• سوف يخضع الموقع لعملية ترقية شاملة و قد لاتعمل بعض الخصائص الا بعد الانتهاء من الترقيه بشكل كامل

ممر الذهب: خطة الصين "الصامتة" لإعادة هندسة المال وإنهاء هيمنة الدولار

إنضم
16 سبتمبر 2017
المشاركات
6,961
التفاعل
11,660 191 2
الدولة
Algeria
ممر الذهب: خطة الصين "الصامتة" لإعادة هندسة المال وإنهاء هيمنة الدولار


Mohammad Hassan


في السنوات القليلة الماضية، وتحديداً بينما كان العالم منشغلاً بالتضخم وأسعار الفائدة والحروب التجارية الظاهرة، بدأت الصين في فعل شيء لم يحدث من قبل في التاريخ المالي الحديث.
الأمر لا يتعلق مجرد "شراء الذهب" كتحوط تقليدي..
لا، القصة أكبر من ذلك بكثير.

باختصار: الصين تسعى اليوم لإعادة بناء "آلية عمل النقود" نفسها.​

ما يحدث الآن هو بناء نظام مالي موازٍ تماماً، يعيد تعريف الثقة، ويسحب البساط ببطء -ولكن بثبات- من تحت أقدام الدولار الأمريكي.
يسميها البعض في الكواليس "تجارة التدهور"، لكني أراها "تجارة إعادة التموضع".
هذه القصة ربما تكون الأكثر إثارة وخطورة التي ستقرؤونها هذا العام، لأنها لا تمس فقط محافظكم الاستثمارية، بل تمس مستقبل النظام العالمي الذي نعيش فيه.
دعوني آخذكم في رحلة إلى ما وراء العناوين الرئيسية، لنفهم معاً ما يجري في

"ممر الذهب".​




اللحظة التي انكسرت فيها الثقة​

لفهم المستقبل، علينا أن نعود قليلاً إلى الوراء، وتحديداً إلى عام 2022.
لطالما كان النظام المالي العالمي مبنياً على ركيزة واحدة أساسية:
"الثقة في الدولار".
كانت المعادلة بسيطة: الدول تبيع بضائعها، وتحصل على دولارات، ثم تعيد استثمار هذه الدولارات في "سندات الخزانة الأمريكية".
لماذا؟
لأنها كانت تُعتبر الأصل الأكثر أماناً على وجه الأرض (Risk-Free Asset).
حوالي 70% من الاحتياطيات العالمية كانت مخزنة في الدولار. العالم كان يسلم ثروته لأمريكا لتحفظها له.

لكن في 2022، تغير كل شيء.​

عندما جمدت الولايات المتحدة نحو 600 مليار دولار من الاحتياطيات الروسية الخارجية بنقرة زر واحدة، أرسلت واشنطن رسالة مرعبة لكل البنوك المركزية في العالم، من بكين إلى برازيليا:
"إذا كانت احتياطياتكم بالدولار، فهي ليست ملككم حقاً. هي ملكنا، ونحن نسمح لكم باستخدامها طالما رضينا عنكم".


هنا سقط القناع. أدركت الدول، وعلى رأسها الصين، أن السندات الأمريكية لم تعد "خزنة"، بل أصبحت "فخاً".
وبدأت الأسئلة الوجودية تتردد في أروقة البنوك المركزية:
"إذا فعلوا ذلك بروسيا النووية، ماذا سيفعلون بنا إذا اختلفنا معهم غداً؟"
من هنا، بدأت الرحلة الكبرى للبحث عن البديل. والبديل لم يكن "البيتكوين" (بعد)، ولا "اليورو"، بل كان العودة إلى الأصل الوحيد الذي لا يحمل مخاطر الطرف الآخر:
الذهب.

الصين تشتري كما لو لم يكن هناك غد​

الاستجابة الصينية لم تكن بالكلام، بل بالأفعال الصامتة والثقيلة. خلال السنوات الأخيرة، تحول بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) إلى "ماكينة شفط" للذهب العالمي. أصبحوا أكبر مشترٍ للمعدن الأصفر، وبالتوازي، أصبحوا يبيعون سندات الخزانة الأمريكية بوتيرة متسارعة.
الأمر لم يعد سراً.
انظروا إلى الرسوم البيانية: لفترة طويلة، كان احتياطي الذهب الصيني يبدو ثابتاً، يتحرك ببطء.
ولكن مع بدء التهديدات الاقتصادية والحروب الجمركية، انفجر الرسم البياني للأعلى بشكل عمودي.


رسمياً، تعلن الصين عن امتلاكها حوالي 2300 طن من الذهب.
لكن صدقوني، الأرقام الحقيقية في مكان آخر.
تقديرات "بلومبرغ"، "جي بي مورغان"، ومجلس الذهب العالمي تشير إلى أن الرقم الحقيقي يتراوح بين 3100 إلى 5000 طن.
أين الباقي؟
في البنوك الحكومية، في الصناديق السيادية، وفي "الجيوب الخلفية" التي لا تظهر في البيانات الرسمية.
الصين تشتري علناً الآن، ليس لأنها لا تستطيع الشراء سراً، بل لأنها تريد إيصال رسالة:
"انظروا إلينا، نحن نستبدل الورق الأمريكي بالمعدن الحقيقي. نحن نخرج من اللعبة القديمة".

هندسة "ممر الذهب": البديل القادم لنظام "سويفت"​

لكن، مجرد شراء الذهب وتكديسه في المخازن هو تفكير "القرن العشرين".
الصين تفكر بعقلية "القرن الحادي والعشرين".
ما تقوم به الصين الآن هو بناء بنية تحتية مالية كاملة تعتمد على الذهب، أطلقوا عليها اسم "ممر الذهب".

ما هو هذا الممر؟​

هو شبكة من الخزنات (Vaults) المؤمنة والموزعة عبر دول "البريكس" (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا، وغيرهم).
تخيلوه كأنه "بلوكشين بدائي" ولكن فيزيائي.
قامت الصين بإنشاء "بورصة شنغهاي للذهب"، التي أصبحت الآن أكبر سوق لتداول الذهب "الفيزيائي" (وليس الورقي) في العالم.
وافتتحوا خزنات ضخمة في هونغ كونغ ومناطق أخرى.
الفكرة العبقرية هنا هي حل مشكلة "الثقة" التي أفشلت إطلاق عملة موحدة للبريكس سابقاً.
عندما كانت الصين تقول للدول: "استخدموا اليوان بدلاً من الدولار"،
كانت الدول ترد: "وما الذي يدعم اليوان؟ اقتصادكم؟ لا نثق بكم كما لا نثق بأمريكا".
وعندما قالت الصين: "اليوان مغطى بالذهب"،
ردت الدول: "أين الذهب؟ في بكين؟ وماذا لو صادرتموه كما فعلت أمريكا بالدولار؟".
هنا يأتي دور "ممر الذهب".


الذهب سيكون موزعاً جغرافياً في خزنات الدول الأعضاء، لكنه مرتبط شبكياً ببورصة شنغهاي.
كل سبيكة لها رقم، وزن، ومعيار نقاء محدد، ومالك معروف.
هذا النظام يسمح للدول التي تمتلك فائضاً من اليوان بتحويله فوراً إلى ذهب فيزيائي، واستلامه أو تخزينه في خزناتها المحلية.
بذلك، منحت الصين عملتها ميزة فقدها الدولار منذ 1971:

القابلية للتحويل إلى أصل حقيقي.​

اليوان هنا ليس هو الهدف، بل هو "تذكرة عبور" للحصول على الذهب.

بازل 3: الانقلاب التشريعي الصامت​

بينما كان الإعلام يركز على أسعار الفائدة، حدث تغيير تشريعي "ممل" ظاهرياً، لكنه ثوري في جوهره، وتحديداً في يوليو 2025. تغيير قواعد "بازل 3" (Basel III).
لعقود طويلة، كان الذهب يُصنف في البنوك كأصل من "المستوى الثالث" (Tier 3 Asset).
ماذا يعني هذا؟
يعني لو أن بنكاً يمتلك مليار دولار من الذهب، فإنه لا يستطيع تسجيل إلا 50% فقط من قيمته في ميزانيته كسيولة.
كان الذهب يُعامل كأصل "مخاطرة" أو مجرد "زينة" في الميزانية.
ما الذي تغير؟
أُعيد تصنيف الذهب ليصبح أصلاً من "المستوى الأول" (Tier 1 Asset).


الآن، الذهب في ميزانيات البنوك يُحسب بنسبة 100% من قيمته، مثله مثل النقد (الكاش) ومثل سندات الخزانة الأمريكية.
هذا الاعتراف الرسمي جعل الذهب يخرج من الظل ليعود إلى قلب النظام المصرفي.
لكن الصين تنتظر الخطوة القادمة، وهي "الجائزة الكبرى":

ترقية الذهب ليصبح​

"أصلاً سائلاً عالي الجودة" (HQLA - High Quality Liquid Asset).​

هذه هي اللعبة الحقيقية.
لماذا؟
لأن النظام المالي العالمي الحالي قائم على "الرهن" (Collateral).
لكي تحصل الدول والشركات الكبرى على قروض لتمويل مشاريعها، يجب أن تقدم ضمانات.
الضمانات المقبولة عالمياً حالياً هي "سندات الخزانة الأمريكية". هذا ما يعطي الدولار قوته وهيمنته.
إذا نجحت الصين ودول البريكس في جعل الذهب أصل (HQLA)، فهذا يعني أن الدول لن تعود بحاجة لشراء الدولار أو السندات الأمريكية لتقديمها كضمان للقروض.
يمكنها استخدام ذهبها الخاص.


تخيل دولة أفريقية غنية بالذهب، بدلاً من بيع ذهبها لأمريكا للحصول على دولارات لبناء جسر، يمكنها وضع الذهب كضمان في "بنك التنمية الجديد" (بنك البريكس) والحصول على التمويل مباشرة.
هنا يتحول الذهب من "صخرة لامعة" في قبو، إلى أداة مالية نشطة وشرسة تقتل الحاجة للدولار.

التمويل بالتنمية: نموذج جديد للعالم​

الصين لا تبني هذا النظام للرفاهية، بل للسيطرة الناعمة.
لننظر إلى الدول النامية، وتحديداً أفريقيا التي تنتج ما بين ربع إلى ثلث ذهب العالم.
في النظام القديم (نظام الدولار)، هذه الدول تبيع مواردها للغرب بأسعار يحددها الغرب، ثم تقترض من صندوق النقد الدولي بشروط قاسية.
في نظام "ممر الذهب" الصيني، العرض مختلف:
  1. أودعي ذهبك في بورصة شنغهاي (أو خزنات الممر المعتمدة).
  2. سنعطيكِ مقابله سيولة باليوان أو قروضاً ميسرة عبر بنك التنمية.
  3. استخدمي هذه الأموال لبناء البنية التحتية (طرق، موانئ، مطارات) التي تنفذها شركات صينية.
  4. الذهب الخاص بكِ يعمل كضمان (HQLA) محفوظ القيمة، بعيداً عن تقلبات العملات الورقية.
لحل مشكلة تقلب سعر الذهب اليومي، الذكاء الصيني يقترح استخدام "متوسطات سعرية" (مثل متوسط 200 يوم) لتسعير الضمانات، مما يخلق استقراراً محاسبياً للدول المقترضة.
هذا النظام يضرب عصفورين بحجر:
  1. يحرر الدول النامية من هيمنة صندوق النقد والدولار،
  2. ويربط مستقبل هذه الدول الاقتصادي بالصين واليوان والذهب.

ماذا يعني هذا لمحفظتك الاستثمارية؟​

قد تقول: "محمد، هذا كلام جيوسياسي كبير، ماذا يعني لي أنا كمستثمر؟"
الإجابة تكمن في معادلة "العرض والطلب" البسيطة.
حالياً، تخصص المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار العالمية حوالي 20% فقط من احتياطياتها للأصول الصلبة (كالذهب).
لكن هناك إرشادات جديدة وتوجهات من بنوك كبرى (مثل بنك أوف أمريكا) تشير إلى ضرورة رفع هذه النسبة إلى 30% لمواجهة المخاطر السيادية وتآكل العملات.
فارق الـ 10% هذا قد يبدو صغيراً، لكن بلغة الأرقام، هو يعني ضخ سيولة وطلب جديد يعادل 2 تريليون دولار في سوق الذهب.
والذهب، كما نعلم، لا يمكن طباعته.
المعروض منه محدود جداً، وتكلفة استخراجه تتزايد.
عندما يطارد "تريليونات" من الدولارات الورقية كمية "محدودة" من الذهب الحقيقي، النتيجة الحتمية هي ارتفاع السعر.
البعض يرى أن تضاعف سعر الذهب خلال السنوات الخمس القادمة ليس مجرد أمنيات، بل هو "تصحيح رياضي" لقيمة العملات الورقية التي فقدت مرساتها.

الخاتمة: نهاية عصر وبداية آخر​

نحن لا نشهد مجرد تقلبات سوقية عابرة.
نحن نشهد إعادة هيكلة للنظام المالي الذي ساد منذ اتفاقية "بريتون وودز".
الصين تبني نظاماً لا يعتمد على "الوعد بالدفع" (السندات)، بل يعتمد على "الدفع الفعلي" (الذهب).
الدولار لن يختفي غداً، ولن ينهار بين ليلة وضحاها، فالأنظمة الكبرى تموت ببطء. لكن هيمنته المطلقة تتآكل.
الدرس المستفاد هنا لكل مستثمر وفرد:
إذا كانت البنوك المركزية الكبرى لا تثق في "الورق" وتستبدله بالذهب، فلماذا تضع أنت كل ثقتك ومدخراتك في الورق؟
العالم يعود للأصول الحقيقية.
تأكد أنك تملك مكاناً في هذا القارب قبل أن يبحر بعيداً.
شاركنا رأيك:
هل تعتقد أن الذهب سينجح في كسر هيمنة الدولار فعلياً،
أم أن أمريكا تملك أوراقاً لم تلعبها بعد؟

مصدر المقال و صاحبه

 
FB_IMG_1770852270050.jpg
FB_IMG_1770852273236.jpg
FB_IMG_1770852275386.jpg
FB_IMG_1770852283223.jpg
FB_IMG_1770852279039.jpg
 
عودة
أعلى