خلف الكواليس: أمريكا هي المهندس... وإسرائيل هي الواجهة – الهندسة الجديدة للشرق الأوسط
تحليل للأحداث في الشرق الأوسط (خلف الكواليس)
بدايةً، أود أن أقول لكم إنني لم أُعِدّ هذا التحليل في حماسة اللحظة أو تحت تأثير العاطفة. لقد تعمدت تأخير نشره حتى يربطه من يقرأه بالواقع، لا بالوهم أو البروباغندا الإعلامية.
أولاً: المهندس الخفي
عندما رأت واشنطن أن العالم يتحرك نحو حل الدولتين، وعندما رأت 157 دولة تعترف بفلسطين، وحين أدركت أن 81% من دول العالم لم تعد مستعدة لانتظار سلام إسرائيلي لا يأتي أبداً؛ في تلك اللحظة، لم تعبر واشنطن عن غضبها علناً، ولم تحتج، ولم تصدر بيانات إدانة. بدلاً من ذلك، دخلت إلى الغرفة الخلفية، وبدأت في الرَّسم.
الإستراتيجية الجديدة بسيطة: طالما أن العالم يريد دولتين للفلسطينيين والإسرائيليين، فلنخلق دويلات أخرى. دويلات صغيرة تُفتت المنطقة، دويلات تُبقي الحكومات مشغولة، دويلات تُهدد الأمن القومي لكل من يرفض التطبيع، دويلات تُحوّل حلم الدولة الفلسطينية إلى كابوس إقليمي. أما الدول القوية الأخرى... فيجب تفكيكها.
وهنا تكمن العبقرية الخفية في تقسيم الأدوار:
أمريكا هي المهندس، هي المخطط، وهي التي تنفذ على الأرض. جنرالاتها هم الذين زاروا صوماليلاند (أرض الصومال) في ديسمبر 2025، وهم الذين يقدمون الدعم الأمني، وهم الذين يبنون القواعد. لكن أمريكا لا تعلن عن شيء؛ فرسمياً، تدعم واشنطن وحدة الصومال، ورسمياً تعارض الاعتراف بصوماليلاند. ثم تأتي إسرائيل لتعلن ذلك؛
إسرائيل هي الواجهة، هي التي تعترف بصوماليلاند، وهي التي تحصد ثمار ما زرعته أمريكا.
لقد كانت صوماليلاند بقعة أرض منسية لعقود، لم يهتم بها أحد ولم يذكرها أحد. وفجأة، عندما بدأ العالم يعترف بفلسطين، استيقظت! مَن أيقظها؟ ومَن هندس وجودها؟ اسألوا جنرالات واشنطن الذين زاروها في ديسمبر 2025.
وهنا يطرح سؤال مباشر نفسه: ماذا لو قامت إحدى دول المنطقة بالاعتراف بكيان يهدد الأمن القومي الأمريكي أو الإسرائيلي؟ ماذا لو قامت إحدى دول المنطقة بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع في السودان، والتي ارتكبت أبشع الجرائم؟ ماذا كانت واشنطن ستفعل؟ لقامت القيامة، ولَفُرضت العقوبات، ولَقُطعت العلاقات الدبلوماسية، ولَحُشدت الجيوش. ولكن عندما تكون أمريكا هي المهندس، وإسرائيل هي الواجهة، والوكلاء الإقليميون هم المنفذون، يصبح تمزيق الدول "حقاً في تقرير المصير"، ويصبح تمويل الميليشيات "دعمًا للاستقرار"، ويتحول تهديد أمن الجيران إلى "شأن داخلي". هذا هو الكيل بمكيالين.
ثانياً: خطة لا تفرق بين سُنّي وشيعي
إن كل مَن يظن أن ما حدث في إيران كان يستهدف مجرد نظام شيعي فقد أخطأ الهدف تماماً. فالخطة في المنطقة لا تفرق بين المذاهب ولا تعترف بالطوائف؛ ما يحدث هو محاولة ممنهجة لتفكيك الدول القوية في الشرق الأوسط، كلها، دون استثناء.
قبل ثمانية أشهر من فبراير 2026، كانت هناك ضربة سابقة لإيران، وخرج ترامب مراراً ليعلن: "الاتفاق النووي الإيراني انتهى إلى الأبد". لقد أنهى المهمة ودمر كل شيء، فلماذا العودة إلى الحرب في فبراير 2026؟
الجواب لا يكمن في إيران، بل يكمن في فلسطين؛ في الـ 157 دولة التي اعترفت بدولة فلسطين. في الموجة التي بدأت في 5 فبراير 2025 باعتراف المكسيك، ثم انفجرت في 21 سبتمبر 2025 باعتراف المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، والبرتغال، واستمرت في 22 سبتمبر باعتراف فرنسا، بلجيكا، لوكسمبورغ، مالطا، أندورا، وموناكو، واختتمت في 23 سبتمبر باعتراف سان مارينو.
157 دولة من أصل 193؛ أي أكثر من 81% من العالم. هذا هو ما أغضبهم، وهذا ما دفعهم للعودة إلى الحرب ضد إيران، ليس لأن إيران تشكل تهديداً، بل لأن تفكيك الدولة الإيرانية –كما يتخيله نتنياهو وترامب– سيدفع دول المنطقة للهروب والهرولة نحو التطبيع.
ثالثاً: الكمين الذي نصبه الحرس الثوري
ما لم يحسب له نتنياهو وترامب حساباً هو أن قرار خامنئي بالبقاء في مقر إقامته لم يكن غباءً، ولا تهوراً، ولا رفضاً للحماية، بل كان كميناً؛ كميناً إستراتيجياً نصبه الحرس الثوري الإيراني، وطعماً ابتلعه نتنياهو وترامب.
بينما كان خامنئي يتابع تصريحات ترامب بأنه سيشن حرباً على إيران، رفض المغادرة وقال: "لن أذهب إلى الجبال، سأبقى مع الإيرانيين". قال المحللون حينها: إن الوصول إلى رأس خامنئي يعني أن أمريكا وإسرائيل قد كسبتا الرهان، وستخرج المعارضة، وسيسقط النظام.
نعم، تم اغتيال خامنئي، واغتيل عشرات القادة، ودُمّرت مئات من البُنى التحتية. وماذا حدث؟ المعارضة الإيرانية... اختفت، لم تخرج ولم تتحرك. والنظام... امتص الصدمة، وبقي قائماً.
الفارق بين مَن يفهم الحروب الدولية ومَن لا يفهمها هو: العبرة ليست في الفعل، العبرة في النتائج. إن الحرس الثوري والموالين للنظام لا يهمهم حجم الخسائر البشرية، ولا يهمهم كم قتِل من القادة، ولا يهمهم إذا طال أمد الحرب، طالما أن الجبهة الداخلية متماسكة. وطالما أن إمدادات السلاح تصلهم –سواء عبر مضيق هرمز أو عبر بحر قزوين الخالي من أي تواجد أمريكي– فإنهم سيعوضون كل خسائرهم، وسيتحملون كل الأضرار، كل شيء... إلا تفكك الجبهة الداخلية.
رابعاً: ماذا أرادوا من إيران؟
تفكيك الدولة. الشيء نفسه الذي حاولوا فعله في صوماليلاند، والشيء نفسه الذي حاولوا فعله في جنوب اليمن. الفارق الوحيد هو: في صوماليلاند وجنوب اليمن كان الهدف خلق كيانات ودول، أما في إيران فكان الهدف تفكيك الدولة نفسها، تفتيتها، تمزيقها، وتحويلها إلى كانتونات متناحرة.
ولماذا؟ ليرتفع العلم الإسرائيلي فوق مضيق هرمز، ولتسيطر إسرائيل على الممر المائي الذي يمر عبره أكثر من 20% من صادرات الطاقة في العالم. وحينها –وفقاً للأوهام في مخيلة نتنياهو وترامب– ستسارع دول الخليج للوصول إلى تفاهمات مع إسرائيل؛ لأنها باتت على الضفة الأخرى من المضيق، ولأنها تتحكم في شريان الطاقة، ولأنه لا يوجد خيار آخر.
خامساً: السيناريو نفسه يتكرر مراراً وتكراراً في كل مكان
النمط نفسه يظهر بوضوح في جنوب اليمن، حيث تولت إسرائيل إدارة العملية عبر وكيلها في أبوظبي لتنفيذها على الأرض. يتقدم المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، ويسيطر على ميناء المكلا، ويهدد الأمن القومي السعودي. كل هذا يتزامن مع تحركات إسرائيل في صوماليلاند، بل وفي نفس يوم إعلان اعترافها بها. بينما أمريكا رسمياً... مع وحدة اليمن وضد انفصال صوماليلاند، وتتماشى مع بيان مجلس الأمن الذي أكد موقفه الثابت في دعم وحدة اليمن والشرعية الدولية.
أرادوا اتباع النمط نفسه في السودان؛ أمريكا تخطط، وأبوظبي تمول، وقوات الدعم السريع تنفذ العمليات وترتكب أبشع الجرائم بهدف تمزيق السودان، لإشغال مصر، وتهديد الخاصرة الغربية للمملكة العربية السعودية. وأمريكا... رسمياً... تدعو إلى الحوار والسلام!
هكذا حاولوا وسيحاولون في كل مكان: أمريكا هي المهندس، هي العقل المدبر، هي اليد التي تصمم وتخطط وتنفذ. وإسرائيل هي الواجهة، هي الصوت الذي يعلن، وهي التي تحصد ثمار ما زرعته أمريكا.
لماذا تتضمن الخطة التقسيم؟ ولماذا تتبناه إسرائيل؟ لأن واشنطن تريد الحفاظ على علاقاتها مع دول المنطقة، فلو تبنت الأفعال التي لا تعلنها، لَاستفاد التنين الصيني

من ذلك. إنها تريد أن تقول للرياض كأنها تقول: "نحن معكم، نحن مع وحدة اليمن، نحن مع وحدة الصومال، ومع الشرعية الدولية"، وفي نفس الوقت تخطط وتنفذ وتخلق كيانات تهدد الرياض والقاهرة وتركيا وكل دول المنطقة وكل مَن يرفض التطبيع. ثم، بمجرد تفكيك الدول القوية وتأسيس الكيانات الانفصالية، ستصبح أمريكا الغد هي إسرائيل اليوم؛ والحديث عن دمج الجيشين الأمريكي والإسرائيلي يؤكد تقارب الأهداف وتبادل الأدوار.
إنها ازدواجية ممنهجة، ووجهان لعملة واحدة: وجه رسمي يبتسم، ويطلق الوعود، ويوقع البيانات؛ ووجه خفي يحفر، ويبني، ويهدد.
سادساً: التحذير السعودي – لم يكن حياداً، بل قراءة للخطة
في 21 فبراير 2026، أصدرت المملكة العربية السعودية تحذيرها الذي جاء فيه: "تجدد المملكة العربية السعودية موقفها الثابت والراسخ الرافض لأي إجراءات تمس سيادة الدول وحدودها وسلامة أراضيها، وتؤكد أن الطريق الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل هو إنهاء الاحتلال على أساس حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".
هذا التحذير لم يكن إعلاناً للحياد، ولم يكن خوفاً، ولا تردداً؛ بل كان قراءة دقيقة للخطة.
لم تكن الرياض خائفة من إيران، فإيران معادية للمملكة، وتستمر في التفكير بغباء تجاه الدول المحورية في الشرق الأوسط. لكن الرياض تعلم أن ما يحدث في إيران اليوم سيحدث في مكان آخر غداً، وتعلم أن الخطة لا تفرق بين سُنّي وشيعي، وتعلم أن الهدف هو تفكيك كل دولة قوية؛ إيران اليوم، وغيرها غداً. لهذا السبب حذرت ورفضت الانجرار إلى الحرب رغم السلوك الميليشياوي لإيران. ولأن المملكة العربية السعودية

تعلم علم اليقين أن هذه الخطة بأكملها ليست سوى سباق مع الدبلوماسية الدولية، يهدف إلى منع دول أخرى من الاعتراف بدولة فلسطين، وإلغاء الجهود الدولية السابقة التي أسفرت عن اعتراف العالم بدولة فلسطين.
أما وهم نتنياهو وترامب بأن دول المنطقة ستسارع نحو التطبيع بعد تحييد إيران وتأمين السيطرة على مضيق هرمز، فهو مجرد سراب؛ وقد كشف الواقع هذا الوهم، وتنبأ به التحذير السعودي، وأسقطه محور جديد يتشكل في الشرق الأوسط:




...




