هل خدعت القيادة المصرية من هذه الإجراءات ... 1967 ...؟؟؟؟

يحي الشاعر

كبير المؤرخين العسكريين
عضو مميز
إنضم
2 فبراير 2008
المشاركات
1,583
التفاعلات
83
هل خدعت القيادة المصرية من هذه الإجراءات .... 1967 ....؟؟؟؟

لا شك أن الإجراءات الإسرائيلية، منذ بداية الأزمة خدعت القيادة المصرية ليس بالإجراءات فقط، ولكن لأن المخابرات المصرية كانت تعتمد على مصادر محدودة المستوى "الاستخباراتي" ـ وليست صادقة ـ بل ربما يكون بعضها عميل مزدوج يتلقى تعليمات محددة من إسرائيل .. ويدل على ذلك:

أن تقرير المخابرات العسكرية يوم 17/5/1967 ورد فيه: "أن الروح المعنوية للشعب الإسرائيلي منخفضة، وهناك حالة منتشرة من الخوف والتساؤل" (وهذا تقرير غير صحيح ويدلل على حالة خاطئة بالنسبة للشعب الإسرائيلي .. تعكس انطباعات غير سليمة على قواتنا المسلحة).

تقرير ا لمخابرات يوم 19/5/1967 .. ورد فيه: "الأحداث التي جرت في المنطقة قللت فرص إسرائيل في تحقيق المبادأة ودفعها إلى اتخاذ موقف التريث والحذر" … وهذا غير صحيح ويؤدي إلى الاستهانة بقوة العدو.

تقرير ا لمخابرات يوم 21/5/1956 – ورد فيه "ظهر نشاط نقل جوي إلى الجنوب – جنوب النقب ـ والظروف الراهنة ليست ملائمة من وجهة نظر إسرائيل لشن عمليات شاملة نظراً لفقدها عامل المبادأة والمفاجأة ـ علاوة على حاجتها الماسة إلى الدعم العسكري الخارجي … "وبدأ هذا التقرير يجذب نظر القيادة المصرية إلى المحور الجنوبي .. علاوة على أنها تحوي معلومات غير صحيحة عن إسرائيل …".

شمل تقرير ا لمخابرات يوم 24/5/1967 عن مقارنة لقواتنا وقوات العدو على الجبهة. وذكرها التقرير الآتي:

.....................القوات المصرية ...... القوات الإسرائيلية

المشاة *********** 3 ************* 1

المدرعات*********** 3 ************* 1

المدفعية "بالقطعة" ** 1000 ***** عدد غير معروف
****

وبينما كانت النسب الحقيقية التي عرفت فيما بعد هي:


.....................القوات المصرية ...... القوات الإسرائيلية

المشاة *********** 0.59 ************ 1

المدرعات *********** 0.6 ************ 1

المدفعية ************ 2 ************** 1

طائرات *********** 0.4 ************** 1

طيارون *********** 0.37 ************ 1

مركبات جنزير ********* صفر *********** 1

مركبات نصف جنزير ******** صفر ******** 1


تقرير المخابرات العسكرية يوم 26/5/1967 (وكان هذا التقرير هو أخطر التقارير التي جذبت تقديرات القيادة المصرية في اتجاه المحور الجنوبي، وأثر تماماً على القرار المصري) .. وقد ورد بالتقرير: اهتمام إسرائيل بمنطقة إيلات، وجمع قوات إضافية بها، وأن حجم القوات الإسرائيلية فيها وصل إلى (3 ألوية مدرعة – 3 لواءات مشاة – لواء ميكانيكي – لواء مشاة احتياط – 2 كتيبة مدرعة) (وللأسف كانت الحقيقة هي وجود لواء ميكانيكي واحد فقط) واستمرت التقارير بعد ذلك تضيف عناصر جديدة في الاتجاه الجنوبي.

تقرير المخابرات العسكرية يوم 1/6/1967 – ورد فيه: "عزم العدو الوشيك على القيام بعملية تعرضية هجومية ضد الاتجاه الجنوبي – واحتمال إسقاط جوي معادي جنوب الكونتلا" .. وقد أدى هذا التقرير إلى صدور التعليمات إلى القوات في الجبهة للاستعداد لصد الهجوم، وأجريت العديد من التغييرات في الخطة الدفاعية.

تقرير المخابرات العسكرية يوم 2/6/1967 .. اتجه إلى عكس التقرير السابق تماماً. حيث ورد فيه: "أن إسرائيل لن تقدم على عمل عسكري تعرضي "هجومي وأن الصلابة العربية الراهنة ستجبر العدو بلا شك على أن يقدر العـواقب المختلفة المترتبة على اندلاع شرارة الحرب في المنطقة".

تقرير المخابرات العسكرية يوم 3/6/1967 "وكان أول تقرير حقيقي بعد طلعة استطلاع جوي ناجحة حيث حدد أن المحور الجنوبي يتمركز فيه لواء ميكانيكي وكتيبة دبابات وكتيبة "ناحال" فقط.

(وبرغم ذلك لم تحاول القيادة تعديل قرارها أو استراتيجية الدفاع عن سيناء بناءا على هذا التقرير – وظل الوضع على ما هو عليه).



خطط العمليات الحربية على الجبهة المصرية:

الخطة الدفاعية:

كان مفهوم الدولة الاستراتيجي العسكري في سنوات ما قبل عام 1967، مقتصراً على تطبيق تجهيز وتدريب القوات المسلحة المصرية على أسس ومفهوم الخطة "قاهر" الدفاعية عن سيناء، والحدود الشرقية لمصر، كما تحدد لهذا الاتجاه الاستراتيجي بحيث يكون هو الأساس بالنسبة لمجهود القوات المسلحة المصرية، طوال السنوات التي تلت الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956، أي أن الفهم الاستراتيجي العسكـري كان دفاعياً تجاوباً مع الاتجاه العسكري في منع إسرائيل من التوسع في الأراضي العربية.


الخطة "قاهر: (الخريطة الرقم 5)

وضعت أسس الخطة قاهر بمعرفة قيادة المنطقة العسكرية الشرقية، في بداية عام 1966، وأضـافـت هيئـة عمليات القوات المسلحة بعض التعديلات عليها، وعرضت على المشير "عبدالحكيم عامـر" وصادق عليها في 1/12/1966 وقامت القوات الجوية بوضع خطة جوية اشتقت من الخطة "قاهر"، أطلق عليها اسم كودي "فهد" وهي للمعاونة المباشرة والاستطلاع، كما وضعت القوات البحرية خطة مساعدة وإسناد للقوات البرية لحماية أجناب القوات البرية في الدفاع عن سيناء، ونظمت الفتح التعبوي لقواتها في البحر الأبيض والأحمر مسبقاً.

وأصدرت هيئة عمليات القوات المسلحة تعليمات مشتقة من الخطة "قاهر" لكل المناطق العسكرية، وأفرع القوات المسلحة الرئيسية، والتشكيلات الميدانية، كانت هي واجبات العمليات الحربية للقـوات المسلحة، كي تتدرب عليها وتقوم بتجهيز مسرح عملياتها وإعداد القوات، واستكمال المطالب الفنية والإدارية والمواصلات، وبناء هيكل الدفاع على أساس هذه الخطة.

بنيت فكرة الدفاع في الخطة "قاهر": على أساس منع العدو من الاختراق والوصول إلى قناة السويس، وتدمير قوات العدو التي تنجح في الاختراق، توطئة للقيام بالهجوم المضاد العام، بالتعاون مع الاحتياطي الاستراتيجي للقضاء على العدو.

وكانت فكرة الدفاع في هذه الخطة، ترمي في جوهرها إلى السماح للعدو بالتورط في هجمات قوية، حيث يمكن للقوات المدافعة أن توقع به خسائر كبيرة، من هنا كان فرض قبول الضربة الجوية الأولى على مصر، وتقبل المبادأة من العدو في المرحلة الافتتاحية من العملية البرية، عاملاً مؤثراً على فكرة قرار قائد المنطقة العسكرية الشرقية، وكانت تقديرات القيادة بالنسبة لحجم قوات العدو التي ستقوم بالهجوم أقرب لما حدث فعلاً.

وقد بنى هيكل الدفاع إجمالاً كما يلي:

نطاق أمن: يتمثل في منطقة الحدود الشرقية. وخصصت له الوحدات المناسبة من كتائب الاستطلاع المدرع، وأفواج الحدود، وكتائب الصاعقة.

العمق الدفاعي التكتيكي ويتكون من نطاقين دفاعيين هما:

النطاق الدفاعي الأول: التمد – القسيمة – أم قطف – منطقة العريش، ويحتله ويجهزه ويدافع عنه فرقة مشاة، 2 لواء مشاة مدعمان، وفوج مدرع.

أما النطاق الدفاعي الثاني فهو منطقة جبل الحلال، ويدافع عنه فرقة مشاة.

احتياطي المنطقة: ويتكون من الاحتياطي رقم (1)، فوج مدرع شمال نخل.

احتياطي رقم (2) ويتكون من: 2 لواء مشاة وقيادة فرقة في منطقة الحسنة.

احتياطي رقم (3) ويتكون من لواء مدرع في الكيلو (161) بالطريق الأوسط.

احتياطي عام القيادة العليا: ويتكون من فرقة مدرعة، ولواء مظلات.


أما المهام فهي:

(أ) النطاق الدفاعي التعبوي الأول، تقوم قواته باحتلاله، والدفاع عن الحد الأمامي للمضايق.

(ب) النطاق الدفاعي التعبوي الثاني، تقوم قواته باحتلاله، والدفاع عن الحد الخلفي للمضايق.

(ج) محور دفاعي منفصل، في شرم الشيخ مكون من لواء مشاة، تسانده قوات بحرية محدودة.


كانت فكرة هيكل الدفاع هذه عن سيناء سليمة، ونلاحظ أنها قد حققت عدة اعتبارات. فقد أصبح قطاع غزة منفصلا، ووضعت له أسلحة دعم ثقيلة في العريش مكونة من 10 دبابات شيرمان، وقطـع مدفعية ميدان 25 رطل، وقطع مدفعية مضادة للدبابات، وبعض هاونات متوسطة.

كما تحقق هذه الخطة دفاعات قوية معتمدة على قوات متماسكة، وعلى نقطة ارتكاز قوية، أساسها محاور سيناء الرئيسية وخطوط الدفاع المثالية في العمق. وتجدر الإشارة إلى أن عمق الدفاع، كان مكونا مـن نطاقين تكتيكين، نطاقين تعبويين. كما نلاحظ تواجد احتياطي المنطقة "الجيش" ومرونته، في تقسيمه إلى ثلاث احتياطات فرعية، بالإضافة إلى احتياطي عام القيادة العليا، المكون من أكبر تشكيل مدرع لدى القوات المسلحة، ولواء مظلات.

تجدر الإشارة أيضا إلى وجود النطاقين الدفاعيين التعبويين شرق وغرب المضايق، وهى المنطقة الحساسة، والتي تعتبر حد المناورة الخلفي لقوات الجيش في سيناء من وجهة النظر العسكرية البحتة. كما نسميه خط الدفاع القومي عن وادي النيل، منذ عمليات الإنجليز والأتراك في الحرب العالمية الأولى 1915 - 1917. ومن الغريب أن القوات البرية التي كانت مخصصة لشغل هذا الهيكل الدفاعي، في الخطة "قاهر" تزيد قليلا عن نصف عدد القوات التي حشدت بدون فكرة أو هدف أو حتى وعى في مايو ويونيه 1967.


الخطط التعرضية:

في أعقاب تطور الأحداث بعد 14 مايو 1967، كان لابد للقيادة المصرية إعادة النظر في الخطط على الجبهة بما يتناسب مع تطورات الموقف … وكان المخطط فعلا هو الخطة الدفاعية "قاهر"، والتي بدأ في تنفيذها مع بدء الحشد وتعرضت للعديد من التعديلات .. وكانت هذه الخطة لا تتناسب مع هدف الحشد ذاته الذي تحدد في الرد بقوة على أي عدوان إسرائيلي ضد الجبهة السورية". كما أن تطور الموقف تطلب خططا لتنشيط الدفاع. وإحباط أي نوايا إسرائيلية للاستيلاء على شرم الشيخ" وهو أحد التقديرات الرئيسية التي توصلت إليها القيادة المصرية".

وقد بدأ التفكير في وضع الخطط اعتبارا من 18/5/1967 - وصدرت تعليماتها يوم 23/5/1967، وتحدد وقت (الاستعداد لتنفيذها اعتبارا من سعت 2000 يوم 28/5/1967)

وللأسف أن هذه الخطط برغم الجـهد في تخطيطها، وحشد القوات لتنفيذها، إلا أنه سيطر عليها الطابع السائد في هذا الوقت، وهو الارتباك، وعدم الجدية علاوة على أن تخطيطها أصلا لم يكن يتوافق مع حجم وأوضاع العدو "الحقيقية" في المنطقة، بل أنها خططت بناءا على معلومات "مشكوك في صحتها" .. وكان الهدف من هذه الخطـط هو: إزعاج وتعطيل احتياطات العدو على طرق التقدم، وعزل النقب الجنوبي، وإحباط أي نوايا إسرائيلية في العمل ضد شرم الشيخ – وفى نفس الوقت إحباط أي نوايا للعدو للعمل في اتجاه غزة، وتتم جميع العمليات بالتعاون بين التشكيلات البرية والجوية والبحرية.


وقد اشتملت الخطط التعرضية على ثلاث خطط رئيسية هي:

العملية "فجر":

وهى العملية التي توجهت الجهود الرئيسية لإنجاحها وتهدف إلى عزل النقب الجنوبي بالكامل، والاستيلاء على إيلات .. ويحشد لها من القوات البرية،مجموعة قتال أكبر من فرقة مشاه تعاونها مجموعة صاعقة، وحشد ضخم من المدفعية والأسلحة المضادة للدبابات.

(كما يحشد لها من القوات الجوية جهود عدة أسراب من الطائرات لتنفذ عدة ضربات جوية تحت اسم الخطة "أسد" لحرمان العدو من استخدام مطارات القطاعين الجنوبي والأوسط، علاوة على ضـرب الأهداف الحيوية في إيلات ومعاونة القوات البرية في تنفيذ مهامها، وتدمير الاحتياطيات المقتربة في اتجاه إيلات. أما القوات البحرية فتتحدد مهامها في حصار إيلات من اتجاه البحر، وتدمير الأهداف الحيوية فيها، ومعاونة القوات البرية المهاجمة على الساحل.

وكان مقدرا استغلال نجاح العملية في استمرار الضغط على العدو .. كما كانت تقديرات القيادة المصرية في احتمال قيام العدو بعزل هذه القوات داخل إسرائيل، واختراق الحدود المصرية الجنوبية في اتجاه شرم الشيخ للاستيلاء عيها.. وتم تعديل الخطة الدفاعية الرئيسية "قاهر" لإعادة تمركز قوات مدرعة في الاتجاه الجنوبي، مما أدى إلى تفتيت الاحتياطي الإستراتيجي المصري في سيناء.


* العملية "غسق":

في اتجاه المحور الأوسط " بيرين - العوجة - بير الملاقى" وهى عملية مكملة للعملية فجر، وتهـدف إلى تشتيت جهود العدو لمعرفة الاتجاه الرئيسي وجذب جزء من احتياطاته في اتجاه المحـور الأوسط، وتنفذ بمجموعات قتال تصل حجمها إلى مجموعة لواء مشاه مدعم، وتسيطر عليها قيادة الفرقة المدافعة عن هذا الاتجاه… وتوقيت العملية محدد بتوقيت زمني طبقا لقرار قائد الفرقة.


* العملية "سهم" والتي تعدلت فيما بعد تحت اسم " سليمان" :

تنفذ في اتجاه المحور الشمالي بمهمة إحباط نوايا العدو وتدمير حشوده المحتمل أن تقوم بأعمال عدوانية على قطاع غزة.. وقد خصص لتنفيذ العملية مجموعة قتال قوية تشترك فيها قوات مصريـة " مجموعة فرقة مشاه مدعمة " ومجموعات قتال فلسطينية وفدائيين فلسطينيين، كذلك كتيبة "مغاوير كويتية" - " التي تؤمن قاعدة الهجوم على الحدود المصرية، ويكون اشتراكها معنوي/قومي".

وقد خطط لانسحاب قوات العملية" سهم" بمجرد تنفيذ عملياتها إلى داخل الحدود المصرية ووضعت خطط تأمين الانسحاب.


* الأعمال التعرضية للقوات الخاصة:

بعد توقيع معاهدة الدفاع المشترك المصرية /الأردنية، تم إخلاء مهام عمليات المجموعة 129 صاعقة من الجبهة المصرية (كانت مخصصة ضمن قوات العملية فجر حيث نقلت مباشرة بالطائرات إلى الأردن لتوضع تحت القيادة المباشـرة للفريق/ عبدالمنعم رياض الذي تعين قائدا للجبهة الأردنية: طبقا لطلب الملك حسين ..وقد خططت المجموعة القيام بإغارات قوية لتدمير الأهـداف الحيوية في مطارات إسرائيل الشـمالية: هيرسيليا - كفار سيركن- عين شيمر"، ومطارات القطاع الجنوبي" اللد، والرملة، وعكير".


تطور فكر المشير وتعديل الخطط:

حتى يوم 26/5/1967 كانت الخطط الحربيـة الصادرة عن توجيهات عمليات المشير، متجهة جميعها إلى فكرة الدفاع الوقائي، مع تحضير خطط عمليات برية وجوية وبحرية تعرضية (هجومية) محدودة، علما بأن خطط الدفاع عن سيناء نفسها، خرجت عن أي أسس علمية للدفاع عن مسرح عمليات متكامل بسبب اقتناع المشير بضرورة التمسك والدفاع عن الكونتيلا، وقطاع غزة، الأمر الذي جعل الدفاع عن سيناء نفسها غير متوازن، وغير متماسك وليس له عمق أو احتياطي إستراتيجيي مرن. يضاف إلى ذلك أن المواقع الدفاعية التي احتلتها القوات، ليست مجهزة من قبل فيما عدا منطقة، أم قطف والقسيمة.

بذلك تمركزت القوات التي تحركت من المنطقة المركزية (القاهرة)، ومن منطقة القنال، للحشد في مناطق تجمع، وليس في مناطق دفاعية. وظهر جليا أن تخطيط المشير للعمليات الحربية، منذ البداية، كان أبعد ما يكون عن تنفيذ وتطبيق الخطة "قاهر:الدفاعية المجهزة من قبل.

ثم جـاء التحول الكبير المفاجئ أيضا للقوات في الخطط العسكرية، وبالتالي في توجيهات المشير للعمليات، للقوات التي فتحت تعبويا في سيناء. وبدء التساؤل لماذا التحول المفاجئ؟. بل لماذا هذا التراجـع؟ وظلت القوات معلقة لا تعلم الهدف من هذه التحولات، والتغيرات في خطط المشير للدرجة التي اضطر فيها قائد الجيش الميداني يوم28 مايو1967 لإيفاد رئيس عملياته إلى هيئة عمليات القوات المسلحة للحصول على إجابة بعض أسئلة خاصة بالخطة هي : ما هي مهمة الجيش الميداني بالتحـديد - وما هو تخطيط القيادة العليا لاستخدام الجيش؟ ما هي خطط العمليات التعرضية ومدتها؟ ما هي أوضاع وتجميع قوات العدو ونواياه؟.

وأخيرا صدرت توجيهات المشير رقم 18/67 في 29/5/1967 تحدد الهدف العام للعمليات، وهو صد هجوم العدو المفاجئ وهزيمة قواته وتدميرها؟ والاستعداد للانتقال إلى العمليات التعرضية في اتجاه سيناء/فلسطين في أقل وقت ممكن طبقا للخطة "قاهر".

وهذه أول مرة يذكر فيها اسم الخطة "قاهر" لكـن للأسف جمد التنفيذ بسبب القيد الذي شغل قوات كبيرة نسبيا في الاستعداد لتنفيذ الخطط التعرضية.

صدرت توجيهات عمليات المشير رقم20/67 في 30/5/1967 " باحتمال قيام العدو بضربة مفاجئة بأكبر حشد ممكن من مدرعاته في وادي لصان والمعين وجنوبها، في اتجاه بئر مالح، المطلة. وهو المحور الجنوبي لسيناء". وأصـبح من مهام المنطقة العسكرية الشرقية عمل ستارة مضـادة للدبابات على الخط العام (جبل واسطة البحيري - جبل خرم - المطلة) ولا يسمح باختراقها، وخلق أنسب الظروف لاقتحام الفرقة الرابعة المدرعة وهى الاحتياطي الإستراتيجي العام للاشتباك.

وهنا نلاحظ التراجع في نية المشير وإلغـاء جميع الخطط التعرضية (الهجومية) ثم الالتجاء، لا إلى الدفاع الوقائي بل إلى دفاع تقليدي. يضاف إلى هذا أشغال القوات بعمل ستارة مضادة للدبابات(هي قوات ثابتة أي تنتظر قدوم العـدو لتشتبك معه من موقع الثبات). كما أن فقد الاحتياطي الإستراتيجي بدفعه للاشتباك جعل له مهمة أخرى خلاف مهمته كاحتياطي إستراتيجيي عام.

وصدرت توجيهات عمليات المشير رقم 21/67 في 31/5/1967 خاصة بالقوة الخفيفة رقم"1"، والتي تحركت باتجاه الجنوب، من المحور الشمالي إلى المحور الجنوبي (ظلت في المحور الشمالي 6 أيام فقط من 22 - 28/5/1967) لمهمة تأمين وادي لصان والمعين، والعمل على جنب العدو ومؤخرته، وقفل الثغرة بين جبل أم حصيرة وجبل خرم.

هذه التحركات العرضية الطويلة للقوات، وأخرى من الخلف للأمام على كل المحاور بطريقة جنونية أرهقت القوات وضاع المفهوم في الفكر العسكري ليكون دفاعا تقليديا مصحوبا بخوف من العدو.

وصدرت توجيهات عمليات المشير رقم 24/67. في 2/6/1967 تقضى بأن تكون مهمة المنطقة الشرقية هي الدفاع عن منطقة الكونتلا، القسيمة، أم قطف، رفح، العريش بغرض هزيمة العدو، وتدمير قواته ومنعها من الوصول إلى قناة السويس، ويركز المجهود الرئيسي للدفاع عن الكونتلا والقسيمة، أم قطف، الحسنة، المطلة.

وصدرت توجيهات عمليات المشير رقم27/67 في 3/6/1967 إلى قائد الفرقة الرابعة المدرعة، بالتعاون مع احتياطي المنطقة العسكرية الشرقية قائلا - بالنص "عليكم تدمير قوات العدو التي تحاول اختراق النطاق الدفاعي الثاني في اتجاه بئر المالح، المطلة. تستعد للعمل في الاتجاهات المقررة في الخطة "قاهر". تدمير قوات مظلات العدو التي يحتمل نزولها في نخل، بئر الحمة، الميول الشرقية لمضايق الخاتمية، الجدى، سدر الحيطان".

وصدرت توجيهات عمليات المشير رقم 28/67 في 4/6/1967 عن احتمال قيام العدو أثناء تقدمه باحتلال مجموعة المضايق ليبقى بها، ويركز عليها بغرض تهديد القناة. خصص المشير القوات وأعطى الفرقة السادسة مشاة رابع واجـب زمني منذ بدء حشدها في سيناء يوم 15/5/1967 بالإضافة إلى اللواء الاحتياطي 124،125 واللواء المدرع، للتمركز في المضايق، وكانت هذه آخر توجيهات تعطى للقوات البرية في سيناء "استعدادا للمعركـة". إلا أن هذه التوجيهات لم تصل إلى القوات في سيناء !!!.


أربع خطط عسكرية في 20 يوماً:

وهذه هي خلاصة التحليل لما حدث في سيناء منذ إعلان حالة الطوارئ إلى لحظة بدء الهجوم الإسرائيلي يوم 5/6/1967 وهذا يشكل حجم غير مسبوق من تنفيذ الخطط الدفاعية.

التطور الأول بدأ حشد القوات المسلحة في الاتجاه الإستراتيجي سيناء: يوم 14/5/1967 واتخذت أوضاعها الدفاعية طبقا للتخطيط العسكري السابق تجهيزه وإعـداد وثائقه في الخطة الدفاعية "قاهر"، كما صدرت أولى توجيهات عمليات نائب القائد الأعلى في نفس اليوم وأشارت باعتماد قطاع غزة في الدفاع، على موارده الذاتية ودعم بسيط من أسلحة معاونة كانت مخصصة له من قبل في العريش، ويصبح بهذا الشكل منطقة دفاعية منفصلة. كما حشد اللواء 4 مشاه مع القوات في سيناء، وكان مخصصا في الخطة "قاهر" للتمركز في منطقة شرم الشيخ.

برفض السكرتير العام للأمم المتحدة بقاء قوات الطوارئ الدولية في منطقتي غزة وشرم الشيخ حدث فراغ عسكري في هاتين المنطقتين لم يكن في حساب المشير من قبل وهنا جاء التطور الأول في تغيير أوضاع القوات كما جاء في الخطة "قاهر". واضطر المشير إلى دفع الفرقة 7 مشاة وهى إحدى الفرق الأربع التي تشكل هيكل الدفاع المتزن عن سيناء، إلى منطقـة رفح لتأمين قطاع غزة ضد أي تهديد من العدو.

ومنطقة رفح تكون بروزاً جغرافيا، ليس له عمق دفاعي، فاضطر المشير كي يوازن الدفاع في تمركز قوات الفرقة 7 مشاة في بروز رفح، أن يصدر توجيهاته لتمركز الفرقة 6 مشاة في منطقة الكونتلا على الجانب الآخر عن مواجهة الدفاع عن سيناء، وترتب على ذلك تغيير أوضاع بقية القوات في سيناء بدفعها للأمام، لاستكمال اتزان الدفاع، واستمر تعديل أوضاع القوات حتى يوم 23/5/1967.

وجاء التطور الثاني بعد عملية فرض الحصار البحري ضد الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة، وخوف المشـير من قيام العدو والدول البحرية التي تؤيده بتهديد الخليج، فكان هذا الاحتمال هو باكورة الفكر التعرضي في التخطيط العسكري للمشير، وأصدر توجيهاته بإعداد خطط تعرضية محدودة ضد إسرائيل، وفى الساعة العاشرة صـباح يوم26/5/1967 صادق المشير على الخطة التعرضية: فجر.ضد النقب الجنوبي، والخطة التعرضية "غسق" ضد النقب الشمالي، كما أصدر توجيهاته إلى القوات الجوية لإعداد الخطة "أسد" لمعاونة الخطة "فجر" ضد النقب الجنوبي وإيلات / وأمر اللواء 14 المدرع بالاستعداد للقيام بعمل تعرضي في اتجاه الخالصة (النقب الشمالي)، كما بدأ اهـتمام المشير بفتح محور فرعى جديد ( الشط - الطور - شرم الشيخ)، واستعداد القوات البحرية للقيام بعملية بحرية داخل خليج العقبة ضد إيلات.

وجاء التطور الثالث في تخطيط المشير نتيجة لخداع إسرائيلي استجابت له الاستخبارات الحربية، عن وجود حشـود إسرائيلية كبيرة في النقب الجنوبي مما جعل المشير يصدر توجيهاته بنقل ثقل القوات في سيناء إلى المحور الجنوبي (الكونتلا - التمد - نخل) وإنشاء الستارة المضادة للدبابات التي ضمت وحدات فرعية كثيرة وانتقال القوة الخفيفة الحركة رقم(1) من الشيخ زويد في الشمال، كي تعاون الستارة المضادة للدبابات، وإشراك الاحتياطي الإستراتيجي (الفرقة 4) المدرعة في عمليات الجيش، بدعوى إمكانية تدمير القوات المدرعة الإسرائيلية إذا حاولت الاختراق في هذا المحور ونتج عن ذلك تجميع أغلب القوات البرية في سيناء في هذا المحور. وفى هذه المرحلة ظلت الخطط التعرضية البرية السابق ذكرها قائمة.

وجاء التطور الرابع في تخطيط المشير بعد اقتناعه بموقف الدول الكبرى في هذا الصراع مع إسرائيل، ومعرفته المتأخرة بعدم وجود الحشود المدرعة الإسرائيلية، نتيجة لأول استطلاع جوى ناجح من قواتنا الجوية، ثم اقتناعه المتأخر أيضا بعدم قدرة قواتنا البرية على القيام بالأعمال التعرضية، وقبوله مبدأ قيام إسرائيل بالضربة الجوية الأولى، فاصدر توجيهاته الأخيرة بالتزام القوات المسلحة بالدفاع التقليدي عن سيناء والعودة إلى أسس الخطة الدفاعية "قاهر" ولكن المشير ترك القوات في سيناء في أوضاعها وظل يؤكد لآخر لحظة على تدمير القوات الإسرائيلية، بعد اختراقها حدودنا بواسطة قوات الستارة المضادة للدبابات، وجاء يوم 5/6/1967 والقوات البرية في سيناء في أوضاع غير متزنة، والدفاع عموما غير متماسك، وبدأ هجوم العدو من المحور الشمالي ولم يتعرض إطلاقا للقوات الضخمة التي تشكلت منها الستارة والقوات المعاونة لها، بما فيها الاحتياطي الإستراتيجي في المحور الجنوبي.

وقد انتهت هذه التطورات في التخطيط العسكري الذي تغير أربع مرات في 20 يوما،إلى إنهـاك الفكر والأجهزة التخطيطية في القيادة العامة، وفى قيادات القوات الميدانية، كما أنهكت القوات نفسها من كثرة التغير وما تبعه من تحركات للأفراد والمعدات بالإضافة إلى حدوث البلبلة في الفكر وفى التنفيذ نتيجة لكثرة التبديل في المواقع والمهام، وفقدان الثقة بين الجنود وبين القيادة الذي انتهى بعدم وضوح الرؤية عند الجميع.

كمـا أظهرت هذه التطورات عدم وجود إستراتيجية عسكرية ثابتة وواضحة، حيث إن التخطيط لم يكن يتعدى ردود الفعل لأعمال ومبادرات ومعلومات خداعية، يقوم بها العدو ومن يسانده. وأظهـرت الفرق الشاسع بين الأهداف السياسية، وبين استعداد القوات المسلحة لتحقيق هذه الأهداف، وإن الانفصال بين نظريات وأسس الخطة، وبين واقع الأوضاع في الميدان في الفترة الحرجة، قد ضيع جهودا مضنية ذهبت هباء، وبدد أمالاً عريضة.

رغم ذلك ظلت نيات المشير قائمة بالنسبة للعمليات التعرضية "فجر وغسق"، مع تحول كبير في اتجاه المجهود الرئيسي للقـوات في الدفاع عن سيناء. هذا المجهود انتقل بثقل كبير، من المحور الشمالي إلى المحور الجنوبي، حيث أصبح مؤكدا - من وجهة نظره - وطبقا لتقارير الاستخبارات الحربية الخاطئة - أن إسرائيل سوف تقوم بالهجوم بثقل مدرعاتها في اتجاه المحور الجنوبي. وعلى هذا تم نقل القوات إلى الجنوب بينما ترك المحور الشمالي.

وفى يوم 28/5/1967 صدر إنذار من المشير نفسه إلى جميع القوات وتم تعميم نشره في القوات المسلحة، "يقضى بأن الموقف بلغ أقصى درجات التوتر وعلى الجميع أن يتوقعوا الصدام المسلح ابتداء من 29/5/1967".

وفى يوم 28/5/1967 أيضا تم أسر عربة استطلاع تحمل اثنين من قادة كتائب مدفعية الميدان والمضادة للطائرات، ورئيس عمليات مشاة، أثناء استطلاع منطقة العوجة في نطاق الأمن الأمامي، نتيجة الإهمال وعدم المبالاة وحصل العدو على وثائق وخرائط عسكرية، كما حصلت إسرائيل على معلومات عن قواتنا، ورغم هذا ظلت نية المشير قائمة بالنسبة للعمليات التعرضية وتحويل أغلب القوات إلى المحور الجنوبي.

كما صدر الأمر في الساعة 9 مساء يوم 28/5/1967 بتحرك مركز القيادة المتقدم للمشير من الإسماعيلية إلى الميثان على الطريق الأوسط كي يفتحه قبل الساعة 2 صباحا يوم 29/5/1967. وقـد تبين فيما بعد أن المشير كان ينوي التواجد في هذا المقر قبل بدء العمليات يوم 29/5/1967 حسب تقديره.







يحى الشاعر











































تم تحرير المشاركة بواسطة يحى الشاعر: Jan 3 2007, 12:36 PM

 

" بناء على توجيهات الادارة لتحسين محتوى المنتدى. فنأمل منكم الالتزام بالقوانين و عدم نشر الصور الحساسة و الدموية.
أعلى