هوكر هنتر السعودية.. يوم اصطادت صقور المملكة قاذفات النيل
رغم أن خدمتها في سلاح الجو الملكي السعودي لم تستمر سوى فترة قصيرة، فإن مقاتلة Hawker Hunter البريطانية تركت بصمة أكبر بكثير من عمرها التشغيلي داخل المملكة. فقد وصلت في واحدة من أكثر الفترات توتراً في تاريخ المنطقة، عندما كانت الحرب الأهلية اليمنية في أوجها، والطيران المصري ينفذ عمليات مكثفة فوق الأراضي اليمنية وعلى مقربة من الحدود السعودية.
في تلك الظروف ولدت أولى التجارب القتالية الحقيقية للمقاتلات النفاثة السعودية، ووجدت هوكر هنتر نفسها في قلب مواجهة جوية وسياسية معقدة امتدت من خميس مشيط إلى جبال شمال اليمن.
خلفية الصفقة
لم تكن مقاتلات Hawker Hunter السعودية نتاج صفقة مستقلة أو برنامج محدود النطاق، بل جاءت ضمن أحد أكبر برامج التحديث العسكري في تاريخ المملكة العربية السعودية خلال ستينيات القرن العشرين، وهو البرنامج المعروف باسم "البساط السحري" (Magic Carpet Program).
أُطلق البرنامج في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، ولا سيما مع اندلاع الحرب الأهلية اليمنية وتزايد النشاط العسكري المصري جنوب المملكة، حيث رأت القيادة السعودية ضرورة بناء منظومة دفاع جوي حديثة قادرة على حماية الأجواء السعودية ومواجهة التهديدات المتنامية على الحدود الجنوبية.
وشمل برنامج البساط السحري حزمة واسعة من الأنظمة والتجهيزات العسكرية البريطانية، كان أبرزها مقاتلات English Electric Lightning الاعتراضية، ومقاتلات Hawker Hunter F.6 متعددة المهام، إضافة إلى منظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى Thunderbird، إلى جانب الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة والبنية التحتية اللازمة لتشغيل هذه المنظومة المتكاملة.
وفي إطار هذا البرنامج تعاقدت المملكة على ست مقاتلات من طراز Hawker Hunter F.6، وهي النسخة المقاتلة المتقدمة من عائلة الهوكر هنتر، والتي كانت آنذاك من أشهر المقاتلات الغربية وأكثرها نجاحاً وانتشاراً حول العالم.
وصلت الطائرات إلى المملكة خلال عام 1966، في وقت كانت فيه الحرب اليمنية تقترب من حدود المملكة الجنوبية، لتدخل الخدمة سريعاً وتصبح أول مقاتلة نفاثة سعودية تشارك بصورة مباشرة في عمليات قتالية خارج الحدود، فاتحة بذلك فصلاً جديداً في تاريخ سلاح الجو الملكي السعودي الحديث.
حرب اليمن .. أول اختبار قتالي للHunter السعودية
عندما وصلت مقاتلات Hawker Hunter إلى المملكة كانت الحرب اليمنية قد دخلت مرحلة شديدة التعقيد.
القوات المصرية كانت تدعم الجمهورية العربية اليمنية بعشرات الآلاف من الجنود، إضافة إلى تشكيلات جوية تضم مقاتلات MiG-15 وMiG-17 وقاذفات Il-28.
وفي المقابل كانت المملكة تدعم القوات الملكية اليمنية التي كانت تقاتل في الجبال الشمالية الوعرة.
وسط هذه الأجواء دخلت الهوكر هنتر السعودية الخدمة القتالية مباشرة تقريباً، لتصبح أحد أهم الأصول الجوية السعودية خلال تلك المرحلة.
عمليات الإسناد الجوي فوق شمال اليمن
لم تمضِ فترة طويلة على دخول Hawker Hunter F.6 الخدمة في سلاح الجو الملكي السعودي حتى وجدت نفسها في قلب الحرب اليمنية. فبينما أُدخلت أساساً لتعزيز الدفاع الجوي للمملكة، فرضت ظروف المعركة دوراً جديداً عليها، لتتحول إلى أداة هجومية فعالة فوق جبال شمال اليمن.
انطلقت المقاتلات من قاعدة خميس مشيط نحو العمق اليمني، حيث نفذت طلعات إسناد جوي استهدفت مواقع الجمهوريين والقوات المصرية الداعمة لهم، وقدمت دعماً مباشراً للقوات الملكية اليمنية في مختلف جبهات القتال.
وبفضل تسليحها القوي وقدرتها على العمل في بيئة جبلية معقدة، أثبتت الهنتر كفاءة كبيرة في مهام الهجوم الأرضي، لتصبح أحد أبرز الأصول الجوية السعودية خلال المراحل الأخيرة من الحرب، وتسجل أولى صفحات المشاركة القتالية للمقاتلات السعودية خارج الحدود.
معركة صنعاء... يوم اصطادت صقور المملكة قاذفات النيل
بحسب الروايات التي وثقها المؤرخ الجوي Tom Cooper في كتاب Hot Skies Over Yemen، شهدت أواخر عام 1966 واحدة من أكثر المواجهات الجوية إثارة خلال الحرب اليمنية، عندما وجدت القاذفات المصرية من طراز Il-28 نفسها في مواجهة مباشرة مع مقاتلات الهوكر هنتر التابعة لسلاح الجو الملكي السعودي.
ففي تلك المرحلة من الحرب كانت القاذفات المصرية تكثف عملياتها الهجومية فوق شمال اليمن، مستهدفة مواقع القوات الملكية وخطوط الإمداد والمراكز الأمامية المنتشرة في الجبال الوعرة. ومع تزايد وتيرة الغارات الجوية وتنامي التهديد الذي تمثله تلك القاذفات على القوات الصديقة للمملكة، وضعت القيادة السعودية مقاتلات Hawker Hunter في حالة جاهزية قتالية مستمرة للتعامل مع أي اختراق جوي أو مهمة هجومية معادية.
وتشير الرواية إلى أنه في أواخر عام 1966 رُصدت قاذفتان مصريتان من طراز Il-28 أثناء توجههما لتنفيذ مهمة قصف ضد مواقع القوات الملكية في شمال اليمن. وما إن تأكدت المعلومات حتى صدرت الأوامر بإقلاع تشكيل من مقاتلات Hawker Hunter السعودية لاعتراض التهديد قبل وصوله إلى أهدافه.
انطلقت المقاتلات السعودية من قواعدها الجنوبية وشقت طريقها عبر السماء اليمنية باتجاه الهدف. وبين قمم الجبال الشاهقة والوديان الممتدة، تمكن الطيارون السعوديون من تحديد موقع القاذفتين والاقتراب منهما قبل تنفيذ المهمة الهجومية.
وخلال لحظات تحولت السماء إلى ساحة مواجهة حاسمة. فقد اندفعت صقور المملكة نحو أهدافها بثقة وشجاعة، مستفيدة من سرعة رد الفعل والتفوق في المناورة. ومع بداية الاشتباك تعرضت إحدى القاذفتين لإصابات مباشرة أدت إلى اشتعالها وسقوطها فوق الأراضي اليمنية، بينما حاولت القاذفة الثانية الإفلات من المطاردة والعودة شمالاً، إلا أن مقاتلات Hawker Hunter واصلت ملاحقتها حتى تمكنت من إسقاطها هي الأخرى.
وبذلك انتهت المهمة المصرية قبل أن تبلغ أهدافها، وسقطت القاذفتان بعيداً عن مواقع القوات الملكية التي كانت تستهدفها، بينما عاد الطيارون السعوديون إلى قواعدهم بعد تنفيذ واحدة من أبرز العمليات الجوية المرتبطة بالهوكر هنتر خلال حرب اليمن.
وقد مثل هذا الاشتباك رسالة واضحة بأن القوات الجوية السعودية أصبحت لاعباً مؤثراً في سماء المعركة، وقادرة على فرض حضورها الجوي وحماية القوات الحليفة من التهديدات القادمة من الجو. كما منح هذا النجاح دفعة معنوية كبيرة للقوات الملكية اليمنية التي كانت تخوض معارك شرسة على امتداد الجبهة الشمالية.
وفي ذاكرة تاريخ الطيران العسكري العربي، بقيت هذه العملية واحدة من أكثر الوقائع ارتباطاً باسم Hawker Hunter السعودية، المقاتلة التي دخلت الخدمة لفترة قصيرة، لكنها تركت وراءها إرثاً قتالياً يفوق سنوات خدمتها المحدودة.
نهاية الخدمة في المملكة والانتقال إلى الأردن
رغم الدور القتالي الذي أدته Hawker Hunter F.6 فوق سماء اليمن خلال فترة خدمتها القصيرة، فإن مستقبلها داخل سلاح الجو الملكي السعودي كان محدوداً منذ البداية. فقد كانت المملكة تمضي بخطوات متسارعة نحو بناء قوة جوية حديثة تعتمد على مقاتلات أكثر تطوراً وقدرات أعلى في الاعتراض والدفاع الجوي، وفي مقدمتها مقاتلات English Electric Lightning التي وصلت ضمن برنامج البساط السحري.
ومع انتهاء حرب يونيو 1967 وما خلفته من خسائر كبيرة في صفوف القوات الجوية العربية، برزت الحاجة إلى دعم الأردن وتعزيز قدراته الجوية في مواجهة التحديات الإقليمية. وفي إطار هذا الدعم، اتخذت المملكة العربية السعودية قراراً بإهداء مقاتلات الهوكر هنتر إلى سلاح الجو الملكي الأردني، لتنتقل الطائرات إلى مرحلة جديدة من مسيرتها تحت راية عربية أخرى.
وبذلك أسدلت الهوكر هنتر الستار على فصلها السعودي بعد خدمة قصيرة، لكنها كانت خدمة حافلة بالأحداث والعمليات القتالية. فمن مدارج خميس مشيط إلى جبال شمال اليمن، شاركت المقاتلة البريطانية في أولى العمليات الهجومية لسلاح الجو الملكي السعودي وأسهمت في دعم القوات الملكية اليمنية خلال واحدة من أكثر حروب المنطقة تعقيداً، لتبقى واحدة من أبرز المقاتلات التي مهدت الطريق لعصر القوة الجوية السعودية الحديثة.
النهاية

