* معركة الخفاجية الأولى الخالدة - 1981م , بقلم قائدها اللواء الركن محمود شكر شاهين :-
- تعرض العدو الأيراني على قاطع الفرقة المدرعة التاسعة :
كـان يـوم 5 ك 2 1981 يومــا صـاخبا ومليئـا بأحــداث ومواقـف مهمـة، فقــد
تعرض العدو الإيراني فيه على قاطع الفرقـة المدرعـة التاسـعة في منطقـة الخفاجيـة
يطلق عليها الايرانيون اسم ( سوسـنكرد) ً وأحـرز نجاحـا كبـيرا، لدرجـة أن الموقـف
آنذاك أصبح ينذر بالخطر، وتبني لي بان هذا التعرض الكبير بقوات مدرعـة إيرانيـة،
ولأول مرة في تاريخ هذا الصراع كان (بمثابـة رسـالة جوابيـة مـن رئـيس جمهوريـة
إيران "بني صدر" للقيادة العراقية مفادهـا إننـا لا نقبـل بالمفاوضـات وانـتم عـلى
أراضينا بل ندمر قواتكم على أراضينا وندخل منطقة البصرة ثم نقبـل بالمفاوضـات
معكم).
طالما كان لواؤئنا ً احتياطا لقاطع عمليـات الفيلـق الثالـث، فقـد توقعـت زجـه
بسرعة لمساعدة الفرقة المذكورة، لـذلك كنـت قـد سـبقت النظـر في تهيئتـه للحركـة
الفورية باتجاه ذلك القـاطع، وحرصـت عـلى متابعـة الموقـف لأكـون مطلعـا وملما
بتطورات المعركة.
ً لقد حصل ما كنت أتوقعه بالفعل عندما اتصـل بي هاتفيـا رئـيس أركـان الفيلـق
الثالث (العميد الركن نعمة فارس المحياوي.. فريق ركن لاحقاً) ً طالبا مني تهيئة كتيبـة
دبابات (الوحدة) للحركة الفورية إلى قاطع (فق مع/9 (لكنني أوضـحت لـه في حينهـا
أن كتيبة دبابات واحدة لا تكفي لمواجهة حجم تهديـد العـدو والنجـاح الـذي حققـه،
ً ً مقترحا عليه تحريك لوائنا دفعة واحـدة راجيـا منـه تـأمني العـدد الكـافي مـن نـاقلات
الدبابات في حالة حصول الموافقة على ذلك المقترح. لقي مقترحي صـداه عنـدما عـاود
رئيس أركان الفيلق اتصاله الهاتفي بي ثانية ليعلمنـي بـأن الموافقـة عـلى حركـة لوائنـا
إلى قاطع (الفرقة المدرعة التاسعة) قد حصـلت، وأن عـددا مـن نـاقلات الـدبابات في طريقهـا إلينـا،
عندها أوعزت باتخـاذ التـدابير التمهيديـة لتنفيـذ التنقـل عـبر تلـك المسـافة الطويلـة
التي كانت تزيد على (300)كيلو مترا مؤكـدا عـلى ضرورة العمـل العاجـل اعتقـادا
مني في أن أي تأخير في وصولنا يعني إن موقف (الفرقة المدرعة التاسعة) سيزداد سوءا وحراجـة،
ً وتبعا لذلك كانت خطتي للاستفادة من نـاقلات الـدبابات تـقضي بتحميـل عجـلات
مقر لوائنا وكتيبتي دبابات (المنصور و الوحدة) فيما طلبـت مـن فـوج المشـاة الآلي
الثاني التنقل على السرفة ( نتيجة قلة عجـلات الخاصـة لنقلهـا) بقـدر مـا يسـتطيع
ً اقتصادا للوقت. بعــد أن أوجــزت هيئــة ركــن مقــري بــالأعامل الضروريــة المطلــوب إنجازهــا،
توجهت نحو مقر الفيلق الثالث في (الميمونة) ً مستصحبا معي كلاً من (الرائد الـركن
محمد عبد الـلـه فياض – ض الركن الثالث/حركات) والشهيد لاحقـا (الرائـد الـركن محمـد ياسـين رمضان – آمر كتيبة دبابات المنصـور) وآمـر كتيبـة مدفعيـة الإسـناد المبـاشر، ولـدى وصولنا إلى مقر الفيلق، أوجزنـا رئـيس الأركـان بشـكل مقتضـب مفيـدا بـأن العـدوالإيراني أكتسح مواضع اللواء المدرع 43 وتمكن من عبور نهـر (الكرخـة
العمية) وإن قائد الفيلق موجود حاليا في المقر المتقدم للفرقة المدرعة التاسعة. انطلقنا بعد ذلك نحو المقر الرئيسي لـ (فق مع/9 (الكـائن في (النشـوة) وعنـد
وصولنا التقينا برئيس أركان الفرقة (العقيد الركن نادر غياض) الـذي لم يـتمكن مـن
إيجازنا بالشكل المطلوب لغموض الموقف آنذاك ... اتجهنا بعدها نحـو مقـر الفرقـة
المتقدم في (عويسة) ً وخلال تنقلنا رأيت جنودا جالسـين عـلى قارعـة الطريـق كنـت
أظنهم من أسرى العدو لكن تبـين لي أنهـم جنـود متسربـون ( أي تـاركين لمواضـعهم
بدون أمـر) ينتسـبون إلى (ل مـع/43 ).
لدى وصولنا إلى المقر المتقدم للفرقة في (عويسة) وجدت هناك عددا من القادة
من بينهم قائد الفيلق الثالث (أبو الشـهيد) و (الفريـق الـركن عبـد الجبـار ألأسـدي–
معاون رئيس أركان الجيش للعمليات) و (العقيد الـركن محمـد صـالح السـامرائي ـ وكيل قائد الفرقة) وضباط آخرين، وما أن دخلت علـيهم حتـى قـرأت عـلى محيـاهم
علامات البشر والارتيـاح ثقـة مـنهم في إن اللـواء المـدرع العـاشر سـيعيد الأمـور إلى
نصابها ... عندها بادرني (أبو الشهيد) بكلمة مؤثرة قائلاً (هـذا اليـوم الأسـود الـذي
كنت أدخرك إليه) فطأمنته بقولي (غداً سترى يا سـيدي مـا سـيفعله اللـواء المـدرع
العاشر بالعدو الأيـراني) .. في تلـك اللحظـة أطلـق قائـد الفيلـق الثالـث عـلى لوائنـا
تسمية (رتل القعقاع)
بدأ موقف (فق مع/9 (ساعة وصـولي (لـيلاً) يـزداد حراجـة، ولم تكـن هنالـك
معلومات دقيقة وحديثة عن قواتنا وقوات العدو. إن كل ما أوجزني به وكيـل قائـد
الفرقة هو أن العدو قد نجـح في عبـور نهـر (الكرخـة العميـة) وإن كتيبـة دبابـات
(طارق) ودبابات أخرى تقاتل قتال تعويق، بعدها علمت أن العدو اكتسح مواضـع
(ل مع/43) ومواضع انفتاح مدفعية الفرقة واندفع باتجـاه العمـق حتـى أصـبحت
دباباته الأمامية على مقربة من المقر المتقدم للفرقة ولمسافة لا تتجاوز (1500 مـترا
) وهذا ما تأكد لي خلال معركة الهجوم المقابل.
لقــد شــعر قائــد الفيلــق الثالــث بجســامة مهمــة لوائنــا ومــدى حاجتنــا إلى
القطعات الإضافية وموارد الإسناد الناري، لذا أصدر توجيهاته بوضع (كتيبة دبابـات
القادسية والتي كانت مجهزة بدبابات ت55 وهي اقل كفاءة من دبابات لـوائي ت
72 الا انها تمتلك نفس قابلية الرمي من الحركة) بإمرتنا وإبقاء المدافع (التـي كـان القرار قـد صـدر عـلى تبـديلها وإعادتهـا إلى مسـتودعات العينـة المركزيـة )
لتتولى إسنادنا، وبعد أن تعرفت على ما يمكنني التعرف عليه من الموقـف في مقـر الفرقـة،
عدت في تلك الليلة إلى مقري لاسـتقبال وحـداتي التـي كانـت تتنقـل عـلى الطريـق
والتي لم يتكامل وصول القسـم الأكـبر منهـا (مقـر اللـواء زائـداً كتيبتـا دبابـات) إلاّ
صباح يوم 6 ك2 1981 ،أما بالنسبة إلى فوج المشاة الآلي الثاني فلم يتكامـل وصـوله
إلاّ بحدود الساعة 1400 من ذلك اليوم.
ما أن حل الضياء الأول يوم 6 ك2 81 حتى ذهبت إلى منطقـة اجتماع لوائنـا
قرب قرية (أم الغفاري) والتقيت هناك بآمر كتيبة دبابات القادسـية وهـو (الرائـد
الركن محمد علوان ــ الذي استشهد في معارك لاحقة) و سبق أن عمل معي بصفة
مساعد عندما كنت آمرا لكتيبة دبابات (حـامد) وقـد أوجـزني عـن انفتـاح كتيبتـه،
وعن قوة العدو أمامها.. ولوحظ ان العدو ركز قصـفه الشـديد عـلى المقـر المتقـدم
للفرقة أثناء ذلك لدرجة أن السماء أعتمت بسحب كثيفة من الـدخان والغبـار.. في
الوقت ذاته بـدأت وحـداتي تتكامـل في منطقـة الإجتماع وتتخـذ تشـكيلات قتاليـة
مناسبة لخوض تلك المعركة الحاسمة.
في ذلك الموقف المحتدم كانت هنالك معضلة رئيسية تواجهني، وهـي كيفيـة
التعرف على امتـداد جبهـة العـدو وحـدود أجنحتـه، لـكي يتسـنى لي إيقـاف زخـم
هجومه والمناورة لضرب أجنحته، ولتحقيق هذه الغاية رأيت مـن الصـواب تكليـف
جحفل معركة القادسية للقيام بهجوم (جس) فأوعزت إلى آمره بالاندفاع إلى الأمـام
وإدامة التماس بالعدو، ثم إخباري بكل ما يستجد من معلومات تكشـف عـن قـوة
العدو، وكيفية انفتاح قواته، ونواياه، وبعد أن تم له ذلك، وافاني بتقريـر أولي ذكـر
فيه إن قوة العدو الكائنة أمامه تقدر مبجموعة قتال (زائد)، فطلبت منـه الاشـتباك
معها وان أمكن تدمريها، لكنه عاد وزودني بتقرير لاحق، أفاد فيـه بـأن قـوة العـدو
بدأت تزداد حتى أصبحت بحدود (60)دبابة، وكرد فعل سريـع مـن جـانبي أمرتـه
بتوسيع جبهته والانفتاح مبجموعتي قتال بالأمام والاستمرار بإدامة التماس بالعـدو
ريثما أنتهي من وضع خطتي وإصدار أوامري. من خلال تقديري السريع للموقف توصلت إلى الاستنتاجات المهمة التالية:
* تقدر قوة العدو أمامي بلواء مدرع (زائد) معزز بنسبة من المتطوعين.
* غاية العدو هي التقدم على محور (عويسة – الجفري) لتـدمير مـا تبقـى مـن
قوات الفرقة المدرعة التاسعة والتأثير على قوات فرقـة المشـاة الآليـة الخامسـة
الكائنة شرق الفرقة التاسعة.
* من الإيجـاز الابتـدائي الـذي قدمـه لي وكيـل قائـد الفرقـة المدرعـة التاسـعة،
ودراستي لـلأرض تبـني لي إن الأرض صـالحة للمنـاورة في معظـم أقسـامها، وإن
العارضة الوحيدة أمامي هي نهر (الكرخة العمية) وقد تمكن العدو مـن عبـوره
باتجاه الغرب لتحقيق أهدافه.
* ما زال قسم من قوات الفرقة المدرعة التاسعة تقاتل على جناحي الأيمن لكن
ً جناحي الأيسر سيكون مكشوفا مما يتطلب مني اتخاذ التدابير اللازمة لحاميته.
* لاحتمال وجود قوات معاديـة معقبـة عـبر النهـر ( شرق النهـر) ومـن اتجـاه
ّ (الحويزه) ينبغـي عـلي الاسـتفادة القصـوى مـن مـوارد قوتنـا الجويـة وطـريان
الجيش لمشاغلتها وتدمريها ان أمكن.
* لمباغتة العدو أمامي، من الضرورة القيام بحركات مروحية من العمق باتجـاه
الجبهة، لحمل العدو على الاعتقاد بأن قوتي المنفتحة أمامـه هـي مقدمـة لقـوة
مدرعة كبيرة تعقبها بالعمق. أشارت الرسائل المسترقة في حينها إلى إدعاء العـدو
الايراني بأنه يواجه قوات ( روسية ) ضخمة كما ورد عـلى لسـان ( بنـي صـدر )
رئيس جمهورية العدو وإن قواتهم قاتلـت قـوات روسـية ولـيس عراقيـة وكـان
ً ذلك تبريرا لفشلهم الذريع في تلك المعركة الفاصلة
* لوصول قوات العدو على مقربة من المقـر المتقـدم للفرقـة المدرعـة التاسـعة
ً ولاحتامل استئنافه لتعرضه لاحقا، يجب ّعلي سبقه وذلك بشن هجومي المقابـل
مبكراً.
ً بناءا على الاستنتاجات آنفة الـذكر، كانـت خطتـي لـلــهجوم المقابـل تتضـمن
صفحتين : (راجع المخطط الرقم _ 2)
+ الصفحة الأولى. شن هجوم مقابل بوحداتي المدرعة بهـدف تـدمير قـوات
العدو غرب نهر الكرخة العمية وتأمين الوصول الى نهـر ( الكرخـة العميـة)
بأسرع ما يمكن.
+ الصفحة الثانية. عبور نهر الكرخة العمية بانتهاز الفـرص وتأسـيس رأس
الجسر ثم الاندفاع لاستعادة مواضع (فق مع/9 (التي احتلها العدو.
- التنفيذ :
أما تنفيذ الخطة فتضمن ما يأتي بشكل عـــام:
- ينفتح جحفل معركة القادسية في اليمين ويهجم بجبهة ثلاث مجموعات قتـال
بحيث يغطي مسافة ستة كيلومترات من الجبهة ويدمر قوة العدو أمامه.
- ينفتح جحفل معركة المنصور في اليسار ويهجم بجبهة ثلاث مجموعات قتـال
مــع تــرك فاصــلة بينــه وبــين جحفــل معركــة القادســية بمسافة لا تقــل عــن
كيلومترين.
- ينفـتح جحفـل معركــة الوحـدة في العمــق ً ويكـون متهيئــا للقيـام بالواجبــات
التالية:
- فرز مجموعة قتال لحماية الجناح الأيسر لهجوم لوائنـا وإفشـال أيـة محاولـة
معادية من ذلك الاتجاه .
- استثامر النجاح أي( تعزيز أي اتجاه يكون الهجوم فيه ناجحاً.)
- ركزت الخطة النارية لإسناد هجومنا المقابل عـلى رمـي تجمعـات ناريـة لسـتر
الجبهة فيما تم تخصيص جهد ناري مكثف لإسناد (قوة الجناح) عند الطلب.
- الاستفادة القصوى من إمكانيات قوتنا الجوية وطيران جيشـنا وتركيـز طلباتنـا
على التجريد القريب وتدمير قـوات العـدو شرق نهـر الكرخـة العميـة وتقـديم
الاسناد القريب لقطعاتنا غرب النهر ، مع إيلاء القسم المحصـور بـين (الحـويزة)
و (عويسة) أهمية خاصة.
- سير المعركة :
بالســاعة 0830/ 1/6 1981 وبينما كــان العــدو ً مســتمرا بقصــفه لمقــر (فــق
مع/9 (المتقدم، شرع لواؤنا بهجومه المقابل، بإسناد نيران ساترة كثيفة، فيما كانـت
جحافل معركتنا الأمامية تتقدم بسرعة عالية وبجبهة جحفلي معركة في الأمـام وكـل
جحفل معركة منفتح جبهويا بثلاثة مجموعـات قتـال ( وهـذا يعنـي بحـدود "96 "
دبابة) محاولة تدمير قـوات العـدو بالنـار والحركـة( كانـت الـدبابات ترمـي ثـلاث
إطلاقات بالدقيقة وهي في حالة حركة) كان مقري الجوال على مقربة مـن الجبهـة
ِ لأراقب سير المعركة، ولم تمض سوى فـترة وجيـزة حتـى تمكنت قـواتي الأماميـة مـن
اختراق خطوط العدو الدفاعيـة والنفـوذ إلى عمـق العـدو لمسـافات مقبولـة، فـيما
أصبحت النيران تلتهم قسما كبيرا من دبابات العدو وعجلاته المدرعة.
باستمرار المعركة كانت التقارير تشير إلى ظهور أعداد كبيرة من دبابات العدو
في خط الجبهة وبشكل ملفت للنظر، عند ذلك طلب آمـر جحفـل معركـة المنصـور
مني تعزيـزه بمجموعـة قتـال لمعالجتهـا وقـد اسـتفسرت مـن آمـر جحفـل معركـة
القادسية عن مدى مسـاعدة موقفـه لإسـعاف طلـب آمـر جحفـل معركـة المنصـور
فاعتذر هو الآخر لظهور دبابات معادية بعدد كبير أمام جبهته.
لكي أطلع على الموقف بنفسي تقدمت إلى خـط الجبهـة وسـط انفجـار قنابـل
العدو وبعد تقديري السريع للموقف، استنتجت أن العدو الإيراني بدأ يفقد توازنه
وأخذ يترنح كالملاكم المضروب بالضربة القاضية، وذلـك لهـروب قسـم مـن طوائـف
دبابات العدو من هول الصولة ولم تكن الـدبابات المعاديـة ذات تـأثير عـلى صـولة
دباباتنا، فاغتنمت تلك الفرصة لإدامة زخم الهجوم بزيادة الأفواه الناريـة للـدبابات
في خط الجبهة لكي يتحقق (فعل الصـدمة) بـأكبر تـأثير ممكـن ولـذلك أوعـزت إلى
جحفل معركة الوحدة ناقص (قـوة حماية الجنـاح) بـالتهيؤ للمشـاركة الفعليـة في
الهجوم حيث أصدرت أوامري إلى جحفلي المعركة الأمامين، لتوسيع الثغـرة الكائنـة
بينهما وفسح المجال لجحفل معركة الوحدة لإشغالها.
كنت أؤكد خلال إدارتي للمعركة عـلى أن تكـون المسـافة الفاصـلة بـين دبابـة
وأخرى من (75–100م) وأن ينفذ الهجـوم المقابـل بالحركـة السريعـة والعـزم عـلى
تدمير العدو.. وبعد التوكل على الـلـه ومرور دقائق معدودة، انقلب النهار فيها إلى
ليل بسبب الغبار الكثيف ودخان انفجار القنابل، إذ بدأ العدو بالتراجع والفرار من
أرض المعركة وأصبح مقري وسط حشد كبـير مـن دبابـات معاديـة متروكـة بعضـها
محركاتها تشـتغل، والأخـرى انـدلعت فيهـا النـريان فحمـدت الـلــه وشـكرته، وقـد
اغرورقت عيناي بدموع الفرح وأنا أردد الآية الكرمية (إن ينصركم الـلـه فـلا غالـب
لكم) وبدأت أسال نفسي عن تلك الدبابات المهانة التي ألحقت الهزمية بقوات (فق
مع/9 (كيف أصبحت اليوم متروكة تشتغل محركاتها بعد أن تركتها طوائفها مطلقـة
سيقانها للريح...، ولعل خير ما فعلته هـو اغتنـامي تلـك الفرصـة لأزف إلى القيـادة
العامه للقوات المسلحة بشرى الانتصار.
في ذلك الموقف لاحظت من بعيد آثار حركة الفوج الآلي الثـاني للوائنـا، وقـد
طلبت منه زيادة سرعة حركته والالتحاق بنـا... وباسـتمرار علامـات انهيـار العـدو
كنــت أحــث جحافــل معركتنــا عــلى إدامــة زخــم الهجــوم وتهديــد أجنحــة العــدو
وملاحقته دون هوادة، وبالفعل تم لنا ذلك عندما ذهل العـدو مـن قـوة الصـدمة
ً وولى هاربا بعد أن ترك (120) دبابة و (65)ناقلة أشخاص مدرعة جميعها صالحة
للاستعامل غنمتها قطعاتنا الجسورة فيما تـم أسر أعـداد كبـيرة مـن أفـراده ولـدى
استنطاقنا لأسرى العدو أفادوا بـأن عـدد الـدبابات التـي اشـتركت في المعركـة كـان
بحدود ( 500 ) دبابة مسـندة بسـبع كتائـب مدفعيـة ثقيلـة ( 155 ملـم ) ذاتيـة
الحركة وقد تأيد لنا ذلك فيما بعد. ( وقد أكد بعض الأسرى بأنهم لم يعتادوا عـلى مواجهـة مثـل هـذه القـوات،
إنها ليست قوات عراقية بل هـي قـوات روسـية تقاتـل بـدلا عـن العـراقيين، كـما
وان دباباتهم غير اعتيادية ترمي مثل الرشاشات وإصـاباتها دقيقـة و تسـير بسرعـة
عالية جدا) وبالمقابل لم تتجاوز خسـائرنا عطـب (10) دبابـات لأسـباب فنيـة
جراء الرمي الكثيف المتواصل.
هنا تجدر الإشارة إلى درس بليغ هو إن عـلى قـادة وآمـري التشـكيلات الآليـة
والمدرعــة الــتخلي عــن الســياقات التقليديــة في القتــال وقبــول المجازفــة المحســوبة
باستخدام جميع القطعات المتيسرة للصولة أي حشد أكبر ما يمكن من القوات
على العدو عندما يفقد توازنه وبخاصة عندما يشعرون إن السياقات بدأت تعـيقهم
عن إحراز نصر محقق، لذلك يتحتم عليهم العمل بجرأة وهـذا هـو المقصـود بفـن
القيادة الذي يمزج العلم العسكري بالمرونة والموهبة. ( الفن العسكري )
ما أن حلت الساعة 1600 6 ك2 81 حتى اتصلت بقائد الفيلق الثالث مقترحا
عليه توقف قواتي عند الخط الذي وصلته لقلة ما تبقـى مـن سـاعات النهـار وكـان
موقف قواتي وتوزيعها على الأرض قد استقر على الوجه التالي: * توقف كل من جحفل معركة القادسية وجحفل معركة الوحدة على جانبي
طريق عرضاني يبعد عن نهر الكرخة العمية مسافة (3)كيلومترات.
* اندفع جحفل معركة المنصور ووصل إلى مقربة من الضفة الغربية من النهر.
* استقر مقري الجوال خلف مجموعات قتال جحافل المعركة الأمامية.
* انفتح جحفل معركة الفوج الآلي الثاني خلف مقر اللواء ومبسافة مناسبة. وبذلك القدر يكون لواؤنا قد أنجز الصفحة الأولى من هجومه المقابـل بنجـاح
ويعـود الفضـل في ذلــك إلى أمـرين رئيســيين، أولهما ً إصرار جميــع المقـاتلين ضــباطاً ومراتــب عــلى تحقيــق المباغتــة عــن طريــق السرعــة و اســتخدام الدبابــة (ت 72 ) المتطورة و إحراز النصر مهما بلغت التضحيات، وثانيهما المستوى الرفيع الذي بلغه اللواء خلال تدريبه وإعداده للمعركة وتمكنه من الحشد في المكان والزمـان المعنيين والرمي من الحركة بمعدل ثلاث إطلاقات في الدقيقة وبأسرع ما يمكن. بعد ذلك طلبت من وحداتي ترصين الأهداف، وتعديل النـار الدفاعيـة، واتخـاذ
تدابير الحماية وسد النقص ثم التهيؤ للأعامل المقبلة... وهنا أجد ضرورة الإشـارة إلى
نقطة جوهرية ذات علاقة بمرحلة إعادة التنظيم التي اعتبرها مـن المراحـل الحرجـة
ً التي تتطلب فعالياتها إشرافا مباشراً من قبل الآمرين بمختلف المسـتويات. لقـد كنـا
نتصفح الكتب والكراسـات الرسـمية ومـذكرات القـادة البـارزين عـن أهميـة هـذه
المرحلة لكننا لم منارسها بجدية ولم نعطها أهميتها الحقيقية في التدريب على الأعامل
التي تجري خلالها ، لذا ينبغي التأكيد الـدائم عـلى بقـاء الـدبابات وعجـلات القتـال
المدرعة في أماكنها في الوقت الذي يجب أن تتحرك إليها العجـلات المخصصـة لإعـادة
الإملاء من الخلف إلى الأمام. لقد قامت بعض دبابات جحفل معركة القادسية بخرق
تلــك القاعــدة عنــدما عــادت إلى الخلــف بســبب عــدم معرفتهــا بســياقات العمــل
الصحيحة للوائنا، مما تسبب ذلك في إحراجنا بعض الشيء.
اقتصرت فعاليات يوم 7 ك 2 عـلى إزعـاج العـدو وتكثيـف فعاليـات الاسـتطلاع
لقاطع العمل المقبل ... وفي ذلك اليوم جاءني ضـابط ارتبـاط مـن مقـر الفيلـق الثالـث
ً يحمل توجيها يطلب فيه قيام لوائنا باستئناف العملية لتنفيـذ مـا تبقـى مـن مهمتنـا،
ً وقد عقدت مؤمترا حضره آمـرو جحافـل المعركـة والخـدمات الإداريـة في اللـواء( آمـر
سرية التموين والنقل، آمر وحدة الميدان الطبية، وآمـر معمـل الميـدان) ليلـة 7/8 ك2
وبعد تهنئـتهم بـالنصر أوضـحت لهـم واجبـاتهم لليـوم التـالي وشرحـت لهـم خطتـي
للواجب المقبل بعد أن استفسرت منهم عن أية معلومات جديدة ذات علاقة بالعدو.
بحلول الضـياء الأول يـوم 8 ك 2 شرعـت قـواتي في تنفيـذ الصـفحة الثانيـة مـن
هجومنا المقابل فقد انفتح جحفل معركة القادسـية في اليمـين يعقبـه جحفـل معركـة
الفوج الآلي الثاني( الذي أصبح فيه الدرع سائدا) بينما انفتح جحفل معركة المنصور في
اليسار يعقبه جحفل معركة الوحدة...، ونتيجة لشعور العدو بحركتنا قام برمي قواتنـا
الأمامية ومقري الجوال بتجمعات نارية كثيفة. في ذلك الوقت صادفني موقف محرج
ًحقا وهو إن سائق نـاقلتي لم يـتمكن مـن تشـغيل الناقلـة لحصـول خلـل في محركهـا
الذاتي (السلف) وعند قيامه بإجراء التصليح الفوري تنـاثرت الصـامولات هنـا وهنـاك
ولم يعد باستطاعته العثور عليها، في حين كنـا نشـكل هـدفا ثابتـا لنـيران العـدو التـي
أخذت تنهال علينا بغزارة، كان بقربي آنذاك ضابط مخابرة اللواء الذي تصرف بحكمـة
وذلك باستخدام طريقة السحب بعد أن لمس حراجـة موقفنـا بتشـغيل ناقلتنـا، وقـد
استغرقت تلك العملية بحدود (20) دقيقة كنا خلالها نتلقى المزيد من نيران
العدو، لكن الـلـه جلـت قدرتـه مـن علينـا بالصـبر ورباطـة الجـأش في ذلـك الموقـف
العصيب.( راجع المخطط الرقم – 3. ( -
لم تكن هناك عقبة تعيق عمل الجحفلين الكـائنين في اليسـار لكـن الموقـف بـدأ
يتأزم في قاطع عمل الجحفلـين الآخـرين حيـث اسـتغل العـدو طبيعـة الأرض والسـتر
المتيسر فيها وقام بوضع عدد كبير من أسلحة مقاومـة الـدبابات بأنواعهـا مما جعـل
قطعاتنا تتعرض إلى نيران كثيفة ضد الـدبابات ومـن مسـافات مختلفـة، وقـد تسـبب
ذلك في عطب (4) دبابات من السرية المتقدمة لجحفل معركة القادسية بسـبب
ً تسلقها ساترا ترابيا وظهورها في خط الأفق، ويـحضرني في هـذا الموقـف بطولـة نـادرة تدل على الإيثار قام بها أحد ضباط الصـف مـن حمايتي لإسـعافه أحـد الرمـاة الـذي نجى من الموت في إحدى الدبابات المصابة وهو على بعد كيلو متر من موقـع نـاقلتي،
وحمله على كتفه، وأوصـله قـرب نـاقلتي وسـقاه المـاء وإذا برشـقة مدفعيـة معاديـة
تسقط أمام الناقلة ولدى تفقدي لمعيتي وجدت الرامي وضابط الصف قـد استشـهدا
معاً... ً وتثمينا لذلك الموقف النبيل ونكران ضابط الصف لذاته من أجـل إنقـاذ رفيقـه
في السلاح فاتحت القيادة العامـة للقـوات المسـلحة لتكرميـه... وبالفعـل نـال ضـابط
الصف تكريم الرئيس بمنحه رتبة ملازم تكريما لموقفه البطولي وشهامته، ( نعـم
فابن هذا النائب العريف سيفتخر يوما بوالده أكثر من وائل ابني، لان والد وائل قد
ترفع من رتبة عقيد ركن إلى رتبة عميد ركن تكرميا له، ولكـن والـد النائـب العريـف
ترفع إلى رتبة ملازم تكريما له، لذا فهو الأفضـل لأنـه ضـحى بحياتـه مـن اجـل إنقـاذ
رفيقه بالسلاح، فرحمة الـلـه عليهما).
خلال تلك الفترة أوقفت تقدم جحفل معركة القادسية لانكشاف جناحه الأيمن
وأصدرت أوامري إلى جحفل معركة الفوج الآلي الثاني بـدفع سريـة دبابـات مـن ذلـك
الاتجاه لمعالجة الموقف الذي يذكرني بالمـأثرة البطوليـة التـي قـام بـه مقـاتلو الفـوج،
فبعد أن تقدم الرعيل الأول تعرض إلى نيران معاديـة أحرقـت دباباتـه التـي أصـبحت
كأنهــا كــرة نــار ملتهبــة يطير برجهــا عنــد انفجارهــا في الجــو كأنهــا طــائرة ســمتية فيما تحول بدنها المحترق إلى قطع حديدية متناثرة... وفـوق ذلـك مـا كـان
من الرعيل المعقب إلاّ أن يكمل صولته رغم مشاهدته لذلك الموقف الرهيب وتوقعه
بأن ما حصل للرعيل الذي سبقه سيحصل له... َحقا أنها بطولة فريدة ونادرة!!.
إن وجودي في ذلك الموقف على رأس قطعاتي كان له أثر قيادي ومعنوي إضـافة
إلى ذلك كنت أرى ميدان المعركة كما يـراه آمـرو الرعائـل والسرايـا واخطـط و أنفـذ
بعقلية آمر اللواء... ولمواجهة تلك المعضلة قررت على:
* توجيــه كافــة الإســناد النــاري المتــيسر لتدمير أســلحة مقاومــة الــدبابات
المعادية.
* إعادة سريتي المشاة اللتان كانتا بإمرة كتيبتـي دبابـات المنصـور و الوحـدة
لإمرة (الفوج الآلي الثاني) بعد أن توفرت لدي القناعة بـأن عـنصر (المشـاةّ) هو المعول عليه في مثل هذه المواقف.
لم تستغرق عملية تجميع الفوج( أي عملية إعادة التجحفل) سوى فترة وجيـزة،
طلبت بعدها من آمره الشروع بصـولة راكبـة عـلى مقاومـات العـدو وتـدمريها، وقـد
أكدت في وقتها توخي السرعة حتـى لـو كانـت عـلى حسـاب الدقـة، فانطلقـت سرايـا
الفوج باتجاه أهدافها وبأقصى سرعة بصـولة جريئـة راكبـة ثـم ترجلـت عـلى أهـدافها
واستطاعت تدمير أعداد كبيرة من أسلحة العدو المختلفة والاستيلاء على أعداد أخـرى،
ً فيما أسرت عددا من أفراده، هنا قام العدو بمشاغلة قطعاتنـا بقصـف مـدفعي مركـز
وكان تفسيري لتلـك الظـاهرة إن العـدو ينـوي الهـروب لـذلك قـررت اغتنـام
الفرصة وادامة الزخم ، فأوعزت إلى آمر الفـوج بتطـوير هجومـه وعبـور نهـر الكرخـة
العمية بانتهاز الفرص ودفع سراياه إلى الضـفة البعيـدة لتـأمين مـوطئ قـدم ابتـدائي
والاستمرار بتوسيعه ليصبح بمثابة (رأس جسر) يكفي لتكامل قطعاتي... كما أعلمتـه
إنني أرسلت إليه (قوة مرتبة) مؤلفة: من عناصر هندسية ودبابـة تجسـير ومعـدات
وعناصر أخرى وكانت تلك القوة بقيادة أحد ضباط ركن مقـر اللـواء ( الرائـد الـركن
محمود فيزي الهزاع – فريق ركن لاحقا ) . توجهت اليه لمساعدته على عبور النهر ولقد كان حصاد تلك الفعالية الموفقـة
استيلاء الفوج على (45) عجلة مدرعة جميعها صالحة للاستعامل. لقد تمكن الفوج بمساعدة المعـدات الهندسـية المتـيسرة لديـه والاسـتفادة مـن
القوة المرتبة من تأمين معابر وقتيـة في نقـاط محـددة عـلى نهـر (الكرخـة العميـة)
واستطاع تعبير سرية مشاة آلية في بداية الأمـر، وفي ذلـك الوقـت تقـدمت إلى أقصى الأمام لأكون قريبا من مكان العبور والتقيت بآمر الفوج على ضفة النهر مؤكدا عـلى
سرعة تعبير باقي السرايا لتوسيع فسحة (رأس الجسر) بحيـث تكـون كافيـة لتكامـل
قطعاتنا مع مراعاة اتخاذ تدابير دفاعية متقنـة لإحبـاط ردود فعـل العـدو.. في ذلـك
الوقت نجحت كتيبـة دبابـات المنصـور في عبـور النهـر مسـتفيدة مـن المعـابر التـي
أنشأها العدو خلال عملياته الهجوميـة السـابقة... هنـا انتقلـت إلى الضـفة البعيـدة
لتقدير سعة رأس الجسر واستطلاع المنطقة الكائنة شرق النهر.
من جملة أساليب المخادعة التي اعتمـدتها خـلال شروع قطعـاتي بـالعبور هـي
تكليف وحـدات المدفعيـة والقاذفـات الأنبوبيـة بمشاغلة أهـداف كائنـة عـلى طـول
الجبهة، وكنت أتوخى مـن ذلـك تضـليل العـدو وفقـدان القـدرة عـلى توقـع الاتجـاه
الحقيقي لاندفاع قواتي نحو أهـداف العمـق بعـد عبورهـا النهـر، وقـد حققـت تلـك
التدابير نتائجها المثمرة فيما بعد.
بعد تكامل عبور الفوج أوعزت إلى كتيبـة القادسـية بـالعبور و التخلـل منـه و
الاندفاع نحو اليسار باتجاه مواضع لـواء المـدرع /43 السـاقطة فيما كلفـت الفـوج
بتعقب كتيبة دبابات القادسية ثم الاستدارة نحو اليمين لإعـادة احـتلال مواضـع (لمع/43 )كاملـة والتـي تخـلى عنهـا يـوم 5 ك2 81 ، أمـا بالنسـبة إلى كتيبـة دبابـات
المنصــور، فبعــد أن تكامــل عبورهــا، وجهتهــا لإعــادة احــتلال مواضــع (ل مــع/43 )الساقطة والكائنة على يسار كتيبة دبابات القادسية.... في هذا الموقف قامـت كتيبـة دبابات الوحدة بعد عبورها بمناورة سريعة وجريئة نحو اليسارتمكنـت مـن خلالهـا
عزل واحتلال قصبة (الحويزة) بعد أن لاذ أفراد العدو المتواجدين فيها بالفرار.
أخــيرا نمكنــت قــواتي في تلــك المعركــة البطوليــة مــن إعــادة احــتلال مواضــع
(ل مع/43)بالكامل واستعادت تجهيزات مدفعية (فـق مـع/9 (التـي اسـتولى عليهـا
العدو الأيراني في بداية تعرضه إضافة إلى إن وحداتي استولت على (مقر قيادة الفرقة
المدرعة /16ـــ الإيرانيـة) وعـرثت عـلى وثـائق مصـنفة منهـا أمـر الحركـات الخـاص
بتعرض العدو، وخرائط مؤشر عليها موقف توزيع قواتنا ابتداء من قـاطع (ديزفـول)
وانتهاء بقاطع (الأحواز).
اســتقر موقــف اللــواء بعــد انتهــاء واجبــه شرق نهــر (الكرخــه العميــه) كما
في المخطط رقم (3) :
* الفوج الآلي الثاني في الأمام وعلى اليمين .
* كتيبه دبابات القادسية في الأمام وعلى اليسار.
* مقر اللواء زائد مجموعة قتال (درع سائد) في محل مركزي.
* كتيبه دبابات 14 رمضان بعد التحاقها في اليمين خلف الفوج الآلي الثاني.
* كتيبة دبابات المنصور في الأمام وعلى يسار كتيبة القادسية.
* كتيبة دبابـات الوحـدة ــــــ أصـبحت بـإمرة ( لـواء المـدرع /30 (الـذي تـم
تكليفه بواجب تطهير نهر السابلة بالتعاون مع (لواء ابن الوليد).
لقد تركزت نشاطات العدو الايـراني في تلـك الفـترة عـلى إزعـاج وحـداتنا بنـيران
المدفعية بعيدة المدى وإدخال جهده الجوي، وقد تصدت ذات مرة طائرتان معاديتـان
إلى إحدى طائراتنا السمتية فأصابتها مما تسـبب ذلـك في هبوطهـا اضـطراريا.... عنـد
ذلك قامت وحـدات اللـواء بفعاليـة جريئـة أنقـذت الطيـار والطيـارة ... كما تمكنت
ّ من إسقاط طائرة معادية، كذلك توفرت لدينا معلومات عن وجود نية لدى العـدو
لإغامر تلك المنطقة بالمياه.
بعد إكامل القطعات لترتيباتها الدفاعية، بدأ (ل مع/43) بالتجمع عـلى يميننا
وقد بقينا على تلك الحالة لمدة أكثر من شهر انتظارا لإكامل ذلك اللواء لفترة إعـادة
تنظيمه... وبعـد تسـليمنا القـاطع إليـه انتقـل لواؤنـا إلى منطقـة (الجفـري) لإعـادة
تنظيمه كمرحلة أولى ثم إلى (النشوة) كمرحلة ثانية.
لقاء مع مندوب صحفي
ذات يوم من أيام المعركة كنت عائدا من مقر الفرقة المدرعة التاسعة إلى مقر
لوائي وقد شاءت الصدفة أن التقي مبنـدوب (جريـده الجمهوريـة الغـراء)، وخـلال
حديثي معه قلت له في حينها (انظر إلى جند الجـيش العراقـي الباسـل كيـف كـان
أداؤهم رائعا و هذه دبابات العدو التي تراها بكرثة أصبحت مهانة بعـد أن تركهـا
العدو تشتغل لمدة ثلاثة أيام) ومن حسن الصدف التقيـت بـنفس المنـدوب ثانيـة
عندما كنت قائدا للفرقة المدرعة السادسة في قاطع (الحـويزة) حيـت ذكرني بهـذه
ً الحادثة وأهدى لي شريطـا مسـجلاً عليـه حـواري معـه في هـذه المعركـة.لقـد كـان مميز في نقل وقـائع وصـور المعركـة حيـث كـان ٌ للمراسلين الصحفيين الحربيين دور
تواجدهم في الخطوط الامامية لجبهات القتـال معرضـين انفسـهم لخطـر الاصـابات
الجسدية البالغة وكانت تضحياتهم جسيمة نتيجة انـدفاعهم لتصـوير المعركـة أكثر من اهتاممهم بحامية انفسهم
- زيارة الملحق العسكري الأردني للوائنا :
بعد تسليمنا قاطع مسؤوليتنا إلى (ل مع/43) وخلال تواجد لوائنا بالقرب مـن
المقر المتقدم للفرقة المدرعـة التاسـعة، زار مقرنـا عـدد مـن الضـباط بيـنهم الملحـق
العسكري الأردني، وقد أعرب الجميع عن إعجـابهم بإنجـازات اللـواء بعـد اطلاعهـم
على أحداث المعركة ونتائجها... هنـا اسـتفسر الملحـق العسـكري الأردني عـن كيفيـة
قيام لوائنا بالهجوم المقابل على فرقة مدرعة معادية وتدمريها، متـذكرا أيـام وجـوده
كتلميذ في (كلية القيادة والأركـان الباكسـتانية) التـي كانـت تـدور المناقشـات فيهـا
حول استخدام لواء مدرع كقـوة هجـوم مقابـل لقـاطع دفـاعي تحتلـه فرقـة مشـاة
سقطت مواضع أحد ألويتها، وقد أدت تلـك المناقشـة إلى انقسـام تلاميـذ الزمـرة إلى
فريقين أحدهام يؤيد فكرة شن الهجوم المقابل(بضـمنهم مـدرس الزمـرة) والآخـر لا
يؤيد ذلك لعدم كفاية القوة... هنا قال الملحق العسكري الأردني (سأكتب رسـالة إلى
أستاذي واخبره بأن أحد أبطال الجيش العراقي كان أمرا للواء مدرع استطاع تـدمير
فرقة مدرعة معادية حققت نجاحا في الصفحة الأولى لهجومها العزوم.. وسـأبني لـه
). ّ قدرة هذا اللواء الذي غير كل حسابات المعركة.
- أسباب النجاح :
لا شك إن (معركة الخفاجيـة عـام 1981 (كانـت مـن معاركنـا الفاصـلة ضـد
العدو ، وكانت ردا حاسما على رسالة رئيس الجمهورية الإيـراني " ابـو الحسـن بنـي
صدر" ورسالة سلام لإقناعه بأنهم اضعف من ان يقفوا حجر عرثة أمام تقدم العراق
او تصدير الثورة له، وان الحل الوحيد هو الرضـوخ للأمـر الواقـع، ولكـن للأسـف لم
ِ ترعو القيادة الإيرانية إلا بعد ثمان سنوات من الحرب. لقد جرى اسـتخدام الـدروع
فيها بسيولة وبكتلة كبيرة ، وقد زج العدو فيها خيرة وحداته المدرعة وأكبر ما يمكن
من إمكانياته ووسائل إسـناده الأرضي والجـوي... لكـن رغـم ذلـك حبطـت أعاملـه
وخاب في مساعيه، بعد أن ترك دباباته تحترق وأشـلاءه ممزقـة غطـت أديـم الأرض
في حين كانـت قناعتنـا مطلقـة بـل أكيـدة مـن إن الـنصر سـيكون حليفنـا لأسـباب
جوهرية أهمها:
*تميز آمري وحدات اللواء بمهنيتهم العالية والتناغم الفكري والعلمي مع آمـر
اللواء ولا بد لي من ذكر اسماء زملائي وهم:
الرائد الركن محمد ياسين رمضان امر كتيبة دبابات المنصور
الرائد الركن محمد علوان الجبوري امر كتيبة دبابات القادسية
الرائد الركن سعدون رسن امر كتيبة دبابات الوحدة
الرائد الركن محمد الفلاحي ضابط ركن ثالث حركات اللواء
الرائد الركن ثامر سلطان امر الفوج الالي الثاني
ولا يفوتني ان أذكـر جميـع منتسـبي اللـواء بقـدراتهم وتضـحياتهم و تفـانيهم
باداء الواجب بشكل منقطع النظير والدعم المتواصل من قبـل قائـد الفيلـق الثالـث
الفريق الركن اسماعيل تايه النعيمي قبل المعركة وخلالها ومـا بعـدها، وخـير شـاهد
على ذلك تسهيل عملية تنقل لوائنا إلى قاطع الفرقة المدرعة التاسعة وتعزيـز لوائنـا
بكتيبة دبابات (القادسية) إضافة إلى تأمين أكبر ما يمكن من موارد المدفعيـة لإسـناد
اللواء في تلك المعركة.
*اصرار منتسبي اللواء كافة ابتداءً من ابسط جنـدي وحتـى آمـر اللـواء عـلى
إحراز النصر بالإيمان وبالعزيمة على مواصلة القتال... مما شحذ همم أولئك
المقــاتلين كــون لــوائهم يتميــز بتــاريخ مجيــد بالثقــة العاليــة بأســلحتهم ..
وتدريبهم وفوق ذلك كله...بقيادتهم الميدانية.
* وجودي كآمر لللواء في المواقف الصعبة عـلى رأس وحـداتي في الأمـام مكننـي
من التفكير والتصرف إزاءها بمرونة عالية والتدخل في المعركة بشكل مباشر.
* اغتنام فرصة فقدان العدو لتوازنه وضربـه بـأكبر قـوة ناريـة متـيسرة ( 96
دبابة ترمي بمعدل ثلاث إطلاقات بالدقيقة وتتحـرك بسرعـة عاليـة)وتهديـد
أجنحته ومؤخراته بمناورات سريعة تجاوزا للسياقات التقليدية في القتال. * توخي مخادعة العدو سواء كان ذلك بانفتاح وحداتي الهاجمة خلال الصفحة
الأولى أو باستخدامي المدفعية والقاذفـات الأنبوبيـة لمشـاغلة أهـداف عـلى
طول الجبهة خلال شروع قواتي بعبور نهر (الكرخة العمية).
* تحقيق فعل الصدمة من خلال حشد أكبر جهـد مـن قـواتي المدرعـة والآليـة
وزجها بسرعة عالية ومن اتجاهات غير متوقعة من قبل العدو مما أحـدث
هزة عنيفة لديه، وبالتالي عدم قدرته على الاستمرار في القتال.
* إصراري المستمر وحرصي على تطبيق مبدأ مهم مـن مبـادئ الهجـوم وهـو
(عدم السامح لزخم الهجوم بالتراخي) وقد تجلى هذا المبدأ بوضوح خلال
الصفحة الأولى من هجومنا المقابل بإدخال اكبر عدد ممكن مـن الـدبابات
في المعركة وعبور نهر (الكرخة العمية) بانتهاز الفرص. * المستوى الراقي الذي بلغه اللواء في تدريبه وتهيئته للمعركة بحيـث أصـبح
ً جاهزا لتنفيذ أية مهامت تعهد إليه بكفـاءة واقتـدار... لقـد تـدرب قسـم
كبـير مـن طوائفـه عــلى أنـواع متعـددة مــن الـدبابات الشرقيـة والغربيــة
وحصل منتسبوه على خبرات متراكمة طيلة خدمتهم الطويلـة فيـه، وخـير
دليل على ذلك تكريم نائـب القائـد العـام للقـوات المسـلحة لأحـد آمـري
دبابات كتيبة (المنصور) الذي كان يعمـل بصـفة آمـر دبابـة ورامـي في آن
واحد وتمكن من تدمير 6 دبابات معادية في هذه المعركة.
* سبق النظر في تهيئة المتطلبات الضرورية لإدامة زخـم الهجـوم ومـن ذلـك
تأليف (القوة المرتبة) التـي سـاعدت الوحـدات في عبورهـا لنهـر الكرخـة
العمية بسرعة ولولا ذلك لـتمكن العـدو مـن قطـع الـتماس مـع قطعاتنـا
بسهولة.
* التأكيد على إعادة التنظيم على الأهـداف بسرعـة واتخـاذ التـدابير اللازمـة
لمجابهة ردود فعل العدو المحتملة، يضاف إلى ذلك اكتفاء وحـدات اللـواء
ً إداريا من خلال عمل منظومة إدارية كفؤة حرصت على تأمين مواد تموين
القتال بمرونة عالية طيلة فترة المعركة.
* الجهد المتميز لقوتنا الجويـة وطيران جيشـنا في تـأمين غطـاء جـوي محـلي
ومراقبة الأجنحة وتدمير قوات العدو شرق / غرب نهر الكرخة العمية.
نقاط جديرة بالاهتامم
في المعارك الخاطفة التي يجـري فيهـا اسـتخدام القطعـات الآليـة والمدرعـة
بسيولة، تدعو الضرورة أن يكون القائد/الآمر في موقـع متقـدم، يـتمكن فيـه مـن
التعرف على الموقف بدقة، ثم ينظر بعين آمـري الرعائـل والسرايـا ويفكـر وينفـذ
بعقل القائد/الآمر. ً
الحرب العراقية الايرانية شهدت المواجهه الأولى بين دبابات T-72 ومثيلتها البريطانية Chieftain وكانت الغلبة للسوفييتية !!!! في ذلك الزمن، السوفييت كانوا سعداء لحصولهم على نموذج صالح من الدبابة Chieftain بكامل تجهيزاتها القتالية.