الإسلام بين الروح والمادة: حقيقة الإنسان ومنهج التوازن
تميّز الإسلام عن غيره من المناهج الفكرية والديانات البشرية بأنه دين يفهم حقيقة الإنسان فهمًا كاملًا، ويبني تشريعه على هذا الفهم، فلا يميل إلى جانب على حساب آخر، ولا يختزل الإنسان في بُعد واحد.
فالإنسان في التصور الإسلامي ليس روحًا خالصة ولا جسدًا محضًا، بل كائن مركّب من عنصرين متكاملين:
- جزء سفلي خُلق من طينة الأرض، يميل إلى الحاجة والغريزة والعمل
- وجزء علوي هو الروح التي نفخها الله في آدم، تميل إلى السمو والمعنى والاتصال بالخالق
قال تعالى:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾
وهذه الثنائية ليست تناقضًا، بل حقيقة وجودية. والخطر لا يكمن في وجودها، وإنما في الانحياز لأحدها دون ضبط.
فمن مال إلى الجسد وحده أضاع روحه،
ومن مال إلى الروح وحدها أنكر فطرته،
وفي الحالتين يكون قد خالف حقيقته الإنسانية وكانت تلك منقصة في حقه لا كمالًا.
لا رهبانية في الإسلام
من هنا قرر الإسلام قاعدة كبرى:
لا رهبانية في الإسلام.
فالإسلام لا يدعو إلى الانقطاع عن الدنيا، ولا إلى اعتزال الناس، ولا إلى قمع الغرائز، بل إلى تهذيبها وضبطها بضابط الشرع.
وقد جسّد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى عمليًا حينما بلغه أن ثلاثة من أصحابه عزموا على التشدد:
- أحدهم قال: أصلي ولا أنام
- والثاني قال: أصوم ولا أفطر
- والثالث قال: لا أتزوج النساء
فقال كلمته الجامعة:
«أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»
فهنا يقرر الإسلام أن الاستقامة ليست في قهر الفطرة، بل في ضبطها.
بين العقل والقلب
وتظهر هذه الوسطية كذلك في مسألة العقل والقلب:
- فالمادية الخالصة تجعل العقل هو الحاكم المطلق، فتجف الروح ويضيع المعنى
- والروحانية المنفلتة تجعل القلب قائدًا بلا ميزان، فتقع في الوهم والانفصال عن الواقع
أما الإسلام، فقد جاء ليقول:
- العقل يُستعمل
- والقلب يُهذّب
- لكن الشرع هو الميزان
فيضبط العقل حتى لا يتحول إلى مادية قاسية،
ويضبط القلب حتى لا ينقلب إلى روحانية منفلتة،
وبذلك يبقى الإنسان إنسانًا: مزيجًا متوازنًا بين الفكر والشعور.
شمولية الإسلام في رعاية الإنسان
ولأن الإسلام يدرك حقيقة هذا التكوين، فقد جاءت تشريعاته شاملة لكل جوانب الإنسان دون إفراط أو تفريط:
– عناية بالبدن:
فالجسد أمانة لا تُهمل ولا تُقدّس.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾،
وقال ﷺ: «إنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».
فالصحة، والنظافة، والراحة، والتداوي كلها داخلة في مقاصد الشرع.
– عناية بالتفكر في الكون والخلق:
لم يحصر الإسلام العبادة في الطقوس، بل دعا إلى إعمال العقل والنظر:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾،
﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾.
فالتفكر عبادة عقلية تقود إلى الإيمان لا إلى الانفصال عن الحياة وهي غذاء الروح.
– عناية بالمال وكسبه:
لم يحرّم الإسلام المال، بل نظّمه ووجّهه:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾،
وقال ﷺ: «نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالح».
فالمال وسيلة إعمار لا غاية طغيان.
– عناية بالعلاقات الاجتماعية:
فالإسلام دين مجتمع لا عزلة:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ… وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾،
وقال ﷺ: «خيركم خيركم لأهله».
فصلاح الفرد لا يكتمل إلا بصلاح علاقته بالناس.
حين غرق الغرب في المادية
وعندما فقد الفكر الغربي هذا الميزان، غرق في المادية، فقاس النجاح بالربح، والسعادة باللذة، والقيمة بما يُمتلك لا بما يُعاش.
ثم — بعد اتساع الفراغ الداخلي — بدأ البحث عن “الروحانية” عبر اليوغا والتأملات الشرقية، والتشبه برهبان آسيا الذين اعتزلوا الحياة وسكنوا الجبال في معابد مغلقة.
وهي محاولات — مهما حسنت النوايا — تقوم على الهروب من الحياة لا إصلاحها، وعلى قتل الرغبات بدل تهذيبها.
الخلاصة
الإسلام لم يأتِ ليصنع راهبًا في صومعة،
ولا إنسانًا ماديًا بلا روح،
بل جاء ليصنع إنسانًا متوازنًا:
خُلق من طين… ونُفخ فيه من روح
فيسمو بالشرع
لا بالعقل وحده
ولا بالقلب وحده
ولهذا كان الإسلام — ولا يزال —
دين الفطرة، ودين التوازن، ودين الحياة.

