اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات المصرية الأسبق يكشف أسرار الحروب العربية- الإسرائيلية

إنضم
25 سبتمبر 2009
المشاركات
202
التفاعل
0 0 0

هكذا شاءت الأقدار لهذا الرجل، فهو لم يسع يوماً نحو المناصب، ولكنها هي التي كانت تبحث عنه. كان هدفه الأول والأخير هو البحث عن "الحرفية المهنية"، وإتقان العلم لخدمة العمل العسكري الذي وهب له حياته. هذه "الحرفة" جعلته مقرباً من دوائر صناعة القرار، ولكنها لم تستطع أن تسحبه إلى بحور السياسة التي غرق فيها كثيرون قبله.
لقد شاء الله لهذا الرجل أن يكون شاهد عيان على جولات الصراع العربي - الإسرائيلي الأربع. وربما تحول في آخرها إلى أحد المشاركين في صناعة القرار بحكم موقعه كمدير للمخابرات الحربية المصرية أثناء حرب أكتوبر عام 1973، انه اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات العامة المصرية الأسبق.
إن أفضل وصف يمكن أن يوصف به هذا الرجل هو أنه "خزانة متحركة" من الأسرار، التي يدرك - بحكم خبرته - متى يفتح أبوابها ويخرج منها ما يناسب.. ومتى يغلقها ويترك التاريخ وحده للكشف عنها.
لقد مكنته "حرفيته المهنية" - كما يحلو أن يسميها - من الاقتراب من دوائر صناعة القرار. فالحياة العملية لهذا الرجل مدتها 40 عاماً، تخللتها عدة محطات لا تقل أي منها أهمية عن الاخرى.
بدأت أولى هذه المحطات بتوليته رئاسة مجموعة الاتصال بين القيادتين المصرية والأردنية أثناء حرب فلسطين في عام .1948 وانتهت بتوليته رئاسة جهاز المخابرات العامة المصرية قبل اعتقالات سبتمبر الشهيرة عام 1981 ليكون شاهداً على آخر أيام حكم الرئيس الراحل أنور السادات.
عبر هذه السنوات الطويلة.. ظل "فؤاد نصار" مؤمناً بفكرة أساسية، هي أن جميع الحروب لابد ان تنتهي مهما طالت.. ولكن هناك حروبا أخرى بلا نهاية.
انها حروب المخابرات.. فهي الحروب التي تعتمد على الرجال قبل السلاح.. وهي الحروب التي لا تعرف السلام.
التقيت اللواء أ.ح فؤاد نصار مرات عديدة على مدى الخمسة عشر عاماً الماضية. في كل مرة كان يفاجئني بأسرار جديدة، ولكنه كان دائماً يجيب على قدر السؤال.
في كل مرة كنت أراقبه جيداً، وهو يتحدث.. ويفكر بعض الشيء قبل الإجابة.. كان في كل مرة حريصاً على التأكيد أن مذكراته الشخصية وآراءه حول مواقف محددة، وخاصة خلال حرب أكتوبر هي ملك للتاريخ، وأنه دونها بالفعل وستظهر حينما يحين الوقت لذلك.
كان اللواء فؤاد نصار لا يفضل الحديث كثيراً عن "التاريخ".. بل يريد الحديث عن "الجغرافيا" والواقع الذي نعيشه الآن.. رغم أن الاثنين متصلان ببعضها بعضا فلا "جغرافيا" بلا تاريخ.. ولا "تاريخ" بلا جغرافيا.
في هذه المرة رأيت - ان يكون الحديث عن التاريخ والجغرافيا معاً.. عن التاريخ والذين صنعوا هذا التاريخ.. وانعكاس هذا التاريخ على واقعنا الحالي.
بابتسامته الخفيفة.. استقبلني اللواء نصار في منزله بالعجوزة، الواقع على بعد أمتار قليلة من أكاديمية ناصر العسكرية.. كما هو "فؤاد نصار" عندما التقيته أول مرة قبل 15 عاماً وان كانت ملامح الشيخوخة قد زحفت إلى جسده.. ولكنه مع كل هذا يقظ الفكر.. حي الذاكرة.. مفكر إلى حد كبير .. فيلسوف بشكل نسبي.. متواضع بصورة نادرة.
جلست في الصالون.. وحصلت منه على وعد بالإجابة مهما طالت جلسات الحوار أو تشعبت إلى عدة قضايا.. طالما أن المعلومات صالحة للنشر .
ولكن الحوار أمتد لأربع جلسات متتالية، لم أشعر في أي منها بالرتابة أو يتسرب الي الملل، كان دائماً هناك جديد.. هكذا فؤاد نصار بعقليته الأمنية المرتبة!
كثيراً ما كان اللواء فؤاد نصار يروي لي بعض المواقف التي يراها أنها "لا تصلح للنشر".. ورغم أهمية هذه المواقف فإنه كان يرى انها تمس أشخاصا.. وقد تسبب لهم حرجا.. أو لأسرهم رغم أن هؤلاء الأشخاص قد رحلوا عن دنيانا.
في موقف واحد او اثنين طلب مني اللواء فؤاد نصار إيقاف جهاز التسجيل، كان يروي القصة ويقول: "هذه لك للعلم فقط".. لقد احترمت رغبته في المرتين، ورضيت بـ "الاستماع" فقط من دون تسجيل أو ذكر ما رواه لي.
لا ابحث عن المناصب
} سألته: ظللت سنوات طويلة رجلاً لـ "المهام الصعبة" وخاصة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.. فقد توليت رئاسة أكبر جهازين أمنيين في مصر هما المخابرات الحربية والمخابرات العامة.. وكذلك منصب محافظ سيناء ومرسى مطروح في ظروف أقل ما توصف بها.. بأنها ظروف "صعبة". ورغم ذلك لم تدخل الى عالم السياسة.. رغم انك تمتلك ما يؤهلك لذلك؟!
- علت الابتسامة وجهه .. وقال: على مدى أكثر من أربعين عاماً لم أسع يوماً نحو المناصب.. وأحمد الله فقد كانت هي التي تسعى نحوي وتبحث عني.. فمنذ أن كنت ضابطاً صغيراً وأنا ابحث عن "الحرفية". وصدقني الحرفية المهنية هي التي تجعل الآخر يبحث عنك، نعم الحرفية هي التي تدفع الآخرين نحو الاستعانة بك وتقدير علمك وتفانيك في العمل.
} وماذا عن السياسة؟
- السياسة لها أبطالها الذين يسعون إليها.. ولا أقصد بالطبع أنهم لا يتمتعون بالحرفية المهنية.. إنما السياسة "لها ناسها" وأنا لست منهم.
السبب
} هل هناك سبب مباشر في بعدك عن السياسة.. رغم أنك بحكم المناصب التي توليتها، وقربك من دوائر صنع القرار.. كنت مؤهلاً لذلك؟
- لا أعتقد أن هناك سببا أو أسبابا مباشرة في ذلك، ولكني على وجه التحديد أذكر واقعة كان لها اكبر التأثير في نفسي. فقد نشأت في أسرة من الطبقة المتوسطة، كان والدي يعمل في وزارة الداخلية. وهو لم يكن ضابطاً ولكن في ذلك التوقيت، كانت هناك مناصب "للحقوقيين" داخل وزارة الداخلية، ويمكن أن يصبح هذا "الحقوقي" مأموراً أو وكيلاً لمديرية وهذا ما حدث مع أبي بالفعل.. لقد نشأت في محافظة الغربية وأصبح والدي مأموراً ثم وكيلاً للمديرية.. وكنا ننتقل مع الوالد حيث ذهب من الشمال الى الجنوب. وأثناء دراستي في المرحلة الابتدائية، انتقل والدي الى العمل في الصعيد، وتركنا سنوات طويلة، فكانت حياتي ونشأتي في المدارس الداخلية خاصة أثناء مرحلة الدراسة الثانوية، فلم تكن في الصعيد مدارس ثانوية إلا في المحافظات الرئيسية وكان والدي مأموراً لمركز بني مزار. وخلال هذه الفترة انتقل والدي إلى المنوفية حيث تم تعيينه، مأموراً لمركز شبين الكوم. وخلال هذه الفترة سقطت احدى حكومات الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا. وجاء السعديون إلى الحكم. وكان والدي - بطبيعة عمله - على علاقة بجميع السياسيين سواء كانوا في الحكم أو خارجه. وكان والدي صديقاً لأحد أقطاب الوفد ويدعى "خليل الجزار" وكان دائماً ما يزوره في مكتبه. ووصل الأمر الى رئيس الحكومة محمود فهمي النقراشي باشا، فأتصل بوالدي تليفونياً وشدد عليه بأن هذا الشخص لا يزوره في مكتبه مرة أخرى. وكان رد والدي طبيعيا. وقال للنقراشي: كنت أعتقد أن معاليكم ستسألني عن "تقصير" في عملي.. ولكني مطالب بأن أكون على علاقة جيدة بجميع الأشخاص مهما كانت انتماءاتهم السياسية.. وكان رد النقراشي باشا غريبا ومفزعا.. فقال لوالدي: "طيب خلاص روح بقى أقعد في بيتكم".
كان الرد قاسياً على والدي، وانعكس بالطبع علينا كأبناء، وعلى حياتنا.. واضطر والدي الى إقامة دعوى قضائية ضد الحكومة للعودة إلى عمله مرة أخرى. وبالفعل حدث ذلك بعد مرور ثلاث سنوات كاملة، كان والدي خلالها بلا عمل.
ثورة الطلبة
} ألم تؤثر حياتك بالمدرسة الداخلية، في شخصيتك خاصة وانت بعيد عن الأسرة؟
- بالطبع كان لها تأثير كبير، وأذكر انه خلال دراستي، انطلقت شرارة ثورة الطلبة المعروفة باسم "ثورة 1935". وكانت أول مظاهرات من نوعها أشهدها في حياتي.. كانت الثورة في كل مكان.. وحديث كل فرد، وهو ما انعكس علينا كطلاب. فقد كانت محافظة أسيوط من المحافظات التي شهدت مظاهرات حاشدة، وهو ما كنت أتابعه يومياً مع زملائي، وقد اشتركت في بعضها بدافع حماسي بحثاً عن استقلال مصر الذي كان يمثل لنا أملاً يتوق كل المصريين الى تحقيقه.
} هل هذا الحماس، هو الذي دفعك للالتحاق بالكلية الحربية أو "المدرسة الحربية" كما كانت تسمى في ذلك الوقت؟
- كان كل ما يهمني هو الخلاص من "الانجليز" بأي شكل، وبأي وسيلة.. كان ذلك حلماً لجيلنا وربما كل الأجيال التي سبقتنا.. حلم الجلاء والخلاص من الاستعمار.. ومن هنا فقد قررت ان أهب نفسي لخدمة هذا الوطن، ولم يكن ذلك مجرد "شعارات"، كانت الروح الوطنية - آنذاك - تختلف عن الآن، كان من الممكن أن تجد شباباً يفتحون صدورهم أمام بنادق الانجليز، ويتلقون رصاصات الغدر وهم واثقون من أنهم سيحققون الاستقلال.
وبعد حصولي على الثانوية العامة "البكالوريا".. أردت أن أحقق حلمي، بدخول "المدرسة الحربية"، لأنني كنت على يقين من أن طرد الانجليز من مصر لن يكون إلا بالقوة العسكرية، وكانت القوات المسلحة هي سبيلي الوحيد لتحقيق ذلك.. ولكن - للأسف - لم تأت الرياح بما تشتهي السفن، فقد أغلقت الدراسة بالحربية، والتحقت بكلية الطب، ونجحت في إعدادي الطب. وفي العام التالي 1942 أعلنت الكلية الحربية قبول دفعة جديدة فقررت ترك الطب والعودة الى حلمي الأساسي.. فجاءني والدي وحاول ان يستفسر مني حول ما عزمت عليه.. وأمام إصراري تركني وقال "أنت مجنون".. كان والدي - آنذاك - يشغل منصب وكيل مديرية البحيرة وكان صديقاً لإبراهيم "باشا" عطاالله قائد القوات المسلحة.. ولم أشأ أن أقحم والدي في قراري، فذهبت إلى عطاالله "باشا" في مكتبه بنفسي، ومن دون ان أخبر والدي بذلك وقلت له انني "فلان الفلاني" وأرغب في الالتحاق بالكلية الحربية، وأن والدي رفض المجيء معي. وقال لي "وأنا مالي".. فابتسم عطاالله "باشا" واصدر توجيهاته بقبولي بالكلية الحربية.. وكانت دفعة عددها 500 فرد.. وقررت ان أكون من بين الخمسة الأوائل عليهم..مهما كلفني ذلك.
بعد التخرج..
} ولكن هل استطعت أن تحقق حلمك الأساسي في مقاومة الانجليز؟
- الى حد كبير فأنا على يقين من ان العلم و"المهنية" يمكن أن يحققا المستحيل.. المهم انني تعرضت لموقف غريب عقب تخرجي بأيام قليلة، فقد أقام الملك فاروق حفل شاي ضخما لأوائل الخريجين في الجامعات بسراي عابدين. ودعا أوائل الكلية الحربية الى الحفل، وأنا من بينهم، وقبل انتهاء الحفل بقليل وقف الملك فاروق ممسكاً بعصا بيده اليسرى وقفاز في يده اليمنى، وكل من يخرج يقبل يده.. وعندما حان دوري قدمت له التحية العسكرية وانصرفت وبعدها تقدمنا لسلاح الإشارة وكنا خمسة وأخبروني أن المدير في انتظاري ويطلبني بالاسم وعندما دخلت عليه قال لي ماذا فعلت؟ لماذا لم تقبل يد الملك؟ فقلت له أنا لم أدخل الجيش لكي اقبل يد احد، أنا دخلت الجيش من أجل مصر وإذا كان لابد فسوف أعود الى كلية الطب مرة أخرى.. فقال لي يرحمه الله - الجيش في حاجة إلى أمثالك ولكنك سوف تتعب كثيراً، وإبراهيم عطاالله يريدك وسوف اذهب إليه معك ولكن لا تتحدث ودعني أنا أتحدث.. فقلت له إبراهيم عطاالله "بيشتم" ويسب وإذا فعل سوف أرد عليه.. ودخل هو أولا ثم دخلت عليهما وأديت التحية. وسألني في أي مكان تعمل فقلت له في الجيش، فقال أي جيش؟ فقلت جيش مصر فقال لا.. جيش مولانا.. فسكت.. وقال لي هل تعرف ان اسمك مازال بالرصاص ويمكنني أن أمسحه في أي لحظة.
وسألني لماذا لم تقبل يد مولانا؟.. فرد القائد الذي كان معي هذه غلطتي يا أفندم أنا لأنني لم أعلمه هذا في الجيش، وكان من المفروض أن أقول له لابد أن تقبل يد مولانا واحتد النقاش بينهما وخرجت أنا.. وكانت هذه أول صدمة في حياتي بالقوات المسلحة، لكني استفدت منها جداً فيما بعد.. والتحقت بسلاح الإشارة وقمت بالتدريس حتى التحقت بكلية أركان الحرب وكان لذلك ظروف.
} وما هي تلك الظروف..؟
- كانت هناك بعثة لانجلترا ولكن بسبب تدهور العلاقات بين البلدين تم إلغاء البعثة وذهبت الى أمريكا.. وكان ذلك في عام 1950،. ثم عدت وقدمت مشروعاً جديداً في الإشارة واللاسلكي وذهبت لمناقشة المشروع في هيئة التدريب، ولم توافق الهيئة عليه واخبرني قائد المدرسة أنهم لم يوافقوا لأنني لست أركان حرب.. وعليه التحقت بكلية أركان الحرب ثم تخرجت فيها لأتدرج في وظائف الإشارة المختلفة من قائد مدرسة الى رئيس اشارة فرقة وهكذا حتى التحقت بالتدريس في كلية أركان الحرب عام .61
سلاح الإشارة
- ما هو السبب في اختيارك لسلاح الإشارة.. بالرغم من أنه سلاح غير قتالي بشكل مباشر؟
- منذ تخرجي في الكلية الحربية عام 1944، كان هناك تقليد متبع مع أوائل الخريجين، وهو الاستجابة لطلبهم في السلاح الذي يختارونه للعمل به.. أما السر في اختياري لسلاح الإشارة فهو أنه سلاح فني، وأنا أحترم الناحية العلمية، إضافة الى أن هذا السلاح من يعمل به وهو برتبة صغيرة يعمل مع القيادات، لأن الإشارة تخدم القيادة. وكما هو معلوم أن سلاح الإشارة لا يخرج منه قائد جيش أبدا.. فمنذ التحاقي بهذا السلاح، وأنا ضابط صغير تعاملت مع الرتب كافة على مستوى القيادة وهذا أفادني كثيراً في حياتي.
} وهل وجدت ما كنت تطمح إليه كعلم وعسكرية..؟
- في ذلك الوقت كان سلاح الإشارة عبارة عن مساعدين "صولات" انجليز وصف ضباط، يقومون بالتعليم ولا توجد اية "معدات" ولا أجهزة بل كانوا يعملون بالبيرق والراية والمصباح، وكانت هذه هي الوسائل المتاحة في سلاح الإشارة المصري. وكان السلاح يملك جهازا واحدا كبيرا جدا بحجم مائدة الطعام اسمه جهاز "لاسلكي رقم 9" وهو عبارة عن جهاز قديم لا قيمة له، وكان هذا الجهاز هو الوحيد في سلاح الإشارة المصري، وللحقيقة.. وللتاريخ، فإن تطوير هذا السلاح يرجع الفضل فيه الى ضابط اسمه "أمين شاكر" فقد كان برتبة ملازم أول مدرس بالمدرسة عندما التحقت بسلاح الشارة كان يدرس لنا نظريات اللاسلكي، وتعلمنا فيما بعد ما معنى "لاسلكي" وماذا تعني نظرياته.. المهم أن أمين شاكر أحضر لنا كتابا انجليزيا وكان يترجم أجزاء منه، وبدأ يعطينا محاضرات فأعجبت بالطريقة واستأذنته وأصبحت أستعير منه الكتاب وأقوم بالترجمة منه.
وأول مرة في تاريخ الجيش المصري يتم تدريس نظريات لاسلكي وكان ذلك في الفترة بين عامي1944 و1945،. وبعد أن أمضينا في الفرقة قررت القيادة أن تكون مادة النظريات اللاسلكية مادة رئيسية لضباط الإشارة، ويقوم بتدريسها الملازم أول أمين شاكر والملازم فؤاد نصار. وبالفعل بدأنا بالتدريس للضباط في دورات مادة النظريات اللاسلكية - وكانت القيادة في ذلك الوقت تصرف للمدارس علاوة تدريس قدرها جنيهان - وكان عدد ضباط الإشارة في الجيش المصري كله 38 ضابطاً فقط. وتسلمت راتبي مدة 3 شهور متتالية من دون أن يكون من بين مفرداته الجنيهان فذهبت الى أمين شاكر وسألته عن علاوة التدريس.. أليست من حقنا؟ فقال لي إنهم يجمعونها ويعطونها للضباط بالأقدمية المتزوجين فقط - وكان وزير الحربية إبراهيم عطاالله - فذهبت أنا وأمين شاكر الى رئيس الأركان وقلنا له نحن نريد صرف علاوة تدريس الإشارة .. فقال "أنتم حتصرفوها في كلام فارغ بكرة.. لما تتجوزوا حتاخذوا كل حقوكم لأننا عائلة واحدة ولما تتجوزوا حنبقى نقسم العلامة"، قلنا له "ولكن هذا حقنا وعاوزينه"، فأخذنا ودخلنا على المدير -رحمه الله- وكان معنا قائد المدرسة، وعرضنا عليه الأمر فقال للقائد: الم تقل لهم اننا عائلة واحدة وان العلاوة يتم تقسيمها على الضباط المتزوجين بالأقدمية؟ فرد عليه نعم قلت لهم.
وسأله ماذا قالوا؟ فقال: انهم قالوا "إحنا عاوزين العلاوة برضه". فقال المدير "علاوة التدريس دي علشان هم بيقوموا بالتدريس في المدرسة؟".
فقال القائد: نعم. فرد المدير قائلاً لأمين شاكر "خلاص أنت تروح بورسعيد"، ونظر الي "وأنت تروح إسكندرية. خلاص الموضوع أتحل".
حادث 4 فبراير
} كان عام تخرجكم في الكلية الحربية، بعد عامين فقط من أشهر واقعة سياسية في النصف الأول من القرن العشرين، وهي حادثة 4 فبراير عام 1942، عندما حاصرت الدبابات الإنجليزية قصر عابدين.. كيف كان تأثير هذا الحادث على الواقع السياسي وعليكم كوطنيين..وربما بعد ذلك على ضباط الجيش؟
- وقت حادثة 4 فبراير عام 1942 لم أكن ضابطاً بالجيش، ولكني كسائر المصريين تأثرت بهذا الحادث، الذي أعتبره اعتداء على السيادة الوطنية المصرية، لقد كان هدفنا - كما قلت - هو مقاومة الاحتلال الإنجليزي بأي وسيلة، وذلك ما دفعني إلى الالتحاق بالجيش، فعلى الرغم من وجود قلة قليلة قد التحقت بالكلية الحربية لإعجابها باللبس والبنطلون الأحمر فإن معظم الضباط الموجودين كانوا غير ذلك لأن هذه الدفعة هي الدفعة التي دخل فيها أبناء الشعب - أول مرة - إلى الكلية الحربية لأن الكلية لم تقبل أحداً في أثناء الحرب العالمية الثانية من سنة 1940 إلى سنة 1942 وعندما بدأت قبول الطلاب سنة 1942 بدأوا يقبلون أبناء الطبقة المتوسطة وبعضا من عامة الشعب لأن أبناء الطبقة الراقية لن يحاربوا، وبالتالي أصبحت هناك قناعة لدى القيادة بضرورة قبول أبناء الطبقة المتوسطة.
بلا إعداد
} في 14 مايو عام 1948 أعلنت إسرائيل قيام دولتها على الأراضي العربية المغتصبة، وفي اليوم التالي أعلنت مصر والدول العربية دخول جيوشها إلى فلسطين لتحرير الأرض.. هل كان قرار دخول الجيش المصري إلى فلسطين قراراً صائباً؟
- يمكن أن نقول ان القرار كان صائباً إلى حد ما. ولكنه كان يفتقد الإعداد السليم، فقط قررت القوات العربية دخول الحرب، وكانت بريطانيا قد ألغت الانتداب على فلسطين، وفي نفس الوقت هي تدعم إسرائيل بشكل غير مباشر. وعلى الجانب العربي كان قائد الجيوش العربية الملك عبدالله وكان مستشاره وقائد الجيش الإداري ضابطا إنجليزيا، وكان الجيش العراقي موجوداً في الأردن في منطقة تسمى الزرقاء، وظل موجودا بها حتى نهاية الحرب. وعلى هذا لم يدخل الجيش العراقي الحرب على الإطلاق.
وقررت قيادة الجيش المصري تشكيل مجموعة من القيادة المصرية للذهاب إلى الملك عبدالله لتكون حلقة الوصل بين القيادتين، وكان اللواء صبور باشا قائد المدفعية واللواء حافظ بكري من المدفعية وحشاد من الطيران وكانوا يحتاجون إلى أجهزة معاونة وخاصة المواصلات والإشارة ولذلك تم اختياري لأكون رابعهم وهو سر حبي لسلاح الإشارة فهو اقرب الأسلحة لمركز صناعة القرار..
وبالفعل بدأت بإعداد أجهزة اللاسلكي الخاصة بي، استعداداً إلى التحرك إلى جبهة القتال. وتحركنا من القاهرة إلى عمان في المملكة الأردنية الهاشمية. وهناك التقينا الملك عبدالله "الجد"، ودخلنا في سلسلة من الاجتماعات المتواصلة حول الوضع الراهن وتمركز القوات العربية، والموقف على جبهة القتال.
كنت في ذلك الوقت مازلت ضابطاً صغيراً برتبة ملازم أول، ولم أكن أتمتع بالقدر الكافي من العلوم العسكرية، ولم أستطع أن أحدد طبيعة الموقف السياسي، ولأني أثناء المناقشات والاجتماعات أدركت اننا أمام "مأساة تاريخية".. فلم أكن أتصور يوماً أن تدار معارك بهذا الشكل وبهذا الأسلوب.. لقد كانت أشبه بـ "حكاوي القهاوي" الواقعية.. حماسة واندفاعا بلا قراءة إلى حقيقة الموقف.. هذا ما لمسته في الأيام الأولى للحرب.
} وسط هذه الحالة من "التخبط".. هل تتذكر مواقف معينة أثناء الحرب؟
- المواقف كثيرة وعديدة كلها تشير إلى حالة التخبط التي كانت تعانيها الجيوش العربية وسأروي لك موقفاً، فقط فرضت الهدنة الأولى في حرب سنة .1948 وتحركت من الأردن إلى القدس في طريقي إلى المجدل حيث قيادة الجيش المصري وأثناء تحركي مررت على "الفالوجا" وكانت محاصرة من العصابات اليهودية. ووجدت جمال عبدالناصر هناك، وتناولت معه طعام الغداء. وفوجئت بعبد الناصر يقول لي ان كتيبته محاصرة وإنني لن أستطيع المغادرة إلا من طريق واحد وهو طريق اعدته الكتيبة في الصحراء لتفادي عملية الحصار، وهذا الطريق يؤدي إلى الطريق الرئيسي وحذرني من أن اليهود يقومون بـ "اصطياد" أي سيارة من سيارات الجيوش العربية وقال لي بالحرف: (علشان كده عندما تطلع من هنا خلي السواق يسوق بأقصى سرعة) وتلك كانت مجرد نصيحة من ضابط لضابط. وبالفعل تحركت إلى الطريق المقصود وقامت العصابات اليهودية بإطلاق عدة طلقات فانقلبت السيارة، وارتميت وارتمى السائق على الأرض ووجدت نفسي سليماً بينما كان السائق مصاباً. فقمت بسحبه ووضعته داخل السيارة مرة أخرى وقمت بقيادة السيارة بنفسي ولا أعرف المسافة أو المدة التي قدت فيها السيارة بعدها فقدت الوعي، وصحوت لأجد نفسي في غرفة مظلمة بها سرير واحد وأنا موجود فيها بمفردي، فاعتقدت انني أسير عند إسرائيل. وفتحت الشباك لأجد نفسي في الطابق الأول فقفزت من الشباك ومشيت ووجدت سيارة من سيارات الإشارة فركبت وقلت للسائق اطلع على المجدل فقال لي استأذن من الضابط فأخرجت "الطبنجة" وأمرته بالتحرك إلى المجدل. وبعد ذلك أخذوني من القيادة إلى مستشفى العريش وظللت بها عشرة أو خمسة عشر يوماً ثم عدت ثانية.
مع عبدالناصر ونجيب
} هناك شبه اجماع على أن حصار الفالوجا كان النواة الأولى لتنظيم الضباط الأحرار.. أو كان "الشرارة" التي حفزت الضباط إلى الانتقام.. كيف كان وضع عبدالناصر في الحصار.. وهل لاحظت أن هناك بوادر لأن يكون هذا الضابط قائدا أو زعيما في المستقبل؟
- للحقيقة إنني لم أكن اعرف جمال عبدالناصر في ذاك الوقت، كنت اسمع أسمه يتردد في بعض الاحيان. وإنما كان القائد الحقيقي للمنطقة هو "البطل" احمد عبدالعزيز، فقد كان بطلاً بحق - رحمه الله - وكان يتمتع بحب وتقدير من جميع الضباط..أما جمال عبد الناصر فكانت علاقتي به، انه كان مدرساً لي بالكلية الحربية يوم أن كنت طالباً بها، والتقيته فقط اثناء حصار الفالوجا.
} وهل التقيت اللواء محمد نجيب..؟
- بكل تأكيد، فعقب انتهاء الهدنة، عدت إلى موقعي، وكانت القيادة قد انسحبت من المجدل. وكان من ابرز ضباط الجيش المصري اللواء محمد نجيب، الذي كان يتمتع بحب وتقدير كل من حوله من الضباط والجنود، وكثيراً ما كنت أتسامر معه. وللحقيقة لم يكن العلم العسكري في ذاك الوقت هو كل شيء، فقط. كان هناك ما هو أهم من ذلك بكثير، وهو "الأخلاق" فقد كان نجيب يتمتع بخلق رفيع المستوى، وخبرة حياتية كبيرة.
تطورات المعارك
} وكيف تطورت المعارك على جبهة القتال بعد انتهاء الهدنة؟
- الوضع كان يزداد سوءا، "تخبط" غير مسبق، لم نكن نملك السلاح.. كانت القوات الوحيدة التي تتمتع بصفة النظامية، هي القوات المصرية، أما بقية الدول العربية - للأسف - كانت لا تتمتع بأي روح نظامية.. ولنا أن نتخيل أن بعض القوات العربية جاءت إلى فلسطين المحتلة على ظهر "الخيول".. المهم انني بعد استئناف المعارك ذهبت إلى خان يونس، لأكون ضابط الإشارة، ثم اتجهنا إلى غزة. وللأسف كانت كل إمكاناتنا محصورة في عدة قطع من أجهزة "التليفون" وتحويلة وبعض أجهزة اللاسلكي. وفي هذا التوقيت كنا نتمركز في مركز للشرطة. وتلقينا معلومات مهمة، حول احتمال شن الطائرات العسكرية الإسرائيلية غارة مفاجئة على الموقع الموجودين فيه. وكان لابد لنا من التحرك من هذا الموقع حتى لا نكون هدفاً سهلاً للغارات الإسرائيلية، وبالفعل صدرت لنا الأوامر بالتحرك إلى ملاجئ تحت الأرض، أعتقد أن الإنجليز قاموا ببنائها قبل إلغاء الانتداب. وتحركنا إلى الموقع المحدد باستثناء أجهزتي الخاصة بتلقي الإشارة. وكنت أقوم بتوفيق أوضاعي بين الموقعين، بينما تحركت القوات بالكامل إلى الملاجئ. وقررت أنا العودة إلى الموقع القديم لنقل الأجهزة، وعمل التوصيلات اللازمة. وعدت إلى المركز وأثناء إعدادي للأجهزة تلقيت اتصالاً يفيد بوجود عطل في مكان ما. وتحركت مسرعاً لإصلاح هذا العطل. وبعد الانتهاء من الإصلاح عدت مرة أخرى إلى المركز، لأجد أبشع منظر رأيته في حياتي ولم أنسه حتى اليوم، فقد كان يوجد مخزن مجاور للمركز يقوم بصرف الدقيق للوفاء بحاجة الفلسطينيين أثناء الحرب. وفي ضربة غادرة قامت الطائرات الإسرائيلية بالإغارة على المركز الذي كان بجواره مخزن الدقيق، وتناثرت أشلاء الضحايا واختلط دم الآدميين بدم الحمير التي كانت تستخدم في نقل المواد التموينية بجوالات الدقيق.. كان منظرا مأساويا يدل على وحشية الاحتلال الذي لا يفرق بين المدنيين والعسكريين. وأمام هذا المشهد لم أستطع أن أتمالك نفسي ووجدت ابن عمي وكان ضابطا احتياطيا ويدعي محمد نصار واقفاً بين الأنقاض يبحث عني أو عن جثتي، فالكل كان يعلم انني كنت موجودا بمقر المركز وقت القصف.. كانت مأساة حقيقية مازالت عالقة بذهني.
الكارثة
} وماذا كان الموقف بين أفراد الجيش المصري والجيوش العربية؟
- لم يكن هناك جيش و"لا يحزنون" قلت ان الحرب لم يكن معداً لها على الإطلاق.. كانت الانفعالات والحماس يسبقان الواقع.. حتى الجيش المصري، فبرغم تمتعه بقدر من النظامية في الهندام والشكل فإنه كان يفتقد الكثير، ويكفي انه من كان يملك مبلغ عشرين جنيهاً كان يتم إعفاؤه من الخدمة العسكرية، فيما كان يعرف بنظام "البدلية".. كان هناك قادة في الجيوش العربية لا يجيدون القراءة والكتابة.. مما دفع العرب إلى سلسلة من الانسحابات أمام القوات الإسرائيلية.
الأسلحة الفاسدة
} كان هناك خلاف كبير - ومازال - حول قضية الأسلحة الفاسدة.. كثيرون يؤيدون.. بينما ينفي البعض وجودها من الأساس.. ما هي معلوماتك حول هذه القضية؟
- هذة القضية لم اسمع عنها على الإطلاق وأنا في الميدان. ولكن وجهة نظري الشخصية انه كانت هناك صفقات أسلحة عقدها بعض المقربين من الملك، مع عدد من سماسرة السلاح الإيطاليين، وكانت هناك "مافيا" تقوم بجمع الأسلحة المتبقية في ميادين القتال أثناء الحرب العالمية الثانية، وتقوم بإعادة بيعها مرة أخرى إلى بعض دول الشرق الأوسط.
} ولكن - في اعتقادكم - هل قضية الأسلحة الفاسدة كانت حقيقية أم أكذوبة؟
- ليس اعتقاداً بل يقيناً بأن بعض هذه الأسلحة كان فاسدا، فعلى سبيل المثال بعض السماسرة اشتروا قنابل.. هذه القنابل عندما تبدأ فكها تنفجر على الفور.
} هل استخدمت هذه الأسلحة في الحرب فعلاً أم كان ذلك في مخازن المنطقة المركزية بمصر فقط؟
- لا اعرف.. فلم أسمع عنها أو أشهدها وأنا في الميدان..ولم اسمع عن واقعة واحدة في هذا الشأن.
أسباب الهزيمة
} بعض الأقاويل تؤكد أن هزيمة الجيوش العربية كانت بسبب الأسلحة الفاسدة.. فما رأيكم؟
- لم تكن هناك حرب فعلية.. إننا لم نكن نملك سلاحا ولا فكرا استراتيجيا يؤهلاننا للنصر.
} بعد الحرب تم تشكيل لجنة لبحث أسباب عدم التوفيق في حرب فلسطين.. فما رأي سيادتكم؟
- أنا كنت ضابطا صغيرا برتبة ملازم أول أو نقيب فلم اعرف عن ذلك شيئا.. كانت التحقيقات على مستوى القيادة.
} ما شعورك بعد العودة من حرب 1948؟
- ليس شعوري بمفردي، ولكن شعور كل الضباط تقريباً. لقد كان لدينا إيمان وعقيدة بأننا لابد أن نبني جيشاً، ونحن مسئولون عن بناء هذا الجيش.. ولم تكن هذه مجرد انفعالات فقد أحسسنا بأننا لسنا أفرادا في جيش بل عبارة عن "خفراء" في قوة غير نظامية.
طريق العلم
} بعد عودتكم من حرب فلسطين.. كيف تحركتم نحو تحقيق حلمكم في بناء جيش وطني قوي؟
- كان هناك فكر سائد بضرورة الاستفادة من نتائج حرب فلسطين، وهو ما تحول الى واقع ملموس. فقد تم إلغاء عملية البدل، وبدأ الجيش عمليات التجنيد لكل أبناء مصر. وفي عام 1951 تم ترشيحي إلى بعثة لانجلترا لدراسة العلوم العسكرية، ولكن حزب الوفد ألغى معاهدة 1936 فقررت بريطانيا إلغاء البعثة نهائيا.. بعد هذا التاريخ بشهور قليلة كنت على موعد مع بعثة أخرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت بعثة متخصصة في الإشارة. وأثناء وجودي في أمريكا تقابلت أول مرة مع جمال سالم.. وكانت أول علاقة لي بتنظيم الضباط الأحرار.
مع الضباط الأحرار
} كيف حدث هذا.. هل عرض عليك الصاغ جمال سالم الانضمام إلى تنظيم الضباط الأحرار؟
- بدأت علاقتي بالثورة عندما كنت في أمريكا أدرس في الأكاديمية العسكرية هناك. ونجحت في دورتين دراسيتين وليس واحدة فقط، لهذا قابلني الملحق العسكري في أمريكا في ذلك الوقت حافظ إسماعيل وقال لي المفروض انك ستعود في طائرة ولكن هناك سفينة سياحية تتحرك من أمريكا وتجوب موانئ أوروبا بأكملها ثم تتجه إلى مصر وهذه الرحلة تستغرق شهراً. ومكافأة لك سوف تسافر على هذه السفينة وسيكون معك في نفس الكبينة شخص آخر جاء إلى أمريكا للعلاج اسمه جمال سالم، وستتعرف إليه وتسافران معا. وبالفعل تعرفت إلى جمال سالم أول مرة. وكان في ذلك الوقت قد تم اعلان للحرب بين الوفد والإنجليز في منطقة القناة. وأثناء الرحلة تحدثنا سويا عن مصر وماذا سنفعل مع الإنجليز؟.. واتفقنا أن نحمل السلاح ونكون مجموعات فدائية من بعض الضباط والجنود للهجوم على الإنجليز في معسكراتهم بالتل الكبير. فقال لي جمال سالم: أي نقطة دم تنزل من مصري وفاروق في الحكم حرام.. يجب أن نفكر أولا في إبعاد فاروق عن الحكم.. فانزعجت من الكلام لان فكرة الخلاص من الملك لم تكن واردة على الاطلاق، فقلت له لقد أقسمنا وحلفنا اليمين وأنا لا احلف يميناً وأرجع فيه.. نحارب الإنجليز نعم لكن نعتدي على الملك.. لا.
وعندما عدنا وكنت أنا في الإشارة وهو في القوات الجوية.وكان يمر علي، وفي يوم من الأيام قال لي: دعك من مقاومة الانجليز.. وتوقف عنها.. قلت له: لماذا؟ فقال: لن تكون هناك نتيجة، ولن تنجح تلك المقاومة. وتضايقت من هذا الكلام وقلت له أنا ذاهب للزواج في الشرقية عند والدي، وحددت ميعاد الزواج، وفي يوم 20 أو 21 يوليو 1952 اتصل بي جمال سالم بالتليفون وأنا في الشرقية. وقال لي لابد أن تحضر إلى القاهرة هناك شيء مهم.. قل لأهلك انك في مأمورية.. وعندما حضرت إلى القاهرة أخبرني بالثورة. وقال لي نحن في حاجة إليك ولابد من وجودك لتقوم بتجهيز طاقم من الإشارة وتسيطر على مصلحة التليفونات. وحدث ذلك وكان المسئول عن تأمين مصلحة التليفونات زكريا محيي الدين.
23 يوليو
} ولكن ماذا حدث في ليلة 22 حتى صباح 23 يوليو باعتبارك شاهداً على ميدان تحرك القوات؟
- في نطاق عملي المتفق عليه، تلقيت تعليمات من جمال سالم بضرورة السيطرة على مصلحة التليفونات، وهي المصلحة أو الكيان الذي ستلجأ إليه القيادة العامة لإجراء اتصالاتها مع الملك أو أي أطراف اخرى. وبالفعل تحركت ومعي مجموعتي إلى مقر المصلحة وتمت السيطرة عليها تماماً. فقد كان الهدف متابعة ما كانت تقوم به المباحث وخاصة "البوليس السياسي" لأن تنظيم الثورة لم يكن يعرف الأشخاص الموضوعين تحت المراقبة. وكانت هذه المراقبة تتم داخل مصلحة التليفونات ومن السنترال الرئيسي لعدم وجود التطور الموجود الآن.
} هل تذكر أن هناك اتصالات قمت بمنعها أثناء قيامكم بهذه المهمة؟
- نعم.. فقط حضر أحد رجال الحاشية من سراي عابدين يوم 24 يوليو، ولا أتذكر من هو على وجه التحديد وأخذ يسب ويطلق ألفاظا جارحة.. وقال انه يريد الاتصال بالملك ، ودعوته للدخول وحاولت تهدئته وأدخلته إلى الصالون في مصلحة التليفونات. وأحضرت طاقم حراسة وقلت له إنك لن تتحرك من هذا المكان قبل صدور أوامر جديدة، وظل هذا الوضع حتى مغادرة الملك لمصر في يوم 26 يوليو .1952
} هل من وجهة نظركم أن الملك يستحق أن يعزل؟
- بالطبع.. لأننا تأكدنا من أنه لا يعمل لمصلحة البلد، مش عاوز يعمل الجيش وبيسمع كلام الإنجليز، وكما قلت لك انه بعد أن عدنا من فلسطين تغيرنا تغيرا كليا.
} وماذا حدث بعد يوم 26 يوليو؟
- ظلت معظم منشآت الدولة والمصالح الحيوية تحت السيطرة. وكان اتصالنا المباشر - آنذاك - بزكريا محيي الدين. وكان جمال سالم هو الآخر على اتصال بنا.. وبالطبع كنا جميعاً نعرف جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر بالإضافة الى الصف الثاني من الضباط وكانت غالبيتهم من "دفعتنا".. وبعد رحيل الملك ظهر رأيان، الأول رأي القادة (عبدالناصر وأعوانه) وكانوا من أنصار بقاء الجيش في السلطة، بينما الرأي الثاني (الضباط الصغار) كان يؤيد عودة الجيش إلى ثكناته بعد أن قام بواجبه، ويقوم بتسليم السلطة لأهلها في ظل نظام ديمقراطي.
وفي نفس الوقت كان الفريق الأول يرى انه إذا ترك الجيش السلطة فهذا يعني فشل الثورة أو عدم تحقيق الحركة لأهدافها على عكس رأي ضباط الفريق الثاني.. وللأمانة التاريخية فإن قادة الثورة لم يتخذوا أي إجراءات انتقامية ضد من خالفوهم في الرأي.
} وماذا حدث بعد ذلك؟
- بعد أربعة أسابيع ذهبت إلى مكتب زكريا محيي الدين وقابلته وقلت له أنا "عاوز أتجوز" فقال لي "وماله؟ أتجوز" فقلت له احتاج إلى اجازة.. فقال خذ 48 ساعة.. وبالفعل سافرت وتزوجت وعدت ومعي زوجتي وفي اليوم التالي ارتديت ملابسي العسكرية وذهبت إلى عملي وتلك كانت علاقتي بالثورة.
دعوة للمخابرات
} هل انتهت العلاقة مع تنظيم الضباط الأحرار عند هذا الحد؟
- كأمر عسكري انتهت.. ولكن بقيت العلاقة مع الأشخاص.. فبعد شهور من الثورة استدعاني زكريا محيي الدين إلى مكتبه، وجلست معه للحديث، وخلال الحوار اخبرني بأن مصر في سبيل إنشاء جهاز للمخابرات. وهو يقوم الآن بالاشراف على هذا الجهاز الوليد، وأنه رشحني كضابط إشارة متميز ان انضم إلى هذا الجهاز. وقال لي بالحرف الواحد: إحنا عايزينك تسيب الجيش وتشتغل معنا في الجهاز الجديد. وفوجئت بهذا الطلب، فهذا معناه ان اترك عملي العسكري.. فطلبت منه منحي مهلة للتفكير.. فقال: لا بأس أنا في انتظار رأيك النهائي.
في ذاك التوقيت كان لي احد الأصدقاء المقربين في سلاح الإشارة وهو "البكباشي" طه فتح الدين - رحمه الله - فذهبت إليه وأخبرته برغبة زكريا محيي الدين فقال لي: فعلاً مصر تريد إنشاء جهاز للمخابرات وان التحاقي به شيء مفيد لي وممكن أترقى فيه بسرعة. ولكنه قال "زي ما حتطلع فيه بسرعة ممكن تقع بسرعة.. وأنت ضابط متميز ورأيي انك تظل في الجيش حفاظاً على مستقبلك المهني".. وذهبت إلى زكريا محيي الدين واعتذرت له وقلت له إنني تركت الطب لأكون ضابطاً "وأنا مش عاوز اترك الجيش" فتحدث معي طويلاً لإقناعي وعندما وجدني مصرا على رأي تركني. متمنياً لي التوفيق.
ابعاد نجيب
} وماذا عن موقف الثورة من اللواء محمد نجيب؟
- محمد نجيب شخص لا يمكن ان يختلف عليه اثنان.. محمد نجيب له من التقدير والاحترام الكبيرين لدى جميع ضباط الجيش. وهذه السمعة ساهمت بقدر كبير في نجاح الثورة، خاصة بعدما تردد اسمه خلال واقعة انتخابات نادي الضباط عام .1950
} ألا ترون ان تنحيته كانت بشكل "مهين" لرئيس دولة وقائد ثورة؟
- لقد كان متوقعاً ان يكون هناك صدام بينه وبين مجلس قيادة الثورة، ولا أحد ينكر ان الأسلوب الذي اتبع معه كان خاطئاً. ولكن على الجانب الآخر كان مجلس قيادة الثورة يرى ان نجيبا هو رجل عسكري وليس رجلا سياسيا، بمعنى انه لن يتمكن من الوقوف أمام الوفد أو الأخوان المسلمين لأن مثل هذه الأحزاب والجماعات تدرك تماماً طرائق السيطرة على الشارع وهو رجل عسكري لا يجيد التعامل بمثل هذه الأساليب.. وأيضا ضباط الجيش يرون ان ترك السلطة يعني عودة الأحزاب وأساليبها التي أدت بالبلد إلى ذاك الوضع.
رمـــوز
} ولكن هناك بعض الرموز الوطنية التي كانت تتمتع بوعي سياسي وقبول في الشارع المصري.. ومنها مثلا مصطفى النحاس "باشا" ما رأيك.. خاصة انه أعلن ترشيح نفسه لمنصب رئيس الجمهورية؟
- لا احد ينكر ان عبدالناصر كان يسعى الى السيطرة على السلطة، ولكن من المؤكد ان بعض هذه الرموز "تآكلت". ولم تعد قادرة على الحكم فمثلاً النحاس "باشا" لم يكن بقوة وزعامة سعد زغلول، ثم الوفد نفسه تورط في بعض عمليات فساد وجاء "بمحاسيبه" الى الحكم.. ولكن إذا عاد الوفد مرة أخرى إلى الحكم.. عدنا إلى ما كنا عليه.. كان صعباً تكرار ذلك بالفعل.
لغة السادات
} كان الرئيس الراحل أنور السادات ضابطاً بسلاح الإشارة.. هل كنت على علاقة به قبل الثورة؟
- عندما انضممت، كان السادات في السجن بتهمة الاشتراك في اغتيال أمين عثمان. وعندما عاد إلى الخدمة بالقوات المسلحة عاد برتبه يوزباشي "نقيب". ولكننا كنا نناديه بسيادة "البكباشي" (المقدم) لأن دفعته كانوا يحملون نفس الرتبة.
} قيل ان السادات أذاع بيان الثورة بوصفه ضابطاً في سلاح الإشارة.. ما رأيك؟
- لا اعتقد.. ما علاقة الإشارة بذلك؟.. انه مجرد بيان يذاع من محطة الإذاعة.. ولكن السادات كان يمتلك صوتا رخيما وأسلوبا جيدا في الحديث باللغة العربية.. وأعتقد أن ذلك هو ما أهله لإذاعة البيان الأول للثورة.

 
عودة
أعلى