو حملة عسكرية لم تلعب فيها الأوضاع العسكرية - الأرض والمنظومة الثقافية والتأثير الشديد لعاملي المناخ والطقس - دوراً حاسماً في عملية اتخاذ القرار العسكري، إذ يتحتم على القادة وأركان التخطيط تخطيط العمليات بما يناسب الأوضاع الطبيعية والمعركة. ورغم أهمية التدريب الجيد والقيادة الناجحة وتفوق الأسلحة والمذهب العسكري في كسب المعارك، إلاّ أن الجغرافيا لها تأثير كبير على النتيجة الحاسمة للحرب. فينبغي على القادة - على كافة المستويات - أن يضعوا نصب أعينهم العوامل الطبيعية والثقافية الأساسية التي تحدد نتائج المعارك، ولعل من أهم تلك العوامل القيود التي يفرضها عاملا الوقت والمكان، والاعتبارات الجغرافية الثابتة المتمثلة في الأرض والطقس والمناخ. علاوة على ذلك، فإن دروس التاريخ تبين أن القائد بوسعه استغلال الأوضاع العسكرية بدهاء للتغلب على خصم يفوقه عدداً وعدة، أو يتمتع بمزايا أرضية واضحة. وتناقش هذه المقالة الموجزة أحد وقائع الحرب الأهلية الأمريكية في مسرح العمليات الغربي عام 1862م.

نبذة تاريخية

لقد لعبت الأرض - على الدوام - دوراً بارزاً في النزاع. ورغم أن الجغرافيا العسكرية لم تظهر كعلم له تعريفاته إلاّ مؤخراً، فإن الأهمية التي تكتسبها الجغرافيا والأرض في الحرب قديمة قدم التاريخ. فلم يتوافر علماء الجغرافيا العسكرية لتحليل الأرض لجيش أثينا المؤلف من عشرة آلاف جندي أثناء دفاعه عن سهول "ماراثان" عام 490 ق.م، بيد أن قادة ذلك الجيش قد وضعوا في حسبانهم أهمية الأرض عند مناقشتهم لخطة المعركة على المنحدرات المطلة على جيش الفرس الذي كان يتولى قيادته "دايروس" الأكبر على الشاطئ. وعلى النقيض من ذلك فإن جيش الفرس - الذي كان يفوق الإغريق عدداً بنسبة 6:1 - لم يضع أهمية للأرض عند اتخاذه قرار النزول إلى اليابسة، وإقامة معسكر على سهول "ماراثان"، فجعلوا البحر خلفهم والجبال أمامهم والأنهار والمستنقعات على أجنحتهم. ولذلك لم يتوفر لهم مجال كاف للمناورة ضد "فالاناكس" الإغريق، وكاد أن يبيدهم عن بكرة أبيهم بعملية التفاف مزدوج.
وبعد عشر سنوات من تلك الواقعة، أي عام 480 ق.م، زحف قائد فارسي آخر يدعى "اكسيرس" على رأس جيش عرمرم لكسر شوكة الإغريق. وكان قوام ذلك الجيش (000ر150) جندي، وقوة بحرية تبلغ (200ر4) سفينة. فاستغل الإغريق - رغم قلة عددهم - معرفتهم الجيدة للأرض في اختيار مواقعهم الدفاعية. وتضمنت هذه الخطة الدفاعية البسيطة أن تتمركز قوة حماية صغيرة عند ممر ضيق في مركز "ثيرمابيلي". وفي هذا الموقع، أبلى جيش صغير قوامه (000ر7) جندي بلاءً حسناً لصد الجيش الفارسي المؤلف من (000ر150) جندي، وما كان ذلك ليحدث لولا طبيعة الأرض. فقد كان عرض ممر "ثيرمابيلي" لايتجاوز كيلومتر واحد، وعلى أحد جانبيه البحر وعلى الجانب الآخر جبال شديدة الانحدار. وبالاستخدام الحاذق للأرض منع القادة الإسبارطيون جيش الفرس من حشد كافة طاقاته، وتمكنوا من تثبيت ذلك الجيش لعدة أيام، حتى وجد قائد الفرس "اكسيرس" ممراً بين الجبال نفذ من خلاله مسيراً ليلياً، وأخذ الجيش الإسبرطي على حين غرة من مؤخرته. ورغم أن جيش الفرس قد كسب تلك المعركة إلاّ أن عملية الإعاقة الناجحة التي نفذها الإسبارطيون قد تسببت في خسارتهم للحرب في نهاية المطاف.
ويوضح المثال الذي أوردناه آنفاً، أن قوة عسكرية صغيرة قد تمكنت من هزيمة أو إعاقة جيش يفوقها عدداً بفضل الاستخدام الحاذق للأرض. وهناك عديد من الأمثلة الأخرى على براعة القادة في استغلال الأرض لتحقيق نصر صعب المنال. فعلى سبيل المثال، تُعد المناورة الأسطورية التي قام بها الجنرال الأمريكي "استونوول جاكسون" في وادي "شناندوا" عام 1862م مثالاً رائعاً لمعرفة الأرض. وفي عام 1940م تفادى الجيش الألماني شن هجوم أمامي، واخترق غابة "الأردنيز" الكثيفة بتسع فرق بانزرللالتفاف حول خط "ماجينو"، مما عجل بانهيار الجيش الفرنسي القوي. وكمثال أخير، في عام 1973م وضع المصريون خطة بارعة للقضاء على المزايا الأرضية التي يتمتع بها الإسرائيليون من جراء إقامتهم لخط بارليف لحمايتهم من ناحية قناة السويس. ونفذ المصريون الخطة بدقة متناهية حتى أجبروا الإسرائيليين على الخروج من تحصيناتهم وتاهوا على وجوههم في صحراء سيناء.
ويتلخص موضوع هذه المقالة الموجزة التي تكتسي صبغة الجغرافيا العسكرية في أن جيشاً اتحادياً أمريكياً صغيراً ومعه قوة بحرية قد اعترضته نقطة دفاعية حصينة اتخذها المتمردون عند أحد تعرجات نهر المسيسبي. وقد انتخب المتمردون هذه القاعدة - التي أطلق عليها اسم الجزيرة رقم (10) - بعناية فائقة، إذ تتوافر لها الحماية من المستنقعات والأراضي المغمورة بالمياه ومن النهر نفسه. ومن الواضح أن المتمردين كانوا يتمتعون بمزايا أرضية جيدة بسبب عدم وجود طرق اقتراب برية إلى القاعدة دون عبور النهر، ولكن موقع القاعدة يفصل بين الجيش الاتحادي وسفنه الحربية المساندة. وكان على القائد الاتحادي - الجنرال بوب - إخضاع معقل المتمردين لأن المهمة المنوطة به تتمثل في فتح نهر المسيسبي للملاحة حتى مدينة ممفيس في ولاية تنيسي. وهكذا لم يكن أمامه سوى خيارين: إما شن هجوم أمامي عبر النهر على الجزيرة رقم (10)، أو تنفيذ انسحاب يستغرق وقتاً طويلاً، ومن ثم اللجوء إلى وسائل أخرى لإجبار المتمردين على الخروج من قاعدتهم. ولكن الوقت لم يكن في صالح الجنرال بوب، مما اضطره إلى إيجاد حل بسيط أسفر عن تجريد المتمردين من المزايا الأرضية التي كانوا يتمتعون بها، وقلب جغرافية المنطقة إلى شرك لايمكن الفكاك منه. وهكذا تمكن الجنرال بوب - بفضل استخدامه الجيد للأرض - من عبور النهر، وإجبار القاعدة على الاستسلام دون خسائر تذكر، ووقع بين يديه (7000) أسير من المتمردين وعدد كبير من الأسلحة، وفتح نهر المسيسبي للملاحة حتى مدينة ممفيس.

الأوضاع العسكرية: الأنهار والحرب

لقد لعبت الأنهار دوماً دوراً حاسماً في الحرب، إذ إن الأنهار - بما فيها من تعرجات وسهول تغمرها الفيضانات - تتسبب في مشاكل تكتيكية وهندسية جمة. وكانت الأنهار الواسعة ذات التيار الجارف تمثل عقبة كؤوداً لم تتمكن الجيوش القديمة من عبورها، بيد أن التطورات التقنية التي طرأت قد تبعها تحسن في تكتيكات عبور الأنهار، بيد أن تلك الابتكارات لم تضمن النجاح التام بسبب التأثيرات الكبيرة الناجمة عن عوامل العدو، والجغرافيا، والطقس. ولعل خير شاهد على ذلك، الكارثة التي حدثت أثناء محاولة عبور نهر الراين في اإيطاليا خلال شهر يناير 1944م، وعملية الإنزال الجوي الفاشلة التي نفذها الحلفاء لعبور نهر الراين أيضاً في شهر سبتمبر 1944م. كما أن الصعوبات التي واجهتها الفرقة الأولى المدرعة الأمريكية مؤخراً في عبور نهر "سافا" إلى البوسنة في شهر يناير 1996م تعكس التعقيدات التي تكتنف عمليات عبور الأنهار. ورغم أن الفكرة السائدة عن الأنهار أنها تشكل عوائق، إلاّ أن الجيوش الغازية قد استخدمت تلك الأنهار كطرق رئيسة في غزوها. ولعل أوضح مثال على ذلك ما حدث في مسرح العمليات الغربي أثناء الحرب الأهلية الأمريكية.

الأنهار وأوضاع الحرب الأهلية

عندما اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية استدعت الاستراتيجية الاتحادية شن هجوم عسكري مدبر في مجرى نهر المسيسبي لشق صفوف التمرد، وفتح ذلك النهر في وجه التجارة الاتحادية، وقد أطلق على تلك العملية اسم (خطة اناكوندا) . بل إن الجيش الاتحادي قد سلك كافة الأنهار الرئيسة في مسرح العمليات الغربي - المسيسبي، وكمبرلاند وتنيسي - في ذلك الغزو للنفاذ إلى الجناح الأيسر من خط دفاع المتمردين (انظر الخريطة رقم 1)، وقد فطن الجنرال يو.أس.غرانت إلى أهمية تلك الأنهار منذ الوهلة الأولى، إذ إن نهري كمبرلاند وتنيسي يتجهان مباشرة إلى ولاية تنيسي ذات الأهمية الاستراتيجية. وفي حالة تنفيذ هجوم سريع لاختراق هذه الولاية، والسيطرة على النهرين، فإن ذلك سوف يترتب عليه فصل الجناح الغربي للجنرال "البريت سيدني جونستون"، ويفتح منطقتي ناشفيل وغاتنوغا لهجوم سهل من جانب الجيش الاتحادي. وبالفعل عمل الجنرال غرانت على تنفيذ هذه الخطة بمساندة أسطول نهري صغير وتمكن من الاستيلاء على قاعدتي "هنري" و "دونلسون" في أوائل شهر فبراير 1862م. وقد كان ذلك نصراً مؤزراً لأن الجنرال غرانت أجبر جونستون إلى التقهقر جنوباً لمسافة (200) ميل حتى وصل إلى مدينة "كورنث" على نهر المسيسبي فوقعت ناشفيل وكافة المناطق القريبة من ولاية تنيسي في قبضة الجيش الاتحادي. واستثمر الجنرال غرانت فوزه بشن هجوم سريع على امتداد نهر تنيسي حتى وصل إلى بتسبرغ حيث دارت معركة "شيلو" الدموية في يومي 6و7 أبريل 1862م.
وضمن ذلك الهجوم الذي شنه الجيش الاتحادي جنوباً على امتداد الأنهار القريبة، تزامن هجوم آخر للاستيلاء على نقطة حصينة للمتمردين تسد الطريق إلى تعرج كبير في نهر المسيسبي على شكل "
S" عند الجزيرة رقم (10)، بالقرب من مدينة مدريد الجديدة في ولاية ميسوري (انظرخريطة رقم 2). وتُعد الجزيرة رقم (10) موقعاً استراتيجياً مهماً لأنها تسد النهر تماماً، علاوة على أنها آخر أرض دفاعية قبل مدينة ممفيس، وينعطف عندها نهر المسيسبي انعطافاً حاداً. وقد كان هدف العملية التي نفذها الجيش الاتحادي هو الجزيرة رقم (10) (أطلق عليها هذا الاسم لأنها الجزيرة العاشرة إلى الجنوب من ملتقى نهري أوهايو والميسيسبي).

جغرافية الجزيرة رقم (10)

تقع الجزيرة رقم (10) أسفل أحد تعرجات نهر الميسيسبي المتجهة جنوباً وبالقرب من مدينة مدريد الجديدة أعلى منعطفه شمالاً (خريطة رقم 3). وتغمر المياه البر الرئيس لهذه الجزيرة من جهتي الجنوب والشرق، وتكثر به المستنقعات، مما يعرقل حركة الدخول للحصن أو الخروج منه. ولا يوجد طريق اقتراب بري للاستيلاء على الجزيرة إلاّ عبر النهر عن طريق مدينة مدريد الجديدة أو طريق فردي عند "تبتونفيل". ويتفق عديد من الآراء على أن القاعدة منيعة بكافة المقاييس، إذ يتحصن بها (7000) جندي من المحاربين القدامى مزودين ب (19) قطعة من الأسلحة الثقيلة وتساندهم خمس سرايا مدفعية على ضفة النهر المقابلة لولاية تنيسي.
وعلاوة على هذه الدفاعات البرية توجد أسلحة السفن الحربية في الأسطول البحري الصغير. ولذلك فمن الواضح أن القوات البرية والبحرية الاتحادية كانت تخوض حرباً مزدوجة - وواحدة ضد قوات ضخمة من المتمردين، والثانية ضد العوامل الجغرافية المتمثلة في الأراضي المغمورة بالمياه والتيار الجارف والمرتفعات الرملية عند المنعطفات القريبة من القاعدة.
تولى الجنرال "بوب" قيادة الجيش الاتحادي المؤلف من (000ر20) جندي يسانده أسطول بحري صغير تحت إمرة الأدميرال "فوت" الذي عرك مثل هذا النوع من العمليات، إذ تولى في السابق قيادة الأسطول البحري الذي حقق نصراً مؤزراً ضد تحصينات قاعدتي "هنري" و "دنيلسون" مع الجنرال غرانت في شهري يناير وفبراير عام 1862م. ورغم أن الجيش الاتحادي كان يفوق قوات المتمردين عدداً، إلاّ أن التحصينات المنيعة والعوامل الجغرافية - سرعة تيار نهر المسيسبي ومنعطفاته وكثرة المستنقعات وغزارة المياه - شكلت عوائق طبيعية كبيرة في وجه قادة الجيش الاتحادي. وكان طريق الاقتراب البري الوحيد للقاعدة على الضفة الغربية من نهر الميسيسبي عن طريق مدينة مدريد الجديدة. ولكي يعبر جيش بوب إلى الضفة المقابلة للوصول إلى القاعدة كان لابد من توافر وسائل نقل وسفن حربية لإسكات بطاريات المدفعية التي تدافع عن الشاطيء، إلاّ أن التحصينات القوية في الجزيرة رقم (10) كانت تحول بين الجيش الاتحادي وهذه السفن الحربية.

معركة الجزيرة رقم (10)

بدأت المعركة بداية حسنة في صالح الجيش الاتحادي، إذ سرعان ما استولى الجنرال بوب على الجزيرة رقم (10) في العاشر من شهر مارس. وقد كان على صواب حينما أراد أن يدفع بجنوده عبر النهر إلى الجنوب من الجزيرة رقم (10) لتطويق حاميتها والاستيلاء عليها تحت غطاء نيران الحماية من الأسطول البحري. فلو لم يعبر النهر فإن الجزيرة رقم (10) سوف تظل في مأمن رغم استيلائه على مدينة مدريد الجديدة لوجود طريقي إمداد وهروب مفتوحين (هما نهر الميسيسبي وطريق تبتونفيل). ومن ناحية أخرى فإن الأدميرال "فوت" رأى خطورة دفع سفنه الحربية المدرعة وسفن النقل، ضمن مدى أسلحة المتمردين الثقيلة المنطلقة من القاعدة. إذ إن أسطوله كان قد تعرض إلى ضربة موجعة في قاعدة "دونيلسون" في شهر فبراير من قبل، وأصيب الجنرال نفسه بجراح خطيرة. وربما سيطرت تلك المحنة على تفكيره وأضعفت عزيمته، فلذلك لجأ إلى خطة تقضي بقصف تحصينات الجزيرة رقم (10) من مدى بعيد، ولكن هذا القصف لم يكن فعّالاً لدرجة أن أحد ضباط الجيش الاتحادي وصفه ساخراً بأنه "قصف بعيد المدى لولاية تنيسي".
حاول الجيش الاتحادي شتى السبل للوصول إلى الجزيرة رقم (10)، لكن تلك المحاولات لم تُجْدِ فتيلاً على الموقف التكتيكي. وضاق الجنرال بوب ذرعاً بالقصف العقيم الذي ينفذه الأدميرال فوت، فقرر ابتكار خطة يتجنب بها تلك الجزيرة الحصينة. وتقوم تلك الخطة على حفر قناة عبر الحقول المغمورة بالمياه شمال منحنى النهر الذي على شكل "
S" لتصل المنطقة الواقعة بين الجزتين رقم (8) و (9) بمدينة مدريد الجديدة، وبذلك يتمكن من استخدام جغرافية تعرجات النهر لتجاوز الجزيرة بناقلات الجنود ذات التدريع الخفيف في عبور النهر. وهكذا تمكن (600) جندي من الانطلاق عبر قناة عرضها (50) قدماً وطولها (8) أميال خلال ثلاثة أسابيع حتى وصلوا أخيراً في يوم (4) أبريل إلى سد الجزيرة رقم (9)، واجتازت ناقلات الجنود مياه فيضانات تيار نهر الميسيسبي الجارف بأمان إلى مدينة مدريد الجديدة، بالتزامن مع هذا التقدم تمكنت سفينتان حربيتان مدرعتان من سفن الجيش الاتحادي من إكمال تقدم ليلي تحت نيران الأسلحة المنطلقة من الجزيرة رقم (10). وبذلك أصبح لدى الجنرال بوب وسائل لنقل جنوده عبر النهر ومدافع السفينتين "كاروندليت" و "بتسبيرغ" لإسكات نيران المدفعية المنطلقة من الشاطيء وتوافر نيران الحماية أثناء العبور. وازدادت وتيرة العمل لاحتلال الجزيرة رقم (10) من المؤخرة، ففي يوم 6 أبريل سحقت السفينتان الحربيتان المدرعتان بطاريات مدفعية المتمردين المتمركزة مقابل "بوينت بلنرانت"، وشنتا هجوماً على الإنزال الذي كان ينفذه "واتسون" في صبيحة يوم (7) أبريل، ومن ثم قامتا بتوفير الحماية لعبور جيش الجنرال بوب على الضفة الشرقية من النهر. وسرعان ما أحكمت قوات الجنرال بوب إغلاق منافذ الهروب باحتلال طريق "تبيبتونفيل"، والبرزخ الذي بين نهر الميسيسبي وبحيرة "ريلفوت". وعند الظهر كانت الجزيرة رقم (10) قد عزلت تماماً، واستسلم عديد من جنودها قبل سعت (2100). وعندما أطل صباح يوم (8) أبريل استسلم آخر مقاتلي المتمردين لجنود الجنرال بوب، بينما كان جيش الجنرال غرانت يستجمع أنفاسه بعد معركة "شيلو". وهكذا حقق الجيش الاتحادي نصراً مؤزراً بحسن استخدامه لجغرافية المنطقة حتى أجبر المتمردين على الاستسلام. ووقع بين أيدي الجيش الاتحادي أكثر من (500) أسير من بينهم ثلاثة جنرالات، وسحقت سفن المتمردين في الجناح الغربي عن بكرة أبيها مقابل خسارة حفنة من جنود وبحارة الجيش الاتحادي.
خاتمة
لاشك أن للعوامل الجغرافية تأثير على معركة الجزيرة رقم (10). فقد كانت الأرض المغمورة بالمياه وتعرجات نهر الميسيسبي بمثابة موقع حصين للمتمردين ضد الهجوم البري، فضلاً عن أن مجرى النهر عند ذلك الموقع عريض وترتفع مياهه إلى أعلى مستوياتها في ذلك الفصل من العام - ويستلزم الأمر استخدام ناقلات جنود لنقل مشاة جيش الجنرال بوب عبر نهر الميسيسبي، ولكن تلك الناقلات كانت على الجانب الآخر من منحنى النهر. وقد انطوت خطة الجيش الاتحادي على خدعة ماكرة باستخدام ذلك المنحنى للاستيلاء على القاعدة. إذ ظلت الآليات ذات التدريع الخفيف شمال الجزيرة منفصلة عن مدينة مدريد الجديدة التي لا تبعد سوى (6) أميال مستقيمة والتي يوجد بها الجنود الذين يُراد نقلهم. ونظراً لأن المستنقعات في الأراضي المنخفضة ومجرى النهر كانت تسد الطريق، فلم يتمكن قادة قوات المشاة في الجيش الاتحادي من التقدم، وإنما كانوا فقط يقضمون بعض المواقع في محيط القاعدة الحصينة. وكان هناك طريق اقتراب وحيد هو طريق "تبتونفيل"، وكان ذلك الطريق هو مربط الفرس، إذ ما إن تمكن جنود الجنرال بوب من اتخاذ موطيء قدم على ضفتي نهر ميسوري حتى انقلبت هذه الخاصية الجغرافية في صالح الجيش الاتحادي، وأصبح طريق الاقتراب الوحيد بمثابة مصيدة للمتمردين.
ولاشك أن نهر ميسوري كان هو أهم العوامل الجغرافية تأثيراً على مجريات المعركة، إذ وقف الجيش الاتحادي في حيرة تكتيكية أمام منحنى النهر، كما شكل موقع القاعدة أسفل ذلك المنعطف مشكلة أخرى لأن تيار النهر الرئيس سوف يجرف سفن الجنرال فوت الثقيلة تحت نيران البطاريات المتمركزة على ذلك النهر مباشرة - وتزداد هذه المشكلة تعقيداً بفيضان النهر بأعلى معدلاته خلال السنوات القليلة الماضية، فيضطر ذلك التيار الجارف الناجم عن غزارة المياه سفن الجيش الاتحادي إلى الرسو على الشاطيء لأن محركاتها ليست بالقوة التي تمكنها من المحافظة على مواقعها في النهر. وكانت المشكلة العويصة التي تواجه الجنرال "فوت" هي اتجاه تدفق المياه، حيث كان يواجه تياراً جارفاً يتدفق نحو الجنوب الأمر الذي يجرف سفنه التي تتعطل نحو الجنوب لتقع في قبضة المتمردين فساهم ذلك - أكثر من أي عامل آخر - إلى اعتماده على القصف بعيد المدى على علاته.
وساهمت مياه الفيضانات والمستنقعات على ضفتي النهر في حماية قوات المتمردين بشكل رئيس. فكان شن هجوم بري من جانب النهر المواجه لولاية تنيسي أمراً مستبعداً لتعذر تجاوز المستنقعات، ومما زاد الطين بلة أن بحيرة "رييلفوت" التي تصب في نهر الميسيسبي لا تبعد سوى (14) ميلاً جنوباً، ولم تتمكن القوات من تجاوزها بسهولة نظراً لوجود السدود الكثيفة من الأعشاب وأشجار الصنوبر. كما ذهبت مساعي الجنرال بوب لاحتلال منحنى النهر المقابل للجزيرة رقم (10) أدراج الرياح بسبب الأرض المغمورة بمياه الفيضان. بيد أن تلك الحماية التي وفرتها الأرض المغمورة بالمياه بجانب النهر وطريق الاقتراب الوحيد سرعان ما انقلبت وبالاً على المتمردين. فبعد الاستيلاء على مدينة مدريد الجديدة في يوم (14) مارس تمركزت مدفعية الجنرال بوب على نقطة "رديلز" وعلى امتداد السد الطبيعي. وقد اكتسب ذلك أهمية لسببين: أولهما أن بطاريات مدفعية الجيش الاتحادي التي على تلك النقطة سيطرت على النهر أسفل الجزيرة رقم (10) مما قطع خطوط إمداد المتمردين عن طريق النهر وأجبرهم على سحب أسطولهم الصغير المؤلف من سفن حربية من منحنى النهر. وثانيهما: أن تلك البطاريات سيطرت على الأرض المؤدية إلى طريق تبتونفيل جنوباً. ونظراً لوجود الفيضانات على الأرض الواقعة جنوب طريق "تبتونفيل" فإن طريق الحركة الوحيد هو الطريق المرتفع أو على امتداد السد الطبيعي وكلاهما يقع ضمن مدى مدفعية الجيش الاتحادي.
لقد كانت معركة الجزيرة (10) بمثابة نصر مؤزر للجيش الاتحادي، وفتحت نهر الميسيسبي للملاحة حتى مدينة ممفيس في ولاية تنيسي، وأحبطت خطط المتمردين الرامية إلى الدفاع على امتداد ذلك النهر. وتعد تلك المعركة خير مثال لتأثير الأوضاع العسكرية على العمليات. كما تبين براعة القادة في استخدام التضاريس لتحقيق نصر بعيد المنال، حيث تمكنت قوات الجيش الاتحادي من التغلب على قاعدة حصينة تطوقها أرض مرتفعة وأخرى مغمورة بمياه الفيضانات وتتمركز على امتداد نهر عريض جداً ويجرى بتيار جارف. وقد أسفر هذا النجاح الباهر عن أسر كافة جنود المتمردين وعدد كبير من الضباط وجمع كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والذخائر مقابل خسارة حفنة من جنود الجيش الاتحادي. كما شهدت المعركة براعة في تشييد قناة لتجاوز نيران أسلحة المتمردين الثقيلة المنطلقة نحو الجزيرة رقم (10). ومن سخرية الأقدار أن هذه المعركة المهمة قد ظلت طياً منسياً لايعلم بها سوى القليل من الناس. وربما يكون القتال الدموي في "شيلو" قد ألقى بظلاله على تلك المعركة، حيث أثار ذلك القتال جدلاً واسعاً في صحافة أمريكا الشمالية وحظى بنصيب الأسد في عناوينها الرئيسة. ورغم الغموض الذي اكتنف معركة الجزيرة رقم (10) فإنها سوف تظل هي الاشتباك الرئيس الأول على نهر الميسيسبي ونموذجاً لعدد من المعارك في المستقبل. وبالفعل نفضت قوات الجيش الاتحادي الغبار عن تلك المعركة المنسية عندما واجهت موقفاً مماثلاً عند منحنى نهر الميسيسبي المقابل لمدينة "فكسبيرغ" وحاولت نقل بطارياتها النهرية بالطريقة نفسها التي استخدمتها قبل عام
 
السلام عليكم
شكرا يا سي معمر على هذا الموضوع الذي يعالج جانب أساسي لأي عملية عسكرية برية.
و من أعقد مشاكل الأرض: الإرتفاعات les reliefs ، الموانع المائية ، الأرض الصحراوية.
و من دراستي الخاصة للموضوع أذكر بعض الأمثلة لقادة عسكريين - و أقتصر هنا على قادة مسلمين- نجحوا في استغلال التضاريس :
1- هو قدوتنا دائما و أبدا سيدنا رسول الله -صلى الله عليه و سلم- في غزواته خصوصا تحضيره لمعركة أحد.
2- أستاذ التكتيك و الحرب الخاطفة: الصحابي خالد بن الوليد -رضي الله عنه- و معاركه الناجحة.
3- الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين.
4- الخليفة المنصور أبو يوسف يعقوب الموحدي في معركة الآرك التاريخية بالأندلس.
5- السلطان سليم الأول العثماني في معركة جالديران ضد الصفويين.
6- العبور الناجح للجيش المصري قناة السويس خلال حرب أكتوبر73.
 
عودة
أعلى