رحلة السعودية نحو تصنيع الدفاعات الجوية
في الحروب الحديثة، لم تعد القوة تُقاس بعدد الطائرات أو حجم الترسانة الصاروخية، بل بقدرة الدولة على التحكم في سمائها وامتلاك قرارها. فالتفوق الجوي اليوم لا يعني مجرد امتلاك أنظمة دفاع جوي متقدمة، بل يعني القدرة على فهمها، تصنيعها، تطويرها، وصيانتها بشكل مستقل دون الاعتماد الكامل على الخارج.
من هذه النقطة تحديدًا، بدأت المملكة العربية السعودية واحدًا من أهم التحولات العسكرية في تاريخها الحديث؛ تحول لا يقوم على شراء السلاح بقدر ما يقوم على امتلاك قراره، ونقل المعرفة المرتبطة به، وبناء قاعدة صناعية قادرة على دعمه وتطويره.
وفي إطار رؤية السعودية 2030، لم يعد توطين الصناعات العسكرية خيارًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية تمس صميم الأمن القومي، وتسعى إلى إعادة تشكيل بنية القوة الدفاعية للمملكة على أسس أكثر استقلالية وسيادة.
كسر الاعتماد… وبناء القاعدة الصناعية
لعقود طويلة، اعتمدت معظم دول العالم -ومنها دول متقدمة- على استيراد أنظمة الدفاع الجوي من الخارج، بسبب تعقيد هذه الصناعة:
• صواريخ متعددة الأنماط
• رادارات معقدة عالية الحساسية
• أنظمة قيادة وسيطرة متقدمة
لكن المملكة اختارت مسارًا مختلفًا:
بدل أن تظل مستخدمًا… كن شريكًا… ثم كن مُصنّعًا.
من خلال الشركة السعودية للصناعات العسكرية، بدأت المملكة ببناء منظومة صناعية دفاعية متكاملة، قائمة على:
• نقل التقنية
• الشراكات الاستراتيجية
• توطين خطوط الإنتاج
الدفاع الجوي قصير المدى… خط الاشتباك الأول
التهديدات الحديثة لم تعد تقتصر على الطائرات…
بل أصبحت المسيّرات والذخائر الجوالة تمثل الخطر الأكبر.
ولهذا، كان التركيز على أنظمة SHORAD.
في شركة SAMI-Thales:
تم توطين:
❖ نظام RapidRanger
نظام RapidRanger هو نظام دفاع جوي خفيف الوزن فريد من نوعه، من تطوير (Thales UK) يعتمد على المركبات، ويتميز بقدرته العالية على الأتمتة، وقادر على تقديم استجابة سريعة للتهديدات من الجو أو الأرض.
❖ صاروخ LMM (Lightweight Multirole Missile)
هو صاروخ خفيف الوزن متعدد المهام ، صمم لمواجهة مجموعة واسعة من التهديدات التقليدية وغير المتكافئة تشمل التهديدات السطحية مثل المنشآت الثابتة وناقلات الأفراد المدرعة والتهديدات غير المتكافئة والسفن الهجومية السريعة الساحلية والطائرات بدون طيار.
❖ توطين تصنيع صاروخ Mistral 3 بنسبة تصل إلى 60% داخل المملكة
صاروخ Mistral 3 هو صاروخ دفاع جوي قصير المدى من تطوير شركة MBDA، مخصص لاعتراض الطائرات والمسيّرات والأهداف منخفضة الارتفاع بدقة عالية.
يبلغ مداه حوالي 8 كم، ويتميز بقدرة عالية على مقاومة التشويش والعمل ضد الأهداف السريعة والمناورة.
هذه المنظومة تمثل "خط الاشتباك الأول" ضد:
• المسيّرات
• الأهداف منخفضة الارتفاع
• التهديدات السريعة والمفاجئة
والأهم من ذلك… أنها أدخلت المملكة فعليًا إلى عالم:
• إدارة المعركة الجوية التكتيكية
• دمج الرادار مع منصة الإطلاق
• التحكم النيراني اللحظي
الصواريخ… من حماية السماء إلى اعتراض ما فوق السماء
الصاروخ في منظومات الدفاع الجوي ليس مجرد وسيلة اعتراض…
بل هو قرار سيادي يُتخذ خلال ثوانٍ حاسمة:
هل يُسمح للتهديد بالعبور… أم يُمحى قبل أن يُدرك وجوده؟
المملكة لم تتعامل مع الصواريخ كمنتج جاهز يُشترى ويُخزّن…
بل كـ "علم" يجب امتلاكه… و"تقنية" يجب استيعابها… و"قدرة" يجب توطينها.
الطبقة الأولى: المرونة التكتيكية (Short / Medium Range)
البداية لم تكن عشوائية… بل كانت تأسيسًا مدروسًا لقاعدة صاروخية مرنة، قادرة على مواكبة التهديدات الحديثة وسريعة التغير.
من خلال التعاون مع MBDA:
❖ توطين تصنيع صاروخ VL MICA
❖ توطين تصنيع صاروخ CAMM
هذه الصواريخ لا تمثل مجرد أدوات اعتراض… بل منظومة استجابة متكاملة تتميز بـ:
• سرعة رد فعل عالية
• قدرة اشتباك مع أهداف متعددة في آنٍ واحد
• كفاءة قتالية ضد الطائرات والمسيّرات والصواريخ الجوالة
وهي بذلك تشكّل العمود الفقري لطبقة الدفاع الجوي القصير والمتوسط… حيث يُحسم الاشتباك في ثوانٍ.
الطبقة الثانية: الدفاع الجوي المتقدم (Patriot)
ومع تصاعد التهديدات وتعقيدها، انتقلت المملكة إلى مستوى أكثر تقدمًا…
حيث لم يعد الهدف إسقاط الطائرات فقط، بل اعتراض الصواريخ الباليستية ذاتها.
❖ توطين تصنيع صاروخ PAC-2 GEM-T
❖ توطين تجميع وصيانة صاروخ PAC-3 MSE
❖ تصنيع حاويات صواريخ PAC-2
وهنا يظهر الفارق الجوهري:
PAC-2 → اعتراض تقليدي يعتمد على رأس متفجر
PAC-3 MSE → اعتراض مباشر (Hit-to-Kill) بدقة اصطدام عالية
بمعنى:
المملكة لا تمتلك وسيلة اعتراض واحدة…
بل تمتلك "طيفًا كاملاً من خيارات الاشتباك" يُستخدم وفق طبيعة التهديد.
الطبقة الثالثة: الدفاع خارج الغلاف الجوي (THAAD)
هنا نصل إلى قمة الهرم الدفاعي…
حيث لا يدور الاشتباك داخل الغلاف الجوي… بل خارجه، في طبقات أعلى من مسار الصواريخ الباليستية.
بالتعاون مع Lockheed Martin، دخلت المملكة إلى مجال الدفاع الصاروخي الاستراتيجي عبر:
منظومة THAAD
لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك المنظومة فقط…
بل في ما تم توطينه داخل المملكة من بنيتها الصناعية.
البنية الصناعية للثاد داخل المملكة
❖ تصنيع THAAD Canister
❖ تصنيع منصات الإطلاق THAAD Missile Launcher (MRPT)
❖ تصنيع وحدات الطاقة (PPUs) لرادار AN/TPY-2
❖ توطين تصنيع وصيانة أجزاء من صاروخ THAAD
القيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية
كذلك في جانب الحرب الإلكترونية وأنظمة القيادة والسيطرة، تم توطين نظام التشويش الإيطالي Adrian من شركة ELT Group داخل المملكة، وهو نظام مخصص لمكافحة وتشويش الطائرات المسيّرة عبر تعطيل أنظمة الملاحة والاتصال الخاصة بها، بما يعزز القدرة على تحييد التهديدات الجوية منخفضة الارتفاع قبل وصولها إلى مرحلة الاشتباك المباشر.
كما شمل التوطين أيضًا نظام PCP (Platoon Command Post) من شركة MBDA، وهو مركز قيادة وسيطرة تكتيكي متنقل يُستخدم لإدارة عمليات الدفاع الجوي على مستوى الوحدات الميدانية، حيث يتيح ربط الرادارات ومنصات الإطلاق ضمن شبكة قيادة موحدة، ما يرفع سرعة اتخاذ القرار ويعزز التكامل بين عناصر المنظومة.
كما شمل التوطين أيضًا نظام PCP (Platoon Command Post) من شركة MBDA، وهو مركز قيادة وسيطرة تكتيكي متنقل يُستخدم لإدارة عمليات الدفاع الجوي على مستوى الوحدات الميدانية، حيث يتيح ربط الرادارات ومنصات الإطلاق ضمن شبكة قيادة موحدة، ما يرفع سرعة اتخاذ القرار ويعزز التكامل بين عناصر المنظومة.
الرادارات… السيطرة تبدأ من الاكتشاف
أي منظومة دفاع جوي - مهما بلغت قوتها- تصبح عديمة القيمة إن لم تمتلك "عينًا ترى".
الرادار هو:
• أول من يكتشف
• أول من يقرر
• وأول من يحدد مصير الاشتباك
توطين رادار TPS-78
عبر شركة المسارات الثلاثية
وهو رادار إنذار مبكر بعيد المدى، يوفر:
• كشف الأهداف الجوية على مسافات كبيرة تصل الى 444 كم
• دعم عمليات الدفاع الجوي على مستوى واسع
عبر شركة SAMI-Thales:
❖ رادار Ground Master 200 MM/A
هو رادار مراقبة جوي ثلاثي الأبعاد متوسط المدى من تطوير شركة Thales، مصمم للكشف والتتبع متعدد المهام للطائرات والمسيّرات والصواريخ منخفضة الارتفاع.
يصل مداه إلى حوالي 350 كم، ويتميز بقدرة عالية على العمل في بيئات التشويش ودعم منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات.
❖ وفي إطار تعزيز قدرات الرصد والإنذار المبكر، تم توطين تصنيع رادار TPS-77 MMR داخل المملكة عبر شركة SAMI-Lockheed Martin، وهو رادار مراقبة جوي ثلاثي الأبعاد متوسط المدى مصمم للكشف عن الطائرات والمسيّرات والأهداف منخفضة الارتفاع.
ويتميز هذا الرادار بمرونة عالية في الانتشار والعمل في بيئات تشغيل قاسية، إضافة إلى قدرته على توفير صورة جوية دقيقة تدعم عمليات القيادة والسيطرة ضمن منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، ما يعزز من سرعة الاستجابة ورفع مستوى الوعي الميداني.
رادارات التحكم النيراني:
ضمن توطين منظومات المدفعية:
عبر شركة راد العربية
❖ Skyguard 3
الذي يمثل:
• عقل المدفعية المضادة للطائرات
• حلقة الربط بين الكشف والإطلاق
المدفعية… عندما تقترب التهديدات
في بعض السيناريوهات، لا يكون هناك وقت للصواريخ…
هنا تأتي المدفعية.
عبر راد العربية
تم توطين:
❖ GDF-007 عيار 35 ملم
❖ Oerlikon Revolver Gun Mk3
هذه الأنظمة تشكل خط الدفاع الأخير ضد:
• المسيّرات الصغيرة
• الذخائر الجوالة
• قذائف المدفعية والهاون (C-RAM)
وتتميز بـ:
• معدل إطلاق عالٍ
• دقة عالية
• تكلفة اشتباك منخفضة مقارنة بالصواريخ
❖ GDF-007 عيار 35 ملم
❖ Oerlikon Revolver Gun Mk3
هذه الأنظمة تشكل خط الدفاع الأخير ضد:
• المسيّرات الصغيرة
• الذخائر الجوالة
• قذائف المدفعية والهاون (C-RAM)
وتتميز بـ:
• معدل إطلاق عالٍ
• دقة عالية
• تكلفة اشتباك منخفضة مقارنة بالصواريخ
الحرب القادمة… بدون صواريخ
العالم يتغير…
والحروب القادمة لن تعتمد فقط على "التدمير"، بل على التعطيل.
مشاريع
بالتعاون مع الشركة الوطنية للأنظمة الميكانيكية:
تشمل تطوير:
• رادار متعدد المهام (قصير ومتوسط المدى)
• رادار تتبع مصادر النيران
• أنظمة تشويش على الطائرات المسيّرة
• تقنية الطاقة الموجهة (الميكروويف عالي القدرة HPM)
وهنا نصل إلى مفهوم جديد:
بدل إسقاط الطائرة… قم بإطفائها.
الميكروويف عالي القدرة قادر على:
• تعطيل الدوائر الإلكترونية
• إسقاط أسراب مسيّرات دفعة واحدة
• العمل بتكلفة شبه معدومة لكل اشتباك
منظومة "درع الوطن"… من إسقاط الهدف إلى السيطرة عليه
وفي قلب هذا التحول، تظهر واحدة من أهم المبادرات الوطنية:
منظومة “درع الوطن”، التي يجري تطويرها من قبل مركز الأمير سلطان للبحوث والدراسات الدفاعية.
هذه المنظومة لا تمثل مجرد نظام دفاع جوي تقليدي،
بل تمثل انتقالًا حقيقيًا نحو بناء قدرة وطنية مستقلة في مجال مكافحة الطائرات والزوارق المسيّرة.
وقد صُممت لتكون قابلة للتكيّف حسب طبيعة التهديد، بحيث تعمل كطبقة مرنة يمكن دمجها مع مختلف أنظمة الدفاع الجوي.
وتتميز بعدة قدرات رئيسية:
• الكشف والإنذار المبكر للطائرات المسيّرة
• تتبع الأهداف الجوية المعادية وتصنيفها
• الاشتباك مع الأهداف عبر الهجوم الإلكتروني (Soft Kill)
• توجيه وربط أسلحة الدفاع الجوي المتاحة ضمن شبكة واحدة
وهنا يظهر التحول الأهم في فلسفة القتال:
لم يعد الهدف إسقاط التهديد فقط…
بل تعطيله، تشويشه، أو السيطرة عليه قبل أن يصل إلى مرحلة الاشتباك.
من امتلاك السلاح إلى امتلاك القرار
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى كل هذه الأنظمة ككيانات منفصلة، فالصواريخ والرادارات والمدفعية والحرب الإلكترونية ليست سوى أجزاء ضمن منظومة واحدة متكاملة تُبنى لتعمل كوحدة واحدة وتقاتل كوحدة واحدة. ما يحدث اليوم في المملكة ليس مجرد توطين لمنظومات دفاع جوي، بل إعادة تشكيل حقيقية لمفهوم القوة العسكرية، حيث لم يعد الهدف امتلاك السلاح بقدر ما أصبح امتلاك قراره، وفهمه، والقدرة على تطويره وتشغيله بشكل مستقل. وبهذا التحول، لم تعد السماء مجرد مجال يحتاج إلى حماية، بل أصبحت مساحة تُدار وتُسيطر عليها بإرادة وطنية. وفي عالم تتسارع فيه التهديدات وتتغير طبيعته باستمرار، لم تعد السيادة تُقاس بما تملكه من أنظمة فقط، بل بما تستطيع أن تصنعه وتطوره وتدافع به عن نفسك دون الاعتماد على أحد، وهنا تحديدًا يظهر الفارق الحقيقي بين من يشتري القوة… ومن يصنعها.
انتهى
التعديل الأخير:



