مفهوم الاستراتيجية العسكرية

مفهوم الاستراتيجية العسكرية

مفهوم الاستراتيجية العسكرية




لم يظهر المفهوم المعاصر للاستراتيجية العسكرية بوصفه علماً من العلوم بين عشية وضحاها؛ لأن صياغة أية مجموعة من المفاهيم لابد أن يسبقها تجميع الكثير من المعلومات فالإنسان ينتقل من الملاحظة والتجربة إلى النظرية في دارسته للكون.
ولأن الحرب واحدة من الظواهر الحتمية في حياة الإنسان، واكبت مسيرته على هذه الأرض وكانت معلماً بارزاً في تاريخه الطويل، فقد استحوذت – كسواها من فروع المعرفة الإنسانية – على اهتمام كثير من الدارسين والمفكرين الذين حاولوا الوصول إلى استنتاجات ومبادئ وقوانين عامة لهذه الظاهرة المعقدة ويمكن القول بأن القرن الخامس الميلادي هو بداية المحاولات الأولى لتنظيم معلومات التجارب والخبرات المكتسبة، وظهرت عبارة “استراتيجية” النابعة من تعبير “ستراتيجوس” الإغريقي الذي يعني “القائد” أو “قائد القوات”.
ولم يتحقق حتى القرن السادس عشر أي مزيد من الإسهام في صياغة الاستراتيجية العسكرية باعتبارها علماً حتى جاء مكيافلي(1) الإيطالي في ذلك القرن وقام بمحاولات جادة للبحث في جميع القضايا المتعلقة بتسيير دفة الحرب ووضع كتاب “فن الحرب” الذي اعتمد فيه على تجارب القادة العسكريين القدامى.
ومع ذلك فإن التاريخ العسكري للغرب يحدد نصف القرن الثامن عشر كمستهل للعلم العسكري وذلك حين قام هنري لويد المؤلف العسكري الانجليزي بإعداد مجموعة من المفاهيم النظرية العامة ومبادئ الاستراتيجية العسكرية ومن ضمنها:مقدمة الكتاب الذي وضعه عن تاريخ حرب السنوات السبع(2).
تعريف الاستراتيجية العسكرية:
كما ذكرنا سابقاً بأن الكتّاب والمؤلفين لم يستطيعوا تحديد الهوية الصحيحة للاستراتيجية، وحيث إن لكل منهم وجهة نظره الشخصية ووجود الاختلاف بين مفاهيم هؤلاء الكتاب والمؤلفين فلا يوجد تعريف واضح لمعنى الاستراتيجية ووسائلها مما يوحى بأن مفهوم هذه الكلمة أو الاصطلاح لم يتبلور بعد في أذهان رواد الاستراتيجية ومفكريها.
ولكن سوف أورد بعض التعاريف التي يمكن أن تكون قريبة لمعنى الاستراتيجية حسب رأي أصحابها ومن هؤلاء كلاوزفتز حيث عرفها بأنها: (فن استخدام المعارك كوسيلة للوصول إلى هدف الحرب) أما بالنسبة لمولتكه فقد عرفها بأنها: “إجراء الملائمة العملية للوسائل الموضوعة تحت تصرف القائد للوصول إلى الهدف المطلوب” بينما عرفها ليدل هارت بأنها: “فن توزيع واستخدام مختلف الوسائط العسكرية لتحقيق هدف السياسة”(3) وأما الجنرال باليت فقد عرفها بأنها: “فن تعبئة وتوجيه موارد الأمة أو مجموعة من الأمم – بما فيها القوات المسلحة – لدعم وحماية مصالحها من أعدائها الفعليين أو المحتملين”(4).
أنواع الاستراتيجية العسكرية:
أولاً: الاستراتيجية العليا:
القيادة السياسية في الدولة هي التي تتولى الاستراتيجية العليا في حين تعتبر الاستراتيجية العسكرية هي نطاق النشاط العملي للقيادة العسكرية العليا، فالاستراتيجية العليا هي التي تقدر وتنمي وتحشد كافة الإمكانات والطاقات الاقتصادية والبشرية والعسكرية والمعنوية وسواها من قوى الضغط للتأثير على عزيمة الخصم ومعنوياته وإرادته لإجباره على الخضوع والتسليم وبالتالي تحقيق هدف السياسة، كما تحدد كافة المهام والأدوار لمختلف الاستراتيجيات العامة، وتؤمن توافقها وانسجامها، وتعالج كافة مراحل الصراع، وتؤمن التوافق بين شتى وسائط وأسلحة الصراع، وتنظم استخدامها وتوجيهها(5).
وتحتوي الاستراتيجية السياسية العليا على وجهين: أحدهما سياسي والآخر عسكري غير أن كلا الوجهين يشكل وحدة فكرية متجانسة ومترابطة ترمي إلى تحقيق أهداف موحدة ومحددة:
1- الوجه السياسي للسياسة العليا:
هو مجموع المبادئ ذات الصبغة السياسية التي تعالج المسائل المتعلقة بالصراع المسلح والتطور العسكري ككل وتشمل:
أ- الخواص السياسية المميزة للصراع المسلح وهي تشمل انعكاسات السياسة العالمية والاقليمية والمحلية على طبيعة الصراع المسلح.
ب – المحتوى الاجتماعي والسياسي للصراع المسلح وهو يشمل وجهة نظر الدولة تجاه آثار النظم الاجتماعية والسياسة القائمة لدى الطرفين على الصراع المسلح.
ج – اتجاهات التحضير للحرب وإدارتها.
د- اتجاهات إعداد الدولة للحرب اقتصادياً ومعنوياً.
ه – احتمالات تجنب الحرب أو قيامها وذلك بناءً على دراسة الأهداف السياسية والقومية للجانبين والعوامل السياسية التي تؤدي إلى احتمال قيام الحرب أو تجبنها.
و- إمكانيات عقد معاهدات سياسية – عسكرية لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية تجاه هدف سياسي عسكري.
ز- العوامل السياسية التي تحدد بداية الحرب وسيرها وتوقفها وهي تعني دراسة للعوامل والشروط السياسية الإقليمية والعالمية التي تؤثر على تحديد بداية الحرب وسيرها وتوقفها.
ح – وجهة نظر الدولة بالنسبة لاستخدام الأسلحة الحديثة (كالسلاح الذري مثلاً)(6).
2- الوجه العسكري للسياسة العليا:
هو مجموع المبادئ ذات الصفة العسكرية الخاصة التي تعالج المسائل المتعلقة بإعداد واستخدام القوات المسلحة في الحرب، وتحدد مجالات تطور فن الحرب بمستوياته الاستراتيجية والتعبوية والتكتيكية بالإضافة إلى تطوير نظام تزويد القوات المسلحة بالمعدات الحربية وتشمل:
أ- المعالم المميزة للحرب وتحديد الهدف الاستراتيجي للحرب، وشكل الحرب، وشكل المرحلة الافتتاحية.
ب – أساليب دراسة القدرات العسكرية للعدو المنتظر ومستوى استعداده للحرب.
ج – دراسة تأثير العوامل المؤثرة على شكل الحرب، ومنها: المفاجأة والمدى الزمني والمدى الجغرافي للحرب والأسلحة الاستراتيجية.
د – مطالب الكفاءة القتالية ومستوى الاستعداد القتالي للقوات المسلحة وتشمل وسائل إعداد الفرد المقاتل وتهيئة القوات بعناصرها المختلفة ومدى استعدادها القتالي عند الحرب.
ه – المسائل الأساسية في تنظيم وتطوير القوات المسلحة وتشمل قواعد البناء التنظيمي للقوات وأساليب تطويرها.
و – الأساليب الاستراتيجية لإدارة الحرب وتشمل الأفكار الاستراتيجية الحيوية المتضمنة لنظريات فن الحرب وتطبيقها على مستوياته المختلفة.
ز- التدابير الرئيسية لإعداد الدولة اقتصادياً ومعنوياً للحرب ويشمل الإعداد الصناعي والزراعي وإعداد الدولة كمسرح للحرب، والإعداد المعنوي والوقائي لجماهير الشعب(7).
ثانياً: الاستراتيجية العسكرية:
وهي تختص بمرحلة الصراع المسلح أي أن مداها ونطاقها محدودان بالحرب واستخدام الوسائل والإمكانات العسكرية لتحقيق هدف الاستراتيجية العليا معتمدة في ذلك على التقدير السليم والمواءمة الناجحة بين وسائلها وإمكاناتها وبين غاياتها، فالاستراتيجية العسكرية هي أداة الاستراتيجية العليا لإحراز النصر في ميدان القتال وتحقيق هدف السياسة وهي تتبع لها وتعمل وفق مخططهاومنهجها كما أنها تبحث في الأساليب والوسائل المتعلقة بالقضايا الآتية:
أ- طبيعة الحرب وفن إدارة الصراع المسلح – قواعد شن الحرب – طاقتها – مداها الزمني – مداها الجغرافي.
ب – الأهداف والمهام الاستراتيجية التي على القوات تنفيذها لكي تحدث تغييرات حادة في الموقف العسكري والسياسي عموماً أو في الموقف الاستراتيجي في جبهة القتال.
ج – كيف تبنى القوات المسلحة وكيف يتم تطويرها بحيث تستطيع تحقيق المهام والأهداف.
د – ماهو التوزيع المناسب للقوات جغرافياً وهو مايسمى بالتوزيع الاستراتيجي وهو أمر حيوي لكي تستطيع القوات مواجهة الضربات المفاجئة للعدو أو مواجهة الفترة الأولية للحرب عامة ويرتبط بذلك أن يبحث أيضاً في الأسلوب الاستراتيجي لاستخدام القوات.
ه – مبادئ التخطيط الاستراتيجي للأعمال القتالية وأساليب إدارة الصراع المسلح.
و – نظام إعداد الدولة للحرب الذي يمنحها القدرة على ردع العدوان في أية لحظة وتحقيق النصر في أقل وقت ممكن، والصمود لحرب طويلة الأجل، والتقليل من الخسائر الناتجة من ضربات العدو والمحافظة على مستوى عال من الروح المعنوية وتصميم الشعب على تحقيق النصر في الحرب.
ز- دراسة الأمور المتعلقة باحتياجات القوات المسلحة في الحرب من إمدادات وصناعات حربية وطرق وخطوط مواصلات.
ح – القيادة الاستراتيجية للحرب التي سوف تسيطر باستمرار على إدارة الحرب.
ط – دراسة العدو من جميع النواحي العسكرية والاقتصادية والمعنوية والاجتماعية ودراسة أهدافه(9).
وتشترك الاستراتيجية العسكرية في تحديد وتقرير نمط الصراع، وهل سيكون هجوماً عنيفاً مباشراً أم غير مباشر أم دفاعياً مخاتلاً في حين تنفرد بالتحكم والتوجيه لمسيرة التكتيك بصفته تابعاً لها وواحداً من وسائلها التطبيقية العملية الحاسمة للوصول للهدف(10).
أقسام الاستراتيجية العسكرية أو ما يسمى ب (الفن العسكري):
يقسم الاستراتيجيون الغربيون الفن العسكري إلى فروع ثلاثة يرتبونها تنازلياً، وهي: الاستراتيجية الكبرى(العليا)، والاستراتيجية، والتكتيك(11) ويقابلها في المدرسة الشرقية الاستراتيجية، والفن التعبوي (العمليات)، والتكتيك وسوف نبين مفهوم هذه الفروع ومحتوياتها باختصار:
أولاً: الاستراتيجية الكبرى (العليا):
وهي تنسيق وتوجيه كافة مصادر ثروة أمة أو مجموعة من الأمم بهدف تحقيق الغاية السياسية للحرب.
والاستراتيجية الكبرى يجب أن تقدر الموارد الاقتصادية ، وكذا الموارد البشرية للدولة ، وتستغل القوة المعنوية في الأمه باعتبارها المصدر الحقيقي للصمود وإدارة القتال(12).
ثانياً: الاستراتيجية:
وهي فن توزيع واستخدام الوسائل العسكرية مثل القوات المسلحة والإمدادات لتحقيق أهداف
الكاتب
Tornado.sa
المشاهدات
84
الإصدار الأول
آخر تحديث
تقييم
0.00 نجوم 0 تقييمات

المزيد من المواد من Tornado.sa

آخر التحديثات

  1. الأستراتيجيه العسكريه ( القسم الثاني)

    الأستراتيجيه العسكريه (2) السياسة. ثالثاً: التكتيك: وهو عبارة عن التدابير أو الترتيبات الخاصة...
أعلى