بدعم مباشر من أوكرانيا..
حرب المسيرات تعيد تشكيل استراتيجية الدفاع في منطقة الخليج
حرب المسيرات تعيد تشكيل استراتيجية الدفاع في منطقة الخليج
كشفت الحرب التي دارت قبل أسابيع بين إيران وأعدائها عن حقيقة لم يعد بإمكان دول الخليج تجاهلها، وهي أن حتى أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً في العالم قد تواجه صعوبات في مواجهة موجات متواصلة من الطائرات المسيرة والصواريخ ذات التكلفة المنخفضة نسبياً. وفي الأسابيع الأخيرة، شكلت الهجمات التي وقعت في أنحاء المنطقة ضغطاً متزايداً على مخزونات الصواريخ المعترضة والتنسيق الدفاعي، مما سلط الضوء على محدودية الاعتماد بشكل أساسي على أنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة في حملة طويلة الأمد.
بالنسبة لحكومات الخليج، هذه المشكلة ليست جديدة تمامًا. فمنذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، واجهت كييف هجمات جماعية متكررة شملت طائرات "شاهد" Shahed بدون طيار من تصميم إيراني، وصواريخ، وتكتيكات هجومية متطورة تهدف إلى إرباك الدفاعات وفرض معادلة تكلفة غير مواتية. وقد أصبحت تلك التجربة الآن ذات صلة مباشرة بالخليج، حيث تبرز أوكرانيا ليس فقط كمصدر للدروس المستفادة، بل وبشكل متزايد كشريك في مواجهة الحرب التي تركز على الطائرات بدون طيار.
حملة إيران بالطائرات المسيرة تصطدم بالدفاعات الجوية الخليجية:
منذ بداية التصعيد، سُجلت حتى 22 مارس ما يقرب من 4200 قذيفة في أنحاء الخليج، حيث شكلت الطائرات المسيرة ما يقرب من ثلاثة أرباع جميع الأنظمة المستخدمة. وهذا الاختلال في التوازن ليس مصادفة، بل يعكس تحولاً متعمداً نحو شكل من أشكال الحرب يقوم على الكمية والمثابرة والكفاءة من حيث التكلفة.
ويُبرز التوزيع الجغرافي لهذه الهجمات المنطق العملياتي وراءها بشكل أكبر. فقد برزت الإمارات العربية المتحدة باعتبارها المسرح الأكثر تعرضاً للهجمات، حيث استقبلت ما يقرب من نصف إجمالي الحوادث المسجلة حتى 26 مارس. وتشير التقارير إلى أن الأراضي الإماراتية وحدها واجهت حوالي 1825 طائرة بدون طيار مقارنة بما يزيد قليلاً عن 387 صاروخاً، مما يجعلها البيئة الأكثر تعرضاً للطائرات بدون طيار في هذا الصراع حتى الآن. كما استُهدفت المملكة العربية السعودية بشكل كبير بهجمات الطائرات بدون طيار، خاصة في المراحل المتأخرة من الصراع، في حين شهدت البحرين نمطًا مشابهًا. وتبرز قطر كاستثناء جزئي، حيث لعبت الصواريخ الباليستية دورًا أكثر بروزًا، مما يعكس على الأرجح وجود أهداف عسكرية عالية القيمة مثل قاعدة العُديد الجوية، وهي القاعدة الأمريكية الرئيسية في المنطقة.
يشير هذا التوزيع إلى اتباع نهج مدروس بدلاً من الاستخدام العشوائي للأنظمة المتاحة. ويبدو أن الطائرات بدون طيار تُستخدم في المقام الأول لممارسة ضغط مستمر: من خلال استهداف البنية التحتية واللوجستيات والمراكز الاقتصادية، مع إجهاد الأنظمة الدفاعية تدريجيًا. أما الصواريخ، على النقيض من ذلك، فتُستخدم بشكل أكثر انتقائية ضد أهداف ذات أهمية رمزية، حيث تُعد السرعة والدقة والقدرة على الاختراق عوامل حاسمة.
بالنسبة لدول الخليج، فإن هذا التمييز له أهمية كبيرة. فلم تعد الدفاعات الجوية تواجه تحديًا يتمثل فقط في الحاجة إلى اعتراض التهديدات المتطورة، بل أصبحت تواجه أيضًا الحاجة إلى مواصلة العمليات الدفاعية بشكل مستمر في مواجهة أعداد كبيرة من الأنظمة منخفضة التكلفة. ولا تزال البنى الحالية، التي تم إنشاؤها حول صواريخ اعتراضية متطورة، فعالة من الناحية التقنية، إلا أنها تُكلف بشكل متزايد بأدوار لم تُصمم من أجل أدائها على نطاق واسع.
ويكمن التحدي الناتج عن ذلك في مسألة الاستدامة. فاستخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن ضد طائرات بدون طيار تُنتج بكميات ضخمة يخلق ديناميكية تكلفة غير مواتية، مما يؤدي بمرور الوقت إلى زيادة الضغط على المخزونات، ووتيرة العمليات، وهياكل القيادة. وحتى معدلات الاعتراض المرتفعة لا تعني بالضرورة قدرة على الصمود على المدى الطويل إذا ما أُجبرت الأنظمة الدفاعية على خوض مواجهات متكررة تستهلك موارد هائلة. وبهذا المعنى، فإن الحملة الحالية لا تختبر أداء الدفاعات الجوية في الخليج فحسب، بل تختبر قدرتها على التحمل أيضًا. ولا يحل استخدام إيران للطائرات بدون طيار محل الضربات الصاروخية تمامًا؛ بل إنه يجعل الحملة أكثر استدامة، ويحول الأنظمة غير المكلفة نسبيًا إلى أدوات استنزاف مصممة لفرض ضغط مستمر. وهذا يعكس البيئة العملياتية التي نشهدها في أوكرانيا.
حلقة التعويض العكسية:
وإذا كان منطقة الخليج قد بدأت تشبه أوكرانيا في الضغوط التي تواجهها، فإن التهديد نفسه يتطور أيضًا على نفس المنوال. فمنذ عام 2022، استخدمت القوات الروسية طائرات «شاهد» بدون طيار من تصميم إيراني على نطاق واسع في أوكرانيا، مما جعلها واحدة من أكثر أنظمة الضرب التي خضعت لاختبارات مكثفة ضمن آلتها الحربية. ومع مرور الوقت، أتاح ذلك إجراء تعديلات مستمرة تستند إلى تجارب ساحة المعركة.
في أوكرانيا، شملت موجات الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيرة إطلاق مئات الطائرات المسيرة من طراز «شاهد» في ليلة واحدة، وهي مصممة ليس فقط لضرب الأهداف، بل أيضًا لاستنزاف الدفاعات الجوية، وإجبارها على القيام بعمليات اعتراض مكلفة، وكشف الثغرات في التغطية. وقد أصبح هذا النموذج، الذي يعتمد على الكم والتكرار وتفاوت التكاليف، سمة مميزة لهذا الصراع.
ولم تظل هذه الأنظمة ثابتة على حالها. فمنذ توطين الإنتاج في عام 2023، أدخلت القوات الروسية سلسلة من التعديلات التدريجية، بما في ذلك مسارات طيران على ارتفاعات منخفضة، وطائرات بدون طيار وهمية لإثارة ردود فعل دفاعية، وتحسينات في أنظمة الملاحة لتعزيز القدرة على البقاء. وكان المنطق الكامن وراء ذلك تكرارياً: الاختبار في القتال، وتقييم النتائج، ودمج التغييرات بسرعة وعلى نطاق واسع.
هناك مؤشرات متزايدة على أن بعض جوانب هذه الخبرة العملياتية تؤثر على نهج إيران في الخليج. وقد لاحظ مسؤولون عسكريون غربيون أن الطائرات المسيرة المستخدمة في الهجمات الأخيرة تحلق بشكل متزايد على ارتفاعات منخفضة، مما يجعل رصدها واعتراضها أكثر صعوبة، وهو ما يتوافق مع الأنماط التي لوحظت في أوكرانيا. وبشكل أعم، تشير بنية موجات الضربات الأخيرة إلى تحول نحو الاستخدام المنسق للطائرات المسيرة والصواريخ، بهدف إجهاد أنظمة الدفاع على المدى الطويل.
لا تعكس هذه الديناميكية مجرد تطور متوازي. ويشير جاستن برونك، الباحث الرئيسي في معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية (RUSI)، إلى أن هذا التطور يجري ضمن إطار أوسع نطاقاً يتمثل في تعميق التعاون الروسي-الإيراني في مجال تطوير الطائرات بدون طيار. ويوضح قائلاً: "من شبه المؤكد أن المهندسين الإيرانيين على دراية تامة بالتغييرات الكبرى التي أجرتها روسيا على طرازات جيران من طراز شاهد-136"، مشيراً إلى تعديلات مثل هوائيات الشبكات المتداخلة، ووحدات الكاميرات ذات الرؤية من منظور الشخص الأول، وأجهزة الاستشعار منخفضة التكلفة المصممة لاكتشاف المعترضات التي تقترب.
إلا أن هذه التعديلات لا تُطبق ببساطة كما هي. وكما يحذر برونك، «تعمل إيران في بيئة مختلفة، وتواجه أنظمة دفاع جوي وقيوداً عملياتية تختلف عن تلك التي واجهتها القوات الروسية في أوكرانيا». وهذا يشير إلى أنه على الرغم من أن حلقة التفاعل هذه حقيقية، إلا أنها تخضع لتصفية وفقاً للمتطلبات الاستراتيجية والعملياتية الخاصة بإيران.
توجه دول الخليج نحو أوكرانيا:
مع تزايد استمرار الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة، تبحث دول الخليج بنشاط عن نماذج تم اختبارها بالفعل في ظروف مشابهة. وفي هذا السياق، برزت أوكرانيا باعتبارها المرجع الأكثر صلة بالموضوع. ويكمن جوهر هذا التحول في الخلل المتزايد بين تكلفة الصواريخ المعترضة وسعر التهديدات الواردة. ويشير أومير أسلم، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «جلوبال ديفينس إنسايت»، إلى أن هذا الخلل يعكس فجوة هيكلية في البنى الحالية للدفاع الجوي في الخليج. ويوضح قائلاً: "صُممت الأنظمة التقليدية في المنطقة في المقام الأول لمواجهة التهديدات المتطورة مثل الصواريخ الباليستية". "وقد أدى انتشار الطائرات بدون طيار منخفضة التكلفة والتي تحلق على ارتفاعات منخفضة إلى خلق فجوة في الكشف والاعتراض، خاصةً ضد الأهداف ذات المقطع العرضي الراداري الصغير".
تشكل تجربة أوكرانيا سابقة واضحة. فخلال السنوات الثلاث الماضية، دافعت كييف عن نفسها في مواجهة هجمات متكررة واسعة النطاق بالطائرات المسيرة، مما أجبرها على تطوير بنية متعددة المستويات وقابلة للتوسع بشكل متزايد لمواجهة الطائرات المسيرة. وهذا هو بالضبط النموذج الذي تسعى دول الخليج الآن إلى دراسته وتكراره، وتشير المؤشرات الأولية إلى أن هذا التحول قد بدأ بالفعل في الترجم إلى تعاون ملموس. في 27 مارس، أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا وقعت اتفاقية دفاعية مع المملكة العربية السعودية لتبادل خبراتها وتقنياتها في مجال الدفاع ضد الطائرات بدون طيار. ويأتي هذا الإعلان في أعقاب تقارير سابقة تفيد بأن المملكة العربية السعودية تتفاوض بشأن ما وُصف بـ "صفقة ضخمة" لشراء أنظمة دفاع جوي وأنظمة مضادة للطائرات بدون طيار أوكرانية الصنع، حيث تم بالفعل توقيع العقود الأولية من خلال وسطاء محليين. وفي الوقت نفسه، أعربت دول مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت عن اهتمامها بالطائرات بدون طيار المعترضة الأوكرانية التي طورتها شركات مثل TAF Industries.
يبدو أن الطلب كبير. فقد أفادت التقارير أن الإمارات العربية المتحدة وحدها طلبت ما يصل إلى 5000 طائرة بدون طيار معترضة، في حين أعربت قطر عن اهتمامها بحوالي 2000 وحدة، كما دخلت الكويت في مفاوضات بهذا الشأن. وقد صُممت هذه الأنظمة خصيصًا لمواجهة التهديدات الجوية منخفضة التكلفة، لتشكل بذلك عنصرًا مكملاً أكثر استدامة لأنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة.
من الشراء إلى التطبيق:
إن التحول نحو اعتماد تدابير دفاعية أوكرانية يرجع في المقام الأول إلى عامل التكلفة. وكما يشير أسلم، فإن «استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن ضد طائرات بدون طيار رخيصة الثمن يؤدي إلى نسبة تبادل تكلفة غير مواتية»، مما يعزز الحاجة إلى الاحتفاظ بأنظمة مثل «باتريوت» و«ثاد» لاستخدامها ضد أهداف ذات قيمة أعلى. يمكن إنتاج الطائرات بدون طيار المعترضة الأوكرانية بتكلفة لا تتجاوز 1000 إلى 2000 دولار للوحدة، مقارنة بعشرات الآلاف من الدولارات لطائرة "شاهد" بدون طيار وعدة ملايين لصواريخ "باتريوت PAC-3" المعترضة. وبالمقارنة، تبلغ تكلفة المعترضات الأوكرانية ما بين 800 و3000 دولار للوحدة، وفقاً لكييف. والأهم من ذلك، أنه يمكن تصنيعها على نطاق واسع.
وأشار المنتجون الأوكرانيون إلى مستويات إنتاج تزيد عن 10,000 وحدة شهريًا لبعض الأنظمة، بينما صرح زيلينسكي في مارس 2026 بأن أوكرانيا يمكنها توفير ما يصل إلى 1,000 طائرة بدون طيار اعتراضية يوميًا للشركاء الدوليين. كما أشارت تقارير حديثة إلى أن أوكرانيا تسعى إلى استخدام أسطول قطر القديم المكون من تسع طائرات مقاتلة أحادية المقعد من طراز ميراج 2000-5EDA مقابل المساعدة في توفير الطائرات بدون طيار الاعتراضية.
يتجاوز اهتمام دول الخليج بأوكرانيا مجرد المشتريات. وعلى الصعيد العملياتي، أكد زيلينسكي أن 201 خبيرًا عسكريًا أوكرانيًا منتشرون بالفعل في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر، مع وجود فرق إضافية في طريقها إلى الكويت. وتتمثل مهمة هؤلاء الأفراد في تبادل الخبرات الميدانية المكتسبة في التصدي لهجمات الطائرات المسيرة الروسية.
ويعكس هذا تحولاً أوسع نطاقاً في الطريقة التي تتعامل بها دول الخليج مع هذه المشكلة، التي لم تعد مجرد مسألة تقنية بل أصبحت مسألة تشغيلية أيضاً. ويشير أسلم إلى أن «أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات تتطلب مشغلين مدربين تدريباً عالياً وهياكل قيادة متكاملة»، مضيفاً أن «الأداء الفعال يعتمد على التنسيق في الوقت الفعلي بين أجهزة الاستشعار والصواريخ المعترضة وأنظمة الحرب الإلكترونية».
تُظهر تجربة أوكرانيا أن مثل هذا النظام البيئي لا يمكن إنشاؤه على عجل. فهو يتطلب التدريب والتنسيق والتكيف المستمر. فقد يستغرق تدريب مشغلي أجهزة اعتراض الطائرات بدون طيار أسابيع، حتى بالنسبة للأفراد الذين لديهم خبرة سابقة في أنظمة الرؤية من منظور الشخص الأول، في حين يعتمد النشر الفعال على التكامل مع شبكات الرادار وأدوات الوعي الرقمي بالوضع. ونتيجة لذلك، يركز التعاون بين كييف وعواصم دول الخليج بشكل متزايد ليس فقط على المعدات، بل على نقل النموذج الأساسي لكيفية خوض حرب الطائرات بدون طيار والحفاظ عليها على المدى الطويل.


