الحرب على إيران.. إلى أين تتجه؟ وأين تقف الصين وروسيا؟
الحرب لا تقررها القوة العسكرية فقط، بل إدارة الأزمة الدولية وموازنة التحركات الدولية
طهران- مع استمرار الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران منذ فجر السبت، تتكشف معالم مواجهة إقليمية وعسكرية شديدة التعقيد، تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي لتشمل أبعاداً استراتيجية وسياسية ودولية متعددة.
وأسفرت الهجمات التي شنها التحالف على مواقع عسكرية ونووية عن سقوط المئات، بينهم المرشد علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين، لكنها لم تحقق الحسم السريع الذي كانت واشنطن وتل أبيب تراهن عليه.
الرد الإيراني جاء سريعاً، إذ شمل إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، إضافة إلى استهداف ما تصفه طهران بالقواعد والمصالح الأميركية في دول الجوار.
وأسفرت هذه العمليات عن قتلى وجرحى، وألحقت أضراراً بالمباني المدنية والموانئ، ما رفع مستوى المخاطر الإقليمية وأعاد طرح تساؤلات حول مسار الحرب وإمكانية تمدده إلى صراع طويل الأمد.
ويؤكد الخبير المغربي في العلاقات الدولية علي فاضيلي أن أي تقييم لمستقبل الحرب يجب أن يأخذ بعين الاعتبار قدرة إيران على إدارة العمليات الميدانية ضمن خطط محددة مسبقاً، لكنها ليست قوة غير قابلة للتأثر بالضغوط العسكرية. فالعمليات الإيرانية المباشرة تظهر استعداداً جزئياً للتعامل مع الضربات، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات كبيرة على مستوى الاستهداف والدقة والموارد العسكرية المتاحة، لا سيما مع استمرار استهداف القيادات العليا والبنية التحتية الحيوية.
ويضيف فاضيلي أن الرهان الأميركي على حرب خاطفة وسريعة لم يحقق أهدافه بالكامل، وأن الوقت قد يكون عاملاً مؤثراً في تطورات الصراع، لكنه يشدد على أن الصراع لن يحسم من خلال ضربات جوية فقط، وأن أي إطالة أمد المواجهة قد تضع الولايات المتحدة في موقف صعب على المستوى السياسي الداخلي، خصوصاً أن الرئيس الأميركي بني جزءاً من رصيده السياسي على معارضته للتدخلات العسكرية الخارجية.
كما يشير إلى أن تفويض القوات الميدانية الإيرانية لاتخاذ القرارات في حالات محددة يعكس درجة من المرونة التكتيكية، لكنها لا تعني تفوقاً مطلقاً، إذ التحديات اللوجستية والقدرات الدفاعية للهجوم تجعل النتائج غير مؤكدة.
ومن جانبه، يوضح أستاذ العلوم السياسية المغربي خالد يايموت أن القوة العسكرية الإيرانية تعتمد على أدوات هجومية ودفاعية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، لكنها أدوات محدودة التأثير في حسم المواجهة بسرعة.
ويشير إلى التفوق الجوي الأميركي والإسرائيلي الذي يمنح أفضلية تكتيكية، لكنه لا يكفي لتحقيق نتائج استراتيجية شاملة على الأرض، خصوصاً مع التحديات المرتبطة بالمساحات الجغرافية الواسعة التي تنتشر فيها البنية التحتية الإيرانية والمواقع العسكرية والنووية.
ويضيف يايموت أن موقع إيران الاستراتيجي عند مضيق هرمز يمنحها ورقة ضغط مهمة، إذ يمر عبر هذا المضيق نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، مما يجعل أي تصعيد في المنطقة له تأثير مباشر على حركة التجارة والطاقة.
ورغم هذا، فإن إيران تواجه قيوداً على مستوى إمكانياتها اللوجستية والتكنولوجية، ما يحد من قدرتها على تحويل هذه الورقة إلى تفوق مطلق في المعركة.
ويشير إلى أن القوات البرية الإيرانية مجهزة جزئياً للقتال المباشر وحرب المدن والعمليات الخاصة، لكنها ليست قوة قادرة على مواجهة قوة التحالف مباشرة دون خسائر كبيرة، بينما تمثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة أدوات رئيسية للرد عن بعد، لكنها أيضاً عرضة للتحديات الدفاعية والتقنية.
الموقف الدولي يحدد بشكل كبير مسار الحرب، حيث أن أي تدخل مباشر من قبل الصين أو روسيا يمكن أن يؤدي إلى تصعيد واسع، في حين أن الاقتصار على الدعم الاستراتيجي والمراقبة يمنحهما إمكانية الاستفادة من الوضع دون المخاطرة بمواجهة مباشرة.
وعلى المستوى العسكري، يبرز دور حلفاء إيران الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان، الذين يمتلكون ترسانة صاروخية واسعة قد تُفتح جبهات إضافية إذا تم استخدامها.
ويزيد هذا العامل من التعقيد العسكري ويجعل التخطيط الأميركي والإسرائيلي أكثر صعوبة، لكنه لا يعني قدرة حسم سريعة.
وفي الوقت نفسه، تعتمد واشنطن وتل أبيب على التفوق التكنولوجي، بما يشمل القوة الجوية وأنظمة الدفاع المتقدمة، لتحقيق أهداف تكتيكية محددة، مع مراعاة المخاطر السياسية والإستراتيجية للتصعيد الإقليمي الأوسع.
وبالنسبة للأبعاد الدولية، فإن الصين وروسيا تتابعان الصراع عن كثب، لكنهما تتخذان موقفاً محدود الانخراط. فالصين ترى في الحرب فرصة استراتيجية لمراقبة استخدام واشنطن للتقنيات العسكرية، وتقييم الاستراتيجيات الأميركية في الشرق الأوسط، لكنها لا تسعى إلى الانخراط المباشر في العمليات العسكرية، مع احتمال تقديم دعم دبلوماسي أو تقني محدود.
وأما روسيا، فتراقب الوضع للاستفادة من انشغال الولايات المتحدة بالصراع لإعادة توزيع مواردها العسكرية، خصوصاً فيما يتعلق بالنزاع في أوكرانيا، دون الانخراط المباشر في النزاع.
ويرى المحللون أن الموقف الدولي يحدد بشكل كبير مسار الحرب، حيث أن أي تدخل مباشر من قبل الصين أو روسيا يمكن أن يؤدي إلى تصعيد واسع، في حين أن الاقتصار على الدعم الاستراتيجي والمراقبة يمنحهما إمكانية الاستفادة من الوضع دون المخاطرة بمواجهة مباشرة.
وبذلك، فإن الحرب على إيران لا تقررها القوة العسكرية فقط، بل إدارة الأزمة الدولية وموازنة التحركات الإقليمية والدولية.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية، يشير الخبراء إلى أن الصراع قد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تعتمد فيها إيران على القدرة على الرد عن بعد من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة، مع استخدام الموقع الجغرافي الاستراتيجي للضغط على حركة التجارة والطاقة العالمية، بينما تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على التفوق الجوي والتكنولوجيا المتقدمة لتحقيق أهداف محددة. وقد تتوسع الجبهات الإقليمية إذا قررت إيران أو حلفاؤها استخدام أوراقهم العسكرية الإقليمية، ما يزيد التعقيد السياسي والاستراتيجي للحرب.
وتظهر الحسابات الدولية أن الصراع لا يمكن حسمه بسرعة، وأن التفوق الجوي وحده ليس كافياً، خصوصاً مع احتمالات تكرار الهجمات الإيرانية على أهداف استراتيجية في إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة، وتأثير ذلك على أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية. كما أن صعوبة استهداف البنية التحتية الإيرانية بالكامل، وصعوبة إيقاف الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، تجعل مسار الحرب مفتوحاً على عدة احتمالات.
وتتجه الحرب على إيران نحو مرحلة غير حاسمة في المدى القصير، حيث تمتزج الضربات الجوية مع الصواريخ الباليستية والقدرات الدفاعية، ويظل المشهد الدولي، لا سيما موقف الصين وروسيا، عاملاً رئيسياً في ضبط أبعاد الصراع. يبقى السؤال الأبرز: من سيتمكن من إدارة الحرب على المدى الطويل بكفاءة أكبر؟ وهل ستتمكن القوى الدولية من الحد من التوسع الإقليمي للصراع، أم ستظل المنطقة تحت وطأة مواجهة ممتدة مع تبعات استراتيجية وجيوسياسية؟.