أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند

أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند

ملخص: يتزايد التوجه الأوروبي نحو تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، مدفوعًا بتوتر العلاقات عبر الأطلسي . وعودة الشكوك بشأن الالتزام الأمريكي بأمن القارة. وتأتي مساعي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لضم غرينلاند كعامل إضافي عمّق هذا القلق، ودفع القادة الأوروبيين إلى تسريع مشاريع الدفاع المشترك . رغم التحديات السياسية والصناعية.

شهد مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام أجواءً غير معتادة، عكست تحولًا عميقًا في التفكير الاستراتيجي الأوروبي. فالعلاقة مع الولايات المتحدة، التي شكّلت لعقود حجر الزاوية في أمن أوروبا، لم تعد تعدّ مسلّمة كما في السابق. وبينما تتواصل الحرب في أوكرانيا، يجد القادة الأوروبيون أنفسهم أمام سؤال جوهري: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها إذا تراجعت المظلة الأمريكية؟


تحول في المزاج الأوروبي

أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند
أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند

في ميونيخ، وخلال مؤتمر الأمن، عبّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن شعور . عام لدى القادة الأوروبيين بحدوث قطيعة استراتيجية، عندما قالت إن «بعض الخطوط التي لا يمكن التراجع عنها قد تم تجاوزها بالفعل».

زاد هذا الشعور حدةً مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وما رافقها من مساعٍ لضم غرينلاند. الأمر الذي عمّق الشكوك الأوروبية بشأن مدى التزام واشنطن بالدفاع عن القارة عبر حلف شمال الأطلسي.


تطمينات أمريكية محدودة

قدّم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطابًا وُصف بأنه أقل حدة من تصريحات سابقة، مؤكدًا . رغبة الولايات المتحدة في العمل مع أوروبا. إلا أن كلمته لم تتطرق إلى قضايا محورية مثل الناتو أو روسيا أو الحرب في أوكرانيا، وهي ملفات تمثل جوهر الخلاف الحالي.

ووفقًا لتقرير نشرته وكالة Reuters، رأى مراقبون أن هذه التطمينات لم تكن كافية لتهدئة المخاوف الأوروبية المتزايدة.


نحو تقليل الاعتماد على واشنطن

مع اقتراب الحرب في أوكرانيا من دخول عامها الخامس، وتصاعد المخاوف من روسيا. أعلن قادة أوروبيون نيتهم تسريع الجهود لتعزيز الدفاعات المحلية وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة.
ومن الناحية النظرية، ينسجم هذا التوجه مع رؤية إدارة ترامب، التي تتوقع من أوروبا تحمّل العبء الرئيسي . للدفاع التقليدي عن القارة، مقابل استمرار المظلة النووية الأمريكية والالتزام الرسمي باتفاقية الدفاع المشترك للناتو.


«الركيزة الأوروبية» داخل الناتو

أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند
أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند

قبل استعراض التفاصيل، يجدر التوقف عند نقطة محورية في النقاشات الأوروبية الحالية.

أبرز المواقف التي طُرحت في المؤتمر:

  • تعهّد المستشار الألماني فريدريش ميرز بتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية.

  • أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الالتزام ببناء «ركيزة أوروبية» داخل الناتو.

  • شدد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على أهمية تنسيق الجهود الدفاعية بين الدول الأوروبية.

وقال ميرز: «هذه البداية الجديدة صحيحة في جميع الظروف، سواء استمرت الولايات المتحدة في النأي بنفسها أم لا».


الردع النووي الأوروبي: نقاش حساس

في مؤشر إضافي على عمق التوتر، كشف ميرز عن محادثات مع ماكرون بشأن الردع النووي الأوروبي. وتمتلك فرنسا القوة النووية المستقلة الوحيدة في القارة، بينما تعتمد بريطانيا في صواريخها النووية . على الولايات المتحدة، ما يسلط الضوء على تعقيد أي مشروع أوروبي مستقل في هذا المجال.


هل تواكب الأفعال الأقوال؟

أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند
أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند

يبقى التحدي الأكبر أمام أوروبا هو ترجمة التعهدات السياسية إلى قدرات عسكرية فعلية. ويتطلب ذلك:

  • شراء وتطوير أنظمة تسليح جديدة.

  • سد الثغرات في مجالات مثل الصواريخ بعيدة المدى.

  • تحسين التنسيق الصناعي والعسكري بين الدول.

المؤشرات حتى الآن متباينة. فقد رفعت دول الناتو العام الماضي هدف الإنفاق الدفاعي إلى 3.5%. من الناتج المحلي الإجمالي، مع تخصيص 1.5% إضافية للاستثمارات الأمنية. وقالت فون دير لاين إن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع بنحو 80% منذ ما قبل الحرب في أوكرانيا.


مشاريع مشتركة… وعقبات داخلية

تسعى الدول الأوروبية إلى بناء تحالفات صناعية عسكرية. ووقّعت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا.  والسويد خطاب نوايا لتطوير مشروع «النهج الأوروبي للضربات بعيدة المدى» (ELSA).

لكن في المقابل، تواجه مشاريع كبرى صعوبات ملموسة. فما زال مستقبل مشروع المقاتلة الأوروبية FCAS . معلقًا بسبب الخلافات حول توزيع الأدوار الصناعية. كما أثار الجدل حول «شراء المنتجات الأوروبية» انقسامًا بين دول تدعو للانفتاح وأخرى تفضّل حصر المشاريع داخل الاتحاد الأوروبي.


زيلينسكي يذكّر بواقع الحرب

أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند
أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية بعد مساعي ترامب لضم غرينلاند

وسط هذه النقاشات، أعاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الحضور إلى واقع الحرب. وعرضت شاشات عملاقة في المؤتمر صورًا وإحصاءات تُظهر تعرض أوكرانيا خلال شهر واحد . فقط لأكثر من 6000 هجوم بطائرات مسيّرة و150 صاروخًا.

وقال زيلينسكي للمندوبين: «في هذه الحرب، تتطور الأسلحة أسرع من القرارات السياسية التي تهدف إلى إيقافها».

وتعكس النقاشات في ميونيخ تحولًا استراتيجيًا عميقًا داخل أوروبا. فالقارة لم تعد تفترض تلقائيًا استمرار . الدعم الأمريكي غير المشروط. وبينما تتقدم خطوات تعزيز الدفاع الأوروبي، تبقى التحديات السياسية والصناعية عائقًا رئيسيًا. ويبدو أن مستقبل الأمن الأوروبي سيتحدد بمدى قدرة القادة . على تحويل القلق الحالي إلى قدرات دفاعية حقيقية ومستدامة.

الموقع العربي للدفاع والتسليح | Facebook