الكاثوليك والبروتستانت: خلاف عقائدي ديني أشعل أوروبا
بيتر جيرمانوس
لم يبدأ الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت كحرب بين شعوب، بل كزلزال داخل الإيمان المسيحي نفسه. في عام 1517، أعلن الراهب الألماني مارتن لوثر اعتراضه على بيع صكوك الغفران، أي الفكرة التي انتشرت يومها بأن المال يمكن أن يخفف العقوبة الروحية. لكن المسألة لم تقف عند المال. لوثر طرح سؤالاً أخطر: من يملك تفسير الإيمان؟ البابا والكنيسة، أم الكتاب المقدس مباشرة (إنجيلي) ؟
هنا ظهر الانقسام العقائدي الحقيقي. الكاثوليكية تقول إن الإيمان يقوم على الكتاب المقدس، والتقليد الرسولي، وسلطة الكنيسة التعليمية، وعلى الأسرار السبعة: المعمودية، التثبيت، القربان، التوبة، مسحة المرضى، الكهنوت، والزواج. كما تؤمن بدور البابا، والقديسين، ومريم، والمطهر، وبأن الخلاص يرتبط بالإيمان العامل بالمحبة والأسرار.
أما البروتستانتية، خصوصاً في بدايتها اللوثرية، فقالت: الكتاب (اي الانجيل الجديد والتوراة معاً) وحده هو السلطة العليا، والخلاص بالإيمان وحده لا بالأعمال ولا بالمؤسسة الكنسية. رفض البروتستانت سلطة البابا، وقلّصوا الأسرار غالباً إلى المعمودية والعشاء الرباني، ورفضوا فكرة المطهر وصكوك الغفران، واعتبروا أن العلاقة بين الإنسان والله لا تحتاج إلى جهاز كنسي ضخم يتحكم بها.في عام 1521، حُرم لوثر كنسياً، وبدأ الانشقاق يصبح سياسياً. أمراء ألمان وجدوا في الإصلاح فرصة للتحرر من روما والإمبراطور.
ثم اندلعت حرب الفلاحين في ألمانيا بين 1524 و1525، وهي ليست حرباً كاثوليكية ـ بروتستانتية صافية، لكنها تأثرت بروح الإصلاح، وانتهت بمقتل نحو 100 ألف فلاح.في فرنسا، تحوّل الخلاف إلى حرب أهلية بين الكاثوليك والهوغونوت البروتستانت من 1562 إلى 1598. كانت الذروة الدموية في مذبحة سان بارتيليمي عام 1572، حين قُتل آلاف البروتستانت في باريس ومدن فرنسية أخرى. تقديرات الضحايا في تلك المذبحة وحدها تتراوح بين بضعة آلاف وعشرات الآلاف.
أما حروب الدين الفرنسية كلها فقد خلّفت، بحسب تقديرات واسعة، بين مليونين وأربعة ملايين قتيل بسبب القتال والمجاعة والمرض.في الأراضي المنخفضة، اندلعت حرب الثمانين عاماً من 1568 إلى 1648 بين الهولنديين البروتستانت والملكية الإسبانية الكاثوليكية، وانتهت باعتراف إسبانيا باستقلال الجمهورية الهولندية.
لم تكن الحرب دينية فقط، بل كانت أيضاً حرب استقلال وضرائب وسيادة.أما الكارثة الكبرى فكانت حرب الثلاثين عاماً بين 1618 و1648، خصوصاً في ألمانيا ووسط أوروبا. بدأت بصراع بين كاثوليك وبروتستانت داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة، لكنها تحولت إلى حرب أوروبية كبرى تدخلت فيها قوى كاثوليكية وبروتستانتية وحتى فرنسا الكاثوليكية ضد آل هابسبورغ الكاثوليك لأسباب سياسية. قُتل فيها تقريباً بين 4.5 و8 ملايين إنسان، معظمهم من المدنيين، بسبب الحرب والمجاعة والأوبئة.
باختصار، كان الخلاف العقائدي الديني حول:
من يملك الحقيقة الدينية؟ الكنيسة أم الكتاب؟
هل الخلاص بالإيمان وحده أم بالإيمان والأسرار والأعمال؟
هل البابا رأس الكنيسة أم سلطة بشرية قابلة للرفض؟ لكن لأن الدين في ذلك الزمن كان قلب الدولة والشرعية والمال والهوية، تحوّل الخلاف اللاهوتي إلى حروب ملوك، ومجازر مدن، وانقسام غيّر وجه أوروبا إلى الأبد.
أهم المحطات العسكرية: حرب الفلاحين الألمانية انتهت بمقتل نحو 100 ألف فلاح، وحروب الدين الفرنسية دارت بين 1562 و1598، ومذبحة سان بارتيليمي عام 1572 تتراوح تقديرات ضحاياها من بضعة آلاف إلى 70 ألفاً بحسب المصادر القديمة والحديثة، بينما حرب الثلاثين عاماً 1618–1648 خلّفت تقديرات حديثة شائعة بين 4.5 و8 ملايين قتيل.