حرب الوردتين

المتألق

الي جنة الخلد ان شاءالله
عضو مميز
إنضم
14 يوليو 2008
المشاركات
845
التفاعلات
12
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


المعلق:
بعد ظهر يوم الثاني والعشرين من آب-أغسطس عام 1485عُقد العزم على إنهاء الصراعات المريرة المعروفة بحرب "الورود". لقد عملت آلة الحرب الشريرة بشكل منظم ولثلاثين عامًا على تدمير السلام والهدوء في الريف الإنجليزي.
اليوم لن يكون الأمر مختلفًا، على مقربة من قرية "بوزويرث" في "ليسيستر شاير"، نال الملك "ريتشارد الثالث" وسامًا مشكوكًا فيه، لقد أصبح آخر ملك انجليزي يسقط ويموت في أرض المعركة.
عندما تمركز "اللانكستاريون" المنتصرون في حقل "بوزويرث" بدءوا بحثًا سريعًا؛ لاغتنام ما تبقى من المخلفات المبتورة والمقطعة للملك "ريتشارد" وأتباعه، أخيرًا وفي حُرج شائك قريب اُكتشف التاج الملكي المسحوق، لقد جرى تنظيفه ووضعه بوقار على رأس المنتصر في المعركة.. "هنري تيودور". ولم يكن الأخير بالطبع جاهلاً بما تحمله المعركة من متغيرات؛ علاوة على ذلك فإن والده وجده قتلا وهما يحاربان العائلة التي هزمها للتو.
كان الملك المتوج مبتهجًا بالنصر وسط أشلاء المعركة الدامية، بينما كان رجاله يهتفون له، لا بد من أنهم تساءلوا هل يستطيع هذا الشاب الصغير من "ويلز" أن يوحد المملكتين المتحاربتين؟ هل لدى ملكهم الجديد القوة ليضع حدًا لمأساة حروب "الورود"؟!!
خلفت حروب "الورود" للأجيال المقبلة مزيجًا متناقضًا من الحقيقة والأسطورة الرومانسية، وصلت الحقيقة إلينا مزيفة من قِبل مروجي الدعايات وكتاب الدراما والقصصيين، وخلف هذه الحكايات تقبع سلسلة معقدة من الصراعات التي تركت أسبابها الحمقاء آثارها في صميم سجل النصر الإنجليزي الشهير.
عام 1415 تخبطت نخبة من اللوردات وقضت في الوحل تحت وابل السهام الانجليزية، لقد حول الملك "هنري الخامس" الحملة العسكرية التي بدأت بإخفاق مذل إلى نصر مكتسب في "أجينكو" نصر أحرزته نبال الأقواس الطويلة وطبيعة الملك القاسية. قاد شعبه في حرب استيلاء وإخضاع، وعامل بوحشية كل من عارض سياساته.
عام 1420 أنجب الملك هنري ابنًا من زواجه بابنة الملك الفرنسي وأُطلق اسم "هنري" على الأمير بعد والده، وهكذا وصل إلى ذروة إنجازاته.
عام 1422 مات "هنري الخامس" ملك "انجلترا"، وأيضًا "تشارلز" ملك "فرنسا"، وأصبح الأمير "هنري" ملكًا على "انجلترا" و"فرنسا" وهو في عمر تسعة شهور. تولى إخوة الملك المتوفى زمام الحكم في "انجلترا"، وأخضعوا تلك الأجزاء الفرنسية التي لم ترغب في الحكم الانجليزي.
لم تكن الأمور حسنة فالإبقاء على تلك المواقع العسكرية شكل عبئًا ثقيلاً جراء الضرائب المفروضة في البلاد. كان الإنفاق مرتفعًا ولم يرغب البرلمان في منحهم امتيازات، وهكذا لكي يُمسكوا بزمام الأوضاع في المناطق التي تتهددهم؛ لجئوا إلى العنف والإرهاب للسيطرة على الفرنسيين.
عندما انقلب الشعب الفرنسي على الغزاة الإنجليز المكروهين؛ حصل تطور حيوي آخر، لقد بدل قادة الحرب "الفرنسيون" أساليب المعارك التقليدية، فبدلاً من مواجهة "الانجليز" في مجموعة معارك هنا وهناك، اعتمد "الفرنسيون" إستراتيجية حرب العصابات. نُصبت الكمائن لقوافل التموين الانجليزية وهي في طريقها لدعم قواتهم المحاصرة، وهوجمت التعزيزات الانجليزية بشكل متواصل عند مرورها في الريف الفرنسي الفقير.
نصرًا تلو نصر تعززت ثقة الفرنسيين، وكلما أغار الفرنسيون على الانجليز؛ تدهورت روح الانجليز المعنوية. على مدى ثلاثين عامًا أدى النقص في النقود، والضعف في القيادة إلى اضمحلال القوة الانجليزية في "فرنسا"، واستعاد الفرنسيون السيطرة على ريفهم وبلداتهم المدمرة.
بعكس الريف الفرنسي الذي دمرته الحرب، كانت "انجلترا" بلادًا تنعم بالسلام؛ حيث ازدهرت التجارة، وجنا الناس الأرباح، وأُرسيت دعائم المستقبل.
كان وضع الأطراف مغايرًا تمامًا لوضع قلب البلاد المزدهر، كانت تنقصها طرق الاتصالات، وكان يوجد عالم شاسع خارج سلطة الملك، ولكي يحكم بحزم اعتمد مجلس الملك على العائلات الكبيرة؛ ليثبت دعائم سلطته في المقاطعات المحلية. أصبحت هذه السلالات الكبيرة ممالك مصغرة، تنشئ الجيوش في زمن الحرب، وتمسك بالسلطة على القلاع، وتكون مسئولة مباشرة أمام الملك وحده.
في هذا الوقت كان الملك صورة أمام شعبه، لقد توقعوا منه أن يكون صانع سياسة عامة جيدة، وسفيرًا، وواضع قانون، وحكمًا نزيهًا بين طبقة النبلاء أيضًا، وتوقعوا منه أن يحدث توازنًا بين طموح النبلاء وممارسته لسياسته الخاصة كملك ذي شخصية قوية تتمتع بكفاءات سياسية عالية. لم يكن "هنري الخامس" سوى ملك، ومع الأسف فقد ورث عنه ابنه "هنري" بعض صفاته السيئة.
مؤرخ:
أعتقد أن "هنري السادس" كان ملكًا غير موفق، عاش خمسين عامًا، وأصبح ملكًا وهو لا يزال طفلاً في عمر يقل عن السنة. إنه الانجليزي الأوحد الذي تُوج ملكًا في "فرنسا". مع ذلك لم يكن مطلقًا في مستوى تحديات الملكية في تلك المرحلة بالذات.
لقد دُعي ملك السلام، كان بالغ التهذيب، وكرس اهتمامه في بناء جامعة "إيتون"، وجامعة الملك "كامبريدج"، تلك هي الأشياء التي برع فيها، وشغل نفسه بكل جزء منها في هذه المرحلة التي انطوت على المصاعب المعقدة والخداع والروح الانهزامية التي سيطرت في الهزيمة الأخيرة في حرب المائة عام؛ لذا فإن الملك لم يكن رجل المرحلة.
كانت زوجته سيدة تختلف عنه كثير الاختلاف، كانت شامخة وتتمتع بشخصية قوية، كانت تتحدر من "آل أنجو" وكان والدها شخصية مثيرة للاهتمام، كانت عديمة الرحمة، ويجب أن تكون كذلك في تلك المرحلة. القضية لم تكن في الحقيقة أنها جلست على العرش مصادفة، بل أن تكون قوية بما يكفي لتحافظ عليه، لكن المشكلة الرئيسية أن الملك "هنري السادس" لم يكن بمستوى الملكية في تلك الحقبة من الزمن.
المعلق:
كرس "هنري السادس" نفسه للتأمل والصلاة، كان اهتمامه الأساسي أن يعيش الناس بسلام، لكن بالرغم من أن تلك الأحاسيس كانت موضع ثناء إلا أنها كانت علامة ضعف أكيدة.
السيئ في الأمر أن الملك قد أسند إدارة البلاد إلى دوق "صوفوولج" الذي يحتقره النبلاء، ومن الطبيعي أن يستعمل الدوق الماكر سلطته؛ لتنفيذ رغبة الملك. كلما حصد "صوفوولج" وأتباعه المزيد من الأرض والبطولات، اشتد الاستياء بين أولئك الذين أهملوا، والمثير للسخرية أن الملك يمثلهم، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئًا مع "صوفوولج".
عام 1445 وفي محاولة أخيرة لإرساء أسس السلام مع "فرنسا" وقَّع "هنري" سلسلة اتفاقات دبلوماسية كوارثية، وليظهر إرادته الطيبة عرض التنازل عن "أنجو" و"مين" وإعادتهما إلى "فرنسا". استغل الفرنسيون هذه الفرصة لاستعادة أراضيهم، على الرغم من معارضة النبلاء والشعب لهذا الطرح إلا أن الملك "هنري" رفض سحب العرض، ولاحقًا تزوج أميرة فرنسية هي "مارجريت أوف أنجو" ليدعم هذا الاتفاق. عام 1450 استعاد الفرنسيون سلطتهم على "مين" و"أنجو"، ومن تلك القواعد الآمنة اجتاحوا "النورماندي".
أدت الإدارة الخارجية السيئة للملك إلى حدوث تطورات مقلقة في الداخل، وأفادت التقارير عن حدوث شغب في "كينت" و"ويلك شاير" في الغرب. في تموز-يوليو عام 1450 دخلت عصابة من آلاف عدة من الرجال بقيادة "جاك كيث" واغتالت موظفين رسميين في البلاط الملكي، وعلى الرغم من تشتت أفراد هذه العصابة إلا أن هيبة الملك تعرضت لهزة جدية، لقد تم التعرض من دون رحمة لسلطته الشخصية الضعيفة ولافتقار حكومته للقوة.
أُلقي اللوم على "صوفوولج"؛ بسبب إخفاق الحكومة، واُتهم بالخيانة، وتم اغتياله في أثناء سفره على منفاه. لقد شُغلت مكانته المفضلة عند الملك من قبل الدوق "سومر سيت" ومرة أخرى ظهر أولئك الذين شعروا بالغبن، من بين هؤلاء النبلاء الحاقدين كان هناك واحد من أغنى رجال "انجلترا" ويتحدر من سلالة الملك "إدوارد الثالث"، إنه "ريتشارد" دوق "يورك".
أقرض "يورك" الملك مالاً لم يسترده مطلقًا، وحمل مسئولية خسارته إلى "سومر سيت"، وأصبح الاثنان خصمين لدودين، استغل "يورك" فرصة البلبلة الأهلية والهزيمة المذلة في "فرنسا"؛ ليدعو إلى طرد "سومر سيت". عندما أخفق في ذلك حرك الجماهير في سلسلة انتفاضات ما لبثت أن خمدت بسرعة، كما وانحاز النبلاء الذين اعتمد على دعمهم إلى جانب الملك، عندها تراجع "يورك" بمهانة وذل.
في عام 1453 حصلت الكارثة بعد وقت قصير من ولادة ابنه، أصيب الملك "هنري" بشلل دماغي، وبينما كان المجلس مجتمعًا ليقرر ما العمل، عاد دوق "يورك" بهدوء إلى البلاط الملكي. لم يكن الدوق الطموح مثاليًا، لقد حصل على دعم "إيرل ورويك"، و"سالزبوري"، ودعم أعضاء عائلة "نيفيل" القوية، مع هذا الحشد القوي أمر "يورك" المجلس بجعله حامي العرش، وكان عمله الأول اعتقال "سومر سيت" وإيداعه السجن.
انقلب الوضع بعد أقل من سنة، وشُفي الملك، وأُطلق سراح "سومر سيت"، وتبدد تأثير "يورك" و"ورويك" و"سالزبوري"، لكن على الرغم من فشل "يورك" سياسيًا فقد كان لديه خيارات أخرى متعددة، حيث انقسم البلاط إلى ثلاث فئات متمايزة: أتباع دوق "يورك"، وأتباع "سومر سيت" والملك؛ حيث عرفوا لاحقًا بـ"اللانكستاريين"، ونبلاء آخرون حافظوا على حياد محفوف بالمخاطر، وذلك تحسبًا للمستقبل.
لقد بدأ العديد من أرباب الأسر النبيلة بتسليح أتباعهم، فكرة أن يحمل النبيل السلاح في وجه الملك أرعبت العديد من أفراد طبقة النبلاء، لقد بذل الملك "هنري" شخصيًا جهودًا مضنية؛ لرأب الصدع بين الفريقين، لكنه رفض بالمطلق طرد "سومر سيت". من جهته أكد دوق "يورك" أن طموحه الوحيد كان تخليص الملك من أعضاء مجلسه الأشرار، وبينما احتدمت حرب الكلام كانت السيوف تُشحذ والدروع تُنظف.
تعدل سلاح الفرسان والرجال في خلال القرن الماضي، السيف.. القضيب الشائك.. وفأس المعركة كل هذه الأدوات كانت لا تزال تعتبر الترسانة الرئيسية وكانت ملائمة تمامًا لذلك الوقت. في ساحة المعركة يتقابل الجيشان المتواجهان تصطف أولاً تشكيلات قتالية أو وحدات مأمورة، ثم يواجه بعضها بعضًا، ويبدأ تبادل النبال من الأقواس الطويلة والبنادق اليدوية، بعدها يقترب الجيشان في معركة شديدة الاهتياج بالأيدي، هذا النوع من القتال يتم على الأقدام، والرعب المتأتي منه لا يمكن تصوره.
القتال على الأقدام عمل مرهق، خصوصًا بلباس الدرع المصفحة، الكوة في الخوذة الضخمة تحيل مجال الرؤية إلى فتحة صغيرة في عالم عدائي وخطر. كان من الصعب تصور الضجة والصخب ورائحة الخوف وسط معركة حرب "الورود"، كان الرمح والفأس سلاحا المشاة لكل الاستعمالات، ولهما مسمار طويل يثبت بين شفرة فأس منحنية وخطافة، الفأس والخطاف يُستعملان لاعتراض ومباغتة العدو أو لقطع رباط الدرع، ثم ينفذ المسمار الطويل إلى جزء غير محمي ليتمم عملية القتل.
أدى نجاح هذه الأسلحة بالجنود إلى تطوير أسلحتهم الخاصة، السلاح الأبرز بينها هو الكُلاب الوحشي الذي بواسطته يُسحب الفارس من على ظهر حصانه وتقطع الرءوس والأطراف بشفرته الحادة الثقيلة، هكذا كانت الحقيقة المتوحشة في حروب القرون الوسطى.
مؤرخ:
عندما نأخذ في الاعتبار كيف كانت تنشأ الجيوش في هذه الفترة كانت العادة بالنسبة إلى الجيش الملكي أن يصدر تفويضًا حيث يصطف الناس ثم يتم الاختبار بحسب متطلبات التاج، لم تكن في السهولة التي كانت في زمن حرب "الورود"، في تلك الأثناء وتحت وطأة ظروف الهزيمة عاد كثيرون من كبار طبقة النبلاء من "فرنسا" مع نهاية حرب المائة عام، كانت عودتهم مقابل دفع فدية ولهذا فقدوا غطرستهم، وللخروج من هذا الوضع بدءوا بتشكيل جيوش صغيرة خاصة بهم، كان بعض من هذه الجيوش يتبع لهذا اللورد أو ذاك، وفي بعض الحالات يتبع الملك.
كانت الأعداد متكافئة، والعديد من نبلاء الملك أقوى منه بكثير في تلك الفترة، مهما يكن فالبعض كان يرى أن قتال الفرسان من فوق ظهور الخيل أصبح قتالاً من الماضي؛ خصوصًا بعد الدرس الذي تلقنته النخبة الأخيرة من الفرسان في تاريخنا الوطني في موقعتي "أجينكو" و"كراسيل"، وأن جنود المشاة سيكونون جيش القتال في المستقبل.
بقدر المشاة الحفاة، لا يزال لدينا رماة الرماح، والآن لدينا رجال المناجم وكل ما طوره الجنود من سلاح بأنفسهم فالمنجل الشهير هو أكثر الأسلحة رعبًا، نظرًا إلى ما يحدثه من أذى للإنسان وخصوصًا عندما يوقعه عن ظهر الخيل. كان العديد من هؤلاء الجنود إما من المحاربين القدماء في حرب المائة عام، بالطبع كانوا سعداء للالتحاق بأي شخص يوفر لهم المؤن، أو المرتزقة من "البورجنديين" أي من البلاد المنخفضة كما نسميها.
بهذه الطريقة شُكل الجيش، لم يكن هناك ملكية مركزية، كانت تقع صدامات بين النبلاء من وقت إلى آخر، إما لخدمة الملك إن كانوا "يوركيين" أو "لانكستريين"، وإما يلتحقون بنبلاء كبار آخرين، ولهذا كان لدينا جيش فوضوي بين القرون الوسطى وبداية هذا القرن، والآن فإنه جيش الإقطاعيين بتشكيل مختلف تمامًا.
المعلق:
أصبحت الحرب حتمية، وتحرك الجانبان بسرعة، في الثاني والعشرين من أيار مايو عام 1455 وصلت قوة من "يورك" قوامها ثلاثة آلاف جندي بينما كان بانتظارهم ألفان من جيش الملك، لقد حانت لحظة الحقيقة جميع المحاولات التي جرت للوصول إلى حل سلمي لهذا الوضع المتفجر أخفقت تمامًا. الآن لا يمكن أن يتجنب الحرب أحد.
على الرغم من قلة جنده فقد اتخذ رجال الملك موقعًا دفاعيًا مهمًا في البلدة، كان من الواضح أنه في تلك البيوت والطرقات الضيقة لن يستطيع أتباع "يورك" المتفوقون عددًا الاستفادة من هذه المعطيات، عندما بدأت المعركة تعرض رجال" يورك" لوابل من الأسهم النارية، لذلك لم يكن باستطاعتهم مهاجمة رجال الملك بشكل كثيف، لقد أجبرتهم الشوارع الضيقة على استعمال مجال ضيق لاستخدام أسلحتهم الفتاكة.
كانت معنويات "اليوركيين" على حافة الانهيار عندما بدأ الهجوم يتداعى، في وسط "سانت ألبانس" كان جنود الملك يقاتلون بشراسة واثقين من النصر، فجأة اندفع سيل من الجنود "اليوركيين" من الشوارع والتخوم الخلفية. شن "إيرل ورويك" هجومًا جريئًا لمحاصرة المدينة، وقاد رجاله عبر الحدائق وتقدموا إلى المنازل الواقعة حول ساحة المدينة من دون اكتشافهم.
الآن يستطيع "اليوركيون" مباغتة قلب دفاع "اللانكستريين"، لقد شنوا هجومًا خاطفًا على الفرسان الساكنين وعزلوا قادتهم وسفكوا دمائهم، جُرح الملك في كتفه في أثناء إبعاده للجوء إلى دبابة، كانت المقاومة الملكية قد انهارت وهُزمت شر هزيمة، حفاظًا على سلوك الفروسية في ذلك الوقت فقد أُخذ الملك بوقار إلى دير محلي، كان دوق "سومر سيت" محاصرًا في حانة.
عاد بالذاكرة شاهد عيان إلى اللحظات الأخيرة للدوق ورفاقه.
مؤرخ:
أمر دوق "يورك" أن يُسحب الملك ويعرض أمام الحشود ويوضع في الدير بأمان، وقد نُفذ هذا الأمر، وأمر أيضًا أن يُتخذ من الدير ملاذ برفقة دوق "باكنجهام" الذي أُصيب إصابات بالغة بثلاثة سهام.
بعد الانتهاء من ذلك بدءوا بمحاربة "سومر سيت"، ودافعوا عن أنفسهم ببسالة، أخيرًا تحطمت الأبواب ولم يبق خيار أمام دوق "سومر سيت" لقد استشار رجاله وقرر الخروج نتيجة لهذا الأمر، وجد نفسه ورجاله محاصرين برجال دوق "يورك" بعد أن أصيب بعض رجاله وبعد أن قَتل دوق "سومر سيت" أربعة منهم بنفسه؛ سقط على الأرض بضربة فأس وأصيب بجروح بالغة في أماكن مختلفة، وتلك كانت نهاية حياته بالفعل.
مات ثلاثة لوردات إلى جانب "سومر سيت" وهم الحاكم "نورث مبرلاند"، ولورد "كليفورت"، وسير "ريتشارد هارينجتون".
المعلق:
أقسم "يورك" بالولاء للملك على الفور، فلم يضيع الوقت لتثبيت مركزه، عين "ورويك" رئيسًا على كاليه، وهو منصب مهم للغاية في مدينة تعتبر مصدرًا لا يقدر بثمن للجنود المدربين، من أجل قضية "اليوركيين" استلم "يورك" منصبًا مهمًا في القصر الملكي، وصدر عفو فوري عن كل أتباعه.
مهما يكن فإن معركة "سانت ألبانس" لم تحل شيئًا من المشاكل، بل خلفت المزيد من عدم الاستقرار. بدأت الاضطرابات على الفور في الغرب، وبينما فتح الأسطول الفرنسي فتحة في "كينت" تطورت المناوشات التي دامت شهورًا عدة إلى صراع مفتوح.
عام 1459 أعلنت الملكة "مارجريت" -المحرك الأساسي لقضية الملك الضعيف "هنري"- أن عمل "يورك" وأتباعه يعتبر خيانة. استنفر الطرفان مجددًا، الملكة من جهة دوقية "لانكستر" الملكية، و"يورك" و"آل نيفيل" من وسط أراضيهم في شمالي انجلترا.
التقت قوة "يوركية" بجيش الملكة وهزمته في "بلورهيث" في الثالث والعشرين من أيلول-سبتمبر، لكن الملكة استطاعت الهرب والالتحاق بأتباع زوجها المخلصين. تواجه الجيشان "اليوركي" و"اللانكستري" مجددًا في "لا بلو"، وعلى الرغم من صغر الجيش "اليوركي" فقد كان فرقة عسكرية ضخمة من حامية "كاليه" الشهيرة، إلا أنه برز احتمال للشك في أن مهارة هؤلاء الجنود الخبراء يمكن أن تحول المعركة لمصلحة دوق "يورك".
فجأة وفي ساحة المعركة انضم هؤلاء الرجال إلى جيش الملك، كان ذلك عملاً غير عادي، وتفرق جيش "يورك" في حالة من الاهتياج، وفر قادته. هرب "يورك" إلى "أيرلندا"، و "ورويك" إلى "سالزبوري"، وابن يورك الأكبر حاكم "مارش" إلى "كاليه".
كان باستطاعة "ورويك" أن يهزم من موقعه الحصين في "كاليه" جميع القوى البرية والبحرية التي أُرسلت لمهاجمته، شكل العملاء "اليوركيون" في "انجلترا" حلقة الوصل الحيوية بين "كاليه" واليابسة، وساعدوا في بث دعايات ضد "اللانكستريين" وجمعوا الأخبار.
مؤرخ:
بينما كان صانع الملوك يتمتع بشخصية آسرة في هذه الفترة شُهر به تشهيرًا لم يُشهر بأحد من قبل، فإذا كان هناك نموذج عن أمير ميكافيلي فهذا السيد استحق هذا النعت في الوسط السياسي الانجليزي. كان متغطرسًا جدًا، توحد من خلال الزواج، وانحدر من عائلة "هنري" في البلاد.
كان همه الأوحد مصلحة العائلة، وكان عديم الرحمة حيث يمكننا القول بالطبع إنه آخر البارونات الكبار السيئين في التاريخ البريطاني في القرون الوسطى، كان صانع الملوك ذائع الصيت بشكل كبير، لكنه كان داهية تجاه الجنود، وفعالاً في العديد من المناسبات، من جهة أخرى أُصيب بخيبات أمل في بعض المعارك التي قادها بنفسه.
كان سياسيًا مراوغًا فخورًا ماكرًا أثيمًا واسع الثراء ويطمح في المزيد، كان في أمور عديدة الرجل الذي تستحقه انجلترا في هذا الزمن بالتحديد، كان قد ساد الإرباك السياسي والفوضى الاجتماعية في ذلك الزمن، وقامت ثورات عديدة للنبلاء، لقد كان ملكًا فاشلاً بكل ما للكلمة من معنى، في كل هذه المرحلة، لا أعتقد أنه شخصية آسرة كما قلت سابقًا، ولكن يجب أن نقر بأنه ملائم جدًا لعصر النهضة في "إيطاليا".
المعلق:
في حزيران-يونيو عام 1460 عاد الحكام "اليوركيون" على رأس جيش إلى "انجلترا" ووجدوا أنهم يتمتعون بدعم شعبي في البلاد، شقوا طريقهم وسط الجماهير المشجعة، ومروا من خلال "كنت" و"لندن". تقدموا لملاقاة قوات الملك المحتشدة في "كوفنتري"، وعلى ضوء تحركات "اليوركيين" انتقل جيش الملك إلى "نورث هامبتون" واتخذ له مواقع أكثر قوة على سلسلة من الإنشاءات الدفاعية، مدعومة من قطار المدفعية الملكية.
نتيجة المعركة التي جاءت لاحقًا سببها عاملان حاسمان لعبا دورًا حيويًا في المعارك السابقة خلال حروب "الورود"، الأول: كان الجو، والثاني: الخيانة.
في الأيام التي سبقت وصول القادة "اليوركيين" على رأس جيش "ورويك" إلى "نورث هامبتون"، كانت سيول جارفة قد ملأت مواقع المدفعية الملكية وأبطلت مفعولها، وحالما بدأ الهجوم على المواقع الملكية شوهد بعض الجنود الملكيين وهم يقدمون مساعدة فعلية لـ"ليوركيين" فوق المتاريس التي يُفترض بهم الدفاع عنها، ومكافأة لهم على خيانتهم تم العفو عنهم.
ركز الجنود "اليوركيون" على قتل الفرسان "اللانكستريين" واللوردات، لكن كان ارتداد اللورد "جراي" إلى "اليوركيين" قد ساهم في تحطيم عزم الجيش الملكي على القتال. عندما اجتاح "اليوركيون" مواقعهم حوصر العديد منهم داخل الدفاعات الحصينة التي توقعوا أن تحميهم. طوق الجنود "اللانكستريون" خيمة الملك، لكنهم لم يساهموا سوى في زيادة العدد الرهيب للضحايا.
انتهت المعركة في الحال بخسارة الملك، وبينما كانوا يبتهجون بنصرهم الكبير عاد دوق "يورك" من "أيرلندا" ودفع بالوضع إلى المزيد من التعقيد قبل أن يُعقد مجلس اللوردات.
ومن دون سابق إنذار طالب دوق "يورك" بعرش "انجلترا" وقد أدى هذا الأمر بأتباعه المخلصين إلى أن يصابوا بصدمة؛ لأن "إدوارد" أمير "ويلز" هو ابن "هنري السابع" وهو من يحق له وراثة العرش.
كلاهما "ريتشارد" دوق "يورك" والملك "هنري الخامس" يتحدران من أولاد "إدوارد الثالث" ربما كانت مطالبة "ريتشارد" بالعرش محقة، لكن "هنري" هو من كان الملك. ما هدد به دوق "يورك" هو انقلاب على قوانين الوراثة، لأنه إذا كان بالإمكان طرد ابن الملك؛ فلن يكون أي إنسان آخر في أمان، وسط هذا الغموض تم التوصل إلى تسوية.
عام 1460 أعلن البرلمان اعترافه بدوق "يورك" خليفة للملك "هنري"، لقد أذعن الملك الضعيف "هنري" بهذا الأمر، لكن الملكة "مارجريت" سرعان ما تعاطفت مع ابنها المطرود، وفي الحال أصبح اللوردات "اليوركيون" عصبة معزولة.
قبل زمن هاجمت الجيوش "اللانكسترية" الشمال موطن "آل نيفيل" أقوى داعمي "يورك"، وقع "يورك" في شر أعماله، لقد تحرك بسرعة شمالاً ليرد التهديد، ونتيجة لأخطائه؛ قتل عام 1460 بعد الأعياد مباشرة على أيدي أبناء الرجال الذين قُتلوا في "سانت ألبانس".
لقد مات معه "إيرل سالزبوري" وأحد أبناءه وألفان من رجاله، لم يدم النصر "اللانكستري" طويلاً، بعد شهرين فقط جاء الانتقام عندما هُزم الجيش "اللانكستري" على يدي الابن الأكبر لدوق "يورك" والوريث "إدوارد" عند تقاطع "مارتمر".
لقد شهرت الدعاية "اليوركية" كثيرًا بالتصرفات المدمرة للجيوش "اللانكسترية"، لكن الحقيقة أن كلا الجانبين واجه صعوبات في أثناء الحملات العسكرية، في الربيع وبدافع الحذر من نقص الإمدادات الغذائية للجيش أبقى "أيرل ورويك" على جيشه قريبًا من "لندن" ومجالات تموينها الواسعة.
على الرغم من المشاكل الموروثة فيما يتعلق بالمحافظة على النظام، مهما يكن فإن التوازن كان على وشك أن يميل ثانية. عام 1461 تقدم الجيش "اللانكستري" بسرعة إلى الجنوب، وفي "سانت ألبانس" حيث انتصروا هناك منذ ست سنوات، وهزموا "ورويك" و"اليوركيين" ارتفعت معنويات "اللانكستريين" عند سماع الأنباء التي تحدثت عن هرب الملك الأسير "هنري" الذي استطاع التسلل عبر خطوط "اليوركيين" والانضمام إلى قوات زوجته في خضم المعركة.
ومع هزيمة وفرار "ورويك" أصبح الطريق سالكًا إلى "لندن" للملكة وجيشها "اللانكستري"، من دون أن يفقد أي شيء نصب "إدوارد" دوق "مارش" ابن دوق "يورك" نفسه ملكًا، وصار الملك "إدوارد الرابع"، ورُسمت مجددًا خطوط المعركة وأعيد الجنود إلى ساحة القتال.
في آذار-مارس عام 1461 تقدم جيشان قوامهما عشرون ألف رجل من بعضهما البعض في "تاونجتون"، كانت المعركة واحدة من أكثر الحلقات دموية في التاريخ الانجليزي.
الجو مجددًا كان عاملاً حاسمًا في تقرير حصاد اليوم، ومع بدء المعركة نجحت القوات "اليوركية" في قتالها، اتخذت مواقع لها في الجو المثلج خلف مواقعهم، سرعة الهجوم مكنت رماة السهام "اليوركيين" من إطلاق سهامهم قبل أن يتمكن "اللانكستريون" من الرد.
في آخر الأمر كان يتم ضبط المعركة في ظروف صعبة للغاية فرضتها الرؤية السيئة، حيث كان من المستحيل معها تأمين أي نوع من الاتصالات، في البداية بدت المعركة وكأنها تميل لمصلحة القوات "اللانكسترية"، حيث أجبر القتال الرهيب في منطقة ضيقة "اليوركيين" على التراجع. الأوضاع السيئة والأعداد الكثيرة من القتلى والجرحى على أرض المعركة لم تمكن "اللانكستريين" من استثمار أي معطيات.
الملك "إدوارد" يقاتل بشراسة على قدميه، كسب الوقت وأعاد تجميع قواته في صفوف ثابتة، لكن استمرت الوحشية ساعات عدة، لقد تنبه الطرفان بأن الجيش الذي يُكسر أولاً يكون هو الخاسر.
في النهاية تقرر مصير المعركة مع وصول تعزيزات "يوركية"، وفي مواجهة زخم هؤلاء الرجال غير المنهكين خف ضغط "اللانسكتريين" وأرغموا على التقهقر، وسرعان ما تحول تراجعهم إلى هزيمة دامية.
في خضم يأسهم حاول الكثيرون الهرب عبر مياه "كوك بيك" لكن أُلقي القبض عليهم وقتلوا، كانت المذبحة رهيبة وامتلأت المياه بالجثث، بحيث عبر بعض "اللانكستريين" المياه فوق جسر من الجثث. أكثر من عشرين ألف "لانكستري" لقوا حتفهم في ساحة القتال، حتى يومنا هذا تبقى "تاوتون" موقعة اليوم الأكثر دموية على التراب الانجليزي.
عزز الملك "إدوارد" نصره بحملتين عسكريتين ناجحتين ليضعف بذلك حصون ومواقع "اللانكستريين" في "ويلز" وفي مناطق الشمال. اعتمد مع الأطراف اللانكسترية سياسة التسوية بالحفاظ على ممتلكات كل من يقسم بالولاء له، في غضون عام أعادة القوات "اليوركية" إلقاء القبض على الملك المُتخلى عنه، وأخيرًا اكتمل نصر الملك "إدوارد".
مع استلام "اليوركيين" زمام الحكم خيم سلام معقول، فالأمراء "اللانكستريون" الأوائل إما قتلوا في المنفى، وإما عقدوا صلحًا مع الملك "إدوارد"، لكن فجأة وفي ربيع عام 1496 بعد خمس سنوات فقط من الهدوء انغمست البلاد مجددًا في حرب أهلية، الغريب في الأمر أن المحرض كان أحد الخلفاء القدامى للملك، إنه "ورويك" المعروف بصانع الملوك الذي أراد اغتصاب عرش الملك "إدوارد".
مؤرخ:
عندما عمل صانع الملوك كل ما في وسعه ليحكم "اليوركيين" شهدنا تحولاً كبيرًا لم يكن متوقعًا؛ فقد غادر إلى "فرنسا" بشكل طارئ، لأنه لم يعد يتوافق مع الملك "إدوارد الرابع"، كان يريد أن يحكم "انجلترا" فلما وجد أن "إدوارد" بدأ يدير "انجلترا" بناء على أفكاره انفصل عنه، وفي الوقت الملائم ترك البلاد نهائيًا كما وبدأ الملك ينزعج من قوته المتزايدة، وكان يمكن أن يلقى القبض عليه تحت هذه الظروف.
تم بوساطة من "لويس الحادي عشر" لقاء له مع "مارجريت" التي هي مع الجانب الآخر في ذلك الوقت، كما نذكر أن "لويس الحادي عشر" كان قد افتداها من سجنها الذي دام سبع سنوات في برج "لندن". حدث ما لم يكن متوقعًا حين وجد مصلحته في أن يزوج ابنته الصغرى لأمير "ويلز"، وعلى الفور أصبح "لونكستريًا".
أظهر هذا الارتداد الكلي مدى مراوغة تلك الشخصية، ثم عاد إلى "انجلترا" واستُقبل بترحيب عارم. إنه وضع لا يُصدق في هذه اللحظة. وُضع "هنري السادس" في برج "لندن". الملك الحقيقي مسجون. زوج ابنته أمير "ويلز"، فعاد مجددًا إلى الأضواء؛ لأنه ماهر وصريح في العلن. كان رجلاً رائعًا لديه وجهة نظر، وهو قادر على العودة إلى البلاد. يقبل بـ"هنري السادس" ملكًا، يفرج عن "مارجريت" من القلعة، وينصبه ملكًا ثانية، بالطبع يعتقد أنه صنع ذلك.
المعلق:
كان وضع حكومة "ورويك" موضع شك، وكان من الصعب على "ورويك" توقع كم ستدوم، كان محاصرًا بأعدائه السابقين، ولم يكن قادرًا على مكافأة أنصاره، ما كان أكثر حزنًا له أنه ربح معركة لأجلها ولم يعد مفيدًا للملكة.
في آذار-مارس عام 1471 عاد الملك "إدوارد" من منفاه في "فرنسا" على رأس جيش صغير، وبدأ بتجميع قواته كان عليه التحرك بسرعة، كان لديه المال القليل كي يدفع للجنود الذي استأجرهم من القارة الأوروبية، وعلى الرغم من إحرازه بعض التقدم في التجنيد فضل العديد من النبلاء التريث بانتظار تطورات قبل أن يلزموا أنفسهم، لكن كان من المؤكد أن قوات الملك "إدوارد" و"ورويك" ستلتقي في نهاية الأمر، وهذا ما فعلوه في "بارنيت" و"بالمفاندي".
عام 1471 كان للجو أيضًا التأثير الأساسي على الأحداث مثلما كان لعامل آخر في حرب "الورود" وهو الخيانة. حالما أشرقت الشمس فوق "بارنيت" خيم ضباب كثيف فوق ساحة المعركة، تقدم "يوركيو إدوارد" وسط الرؤية الخفيفة، أفسحوا المجال لرماة النبال والبنادق بإطلاق وابل منها قبل أن يهجموا في الضباب.
كلا الجيشين انتظما في تقسيمات تقليدية، لكن نظرًا إلى كثافة الضباب لم يستطع أي من القادة معرفة ما إذا كانوا متمركزين فعلاً في مواجهة بعضهما البعض أم لا، كان الجناح الأيمن لجيش "إدوارد" متمركزًا بعيدًا إلى الشرق تاركًا الجهة اليسرى من دون حماية، اغتنم الجناح "اللانكستري" الأيمن الفرصة وشق طريقه نحو "اليوركيين".
بعد قتال وجيز انهزموا وعادوا يصرخون: "لقد قُتل الملك"، لكن الرؤية الضعيفة كانت لمصلحة الملك "إدوارد" الآن، حيث تناسى ما تبقى من جيشه الصعاب التي صادفها، كانت الفرقة عن يمين الملك "إدوارد" بقيادة أخيه الأصغر "ريتشارد"، حيث طوقت فرقة الميسرة لـ"ورويك"، ودفعتها إلى الخلف مشددة الضغط على الوسط.
حارب الطرفان بقوة حتى وقع حادث سيء أخل بالتوازن القائم؛ فعند محاولة "ورويك" العمل على تعزيز جناحه الأيسر المبعثر في الضباب أدى الأمر إلى أن يهاجم بعض وحداته بعض، وعلت صرخة خيانة بين قواته. تبعثر جيش "ورويك" المربك، وبالقرب من ساحة معركة "سانت البانس" -حيث انتصر منذ ستة أعوام- سقط "ورويك" صاحب الملوك، وذُبح وقطع من دون رحمة.
في النهاية لم يتسنى للملك "إدوارد" أن يتذوق ثمرة النصر، وبعد أيام قليلة من معركة "بارنيت" الدامية نزلت الملكة "مارجريت" على رأس جيشها "اللانكستري" في غرب البلاد وتقدمت بهدف الوصول إلى "ويلز"؛ كي تعوض عن خسارتها الأخيرة.
بدأ "إدوارد" المطاردة وسط حرارة الصيف التي أرهقت كاهل الرجال المدججين بالسلاح في كلا الطرفين، أخيرًا أدرك الملك "إدوارد" جيش "مارجريت"، كان الأمير "إدوارد" ابن الملكة "مارجريت" قد عُين قائدًا للجيش "اللانكستري" مع مجموعة نبلاء من ذوي الخبرة من بينهم دوق "سومر سيت" الجديد وكانوا جنرالاته.
مع إدراكهم لعدد الجيش دفع اللانكستريون بفرقهم إلى منطقة من الأرض تمكنهم من الدفاع، وشكلت الهضاب والممرات المطمورة والتلال بالنسبة إلى الملك "إدوارد" المحبط أملاً بنشر قواته عليها، فإذا نجحت الخطة فإنها قد تمكن "اللانكستريين" من شن هجوم مفاجئ.
اقتربت فرق الملك "إدوارد" إلى مسافة أربعمائة ياردة من الجيش "اللانكستري"، وفي الحال أطلقت المدفعية نيرانها الرهيبة، خوفًا من ألا يستطيع رجاله الصمود أمام القصف المدفعي قرر دوق "سومر سيت" أن يضرب من الخلف. استعمل الأراضي الوعرة ليحرك فرقته إلى موقع خلف الجناح الأيسر للملك "إدوارد"، لقد كان لهذه الخطة مخاطر محسوبة، وهذا ما يحدثنا عنه شاهد عيان.
شاهد عيان:
عندما وصل الملك إلى مشارف أرض المعركة، استوقفه وجود غابات كثيفة في الجهة اليمنى تحسبًا من أن يكون العدو قد وضع فرسانًا له في الغابة، اختار نحو مائتي رجل من رماة الرماح، اصطفوا على بعد ميل من ساحة المعركة، وأمرهم بمراقبة تلك الزاوية للغابة؛ حيث قد يأتي دعم في هذا الوقت من المعركة.
لم يلحظ رماة الرماح ما يدل على وجود كمائن هناك، تمركزوا جيدًا لكبح أي محاولة يقوم بها دوق "سومر سيت"، ومقدمة جيشه على حين غرة، وبعد أن تراءى لهم أن الملك مكنهم بأن ينقضوا عليهم دب الرعب والإرباك، وقادوهم إلى السهل، والمرج القريب، وإلى الممرات والأحواض في سبيل النجاة من الخطر، لكن العديد من تم احتجازهم قتلوا على الفور، وقُتل "إدوارد" الملقب بالأمير في الحقل، أثناء محاولته الفرار نحو المدينة.
شكلت معركة "جيوكس بيري" كارثة على "اللانكستريين" فبعد مقتل الأمير "إدوارد" وقعت الملكة "مارجريت" في الأسر مما دمر كليًا عائلة "لانكستر".
عام 1461 مات الملك "هنري" الذي تُرك في "لندن" في ظروف غامضة، وأصبح الملك "إدوارد الرابع" حاكمًا لانجلترا.
بين عامي 1461 و1483 تمتعت "انجلترا" بهدوء نسبي، لقد أوكلت إلى دوق "جلولستر" مهمة تهدئة اضطرابات الشمال، وتأمنت وراثة "اليوركيين" للعرش بولادة الملك "إدوارد" الابن الثاني لـ"ريتشارد".
كانت البداية الأولى للاضطرابات عام 1477 مع إعدام شقيق الملك الذي اتهم بالخيانة. عام 1483 وقبل إحدى المناسبات الخاصة بوقت قصير، تعرض الملك لنوبة برد في أثناء قيامه برحلة صيد، ولم يمض وقت طويل حتى أُصيب بداء ذات الرئة، ومات تاركًا ابنًا صغيرًا ليرث العرش.
سلسلة الأحداث التي تعاقبت كانت مثيرة للجدل في التاريخ الانجليزي وتعتمد على الرواية التي يؤمن بها المرء. كان الخيار إما أن "ريتشارد" تنتابه أفكار تجدد الصراع في الأقلية الحاكمة مدعومة من قبل أتباعه لتولي العرش، وإما أن يعمل على تسخير المشاعر العامة لتنصيبه ملكًا على انجلترا، أيًا كان الأمر يبقى الشك قائمًا في أنه أزاح أبناء الملك "إدوارد" عن الوراثة بسجنهم ومن ثم قتلهم بدم بارد.
مهما كانت الحقيقة فقد تم تتويج الملك "ريتشارد الثالث" في تموز-يوليو عام 1483، لقد كلف صعوده للعرش مقتل ثلاثة من نبلاءه في حفل تنصيبه، والعديد من الضحايا الآخرين الذين انتهوا إلى حبل المشنقة، بدا مجلس "اليوركيين" في أوج قوته، لكن الإمساك بالسلطة لم يدم طويلاً.
بعد ثلاثة أشهر على حكم "ريتشارد الثالث" قاد أحد أتباعه السابقين تمردًا لصالح "هنري تيودور"، هذا الشاب النبيل والمغمور من "ويلز" المنفي في "فرنسا" جسد أخيرًا طموح اللانكستريين، أبحر بشوق إلى "انجلترا" على رأس أسطول صغير بتشجيع من أتباعه، وحظي بدعم وترحيب حماسي.
وبتقدير الله فإن رداءة الجو وعدم توافر الدعم أديا إلى الإجهاز كليًا على عصيان "تيودور"، حيث دفع غاليًا ثمن خيانته، لقد أحبط مؤقتًا الطموح السياسي للانكستريين، وعاد أسطول "هنري تيودور" إلى فرنسا من دون أن يرسوا على التراب الانجليزي، كانت تلك هزيمة مؤقتة، لأنه بعد عامين وفي خريف عام 1485 نزل "تيودور" أخيرًا في "ميلفورد هافن" في "ويلز".
في مواجهة أطماع العداوات المتجددة واجه الملك "ريتشارد" و"هنري تيودور" المشكلة نفسها، بعد أن حشدا الجيوش لم يكن أحد منهما واثقًا على من يمكنه الاعتماد، الحقيقة كانت أن الرجال الذين حاربوا في "تاوتن"، و"بارنت"، و"تاوكس بيري" يفضلون البقاء في منازلهم.
في النهاية حشد الملك "ريتشارد" قواته في "لاي سيستر" في منطقة يسهل الوصول إليها في وسط "انجلترا"، ومع اقتراب "تيودور" حرك "ريتشارد" جيشه إلى الشرق.
مؤرخ:
إذا وصفنا هذه المعركة فإنها لم تكن مثيرة، طبعًا جميعنا يفكر في "شكسبير" وأسلوبه الشهير في وصف المعركة، ويجب ألا يغيب عن بالنا بأن "شكسبير" يبالغ كثيرًا في وصف الأحداث، ولهذا لم يكن مشهد "ريتشارد الثالث" موزونًا تمامًا، لدينا عبارته المشهورة للملك "ريتشارد" مندفعًا في ساحة المعركة بعد أن سقط على ظهر حصانه يقول:"حصان.. حصان.. مملكتي في مقابل حصان". ولدينا أيضًا عائلة "ستانلي" الشهيرة، وقد تركت ساحة المعركة وكانت إلى جانب الملك، في النهاية من يعرف أن المعركة تميل بقوة لمصلحة "تيودور"، والآن على "آل ستانلي" أن يكونوا حذرين.
احتفظ الملك "ريتشارد" بابن "ستانلي" الأكبر رهينة لديه، وعليهم الآن أن يتصرفوا بحذر شديد، تلك كانت رسالة لتفكير "ستانلي" الأب بأنه كرر هذا الأمر مرة أخرى، ولكن ذلك وضع حدًا لنهاية المعركة، كانت هذه حقيقة راسخة. إنها نهاية لحقبة الإقطاعيين الكبار.
وبحسب وثيقة جامعة "أكسفورد" فإن العصور الوسطى كانت نهايتها في عام 1485، لم تكن فترة مهمة بل كانت عصر التنافس الشديد، تفاوت وتنافس، مخازن سلاح وحروب كبيرة، خسارة واحدة في "فرنسا"، وحروب رهيبة في "انجلترا" على غرار حروب "الورود".
لا يمكننا أن نأسف على نهاية الحقبة الإقطاعية، الآن لدينا حكومة ملكية تتمتع بالحماية، وهي عازمة في الحقيقة على اجتياز هذا القرن من دون العودة إلى الماضي.
المعلق:
تُوج "هنري تيودور" ملكًا في ساحة المعركة. جردت جثة "ريتشارد الثالث" آخر ملوك "اليوركيين" وأُخذت إلى "اللاي سيستر"، ثم عرض جثمانه حتى لا يستطيع أحد الادعاء بأنه استطاع الهرب من المعركة.
في الواقع لم يجد الملك "ريتشارد" السلام حتى في مماته، لقد أُخرجت جثته في زمن الإصلاحيين وأُلقيت عظامه في نهر "ساور"، تحرك الملك "هنري السابع" على جناح السرعة من "بوزويرث" لحماية مملكته الجديدة، كان له منافسون مقربون على التاج كحاكم "ورويك" الذي أُلقي القبض عليه، وأودع السجن في البرج.
بعد ذلك تزوج "إليزابيث" ابنة الملك "إدوارد"، وهكذا اتحدت عائلتا "يورك" و"لانكستر" أخيرًا، مع مرور الزمن انتهت مطالب الوردة البيضاء. كانت مطالبتهم بعرش انجلترا فعلاً دبلوماسيًا أكثر منه جهودًا جادة لإلغاء الوراثة.
يجب ألا يُنسى أن "هنري الثامن" ابن الملك "هنري السابع" كان لا يزال يشعر بأنه مهدد؛ ما أدى به إلى إعدام امرأة عجوز ذنبها الوحيد أنها ابنة "اليوركي إدوارد الرابع"، لقد حصل هذا عام 1541 بعد مرور ستة وثمانين عامًا على معركة "سانت ألبانس".
الأن في عالمنا المعاصر لا يزال التنافس قائمًا بين الوردة الحمراء والوردة البيضاء، لكن فقط في الميدان الرياضي، وبينما سُفكت الدماء فيما مضى بين "آل يورك" و"آل لانكستر"، فإن ساحة المعركة اليوم هي ملاعب "الكريكيت".. الآن يسود النظام في حروب "الورود"، بينما آنذاك كانت الفوضى هي المسيطرة.



منقول
 

" بناء على توجيهات الادارة لتحسين محتوى المنتدى. فنأمل منكم الالتزام بالقوانين و عدم نشر الصور الحساسة و الدموية.
أعلى