محتويات هذا المقال ☟
استراتيجية دفاع جوي عراقية جديدة تجمع بين “إم-سام 2” الكورية وأنظمة تركية لمكافحة المسيّرات
يمضي العراق نحو تطوير منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات تجمع بين قدرات متوسطة وبعيدة المدى، وأنظمة متخصصة في مواجهة الطائرات المسيّرة. ويهدف هذا التوجه إلى سد فجوات كبيرة في الحماية الجوية، خصوصًا مع تصاعد التهديدات الإقليمية.
ويشهد العراق في السنوات الأخيرة تحولات عسكرية مهمة، وخصوصًا في ملف الدفاع الجوي الذي يُعد أحد أكثر الملفات حساسية منذ عام 2003.
فمع تزايد التهديدات الجوية الإقليمية، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، اتجهت بغداد إلى بناء منظومة دفاعية جديدة تعتمد على تعدد الطبقات وتنوع مصادر التسليح، حيث تجمع بين أنظمة كورية جنوبية متوسطة المدى وأخرى تركية متخصصة في مكافحة الطائرات منخفضة الارتفاع.
كما يعكس هذا التوجه رغبة واضحة في تقليل الاعتماد على مصدر واحد للسلاح، وتعزيز القدرة على حماية المنشآت الحيوية داخل البلاد.
إعادة هيكلة الدفاع الجوي العراقي

تعمل العراق على إعادة بناء شبكة دفاعها الجوي عبر اعتماد هيكل متعدد الطبقات، حيث يجمع بين ثماني بطاريات . من نظام “تشيونغونغ-2” الكوري الجنوبي من إنتاج شركة LIG Nex1، إضافة إلى خطة . لاقتناء نحو 20 نظامًا تركيًا قصير المدى يرجح أن يكون معظمها من منظومة “أسيلسان كوركوت” المتخصصة في مكافحة الطائرات المسيّرة.
ووفقًا لتقارير نشرت بين 6 و12 مايو/أيار 2026، فإن هذه الخطوة ستمنح بغداد قدرة أوسع على مواجهة. الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة، والطائرات منخفضة الارتفاع،. حيث تأتي في ظل تصاعد التهديدات الجوية الإقليمية من حيث العدد والتكرار.
كما أن هذا التوجه يعكس انتقالًا استراتيجيًا نحو مفهوم “الدفاع الجوي المتكامل”، الذي يعتمد على دمج طبقات متعددة من الاعتراض، بدلًا من الاعتماد على منظومات منفردة محدودة التغطية.
القدرات الحالية وحدودها التشغيلية
لا يكمن التحدي الأساسي في غياب أنظمة الدفاع الجوي لدى العراق، بل في محدودية انتشارها وضعف تغطيتها الجغرافية.
تعتمد قيادة الدفاع الجوي العراقية حاليًا على منظومات قصيرة المدى مثل:
- نظام AN/TWQ-1 Avenger الأمريكي المزود بصواريخ FIM-92 Stinger.
- نظام Pantsir-S1 الروسي المزود بصواريخ ومدافع مزدوجة.
ورغم فعالية هذه الأنظمة في حماية مواقع محددة مثل القواعد الجوية ومراكز القيادة، إلا أنها لا توفر مظلة دفاع جوي وطنية متكاملة. كما أن انتشارها المحدود يجعل مدنًا رئيسية مثل بغداد والبصرة وأربيل وكركوك عرضة لثغرات دفاعية محتملة.
وبالتالي، فإن الحاجة إلى طبقة متوسطة المدى باتت ضرورية لربط هذه المنظومات في شبكة أكثر تماسكًا.
نظام “تشيونغونغ-2” ودوره في الطبقة المتوسطة

في سبتمبر 2024، فازت شركة LIG Nex1 بعقد عراقي بقيمة تقارب 2.8 مليار دولار لتوريد أنظمة دفاع جوي متوسطة المدى من طراز “تشيونغونغ-2”.
ويتوقع أن يشمل العقد ثماني بطاريات، ما يعكس تحولًا واضحًا في توجه بغداد نحو الابتعاد عن بعض المنظومات الروسية القديمة.
وبحسابات تقريبية، فإن تكلفة البطارية الواحدة تصل إلى نحو 350 مليون دولار، دون احتساب التدريب وقطع الغيار والدعم اللوجستي.
وتتضمن البطارية عادة رادار AESA، ومركبة قيادة، وأربع منصات إطلاق، حيث تحمل كل بطارية 32 صاروخًا جاهزًا للإطلاق.
وبالتالي، يمكن أن تمتلك المنظومة العراقية عند اكتمالها نحو 256 صاروخًا جاهزًا للاستخدام الفوري في حالة الطوارئ.
كما يبلغ مدى الاعتراض حوالي 40 كيلومترًا، مع قدرة على التعامل مع أهداف على ارتفاع يصل إلى 15 كيلومترًا، ما يجعلها مناسبة لاعتراض الطائرات والصواريخ عالية السرعة.
الاستخدام التكتيكي داخل العراق
تكمن أهمية “تشيونغونغ-2” في قدرته على حماية نقاط استراتيجية محددة بدلًا من توفير تغطية وطنية شاملة.
فعلى سبيل المثال:
- يمكن نشر بطارية قرب بغداد لحماية مراكز القيادة.
- وأخرى قرب قاعدة بلد أو الأسد لحماية البنية الجوية العسكرية.
- بينما يمكن نشر بطاريات في البصرة وكركوك لحماية المنشآت النفطية الحيوية.
لكن رغم هذه القدرات، تبقى هناك تحديات جغرافية كبيرة، لأن العراق بلد واسع وحدوده مفتوحة، ما يجعل الاعتماد على الرادارات وربط القيادة والسيطرة أمرًا ضروريًا لضمان فعالية النظام.
التهديدات منخفضة الارتفاع: لماذا تحتاج بغداد إلى كوركوت؟

إلى جانب التهديدات المتوسطة والبعيدة، يواجه العراق مشكلة متزايدة مع الطائرات المسيّرة الصغيرة منخفضة الارتفاع.
وهنا تبرز أهمية الأنظمة التركية، خصوصًا عائلة “كوركوت” من شركة أسيلسان.
فهذا النظام يعتمد على مدفع عيار 25 ملم مع ذخيرة قابلة للبرمجة تنفجر جويًا، ما يزيد من احتمالية تدمير الطائرات الصغيرة دون الحاجة إلى إصابة مباشرة.
كما يتميز بقدرات رادارية وكهروضوئية، إضافة إلى أنظمة تشويش إلكتروني لتعطيل الطائرات المسيّرة.
وبالتالي، فإن هذه المنظومة تمثل حلًا اقتصاديًا أكثر كفاءة مقارنة باستخدام صواريخ باهظة الثمن لاعتراض أهداف منخفضة التكلفة.
ووفقًا لموقع Defense News، فإن أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات أصبحت الاتجاه الأبرز لدى الدول التي تواجه تهديدات بالمسيّرات منخفضة التكلفة.
وبحسب موقع Jane’s Defence، فإن دمج الرادارات المتوسطة مع أنظمة قصيرة المدى يعزز بشكل كبير قدرة الدول على حماية البنية التحتية الحيوية.
البعد الجيوسياسي للصفقة
يعكس اختيار العراق لكل من كوريا الجنوبية وتركيا توجهًا نحو تنويع مصادر السلاح.
فكوريا الجنوبية توفر نظامًا متقدمًا دون الدخول في تعقيدات العقوبات المرتبطة ببعض الموردين التقليديين، بينما تقدم تركيا حلولًا قريبة جغرافيًا وأقل تكلفة وصيانة.
كما أن هذا التنويع يسمح لبغداد بالحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية دون الانحياز الكامل لأي محور سياسي أو عسكري.
التحديات المستقبلية

رغم أهمية هذه الصفقات، يبقى التحدي الأكبر في مسألة التكامل.
فنجاح أي منظومة دفاع جوي لا يعتمد فقط على شراء الأسلحة، بل على وجود:
- شبكة رادارات موحدة.
- نظام قيادة وسيطرة متكامل.
- اتصالات آمنة ومحمية.
- تدريب بشري عالي المستوى.
وبدون هذه العناصر، قد تتحول الأنظمة الجديدة إلى وحدات منفصلة محدودة الفاعلية.
يمثل توجه العراق نحو بناء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات خطوة استراتيجية مهمة في سياق التحديات الأمنية المتصاعدة في المنطقة.
فدمج “تشيونغونغ-2” الكوري مع أنظمة تركية مضادة للمسيّرات يعكس محاولة واضحة لسد فجوات طويلة في القدرات الدفاعية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد بشكل أساسي على قدرة العراق على تحقيق التكامل بين الرادارات والقيادة والسيطرة والتدريب، لأن القوة الحقيقية للدفاع الجوي لا تكمن في تنوع السلاح فقط، بل في كيفية ربطه ضمن شبكة واحدة فعالة قادرة على الاستجابة السريعة للتهديدات المتغيرة.
