الدولة الأموية (3): صراع العروش.. بين حلم معاوية، ومأساة كربلاء، وبطش مروان

إنضم
7 مارس 2022
المشاركات
16,863
التفاعل
25,251 516 13
الدولة
Egypt
بسم الله الرحمن الرحيم


الفصل الأول: الملك الحكيم (هندسة الإمبراطورية والقبضة الحديدية)



في عام 41 هـ (عام الجماعة)، طوى العالم الإسلامي صفحة "الفتنة العمياء"، ودخل في حقبة جديدة تماماً. لم يعد معاوية بن أبي سفيان مجرد والٍ متمرد في الشام، بل أصبح "أمير المؤمنين" وملك العرب الذي دانت له الرقاب من حدود الصين شرقاً إلى شواطئ الأطلسي غرباً.

اتخذ معاوية قراره الاستراتيجي الأول بنقل عاصمة الخلافة من الكوفة (المدينة القلقة التي غدرت بعلي وحاولت اغتيال الحسن) إلى دمشق، معقله الآمن وحاضنته الوفية التي تدين له بالولاء المطلق. ومن داخل "قصر الخضراء" بدمشق، بدأ معاوية ينسج خيوط دولة لا تشبه دولة الخلفاء الراشدين في بساطتها وتقشفها، بل تشبه دول الأكاسرة والقياصرة في تنظيمها وهيبتها، مع الحفاظ على روح الإسلام وشعائره.




أولاً: الثورة الإدارية (من "البساطة" إلى "المؤسسية")



أدرك معاوية أن الدولة اتسعت جداً، وأن "البساطة العمرية" لم تعد تكفي لضبط ملايين البشر من أعراق مختلفة، فدشن نظماً إدارية لم يعرفها العرب من قبل:

  1. ديوان الخاتم (حماية مال الدولة):وقصته طريفة تكشف دهاء معاوية؛ فقد أمر لأحد الأشخاص بمبلغ من المال في كتاب مفتوح، فقام الرجل بفك طيات الكتاب وتزوير المبلغ (زاده أضعافاً) وصرفه من بيت المال. اكتشف معاوية الثغرة، فأسس "ديوان الخاتم".الآلية: كل رسالة تخرج من الخليفة، تُنسخ نسخة منها للحفظ (أول أرشيف دولة في الإسلام)، ثم تُطوى الرسالة وتخيط وتُختم بالشمع الأحمر، فلا يمكن فتحها إلا بكسر الختم، لضمان عدم التزوير.
  2. ديوان البريد (عيون الخليفة التي لا تنام):لم يكن البريد لنقل الرسائل فقط، بل كان جهاز "استخبارات" ومراقبة دقيقاً. وضع معاوية محطات خيول على طول طرق الإمبراطورية. يركض الفارس بالرسالة لمحطة، ويسلمها لآخر، وهكذا.كان الخبر يخرج من مكة أو الكوفة أو مصر فيصل لدمشق في أيام معدودة. كان معاوية يرى مملكته ويسمع دبيب النمل فيها وهو جالس على سريره في الشام.
  3. المقصورة والحرس (نهاية عصر البساطة):بعد أن طعنه الخارجي "البرك بن عبد الله" في صلاة الفجر (في الليلة التي استشهد فيها علي)، قرر معاوية ألا يكرر خطأ عمر وعلي (الذين كانوا يصلون وسط الناس بلا حراسة).بنى "المقصورة" في المسجد (غرفة مرتفعة محصنة يصلي فيها ويسمع الناس صوته ولا يصلون إليه)، واتخذ "الحرس" الخاص الذي يحيط به ليل نهار. هنا انتهى فعلياً عصر "الخليفة الذي يمشي في الأسواق وحيداً".


ثانياً: سياسة "الشعرة" (فن ترويض الكبار)



لم يحكم معاوية بالسيف فقط، بل حكم بلسانه ودهائه وماله. سياسته الشهيرة "شعرة معاوية" كانت منهج حياة: "لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت.. إن مدوها خليتها، وإن خلوها مددتها".

كيف تعامل مع "المعارضة الصامتة" (آل البيت والصحابة)؟كانت علاقة معاوية ببقايا كبار الصحابة وأهل البيت (الحسن، الحسين، ابن الزبير، ابن عمر) علاقة دقيقة جداً، قائمة على معادلة "الاحترام الكامل + الإغراق بالمال = الصمت السياسي".


  • مع الحسن والحسين: كان يعلم مكانتهما في قلوب الناس، فكان يبالغ في إكرامهما. خصص لهما عطاءً سنوياً ضخماً (قيل مليون درهم لكل منهما)، وكان يقضي ديونهما مهما عظمت. وإذا دخل الحسن أو الحسين عليه في دمشق، أجلسهما معه على السرير، ورحب بهما ترحيب الملوك، وقال: "أهلاً بابن بنت رسول الله". كانت رسالته الصامتة: "لكم التبجيل والمال والجاه، ولي الحكم والسلطة".
  • مع عبد الله بن الزبير: كان ابن الزبير هو "العقدة" التي يخشاها معاوية. كان يرى في عينيه طموحاً لا ينكسر. ومع ذلك، لم يمسسه بسوء، بل كان يداريه ويقول عنه واصفاً خطره: "إن ابن الزبير يربض ربوض الأسد، ويراوغ مراوغة الثعلب".


ثالثاً: الذراع الحديدية (قصة زياد بن أبيه)



إذا كان معاوية هو "العقل الحليم" في دمشق، فقد كان زياد بن أبيه هو "السيف الباطش" في العراق.كان العراق (الكوفة والبصرة) بركان ثورات، يعج بالخوارج وشيعة علي واللصوص وقطاع الطرق. فشل الولاة العاديون في ضبطه، فاحتاج معاوية إلى "داهية" مثله، ولكن بقلب أقسى.



1. قصة "الاستلحاق" الجريئة



كان زياد رجلاً مجهول الأب (يُقال زياد بن سمية)، لكنه كان أعجوبة زمانه في الفصاحة والذكاء الإداري. كان والياً لعلي على فارس، وحفظها بذكاء نادر.أراد معاوية استمالته لصفه، فلعب ورقة خطيرة هزت المجتمع العربي: "استلحاق النسب".جمع معاوية الناس، وأحضر شهوداً من الجاهلية شهدوا أن أبا سفيان كان قد ألمَّ بـ "سمية" (أم زياد) في الجاهلية، وأن زياداً هو ابنه. فأعلن معاوية رسمياً: "هذا زياد بن أبي سفيان، أخي".ضجت المدينة، واعترضت أم المؤمنين عائشة، واعترض ابنه يزيد، لكن معاوية لم يبالِ. كان بحاجة إلى "رجل دولة" لا "رجل نسب"، وقد كسب الرهان.



2. ولاية العراق والخطبة البتراء



ولى معاوية أخاه الجديد "زياداً" على البصرة، ثم ضم له الكوفة، ليصبح "والي العراقين" (أول من جمعت له الولايتان في التاريخ).دخل زياد البصرة، والناس في فوضى والفساد يعم. صعد المنبر وخطب خطبة لم يحمد الله فيها ولم يصلِّ على النبي (لشدة غضبه وعجلته)، فسُميت "البتراء". ألقى فيها دستور الحكم الأموي للعراق:

"إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة.. وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والصحيح بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انجُ سعد فقد هلك سعيد.. وإني لا أعدكم وعداً إلا أنجزته.. فإياي ودلج الليل (الخروج ليلاً)، فمن وجدته بعد العشاء ضربت عنقه".
نفذ زياد وعيده بدقة مرعبة. فرض حظر تجوال صارماً، وطارد اللصوص والخوارج بلا رحمة، حتى استتب الأمن في العراق لدرجة قيل فيها: "كانت المرأة تبيت وبابها مفتوح في العراق لا تخاف إلا الله". لقد كسر زياد شوكة التمرد العراقي، وملأ خزائن دمشق بأموال العراق.



رابعاً: الفتوحات.. إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس



لم يشغل التنظيم الداخلي معاوية عن "الجهاد". بل إن عهده كان "عصر فتوحات" ذهبي، أعاد للأذهان أيام عمر بن الخطاب، وأثبت للناس أن بني أمية حماة للإسلام.



1. الجبهة الشمالية (حصار القسطنطينية الأول)



لم ينسَ معاوية ثأره القديم مع الروم وحلمه بالبحر. جهز جيشاً ضخماً (براً وبحراً) لغزو عاصمة الروم القسطنطينية.جعل على هذا الجيش ابنه "يزيد بن معاوية" (ليقدمه للناس كقائد)، وكان في الجيش كبار الصحابة مثل ابن عمر و ابن الزبير و أبو أيوب الأنصاري.حاصر المسلمون المدينة الحصينة، لكنهم لم يفتحوها لشدة أسوارها و "النار الإغريقية".هناك، مرض الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري، وأوصى أن يُدفن عند أقرب نقطة من أسوار العدو. نفذ المسلمون وصيته، ودُفن تحت أسوار القسطنطينية، ليصبح قبره رمزاً للإصرار الإسلامي، ورسالة رعب للروم بأن المسلمين سيعودون.



2. الجبهة الغربية (عقبة بن نافع وأسطورة إفريقية)



في إفريقيا (المغرب العربي)، كان هناك بطل آخر يصنع التاريخ. عقبة بن نافع الفهري (ابن خالة عمرو بن العاص).أرسله معاوية والياً، فانطلق كالإعصار. في سنة 50 هـ، وقف وسط الأحراش والسباع في تونس، وغرس رمحه وقال: "هنا القيروان". بنى المدينة لتكون قاعدة انطلاق وجيش ومسجد، وهي أول مدينة إسلامية في المغرب العربي .لم يتوقف عقبة، بل واصل زحفه غرباً حتى وصل إلى المحيط الأطلسي، وهناك خاض بفرسه في الموج ورفع يده للسماء وقال قولته الخالدة التي أبكت التاريخ:




"يا رب، لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، أقاتل من كفر بك".


3. الجبهة الشرقية (عبور النهر)



وفي الشرق، عبرت جيوش الأمويين "نهر جيحون" لأول مرة في تاريخ الإسلام، ووصلت إلى "بخارى" و"سمرقند" (أوزبكستان حالياً)، وبدأت طلائعهم تقرع أبواب الصين والهند، حاملين راية بني أمية ومعها راية الإسلام.

انتهت العشرون عاماً من حكم معاوية والدولة في قمة مجدها:

  • داخلياً: استقرار أمني (بفضل زياد في العراق)، ورخاء اقتصادي، ونظام إداري محكم (الدواوين والبريد).
  • خارجياً: جيوش تضرب أسوار القسطنطينية، وخيول تشرب من المحيط الأطلسي.
  • سياسياً: المعارضة (آل البيت والصحابة) تم احتواؤها بالحلم والمال، والولاة يدينون بالولاء المطلق.
بدا وكأن معاوية قد حل كل المشاكل، وأسس ملكاً لا يزول. لكنه في الحقيقة كان يواجه مشكلة واحدة أخيرة، مشكلة ستكون هي "القشة" التي ستقصم ظهر البعير وتفجر كل ما بناه: مشكلة التوريث.
 

الفصل الثاني: البيعة الصعبة (معضلة ولي العهد وموت الإمام)



في سنواته الأخيرة، كان معاوية بن أبي سفيان يجلس في قصر الخضراء بدمشق، ينظر إلى خريطة دولته المترامية الأطراف، ويشعر بقشعريرة خوف. لم يكن الخوف من الروم أو الفرس، بل من "المجهول" الذي سيأتي بعد موته.كانت ذاكرته لا تزال طرية بمشاهد "الفتنة الكبرى"؛ كيف ذُبح عثمان، وكيف تقاتل المسلمون لسنوات. كان هاجسه الأكبر: "إذا مت اليوم وتركت الأمر شورى، فستعود الحرب الأهلية غداً، وسيضرب أهل الشام أهل العراق، وتضيع بيضة الإسلام".من هنا، نبتت في ذهنه فكرة لم يسبقه إليها أحد في الإسلام: "توريث الحكم"، أو ولاية العهد، لضمان استمرار الاستقرار.



أولاً: الرحيل الهادئ.. وفاة الحسن بن علي



قبل أن يعلن معاوية خطته الكبرى، حدث أمر جلل في المدينة المنورة سنة 49 هـ (وقيل 50 هـ).مرض الإمام الحسن بن علي مرضاً شديداً. تقطعت أمعاؤه، وأدرك أنه "السم".دخل عليه أخوه الحسين وقال بلهفة: "يا أخي، من سقاك؟".فأجاب الحسن بروح السلم التي عاش بها: "ولمَ؟ ألتقتله؟ إن يكن الذي أظن فالله أشد نقمة، وإن يكن غيره فما أحب أن يُقتل بي بريء".فاضت روحه الطاهرة، ودُفن بالبقيع، وبموته خسر العالم الإسلامي "صمام الأمان" الذي كان يضبط عواطف أهل العراق والحجاز.



هل قتله معاوية؟ (لغز السم)



راجت روايات تاريخية (خاصة عند المؤرخين الشيعة وبعض الأدباء كالأصفهاني) تتهم معاوية بأنه دس السم للحسن عن طريق زوجته "جعدة بنت الأشعث" ليمهد الطريق ليزيد، لأن وجود الحسن كان عقبة كأداء أمام التوريث (بسبب شروط الصلح).لكن التحقيق التاريخي المنصف (كما يذكره كبار المحققين كابن خلدون وابن تيمية) يبرئ ساحة معاوية من هذا لعدة أسباب:

  1. طبيعة معاوية: لم يكن معاوية دموياً في الاغتيالات السياسية، بل كان رجل تسويات.
  2. التوقيت: الحسن كان قد اعتزل السياسة تماماً، ولم يكن يشكل خطراً عسكرياً مباشراً يستدعي القتل.
  3. العصبية القبلية: "جعدة" هي ابنة الأشعث بن قيس (زعيم كندة)، وتوريطها في قتل حفيد الرسول كان سيشعل حرباً قبلية لا قبل لمعاوية بها.وعليه، يرجح أن وفاته كانت طبيعية أو بمكيدة داخلية لا علاقة لدمشق بها، لكن موته – دون شك – أزاح "الحرج الأخلاقي" الأكبر من طريق مشروع توريث يزيد.


ثانياً: لماذا "يزيد"؟ (تحليل الاختيار الصعب)



لم يكن اختيار يزيد بن معاوية قراراً عاطفياً لأب يحب ابنه، بل كان قراراً مدروساً بعناية فائقة، تحكمت فيه "الواقعية السياسية":

  1. عصبية "بني كلب":كانت أم يزيد هي "ميسون بنت بحدل الكلبية". وقبيلة "كلب" كانت هي العمود الفقري لجيش الشام، وأقوى قبيلة في المنطقة. تولي يزيد يعني ضمان ولاء هذه القوة العسكرية الضاربة للإمبراطورية. أي مرشح آخر من خارج هذا الحلف كان سيعني تمرد الجيش.
  2. نشأة البادية:أرسل معاوية ابنه يزيد صغيراً إلى البادية عند أخواله، فنشأ فصيحاً، شاعراً، فارساً، يكره حياة الترف في القصور. أراد معاوية أن يصنع منه "عربياً قحاً".
  3. الخبرة العسكرية:أراد معاوية تقديمه للأمة كقائد، فولاه قيادة جيش "غزوة القسطنطينية" (التي كان فيها ابن عباس وابن عمر وأبو أيوب). أراد أن يقول للناس: "هذا هو قائد الجهاد".
  4. غياب البديل الأموي:لم يكن في البيت الأموي آنذاك من يجمع بين الشباب والقوة والقبول عند أهل الشام مثل يزيد. كبار الصحابة (مثل مروان أو سعيد بن العاص) كانوا مكروهين في الشام أو لا يملكون العصبية الكافية .


ثالثاً: مهندس البيعة (المغيرة بن شعبة)



بدأت الفكرة همساً، لكن الذي أخرجها للعلن كان داهية الكوفة "المغيرة بن شعبة".دخل المغيرة على معاوية وقال: "يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف، فاعقد ليزيد من بعدك، فإنه كفؤ".أعجب معاوية بالفكرة، لكنه خاف من رد فعل الأمصار.بدأ زياد بن أبيه في البصرة، والمغيرة في الكوفة يمهدون الأرض، ويشترون الولاءات، ويقمعون المعارضين، حتى جاءت وفود العراق والشام تطالب بـ "يزيد" ولياً للعهد (بترتيب مسبق).



رابعاً: تمرد المدينة (الرؤوس الأربعة)



أعلن معاوية ترشيح يزيد، فبايعت الشام، ومصر، والعراق (رهبة ورغبة). بقيت العقبة الكؤود: المدينة المنورة.في المدينة، كان يعيش أبناء الصحابة الكبار، الذين يرون أنفسهم أحق بالأمر، ويرون في توريث يزيد "كسروية وهرقلية" (أي تقليداً للفرس والروم) وإلغاءً لنظام الشورى الإسلامي.تزعم المعارضة أربعة رجال (العبادلة):

  1. الحسين بن علي: سبط الرسول، وسيد شباب أهل الجنة.
  2. عبد الله بن الزبير: الطموح العنيد، وفارس قريش.
  3. عبد الله بن عمر: الزاهد الذي يخشى الفتنة ولكنه يرفض تغيير السنة.
  4. عبد الرحمن بن أبي بكر: ابن الصديق.
أرسل معاوية مروان بن الحكم (واليه على المدينة) ليأخذ البيعة منهم. خطب مروان في الناس وقال: "إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم يزيد سنة أبي بكر وعمر".فانتفض عبد الرحمن بن أبي بكر وقال بصوت عالٍ: "كذبت! والله ما هي سنة أبي بكر ولا عمر، ولكنها سنة كسرى وقيصر! كلما مات هرقل قام هرقل.. إن أبا بكر لم يورث ابنه ولا أهل بيته".ضج المسجد، وأيد الحسين وابن الزبير وابن عمر هذا الرفض القاطع. فشل مروان في المهمة، وكتب لمعاوية: "إن القوم قد امتنعوا، ولا بد لك من القدوم بنفسك".



خامساً: الثعلب في عرين الأسود (معاوية في المدينة)



أدرك معاوية أن الأمر لا يُحسم بالرسائل. جهز جيشاً لجبأ (ألف فارس)، وسار إلى المدينة بمظهر "المعتمر"، لكنه كان يضمر الحسم.دخل المدينة، فاستقبله الناس، لكن الوجوه كانت عابسة. جلس مع "الأربعة المعارضين" وحاول استمالتهم باللين:

  • قال لابن عمر: "يا بن عمر، كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة.. فما الذي غيرك؟".
  • وقال لابن الزبير: "يا ابن الزبير، إنك ثعلب رواغ.. توهمنا أنك معنا وقلبك علينا".
  • وحاول مع الحسين، لكن الحجة كانت واحدة: "لا نبايع من يشرب الخمر ويلعب بالقرود (كما كانوا يرون يزيد)، ولا نرضى بتحويل الخلافة إلى ملك وراثي".


خطة الصمت المرعب



لما يئس معاوية من إقناعهم، ولأنه لا يستطيع قتلهم لمكانتهم، لجأ إلى "حيلة سياسية مرعبة".صعد المنبر في المسجد النبوي، وقد نشر حرسه الخاص على رؤوس الناس، ووقف خلف كل واحد من الأربعة (الحسين، ابن الزبير، ابن عمر، عبد الرحمن) رجلان بسيوف مسلولة تحت ثيابهم.قال معاوية للناس: "إن هؤلاء الرهط (الأربعة) هم سادة المسلمين وخيارهم، وقد بايعوا وسمعوا وأطاعوا".نظر الناس إلى الأربعة، فإذا تكلم أحدهم بالتكذيب ضرب عنقه فوراً (هكذا كان التهديد). فسكتوا حقناً لدمائهم.فظن عامة الناس أنهم بايعوا، فبايع الناس كلهم!خرج معاوية من المدينة وقد أخذ "البيعة الشكلية" من أهل الحجاز، وعزل المعارضة سياسياً، لكنه ترك في قلوبهم ناراً ستنفجر بمجرد موته .

كان معاوية يظن أن دهاءه وحلمه قد أغلقا الملف، لكنه في الحقيقة "رحل المشكلة" للمستقبل. كان يعلم أن يزيد لا يملك حلم أبيه، وأن الحسين وابن الزبير لن يسكتا طويلاً.لذا، كانت وصيته الأخيرة ليزيد وهو على فراش الموت وصية "مودع خائف":

"يا بني.. إني قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك البلاد.. وإني لا أخاف عليك إلا من هؤلاء الأربعة...".
 

الفصل الثالث: العاصفة تعود (موت الأسد.. وغدر الكوفة)



في شهر رجب من عام 60 هـ، خيم الصمت والوجوم على دمشق. في قصر الخضراء، كان معاوية بن أبي سفيان، الذي حكم العرب عشرين عاماً كوالي وعشرين كخليفة، يلفظ أنفاسه الأخيرة.كان يدرك بحسه السياسي أن "الهدوء" الذي فرضه بدهائه سيتلاشى بمجرد خروج روحه، وأن ابنه "يزيد" لا يملك خبرته ولا صبره.



أولاً: وصية "مودع خائف"



استدعى معاوية ابنه يزيد (وفي روايات أنه أوصى من ينقل الوصية ليزيد لأنه كان غائباً في الصيد)، وقال له كلمات تقطر حكمةً وخوفاً:

"يا بني.. إني قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك البلاد، وذللت لك الأعداء، وإني لا أخاف عليك من قريش إلا ثلاثة: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير".
ثم فصل له كيفية التعامل مع كل واحد بدقة الجراح:

  1. عبد الله بن عمر: "رجل قد وقذته العبادة، وإذا بايع الناس بايع، فخله وما يريد".
  2. الحسين بن علي: "إنه رجل خفيف (أي سريع التأثر بمن حوله)، ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه عليك.. فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحماً ماسة، وحقاً عظيماً". (هنا يظهر دهاء معاوية واحترامه لآل البيت).
  3. عبد الله بن الزبير: "إنه خَبٌّ ضَبّ (ماكر ومراوغ).. فإنه سيربض لك ربوض الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن ظفرت به فقطعه إرباً إرباً".
مات معاوية، ودُفن بدمشق، وبموته انكسر "القفل" الذي كان يحبس الفتنة.



ثانياً: البيعة القسرية.. وهروب الصقور



تولى يزيد بن معاوية الحكم، وكان شاباً، متمتعاً بالدنيا، يفتقر إلى حلم أبيه. كان أول قرار له: "أخذ البيعة بقوة السيف".أرسل رسالة عاجلة إلى والي المدينة الأموي "الوليد بن عتبة" (وكان رجلاً طيباً ضعيفاً) يقول فيها:

"خُذ حسيناً، وعبد الله بن عمر، وابن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة، حتى يبايعوا.. والسلام".


ليلة العصيان في قصر الإمارة



استدعى الوالي الحسين وابن الزبير ليلاً. وكان عنده "مروان بن الحكم" (شيخ بني أمية والمتشدد للعائلة).قرأ الوالي عليهما خبر موت معاوية وطلب البيعة.

  • قال الحسين بدبلوماسية: "يا أيها الأمير، إن مثلي لا يبايع سراً، فإذا دعوت الناس غداً دعوتمونا معهم".
  • أراد الوالي أن يقبل عذره، لكن مروان صرخ: "لئن فارقك الساعة ولم يبايع، لا قدرت عليه أبداً.. احبسه، فإن بايع وإلا فاضرب عنقه!".
  • غضب الحسين وانتفض قائلاً: "ويلي عليك يا ابن الزرقاء! أتأمر بضرب عنقي؟ كذبت والله ولؤمت". ثم خرج الحسين من القصر.
أما عبد الله بن الزبير، فلم يذهب للقصر أصلاً، بل جمع دابته وهرب من المدينة ليلاً متجهاً إلى مكة "العائذ بالبيت". ولحق به الحسين وأهله في الليلة التالية.فشل والي المدينة في المهمة، وأصبحت مكة الآن هي "مركز المعارضة" الجديد.



ثالثاً: مكة.. ورسائل الغدر (نداء الكوفة)



استقر الحسين في مكة، وبدأ الناس يلتفون حوله. لكن الخطر الحقيقي كان يأتي من العراق.سمع أهل الكوفة بموت معاوية ورفض الحسين لبيعة يزيد، فاجتمعوا في بيت "سليمان بن صرد الخزاعي"، وقالوا: "قد مات معاوية، والحسين لم يبايع، ونحن شيعته وشيعة أبيه".

بدأت الرسائل تنهال على الحسين في مكة كالسيل (قيل وصلت إلى 12 ألف رسالة!). وكان مضمونها واحداً ومغرياً:

"إلى الحسين بن علي.. ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق.. إن النعمان بن بشير (والي الكوفة) في قصر الإمارة وحيداً لا نجتمع معه في جمعة ولا جماعة، ولو بلغنا قدومك أخرجناه".
شعر الحسين بالمسؤولية، وقرر ألا يتسرع، بل يرسل "سفيراً" يستطلع الأمر. وقع اختياره على ابن عمه وثقته: "مسلم بن عقيل".



رابعاً: مسلم بن عقيل في الكوفة (الدولة السرية)



وصل مسلم بن عقيل الكوفة، ونزل في بيت "المختار بن أبي عبيد الثقفي" (أحد دهاة العرب).ما إن علم الناس بقدومه حتى انهالوا عليه يبايعونه. امتلأت سجلات مسلم بأسماء المبايعين (بايعه 18 ألفاً، وقيل 40 ألفاً).كتب مسلم إلى الحسين متفائلاً: "الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فحي هلا بك".

تحرك الحسين من مكة قاصداً الكوفة، ظناً منه أن "الجيش جاهز". لكن في دمشق، كان هناك من يراقب المشهد بعين الصقر.



خامساً: الذئب يدخل الكوفة (عبيد الله بن زياد)



وصلت أنباء حركة مسلم إلى يزيد في دمشق. أدرك يزيد أن والي الكوفة "النعمان بن بشير" رجل ورع لا يصلح لهذه المرحلة الدموية.استشار يزيد مستشاره "سرجون الرومي"، فأشار عليه بضم الكوفة إلى والي البصرة الطاغية "عبيد الله بن زياد" (ابن زياد بن أبيه). كان عبيد الله شاباً، دموياً، ورث عن أبيه الحزم والقسوة.



الدخول الماكر



وصل ابن زياد إلى الكوفة، ولكنه لم يدخلها بجيش جرار، بل استخدم "الحرب النفسية".دخلها ليلاً، ملثماً بعمامة سوداء، يركب بغلة تشبه بغلة الحسين. فكان كلما مر على مجلس حراس أو ناس، ظنوا أنه الحسين، فهتفوا: "مرحباً بك يا ابن بنت رسول الله".سكت ابن زياد وابتسم ابتسامة صفراء، وعرف أن الكوفة كلها مع الحسين.وصل القصر، وكشف عن وجهه، فسقط الرعب في قلوب الجميع. لقد جاء "ابن زياد"!



الخطة الشيطانية



  1. الترهيب والترغيب: جمع ابن زياد زعماء القبائل (العرفاء)، وهددهم: "أيما عريف وُجد في قبيلته متمرد ولم يسلمه، صُلب العريف على باب بيته، وقُطعت عطايا قبيلته". فخاف الزعماء على مصالحهم.
  2. الجاسوس: زرع جاسوساً (اسمه معقل) تظاهر بالنسك وحب أهل البيت، حتى اخترق تنظيم مسلم بن عقيل وعرف مكانه في بيت الزعيم الكبير "هاني بن عروة".


سادساً: المواجهة (مقتل هاني ومسلم)



استدعى ابن زياد الزعيم "هاني بن عروة"، وواجهه بالجاسوس، ثم ضربه بهراوة على وجهه حتى هشمه، وحبسه.وصل الخبر لمسلم بن عقيل، فأدرك أن وقت العمل السري انتهى. نادى بشعار: "يا منصور أمِت".خرج معه 4000 مقاتل، وحاصروا قصر الإمارة. تحصن ابن زياد داخل القصر (ولم يكن معه إلا 30 شرطياً وأشراف الناس).

وهنا، لعب ابن زياد ورقة "الخذلان الكوفي" المعتادة.أمر زعماء القبائل (الذين معه في القصر) أن يطلوا من الشرفات وينادوا عشائرهم في جيش مسلم:

"يا أهل الكوفة.. الحقوا ببيوتكم.. لقد جاءت جيوش الشام من دمشق (كذبة حرب).. لا تهلكوا أنفسكم".
بدأت النساء تأتي لتسحب ابنها أو أخاها، والرجال يتسللون لواذاً.صلى مسلم المغرب ومعه 4000، فلما صلى العشاء لم يجد خلفه إلا 30 رجلاً!خرج من المسجد، فإذا هو وحيد.. في أزقة الكوفة المظلمة، لا يجد بيتاً يؤويه ولا رجلاً يدله على الطريق.



سابعاً: النهاية التراجيدية



لجأ مسلم إلى بيت امرأة عجوز تدعى "طوعة"، آوته بشهامة. لكن ابنها أبلغ عنه في الصباح.حاصر الجنود البيت، فخرج مسلم يقاتلهم بسيفه كالأسد الجريح في الأزقة الضيقة، حتى أثخنوه بالجراح، وأعطوه الأمان، فاستسلم.



الحوار الأخير (بين الضحية والجلاد)



أُدخل مسلم على ابن زياد، والدماء تسيل منه. لم يسلم عليه بالإمارة.قال ابن زياد شامتاً: "إيه يا ابن عقيل.. أتيت الناس وهم جميع فشتت أمرهم".قال مسلم بقوة: "ما لذلك أتيت.. ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وأحيا شرارهم، وعمل فيهم عمل كسرى وقيصر.. فأتينا لنأمر بالعدل وندعو للكتاب".قال ابن زياد: "يا فاسق.. ألم تكن تشرب الخمر بالمدينة؟".رد مسلم: "أما الخمر، فالله يعلم أنك أولى بها مني.. أنت الذي تقتل النفس المحرمة، وتلعب وتلهو كأنك لم تصنع شيئاً".

غضب ابن زياد وأمر به. صعدوا به إلى أعلى "قصر الإمارة".نظر مسلم إلى الأفق، باتجاه طريق مكة، ودمعت عيناه، وقال:

"اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا.. السلام عليك يا أبا عبد الله (يقصد الحسين)، ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة، فإنهم كذبوك وكذبوني".
ضُربت عنقه، وأُلقي جسده من أعلى القصر، ثم سُحب هاني بن عروة من السجن وضُربت عنقه في السوق.

و بهذا فقد سقطت الكوفة في يد "الرعب الأموي". وتحولت الرسائل التي أرسلت للحسين من "عهود بيعة" إلى "أوراق خيانة".في هذه الأثناء، كان الحسين بن علي يقطع الصحراء ومعه نساؤه وأطفاله، متجهاً إلى العراق، وهو يظن أن 18 ألف سيف في انتظاره، ولا يعلم أن سفيره قد قُتل، وأن القلوب التي كانت معه قد انقلبت، وأن السيوف قد شُحذت لقتله.
 

الفصل الرابع: الملحمة الدامية (كربلاء.. ومصارع الكرام)



في مكة، كان الحسين بن علي يحزم أمتعته، وقد عزم على المسير إلى العراق. لم يكن هذا القرار سهلاً، بل كان قراراً اتخذه وسط عاصفة من التحذيرات والبكاء. كان كبار الصحابة وأهل الرأي يرون ما لا يراه الحسين؛ يرون "غدر الكوفة" الذي ذاقه أبوه وأخوه من قبل، ويرون "بطش بني أمية" الذي لن يتورع عن شيء.



أولاً: نداءات الاستغـاثة (الصحابة يمسكون بلجام الحسين)



لم يترك ناصح نصيحته إلا وقدمها للحسين.

  • عبد الله بن عباس (حبر الأمة): جاء إلى الحسين وقال له بلهجة المحب المشفق: "يا ابن عم، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال.. إن أهل العراق قوم غدر، فلا تغترن بهم.. أقم في هذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز". فلما أصر الحسين، قال له ابن عباس باكياً: "لولا أن يزري بي وبك الناس، لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب".
  • عبد الله بن عمر: لحق به مسيرة ليلتين، وقال له: "أين تريد؟". قال: "العراق". وأخرج له كتب أهل الكوفة. فقال ابن عمر: "لا تأتهم". فأبى الحسين. فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: "أستودعك الله من قتيل".
  • عبد الله بن الزبير: قال له: "أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟".
  • الفرزدق (الشاعر): لقيه في الطريق، فسأله الحسين عن أهل العراق، فقال جملته الخالدة التي تلخص الموقف: "قلوبهم معك، وسيوفهم عليك، والأمر ينزل من السماء".
لكن الحسين كان يسير بقدر مقدور، تدفعه "عزة النفس" و"الثقة المفرطة" في وعود أهل الكوفة، ورفضه لبيعة يراها باطلة.



ثانياً: الطاغية والماجن (ابن زياد ويزيد.. ثنائي الشر)



بينما كان الحسين يقطع الصحراء، كانت الكوفة قد سقطت في قبضة "عبيد الله بن زياد".لم يكن ابن زياد مجرد والٍ، بل كان "آلة قتل" ورث القسوة عن أبيه (زياد بن أبيه) لكنه افتقد حكمة معاوية.


  • جرائمه: قتل مسلم بن عقيل (سفير الحسين) ورمى جثته من القصر، وسحل هاني بن عروة في الأسواق، وملأ السجون بالموإلين لأهل البيت، وفرض طوقاً أمنياً خانقاً على الكوفة، فجعل أهلها يرتعدون خوفاً، وينكثون وعودهم للحسين.
أما يزيد بن معاوية:فقد كان في دمشق، يتابع الأخبار. تختلف الروايات في شخصيته، لكن المتفق عليه أنه كان شاباً "مترفاً"، نشأ في نعيم الملك، ولم تصقله المحن كما صقلت أباه.تصفه بعض المصادر التاريخية بأنه كان "صاحب طرب وجوارٍ وكلاب وصيد"، وأنه كان يفتقر إلى "الورع الديني" الذي يليق بخليفة، مما جعله مكروهاً عند قطاع عريض من الأمة، ومهد لقبول فكرة الخروج عليه. ومع ذلك، يرى بعض المحققين (كما في المصدر) أن الروايات التي تتهمه بالكفر أو الزندقة مبالغ فيها، لكن "التهاون" و"الاستبداد" كانا سمتين بارزتين في حكمه.



ثالثاً: الوصول إلى "كرب و بلاء"



وصل الحسين إلى أرض العراق، ففوجئ بجيش الكوفة (الذي دعاه للنصرة) يخرج لقتاله بقيادة عمر بن سعد (الذي أغراه ابن زياد بملك الري).سأل الحسين عن اسم الأرض، فقيل له: "كربلاء". فقال: "كرب وبلاء".حاصره الجيش الأموي (4000 مقاتل) وهو في (72 رجلاً) من أهل بيته وأصحابه.عرض الحسين عليهم خيارات سلمية: "دعونى أرجع من حيث أتيت، أو أذهب إلى ثغر من ثغور المسلمين، أو أذهب إلى يزيد في دمشق فأضع يدي في يده".قبل عمر بن سعد، لكن الشيطان "شمر بن ذي الجوشن" (أحد قادة ابن زياد) تدخل وأفسد الأمر، وأصر ابن زياد على شرط واحد مذل: "أن ينزل الحسين على حكمي (أي يستسلم كأسير)".صرخ الحسين بكلمته التي صارت دستوراً للأحرار:

"ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة (القتال) والذلة.. وهيهات منا الذلة".


رابعاً: يوم عاشوراء (العطش والدم)



في العاشر من محرم سنة 61 هـ، وقعت المأساة.منع ابن زياد الماء عن معسكر الحسين، فباتوا ليلتهم يضج لهم دوي كدوي النحل من الصلاة والدعاء، والأطفال يصرخون من العطش.

بدء المعركة:كانت معركة غير متكافئة بكل المقاييس. أسود يواجهون طوفاناً.

  • تساقط أصحاب الحسين واحداً تلو الآخر، وهم يتلقون السهام بصدورهم دفاعاً عنه.
  • ثم جاء دور أهل بيته؛ قُتل ولده علي الأكبر (شبيه النبي ﷺ)، وقُتل إخوته من أبيه (العباس وإخوته)، وقُتل أبناء أخيه الحسن، وأبناء عبد الله بن جعفر. حتى الطفل الرضيع (عبد الله) ذُبح بسهم وهو في حجر أبيه الحسين!
مصرع الحسين:بقي الحسين وحيداً، فريداً، عطشاناً، ومع ذلك قاتل قتال الليوث. كان يحمل عليهم فيفرون من بين يديه كالجراد.لكن الكثرة غلبت الشجاعة. تداعى عليه القتلة، فضربه "زرعة بن شريك" على كتفه، وطعنه "سنان بن أنس" بالرمح، ثم نزل "شمر بن ذي الجوشن" (أو سنان في رواية أخرى) فاحتز رأسه الشريف، لترتفع الروح الطاهرة إلى بارئها، تاركة جسداً ممزقاً بخيول الطغاة .



خامساً: ما بعد الكارثة (السبي والتشفي)



لم تنتهِ المأساة بالقتل. هجم "حثالة الجيش" على خيام الحسين، فنهبوا ما فيها، وحرقوا الخيام، وروعوا النساء.ساقوا نساء أهل البيت (وفيهم زينب بنت علي) ومعهم علي زين العابدين (الناجي الوحيد من أبناء الحسين لمرضه) كالأسرى (السبايا) إلى الكوفة.

في مجلس ابن زياد:جلس ابن زياد منتشياً بنصره، ونكت بقضيبه ثغر الحسين (الرأس المقطوع).انتفض الصحابي العجوز زيد بن أرقم وقال باكياً: "ارفع قضيبك! فوالله لطالما رأيت شفتي رسول الله ﷺ تقبلهما".وقفت زينب بنت علي (بطلة كربلاء الثانية) أمام الطاغية ابن زياد كالطود، وقالت له حين شمت بها: "ما رأيت إلا جميلاً.. هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ.. ثكلتك أمك يا ابن مرجانة".



سادساً: الرؤوس في دمشق (بين يدي يزيد)



أُرسلت الرؤوس والسبايا إلى دمشق.تختلف الروايات في رد فعل يزيد بن معاوية:

  • الرواية الشيعية وبعض الروايات التاريخية: تقول إنه فرح، ونكت الرأس، وتمثل بأبيات شعر جاهلية (ليت أشياخي ببدر شهدوا).
  • الرواية السنية والتحقيق التاريخي (كما في المصدر): تؤكد أن يزيد دمعت عيناه حين رأى الرأس، وقال: "قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.. لعن الله ابن مرجانة (ابن زياد)، والله لو أني صاحبه لعفوت عنه".وأكرم يزيد نساء أهل البيت، وأنزلهن في قصره (حتى قيل إن نساء يزيد أقمن المناحة على الحسين)، ثم جهزهن وأرسلهن معززات إلى المدينة.لكن، ورغم إظهاره الندم، لم يعاقب يزيدُ ابنَ زياد على جريمته، ولم يقتص منه، مما يثبت عند المحققين رضاه الضمني أو على الأقل "تواطؤه السياسي"، فبقيت التهمة تلاحقه أبد الدهر .


سابعاً: الزلزال (وقع الخبر على العالم الإسلامي)



نزل خبر مقتل الحسين كالصاعقة على المسلمين.

  • في المدينة: ضجت المدينة بالبكاء، وخرجت "أم سلمة" (أم المؤمنين) تصرخ، وكان الجن قد ناحت على الحسين (كما في المرويات).
  • عبد الله بن عمر: بكى حتى غشي عليه، وعلم أن نبوءة النبي ﷺ قد تحققت.
  • عبد الله بن عباس: فقد بصره في آخر عمره، وكان يقول: "ما لي ولحسين! ما نمت ليلة قتله"، ورأى النبي ﷺ في المنام أغبر أشعث وبيده قارورة دم.
تحولت "كربلاء" من نصر عسكري أموي زائف، إلى "هزيمة أخلاقية وسياسية" أبدية. لقد أصبح دم الحسين هو "الوقود النووي" الذي سيفجر الثورات ضد بني أمية لعقود قادمة، وسيكون السبب المباشر في سقوط دولتهم في النهاية.
قُتل الحسين، لكن دمه أحيا "قضية المعارضة" ومنحها قداسة لم تكن تملكها.ظن يزيد وابن زياد أنهم تخلصوا من "المتاعب"، لكنهم في الحقيقة فتحوا على أنفسهم أبواب الجحيم.ففي الحجاز، كان هناك "أسد" يتربص، استغل المأساة ليعلن نفسه خليفة ويطرد بني أمية. إنه عبد الله بن الزبير.
 

الفصل الخامس: غضبة الحرمين (الحرة وحريق الكعبة.. استباحة المقدسات)



لم يكن مقتل الحسين بن علي مجرد حدث عابر، بل كان "زلزالاً نفسياً" ضرب وجدان الأمة. في المدينة المنورة، تحول الحزن الصامت إلى غضب عارم. كان الصحابة وأبناؤهم ينظرون إلى منبر رسول الله ﷺ ويشعرون بالخزي؛ كيف قُتل ابن بنت نبيهم ولم يثأروا له؟بدأت حلقات المساجد تضج بالهمس: "خليفة يشرب الخمر، ويقتل عترت الرسول.. لا طاعة له".أدرك والي المدينة الأموي "عثمان بن محمد" خطورة الموقف، فأراد أن يستميل وجوه الناس، فاقترح إرسال وفد من كبار أهل المدينة إلى دمشق ليروا يزيد بأنفسهم، لعلهم يرجعون راضين.



أولاً: وفد المدينة.. الشهادة التي أشعلت النار



تكون الوفد من خيرة أهل المدينة، وعلى رأسهم "عبد الله بن حنظلة" (غسيل الملائكة)، وعبد الله بن أبي عمرو، والمنذر بن الزبير.وصل الوفد إلى دمشق، فأكرمهم يزيد غاية الإكرام. أنزلهم في القصور، وأغدق عليهم الأموال (أعطى عبد الله بن حنظلة وحده 100 ألف درهم)، وظن أنه اشترى ولاءهم.لكن هؤلاء الرجال لم يذهبوا للمال، بل ذهبوا "للتحقيق". رأوا في بلاط يزيد ما هالهم: حياة ترف، ومجالس غناء، واستهتار بالدين (وفقاً لروايتهم).



العودة والانفجار



عاد الوفد إلى المدينة، فاجتمع الناس حولهم يسألون: "ماذا وراءكم؟".وقف عبد الله بن حنظلة وقال كلمته التي صارت شرارة الثورة:

"يا قوم، والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء.. إنه رجل ينكح الأمهات والبنات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة.. والله لو لم يكن معي أحد لقاتلته".ثم أخرج الأموال التي أعطاها له يزيد ورمى بها في الشارع قائلاً: "اشهدوا أني قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه".خلع الناس يزيد، وبايعوا عبد الله بن حنظلة على الموت، وطردوا والي يزيد وكل بني أمية من المدينة (حوالي 1000 رجل)، وحاصروهم في دار مروان بن الحكم ثم أخرجوهم أذلة صاغرين.


ثانياً: جيش الانتقام (مسلم بن عقبة)



وصل الخبر إلى يزيد، فاستشاط غضباً. قال: "بعثت إليهم الوفد فأكرمتهم، فرجعوا يشتمونني!".قرر يزيد إرسال جيش لتأديب المدينة، واختار لقيادته رجلاً معروفاً بالقسوة والولاء الأعمى، هو الشيخ الفاني "مسلم بن عقبة" (الذي سماه السلف لاحقاً "مسرف بن عقبة" لإسرافه في القتل).قال له يزيد:

"سر إليهم.. وادعهم ثلاثاً، فإن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً (أي المدينة حلال لجيشك قتلاً ونهباً)، فما فيها من مال أو سلاح أو طعام فهو للجند".
يا لها من وصية مرعبة! خليفة المسلمين يبيح "حرم رسول الله" لجنوده كما تُباح مدن الكفر!



ثالثاً: يوم الحرة (المجزرة المنسية)



وصل جيش الشام (12 ألف مقاتل) إلى مشارف المدينة، ونزل في منطقة "الحرة" (أرض بركانية سوداء).خرج أهل المدينة للدفاع عن مدينتهم. خندقوا الشوارع، ووقفوا صفوفاً، يتقدمهم القراء وحفظة القرآن.أمهلهم مسلم ثلاثاً، فرفضوا الاستسلام. وفي اليوم الرابع، دارت رحى الحرب.قاتل أهل المدينة قتال المستميتين، لكن "الخبرة العسكرية" كانت لصالح جيش الشام النظامي. اخترق الجيش الأموي الخندق، وانقضوا على المدينة من كل جانب.



الاستباحة (أيام الرعب)



ما حدث بعد ذلك كان وصمة عار في التاريخ. دخل الجنود المدينة، ونفذوا أمر "الإباحة".

  • القتل العشوائي: قُتل من المهاجرين والأنصار وأبنائهم ومواليهم ما يقرب من 10 آلاف (قيل قُتل 700 من حملة القرآن). قُتل عبد الله بن حنظلة وأبناؤه، وسالت الدماء في شوارع المدينة حتى وصلت إلى قبر النبي ﷺ .

  • البيعة على "العبودية": بعد المجزرة، جلس مسلم بن عقبة يأخذ البيعة من الناجين. لم يبايعهم على "كتاب الله وسنة نبيه"، بل قال لهم: "بايعوا على أنكم خول (عبيد) ليزيد بن معاوية، يحكم في دمائكم وأموالكم ما شاء". ومن رفض، ضُربت عنقه فوراً.


رابعاً: حصار مكة وحريق الكعبة



لم يكتفِ يزيد بتأديب المدينة، بل أمر جيشه بالتوجه إلى مكة للقضاء على الرأس الأكبر: عبد الله بن الزبير.مات مسلم بن عقبة في الطريق (وكأن الله انتقم منه)، فتولى القيادة "الحصين بن نمير".وصل الجيش إلى مكة، وضرب عليها حصاراً خانقاً. تحصن ابن الزبير ومن معه داخل الحرم، معتقدين أن للبيت حرمة ستمنعهم.لكن الجيش الأموي، الذي استباح مدينة الرسول بالأمس، لم يتورع عن استباحة بيت الله اليوم.نصبوا المنجنيق على جبل أبي قبيس، وبدؤوا يقصفون المسجد الحرام بالحجارة وكرات النار.اشتعلت أستار الكعبة، واحترق سقفها، وتصدعت جدرانها، في مشهد سريالي تقشعر له الأبدان: "كعبة المسلمين تحترق بنيران جيش خليفة المسلمين!".



خامساً: مفاجأة السماء (موت الطاغية)



وبينما الحجارة تنهال على الكعبة، واليأس يدب في قلوب المحاصرين، جاء "الفرج" من حيث لا يحتسبون.وصل خبر عاجل من دمشق: "مات يزيد بن معاوية".مات يزيد فجأة في ربيع الأول سنة 64 هـ، وهو في عز شبابه (33 سنة). اختلفت الروايات في موته؛ قيل ذبحة صدرية، وقيل انفجرت قرحة في جوفه، وقيل لدغته عقرب، وقيل خرج للصيد وسقط في حفرة.مات الطاغية الذي قتل الحسين، واستباح المدينة، وأحرق الكعبة، في ثلاث سنوات فقط من حكمه المشؤوم!



سادساً: العرض الذهبي (فرصة ابن الزبير الضائعة)



بموت يزيد، انهار جيش الشام المحاصر لمكة نفسياً. توقف القصف، وحدث أمر عجيب يدل على "الواقعية السياسية" لقادة بني أمية.طلب قائد الجيش الأموي "الحصين بن نمير" لقاء عبد الله بن الزبير.التقيا، فقال له الحصين:

"يا ابن الزبير.. قد مات الرجل (يزيد)، وأنت أحق الناس بهذا الأمر. هلم معي إلى الشام، فوالله لئن بايعتك لأحنيت لك رقاب أهل الشام كلهم، ولا يختلف عليك اثنان".
كان عرضاً تاريخياً: الخلافة تأتيه على طبق من ذهب، وبجيش الشام القوي.لكن ابن الزبير، الذي كان قلبه يغلي غضباً مما فعلوه بالكعبة والمدينة، رفض العرض بغلظة وقال: "والله لا أهادنكم حتى أقتل بكل واحد من أهل الحجاز عشرة منكم".يئس الحصين منه، وقال له: "أدعوكم للخلافة وتتوعدني بالقتل؟". ثم انسحب بجيشه عائداً إلى الشام.

و هكذا بموت يزيد وانسحاب الجيش، حدث فراغ هائل في السلطة:

  1. في الحجاز: أعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة، وبايعته مكة والمدينة، ثم انضمت له مصر والعراق واليمن وخراسان. دانت له الدنيا كلها.
  2. في الشام: عم الفوضى والاضطراب. تولى "معاوية الثاني" (ابن يزيد) الحكم، لكنه كان شاباً زاهداً مريضاً، كره أفعال أبيه وجده، فاعتزل الناس.
أصبحت الدولة الأموية "جثة هامدة". فقدت كل ولاياتها، ولم يبقَ لها إلا "دمشق" وبعض مناطق الأردن. ظن الجميع أن بني أمية قد انتهوا إلى الأبد، وأن الخلافة عادت لـ "ابن الزبير".لكن.. كان هناك رجل عجوز من بني أمية يراقب المشهد، ويعد العدة لقلب الطاولة في اللحظة الأخيرة. إنه "مروان بن الحكم".
 

الفصل السادس: السقوط الكبير (الفراغ القاتل ومؤتمر الجابية)



في دمشق، وبعد وفاة يزيد بن معاوية المفاجئة (64 هـ)، وجد الأمويون أنفسهم أمام مأزق وجودي. لقد ورث الحكم فتى شاب، مريض، زاهد، لا تشبه شخصيته أباه ولا جده. إنه "معاوية بن يزيد" (معاوية الثاني).كان هذا الشاب يرى الفتنة تشتعل، ويرى دماء المسلمين تُسفك في الحجاز والعراق، فقرر أن يتخذ موقفاً أخلاقياً صادماً، موقفاً نادراً ما يفعله الملوك: "التنازل عن العرش".



أولاً: الزاهد في قصر الخضراء (معاوية الثاني)



صعد معاوية الثاني المنبر، وكان وجهه شاحباً من المرض والحزن، وخطب في الناس خطبة الوداع:

"أيها الناس.. إني قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لكم شورى كما فعل رسول الله، وإن أحببتم عهدت إليكم كما فعل أبو بكر.. ولكن ليس فيكم من هو مثل عمر.. ولست أنا مثل أبي بكر".ثم قال كلمته الفاصلة: "لقد تذوقتم حلاوة الخلافة، فلا تحرموني مرارتها.. شأنكم وأمركم، ولوا من شئتم".
نزل عن المنبر، ودخل داره، وأغلق عليه بابه، ومات بعد أربعين يوماً (أو بضعة أشهر) فقط من ولايته، وهو لم يجاوز العشرين من عمره. وبموته، انقطع نسل "آل سفيان" من الحكم، ودخلت الدولة في "الفراغ القاتل".



ثانياً: الانهيار الشامل (الدولة بلا رأس)



بمجرد وفاة معاوية الثاني، انهارت الدولة الأموية كبيت من ورق.

  • الحجاز: تحت حكم ابن الزبير بالكامل.
  • العراق: طرد أهل البصرة والكوفة ولاة بني أمية، وبايعوا ابن الزبير.
  • مصر: انضمت لركب ابن الزبير.
  • الشام (المعقل الأخير): حتى الشام انقسمت! بايعت حمص وقنسرين وفلسطين ابن الزبير، ولم يبقَ مع بني أمية إلا منطقة "الأردن" وجزء من دمشق.
صار عبد الله بن الزبير هو الخليفة الشرعي والفعلي للمسلمين، تُجبى له الأموال، ويُدعى له على المنابر في كل مكان، وظن الجميع أن "الدولة الأموية" قد أصبحت سطراً في كتب التاريخ.



ثالثاً: حقائب الرحيل (اليأس الأموي)



في دمشق، كان كبار بني أمية يحزمون أمتعتهم. وصل بهم اليأس إلى درجة أن شيخهم "مروان بن الحكم" قرر السفر إلى مكة لمبايعة ابن الزبير وطلب الأمان.قال مروان مستسلماً: "ما بقي إلا أن نركب رواحلنا ونلحق بابن الزبير فنبايعه ونأمن على أنفسنا".

لكن، في اللحظة الأخيرة، وصل رجل غيّر مجرى التاريخ. إنه "عبيد الله بن زياد"، الطاغية الهارب من العراق.دخل ابن زياد على مروان بن الحكم، فوجده يجهز للسفر، فصرخ فيه:

"يا مروان! أتبايع لابن الزبير وأنت شيخ بني عبد مناف وكبيرهم؟.. لا تفعل، أنت أولى بها منه.. انهض ودعني أكفك هذا الأمر".
نفخ ابن زياد الروح في جسد مروان الميت، وأقنعه بأن "السلطة تُؤخذ غلاباً"، وأن الشام لا تزال فيها بقية من رمق.



رابعاً: الانقسام القبلي (القيسية ضد اليمانية)



لم تكن المشكلة سياسية فقط، بل كانت قبلية بامتياز. انقسم عرب الشام إلى معسكرين:

  1. القيسية (عرب الشمال): بقيادة "الضحاك بن قيس" (والي دمشق). هؤلاء مالوا إلى ابن الزبير وبايعوه سراً، وسيطروا على دمشق.
  2. اليمانية (عرب الجنوب - بنو كلب): بقيادة "حسان بن مالك الكلبي". هؤلاء كانوا أخوال يزيد بن معاوية، وكانوا يعلمون أن فوز ابن الزبير يعني نهاية نفوذهم، فتمسكوا ببني أمية.


خامساً: مؤتمر الجابية (إنقاذ العرش)



دعا "حسان بن مالك الكلبي" (زعيم اليمانية) أمراء بني أمية وقادة القبائل الموالين لهم إلى مؤتمر عاجل في منطقة "الجابية" (في الجولان) لحسم الأمر واختيار خليفة أموي يواجه ابن الزبير.كان المؤتمر عاصفاً، وتنافس فيه ثلاثة مرشحين:

  1. خالد بن يزيد بن معاوية: (ابن الخليفة الراحل)، كان شاباً صغيراً، ودعمه بعض اليمانية وفاءً لأبيه وجده.
  2. عمرو بن سعيد الأشدق: (والي المدينة السابق)، كان قوياً وطموحاً وشاباً.
  3. مروان بن الحكم: (شيخ العائلة)، كان كبيراً في السن (تجاوز الستين)، ومجرباً.


الدهاء السياسي لمروان



كاد المؤتمر يفشل، فالشباب يريدون "خالد بن يزيد"، والكبار مترددون.هنا تدخل "روح بن زنباع" (أحد دهاة العرب) وقال كلمة حسمت الموقف:

"يا قوم.. إنكم تتحدثون عن مقارعة ابن الزبير، وهو كهل مجرب.. وخالد صبي لا يدرك ما يُراد له.. وعمرو بن سعيد يغلبه الشباب.. ألا وإني لا أرى لهذا الأمر إلا مروان بن الحكم.. شيخ قريش، الذي قارعه الدهر وقارع الدهر".
تم الاتفاق على "تسوية سياسية" لترضية الجميع:

  • الخليفة: مروان بن الحكم (لمواجهة الأزمة الحالية).
  • ولي العهد الأول: خالد بن يزيد (ترضية للكلبيين ومحبي معاوية).
  • ولي العهد الثاني: عمرو بن سعيد الأشدق (ترضية لشباب الأسرة الطامحين).
بايع الجميع مروان بن الحكم في الجابية (ذي القعدة 64 هـ)، ورفع الأمويون رايتهم من جديد، ولكن هذه المرة بقيادة "الفرع المرواني" بدلاً من "الفرع السفياني" .
و هكذا في غضون أشهر قليلة، انقلب المشهد رأساً على عقب.

  • من استسلام ويأس، إلى توحيد للصفوف في "الجابية".
  • تحالف مروان بن الحكم مع "القبائل اليمانية" (بني كلب) ليواجه "القبائل القيسية" الموالية لابن الزبير.
الآن، أصبح للأمويين "رأس" (مروان) و"جيش" (اليمانية)، لكنهم لا يملكون أرضاً، فدمشق وفلسطين وحمص بيد أنصار ابن الزبير.لم يكن أمام مروان إلا خيار واحد: "معركة حياة أو موت".
 

الفصل السابع: المعركة الفاصلة (مرج راهط.. وعودة الروح)



قبل أن تدور رحى المعركة، دعنا نقترب من الرجل الذي سيقودها. إنه شيخ بني أمية، ورجل الظل الذي خرج إلى الضوء في اللحظة الأخيرة ليلعب دور "المنقذ".



أولاً: مروان بن الحكم.. سيرة "الرجل الصعب"



وُلد مروان في مكة، وهو ابن "الحكم بن أبي العاص" (عم عثمان بن عفان).


  • في العهد النبوي: يذكر المؤرخون أن أباه "الحكم" طُرد من المدينة إلى الطائف بسبب إفشائه لأسرار النبي ﷺ (أو استهزائه)، وخرج معه مروان وهو طفل صغير، فلم يرَ النبي ﷺ إلا قليلاً ولم يثبت له صحبة بالمعنى الشرعي الكامل عند كثير من المحققين، وإنما هو من "كبار التابعين" .
  • في عهد عثمان: عندما ولي عثمان الخلافة، رد عمه "الحكم" وابنه "مروان" إلى المدينة، وقرّب مروان وجعله "كاتب سر الدولة". كان مروان شاباً ذكياً، طموحاً، لكنه كان "متشدداً" في رأيه، وكثيراً ما اتهمه الثوار بأنه السبب في تأليب عثمان عليهم، وهو الذي كتب الرسالة الختمية (التي قيل إنها مزورة) إلى والي مصر لقتل الوفد، مما فجر الفتنة.
  • يوم الدار: دافع عن عثمان ببسالة، وضُرب على قفاه يومها ضربة كادت تقتله، وعاش بعدها أوقص الرقبة.
  • في عهد معاوية: ولاه معاوية على المدينة المنورة عدة مرات. كان حازماً، وكان هو الذي ضغط لأخذ البيعة ليزيد بالقوة، وهو الذي طرد الحسين وابن الزبير من المدينة في تلك الليلة الشهيرة.
الآن، وبعد عقود من العمل كـ "رجل ثانٍ" أو مستشار، وجد مروان نفسه في سن الرابعة والستين (وقيل أكثر)، وجهاً لوجه أمام القدر: إما أن يصبح الخليفة، أو ينتهي البيت الأموي للأبد.



ثانياً: معركة "مرج راهط".. (يوم البطش)



بعد نجاح "مؤتمر الجابية" وتوحيد الصف الأموي خلف مروان، كان التحدي الأول هو "الضحاك بن قيس".كان الضحاك (زعيم القيسية) يسيطر على دمشق ويدين بالولاء لابن الزبير.خرج مروان بجيشه (ومعظمهم من قبيلة "كلب" اليمانية) والتقى بجيش الضحاك (ومعظمهم من "قيس") في مرج راهط قرب دمشق، في ذي القعدة 64 هـ.

كانت معركة دموية بكل المقاييس، استمرت 20 يوماً.

  • قاتل مروان وهو شيخ كبير قتال الشباب، وكان يقول: "لما رأيت الأمر أمراً نهباً.. شمرت عن ساقي لبست الحربا".
  • في النهاية، سقط الضحاك قتيلاً، وانهزم جيش ابن الزبير هزيمة ساحقة.استعاد مروان دمشق، وجلس على "عرش معاوية"، ليعلن ميلاد "الدولة المروانية".
أثر المعركة (الجرح الذي لا يندمل):رغم الانتصار، خلفت "مرج راهط" جرحاً عميقاً في الجسد العربي: "الثأر بين القيسية واليمانية".لقد قُتل من أشراف قيس عدد كبير، وظلت قبائل قيس (عرب الشمال) تحمل حقداً دفيناً على بني أمية (حلفاء اليمانية)، وهو الحقد الذي سينفجر لاحقاً في عهد "مروان بن محمد" (آخر خلفاء بني أمية) ويكون سبباً رئيسياً في سقوط الدولة .



ثالثاً: الزحف المقدس.. استعادة مصر



لم يضيع مروان وقتاً. كان يدرك أن "مصر" هي خزائن الأرض، وأنها مفتاح النصر على ابن الزبير.في سنة 65 هـ، زحف مروان بجيش الشام صوب مصر. كان والي مصر (عبد الرحمن بن جحدم) يميل لابن الزبير، لكن أهل مصر كانوا يميلون لبني أمية (عثمانية الهوى).لم يحدث قتال كبير؛ فقد دخل مروان مصر دخول الفاتحين، وبايعه أهلها.

وصية مروان لولده عبد العزيز (والي مصر):ولى مروان ابنه "عبد العزيز بن مروان" على مصر (وهو والد الخليفة عمر بن عبد العزيز)، وأوصاه وصية خلدها التاريخ في فن الإدارة:

"يا بني.. انظر إلى عمالك، فاستعملهم على قدر منازلهم.. واجعلهم فريقين: فريقاً للدين والصلاح، وفريقاً للدنيا والعمل.. وإياك والنساء، فإن فتنتهن عظيمة.. وأحسن إلى أهل مصر، فإنهم عدتك وعتادك".


رابعاً: الانقلاب الناعم (توريث عبد الملك)



بعد أن استتب له الأمر في الشام ومصر، شعر مروان بقرب أجله، وقرر أن ينكث العهد الذي قطعه في "الجابية".كان الاتفاق أن يكون ولي العهد "خالد بن يزيد بن معاوية"، ثم "عمرو بن سعيد الأشدق".لكن مروان رأى أن "خالداً" شاب لا يصلح لمقارعة ابن الزبير، وأن "عمراً" طموح قد يزيح أبناءه.فجمع الناس وقال: "إن الله قد ألبسكم العافية.. وقد رأيت أن أولي هذا الأمر ولدي عبد الملك، ثم عبد العزيز".بايع الناس (تحت ضغط القوة والمال)، وأُسقط خالد وعمرو من ولاية العهد. وبهذا، حصر مروان الخلافة في ذريته إلى الأبد.



خامساً: النهاية الدرامية (موت في المخدع)



في رمضان سنة 65 هـ، وبعد 9 أشهر فقط من حكمه المليء بالأحداث، مات مروان بن الحكم.الرواية المشهورة في موته:تقول الروايات إن مروان تزوج "أم خالد بن يزيد" (أرملة يزيد بن معاوية) ليحقر من شأن ابنها خالد. وفي يوم من الأيام، دخل خالد على مروان، فأهانه مروان وقال له: "يا ابن الرطبة" (شتيمة).شكى خالد لأمه، فقررت الانتقام لكرامة ولدها.دخلت على مروان وهو نائم، فوضعت "الوسادة" على وجهه وجلست فوقها هي وجواريها حتى اختنق ومات!وقيل إنها سقته السم.مات "الداهية العجوز" الذي أنقذ دولة بني أمية من الفناء، وماتت معه أسراره، لكنه ترك خلفه "أسداً" جاهزاً للانقضاض، هو ابنه "عبد الملك بن مروان".
 
ابدعت ، استمتع دائما بالقراءة عند كل فصل من فصول الدولة .
ولكن سؤال يتبادر بذهني لماذا لم ينقسم جيش يزيد فقادته مسلمون وخاضو فتوحات عديدة فلا يعقل ان الجيش بأكمله يقبل بما حصل بقتل الحسين واستباحة المدينة
لا الجيش في خراسان ولا في المغرب العربي تمرد او رفض ما حدث بل الموت هو فقط من انقذ اهل مكة
 
ابدعت ، استمتع دائما بالقراءة عند كل فصل من فصول الدولة .
ولكن سؤال يتبادر بذهني لماذا لم ينقسم جيش يزيد فقادته مسلمون وخاضو فتوحات عديدة فلا يعقل ان الجيش بأكمله يقبل بما حصل بقتل الحسين واستباحة المدينة
لا الجيش في خراسان ولا في المغرب العربي تمرد او رفض ما حدث بل الموت هو فقط من انقذ اهل مكة
حبيبي تسلم و شكرا جدا على دعمك ❤️

للاسف دائما الحكام عندهم القدره على جعل جنودهم ينفذوا أمرهم لاما بقى بالعطايا او التهديد او جعل في منافسه لكي ينالوا رضا الحاكم

فاي حد كان بيعترض كان بيتم عقابه عقاب شديد و جعله عبره و ده كان مخلي الكل بيطيع الأوامر + للأسف النعرات القبليه كان ليها دور كبير
 
عودة
أعلى