الدعم الإداري

سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان : ان امتلاك القدرات دون امتلاك المعرفة التي تقوم عليها، لا يحقق السيادة، بل يعيد إنتاج شكل أكثر تعقيداَ من التبعية

إنضم
20 يونيو 2023
المشاركات
92
التفاعل
202 62 0
الدولة
United Arab Emirates
1784396045646.png



بناء‭ ‬الاستقلالية‭ ‬وتمكين‭ ‬القيادة

يعرض سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، رئيس اللجنة التنفيذية لمجلس إدارة مجلس التوازن للتمكين الدفاعي، رؤية استراتيجية للسيادة الدفاعية، حيث لا تُشترى القدرات، بل تُبنى وتُستدام وتُوظف لترسيخ مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للصناعات الدفاعية
كلمات:سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان

عندما نتحدث عن القدرة السيادية، فإننا لا نصف توجهاً سياسياً أو خياراً مرحلياً، بل نؤكد على التزام قيادي راسخ، تشكّل عبر الممارسة، وتبلور من خلال قراءة دقيقة للتحولات المتسارعة في بيئة الأمن والدفاع.

لقد ساد لفترة طويلة فهمٌ تقليدي للسيادة في المجال الدفاعي، يقوم على امتلاك المنصات والأنظمة المتقدمة. غير أن هذا الفهم، رغم أهميته، لم يعد كافياَ في عالم تتسارع فيه وتيرة التغير التكنولوجي، وتتبدل فيه معادلات الاعتماد والاعتماد المتبادل. وقد أدركنا مبكراً أن امتلاك القدرات دون امتلاك المعرفة التي تقوم عليها، لا يحقق السيادة، بل يعيد إنتاج شكل أكثر تعقيداَ من التبعية. وعليه، اتخذنا قراراً استراتيجياً واضحاً: الانتقال من نموذج الشراء إلى نموذج بناء القدرات. لم يكن هذا التحول تدريجياً أو عفوياً، بل جاء نتيجة اختيار واعٍ، بأن تكون دولة الإمارات قادرة ليس فقط على تشغيل الأنظمة المتقدمة، بل على فهمها، وصيانتها، وتطويرها، وتكييفها وفق احتياجاتها، وبما يتوافق مع أولوياتها السيادية.

وقد انعكس هذا التوجه في كيفية تصميم الاستثمارات، وبناء الشراكات، وتطوير المؤسسات. وفي هذا الإطار، تموضع مجلس التوازن للتمكين الدفاعي ليؤدي دوراً تكاملياً دقيقاً، لا يقتصر على التنظيم أو الشراء، بل يتجاوز ذلك ليكون حلقة وصل استراتيجية تربط بين متطلبات الأمن الوطني، والقدرات الصناعية، وتوجهات الاستثمار، ضمن منظومة متكاملة تنسّق بين الحكومة، والصناعة، والمؤسسات البحثية، والشركاء الدوليين. هذه المنظومة لا تقوم على التراكم، بل على الاتساق. فعندما تُحدَّد المتطلبات الدفاعية، لا تُترجم إلى مواصفات شراء فقط، بل إلى فرص صناعية، ومسارات لنقل المعرفة، وبناء قدرات محلية قابلة للاستدامة. وبهذا المعنى، فإن السيادة لا تُجمع، بل تُبنى من خلال التكامل.


1784396227321.png


لا يزال نقل التكنولوجيا عنصراً مهماً، لكنه لم يعد كافياً بمفرده. فقد انتقلنا إلى نماذج أكثر تقدماً تقوم على التطوير المشترك، وتقاسم الملكية الفكرية، وتكامل الجهود الهندسية.
إن بناء القدرات يمثل خطوة أساسية، غير أن استدامتها تمثل التحدي الحقيقي. وقد أظهرت التجربة أن النظم الصناعية الدفاعية لا تستمر بالاستثمار وحده، بل تحتاج إلى أن تكون مرتبطة بالاحتياج العملياتي، وقادرة على المنافسة عالميًا، ومرتكزة على قاعدة وطنية من الكفاءات والمعرفة المؤسسية. ومن هنا، أصبح تقييم البرامج لا يقتصر على أدائها الآني، بل يمتد ليشمل ما تتركه من أثر طويل المدى: هل تسهم في بناء عمق هندسي؟ هل تعزز مرونة سلاسل الإمداد؟ هل تُمكّن من التطوير المستقبلي دون قيود خارجية؟ وبهذا، يتحول الاقتناء من غاية إلى وسيلة لبناء القدرة.

أما في مجال الشراكات، فقد اعتمدنا نهجاً واضحاً يقوم على التمييز بين التوريد وبناء القدرة. نحن لا نبحث عن موردين، بل عن شركاء حقيقيين يسهمون في تطوير القدرات، ويشاركون في بناء القيمة. ولهذا، فإن كل شراكة تُبنى على مبدأ أساسي: تحقيق منفعة متبادلة دون خلق تبعية. وقد انعكس ذلك في الانتقال من نماذج نقل التكنولوجيا التقليدية، إلى نماذج أكثر تقدمًا تشمل التطوير المشترك، وتبادل الملكية الفكرية، وتكامل الجهود الهندسية. وفي هذا السياق، يشكل كل من نقل التكنولوجيا (Transfer of Technology) ونقل المعرفة (Transfer of Knowledge) عنصرين استراتيجيين، يضمنان ترسيخ القدرة داخل الدولة، وتمكينها من التطوير المستقبلي.

وقد جاءت التطورات الإقليمية والدولية الأخيرة لتؤكد أهمية هذا النهج. فقد كشفت فترات عدم الاستقرار عن هشاشة بعض سلاسل الإمداد، وأظهرت أن النماذج التقليدية للاعتماد على الخارج قد لا تصمد تحت الضغط. وهو ما عزز قناعتنا بأن الكفاءة في الظروف الطبيعية لا تكفي، ما لم تُقترن بالمرونة في الظروف الاستثنائية. ومن هذا المنطلق، تعاملنا مع هذه التطورات ليس كحالات عابرة، بل كمؤشرات استراتيجية تدفع نحو تعميق التصنيع المحلي في القطاعات الحيوية، وتنويع مصادر الإمداد، وبناء شراكات قائمة على الالتزام طويل المدى. فالشريك الذي يسهم في بناء القدرة يصبح جزءاً من منظومة الصمود، بينما يظل التوريد المجرد عرضة للتقلب.


1784396238833.png


أكدت التطورات الإقليمية الأخيرة أهمية بناء قدرات دفاعية سيادية قادرة على تعزيز الجاهزية والصمود على المدى الطويل.
وفي موازاة ذلك، كان الاستثمار المبكر في التقنيات الناشئة خياراً مقصوداً، لا انتظاراً لما ستؤول إليه، بل مشاركة في تشكيل مساراتها. فالذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والتقنيات الكمية، والقدرات الفضائية، تمثل مجالات يجري تطويرها ضمن رؤية استشرافية، مدعومة بإطار وطني للاستشراف الاستراتيجي للصناعات الدفاعية، يهدف إلى تعزيز الجاهزية المؤسسية، وتمكين اتخاذ القرار في بيئات تتسم بعدم اليقين. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى تبني التكنولوجيا كخطوة منفصلة، بل كجزء من منظومة متكاملة تشمل البيانات، وأنظمة اتخاذ القرار، والتكامل عبر مختلف المجالات العملياتية، بما يعزز من سرعة التكيف، وكفاءة التشغيل، وجودة القرار.

ولا ينفصل هذا التوجه عن الرؤية الوطنية الشاملة، التي تقوم على تكامل الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، بوصفها عناصر مترابطة تعزز بعضها البعض. فالأمن المستدام يحتاج إلى اقتصاد قوي، والاقتصاد القوي يحتاج إلى قاعدة تكنولوجية متقدمة، وهذه بدورها تحتاج إلى منظومة تعليمية وبحثية قادرة على إنتاج المعرفة وتطويرها. وقد تم العمل على تطوير هذه العناصر بالتوازي، بما أسهم في بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية، ورفع مستوى التنافسية العالمية، وتعزيز مكانة الدولة كمركز جاذب للاستثمار والتكنولوجيا.

وانطلاقًا من هذا الأساس، تتطلع دولة الإمارات إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي وعالمي للصناعات الدفاعية، من خلال تطوير بيئات صناعية متخصصة تجمع بين التصنيع المتقدم، والبحث والتطوير، والشراكات الدولية. وفي هذا الإطار، يجري العمل على تطوير مدن صناعية مخصصة، من بينها مدينة السلمية الحرة للصناعات الدفاعية، والتي تم تصميمها لتكون منصة متكاملة تستقطب الشركاء العالميين، وتُمكّن من تنفيذ برامج التطوير المشترك، وتوفر بيئة حاضنة لنقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة. هذه المدن لا تمثل مشاريع منفصلة، بل تشكل منصات استراتيجية تعزز مرونة سلاسل الإمداد، وتدعم توطين الصناعات الحيوية، وتخلق نقاط التقاء بين مختلف مكونات المنظومة الصناعية. ومن خلالها، تتحول الدولة من مشارك في السوق العالمي إلى منصة تجمع الشركاء، وتُنسق الجهود، وتبني القيمة المشتركة.

1784396497222.png


تُبنى كل شراكة لتحقيق قيمة متبادلة، دون أن تفضي إلى تبعية هيكلية
وقّعت دولة الإمارات مؤخراً اتفاقية مع شركة «إمبراير» البرازيلية لاقتناء طائرات نقل عسكرية.
وبهذا، فإن بناء القدرة السيادية داخلياً، يقترن بتموضع خارجي فاعل، يجعل من دولة الإمارات نقطة ارتكاز للتعاون الصناعي الدفاعي على المستويين الإقليمي والدولي. واليوم، تقف الدولة على مرحلة جديدة من هذا المسار، لم يعد التحدي فيها هو بناء المؤسسات، بل تعميق القدرات، وتعزيز ثقافة البحث والتطوير، وضمان نقل المعرفة إلى الأجيال القادمة، بما يضمن استدامة ما تحقق، والبناء عليه.

إن السيادة، في معناها الحقيقي، لا تُقاس بما تملكه الدول، بل بما تستطيع أن تحافظ عليه، وتطوره، وتعتمد عليه في الأوقات التي تختبر فيها القدرات. وستواصل دولة الإمارات هذا المسار، انطلاقاً من التزامها ببناء قدرة سيادية مستدامة، تقوم على المعرفة، والتكامل، والانفتاح المدروس على الشراكات النوعية.
 
التعديل الأخير:

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى