قراءة قرآنية وتفسيرية وتاريخية وفكرية
تمهيد
ليست قضية بعل مجرد صفحة من تاريخ وثني قديم، بل هي نموذج متكرر للشرك حين يُلبس لباس الحاجة: الخوف على الرزق، والبحث عن وسيط، وتقديم الأضعف قربانًا لإرضاء الأقوى. ولهذا جاء ذكر بعل في القرآن ذكرًا كاشفًا لجوهر الانحراف لا لاسمٍ بعينه.
أولًا: بعل في القرآن – موضع النزاع الحقيقي
قال الله تعالى على لسان نبيّه إلياس عليه السلام:
> ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾
(الصافات: 125–126)
الآية تخاطب قومًا يعرفون الله لكنهم:
يدعون غيره (والدعاء هو لبّ العبادة)
ويتخذون وسيطًا باسم الرب أو السيد
ويبررون ذلك بالحاجة إلى المطر والخصب
فالخلاف ليس في وجود الله، بل في صرف العبادة.
ثانيًا: ماذا قال المفسّرون عن «بعل»؟
أجمع جمهور المفسّرين على أن بعل:
اسم صنم/إله وثني كان يُعبد في بلاد الشام
سُمّي ربًّا وسيدًا ادّعاءً
وكان مرتبطًا بالمطر والزرع
وذكروا أن بعل في اللغة يعني الرب أو المالك، لكن المقصود هنا ربٌّ مزعوم، لا ربّ العالمين.
فالآية تُبطل الفعل لا اللفظ.
ثالثًا: بعل في التوراة والتاريخ
تذكر أسفار العهد القديم:
انتشار عبادة بعل في مملكة إسرائيل الشمالية
بناء معبد لبعل في السامرة زمن آحاب
صراع الأنبياء – وعلى رأسهم إلياس – مع هذه العبادة
وهذا يثبت تاريخيًا أن:
بعض بني إسرائيل عبدوا بعل في فترات الانحراف
لا على سبيل إنكار الله، بل الإشراك به
رابعًا: بعل وقرابين الأطفال – قلب الوثنية القاسي
لماذا الطفل؟
في المنطق البَعْلي:
الطفل = أغلى ما يملك الإنسان
فقده = أقسى القربان
وكلما اشتد الألم زعموا أنه أقرب للرضا الإلهي
كيف كانت القرابين؟
تشير المصادر والآثار إلى:
إحراق الأطفال أحياءً
وضع الرضيع في أذرع تمثال معدني مُحمّى
ذبح الطفل ثم حرقه
تقديم الابن البِكر عند الجفاف والحروب
التوفَت: الدليل الأثري
في قرطاج ومواضع فينيقية أخرى عُثر على:
جرار فخارية تحوي رماد عظام رُضّع
نقوش نذرية تُقدِّم الطفل قربانًا لبعل
مواقع شعائرية سُمّيت التوفَت
هذه ليست مقابر طبيعية، بل أماكن طقوس، وهو ما ينسف دعوى المبالغة الأسطورية.
خامسًا: موقف الوحي – تجريم الجريمة والعقيدة
جاء الوحي حاسمًا:
> ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾
فالقرآن لا يكتفي بإدانة الفعل، بل يهدم العقيدة التي تُبرّره:
الخوف على الرزق
اتخاذ الوسيط
تبرير الدم باسم “القداسة”
سادسًا: ماذا قال العلماء؟
لم يضع ابن تيمية تفسيرًا مستقلًا للآية، لكنه قرّر قاعدتها العقدية بوضوح:
المشركون يقرّون بالله خالقًا
ثم يتخذون من دونه أربابًا وبعولًا
يدعونهم ويستغيثون بهم
ويؤكد أن:
العبرة بالفعل لا بالاسم
فمن صُرف له الدعاء فقد جُعل إلهًا، وإن لم يُسمَّ إلهًا.
وهذا هو لبّ قوله تعالى: ﴿أتدعون بعلا﴾.
سابعًا: عبادة بعل المعاصرة – بلا تماثيل
لم تعد الوثنية اليوم:
صنمًا من حجر
ولا معبدًا معلنًا
لكنها عادت في الجوهر:
تأليه المصلحة
تقديس السلطة
عبادة الشهوة
نزع الأخلاق عن الغاية
الطفل قربان اليوم
لم يعد يُحرق بالنار، بل:
يُستغل ويُسكت
تُدمّر براءته
يُقدَّم قربانًا للنفوذ واللذة والمال
النتيجة واحدة:
طفولة محروقة… بلا لهب.
النخبة بدل الكهنة
في الماضي:
كهنة بعل وسطاء
اليوم:
شبكات نفوذ
سرّية وامتياز
إفلات من الحساب
الآلية ذاتها:
> سرّ → قداسة زائفة → ضحية.
ثامنًا: الدلالة الجامعة
قصة بعل تكشف سنّة لا تتبدل:
1. الإقرار بالله
2. الخوف على الرزق أو البقاء
3. اتخاذ وسيط
4. صرف الدعاء له
5. الانحدار الأخلاقي باسم الغاية
ولهذا لم يكن إنكار الوحي موجّهًا لاسمٍ بعينه، بل لمنهجٍ كامل.
بعل ليس أثرًا متحفيًا، بل تحذيرًا دائمًا:
كل إله يُطلب منه الرزق بعيدًا عن الله
كل وسيط تُصرف له العبادة
كل غاية تُبرّر سحق الإنسان
> كل إلهٍ يطلب دم الطفل—قديمًا أو حديثًا—ليس إلهًا، بل وحشًا.
لماذا ارتبط الثور ببعل؟
لأن بعل كان يُعدّ:
- إله القوة
- إله الخصب والمطر
- إله العاصفة والرعد
والثور في المخيال القديم يرمز إلى:
- الفحولة
- القدرة على الإخصاب
- السيطرة
لذلك:
- كثير من تماثيل بعل تُظهره واقفًا على ثور
- أو تُظهر ثورًا وحده بوصفه رمزًا لبعل
في السياق الكنعاني/الفينيقي:
صورة الثور غالبًا تحيل إلى بعل أو إلى سلطانه
هل كل ثور = بعل؟
لا. وهذه نقطة مهمة جدًا.
صور الثور استُخدمت أيضًا:
- رمزًا للقوة الملكية
- رمزًا للخصب الزراعي
- تمثيلًا لآلهة أخرى في حضارات مختلفة
لذلك لا يصح علميًا أن نقول كل صورة ثور تعني بعل لكنها غالبا تحمل نفس الدلالات
ماذا عن العجل الذهبي؟
العجل الذهبي الذي عُبد في تاريخ بني إسرائيل:
- ليس بالضرورة تمثال بعل باسمه
- لكنه يقع ضمن المنظومة الرمزية نفسها:
- الثور = قوة/خصب
- اتخاذ رمز حسّي لما يُظن أنه إله أو مقرِّب إلى الله
ولهذا
- المشكلة لم تكن في شكل الثور
- بل في صرف العبادة لغير الله
فالرمز واحد، والضلال واحد، وإن اختلف الاسم.
