مذكرات الشهيد البطل أحمد عبد العزيز

Nabil

خـــــبراء المنتـــــدى
إنضم
19 أبريل 2008
المشاركات
29,038
التفاعلات
13,845 8
مذكرات الشهيد البطل أحمد عبد العزيز






للأسف الشديد فى زحمة الحياة والأشياء نسينا أشياء كثيرة، ومن المهم والضرورى أن نستعيد سيرة وحكاية أبطال أعطوا حياتهم لهذا الوطن، ومنهم للأسف الشديد فى زحمة الحياة والأشياء نسينا أشياء كثيرة، ومن المهم والضرورى أن نستعيد سيرة وحكاية أبطال أعطوا حياتهم لهذا الوطن، ومنهم الشهيد البطل «أحمد عبدالعزيز» أحد أبطال حرب فلسطين 1948، وربما لايعرف الكثيرون أنه كتب مذكراته ويومياته. هذه المذكرات الناقصة نشرها المؤرخ والكاتب العسكرى «محمد فيصل عبدالمنعم» فى كتابه المهم والفريد «أسرار 1948» الذى صدر عام 1968، واستند فيها إلى كتاب المؤلف «أبوالحجاج حافظ» عن البطل «أحمد عبدالعزيز». «صباح الخير» تنشر هذه المذكرات تقديراً وامتناناً للبطل العظيم.. الأربعاء 31 مارس 1948: إن هذا اليوم هو أسعد أيام حياتى. لقد قابلت اليوم «محمد حيدر باشا» وقال لى وهو يصافحنى «يا عبدالعزيز إننى أتبع خطاك منذ كنت عضوا فى لجنة الحكام فى مباريات الفروسية وكنت متسابقا دائما فيها وعندما تلقيت جائزة الموضوعات العسكرية وضعت عينى عليك وعرفت أنه سيجىء يوم تكلف فيه بعمل مهم .. إن أمامك مهمة خطيرة.. وأنا أرجو كفارس قديم أن ينجح واحد من الفرسان فى مهمة خطيرة.. لقد قررت أن أعهد إليك بقيادة القوات الخفيفة». وبينما نحن نتحدث دخل عزام باشا «الأمين العام لجامعة الدول العربية». واستمر الحديث وعلمت أن الجامعة العربية ستعهد إلى بقيادة فرقة المتطوعين التى تم تكوينها من أبطال ذوى همة وعزم.. أبطال من مصر، ورجال عاديين وضباط جيش وجنود طلبوا الإحالة إلى الاستيداع ليجاهدوا من أجل فلسطين.. وأبطال من ليبيا ومن تونس ومراكش والسودان ومن غيرها من البلاد العربية المجاهدة. ولقد حدد عملى ورسمت لى مهمتى وقال لى حيدر باشا وهو يشد على يدى بعد أن أديت له التحية العسكرية «ليكن شعار قوتك كما قال فردريك الأكبر.. اضرب.. واضرب بكل شدة .. إذا عرفت أحوال عدوك استطعت أن تتفوق عليه». ؟ العريش فى 6 أبريل سنة 1948: أعددت كل شىء وغدا أتسلل عند منتصف الليل عبر الحدود مع الملازم أول «ص» وهو مثلى من الذين طلبوا إحالتهم إلى الاستيداع لينضموا إلى صفوف فرقتنا.. فرقة المتطوعين. ولقد التقيت به أمس فى القاهرة وأحس كل منا أنه يعرف صاحبه منذ سنين وعلى أى حال فلم تكن هذه أول مرة تقابلنا فيها. ولقد قضينا اليوم كله فى العريش نجمع المعلومات من القادمين من الناحية الأخرى من الحدود وثمة سؤال يهمنى أن أعرفه «كيف يحارب اليهود»؟ إن أساس الخطط الاستراتيجية هو ما يمكن الحصول عليه من معلومات عن العدو، ولقد قلت للملازم أول «ص» أننى أعرف أننا حصلنا على معلومات كثيرة، لكننى أعتقد أنه لا شىء يفيدنا كرحلة نقوم بها بأنفسنا عبر الحدود. واتفقنا على التسلل غدا عند منتصف الليل. ؟ السبت 7 أبريل سنة 1948: عدنا فجر اليوم من رحلتنا عبر الحدود. إن المعلومات التى عرفناها لا تقدر بثمن.. لقد طفت بالمواقع المحيطة بغزة التى أعتقد أن فرقتنا ستقوم فيها بأول اشتباكاتها مع العدو. ولقد تسللنا قرب بعض المستعمرات ونحن بملابس البدو وأنا أظن أن معلوماتنا عن التسليح اليهودى يجب أن تتغير.. وعلينا أن نضع كلمة «قلعة» مكان كلمة «مستعمرة». وطفت بشوارع غزة واتصلت بالأفراد الذين كان يلزم أن أتصل بهم لمساعدتى فى مهمتى ومن سوء الحظ أن أحدهم لم يقدر ضرورة السرية فى مهمتى، فقد جاءنى فى اليوم التالى للقائنا السرى يقول لى «إن اللجنة القومية لغزة تنتظرك وأعضاؤها يتحرقون شوقا لمقابلتك». وذهلت وقلت له: ومن أخبر أعضاء اللجنة أننى هنا؟ وقال لى ببساطة: أنا .. لكن لا تخف. وقررت أن أذهب لسبب واحد هو أن أرجو أعضاء اللجنة أن يحفظوا السر ودخلت اجتماع اللجنة ومعى الملازم «ص» وقلت لأعضائها «ليس هناك ما يمكن أن تسمعوه منى.. إن الشىء الوحيد الذى أرجو أن تسمعوه هو صوت مدافعى عندما تجىء هنا». ؟ الخمـيس 22 أبـريل سـنة 1948: مررت اليوم فى صفوف الأبطال الذين اصطفوا فى طابور الاستعراض وأخذت أتفرس فى وجوههم وأحاول أن أستشف خلال التقاطيع الصارمة روح الإيمان المتدفق. ثم بدأت أتحدث إليهم: حدثتهم عن مهمتنا ولماذا نحارب وشرحت لهم هدفنا من القتال وقبل أن أتركهم طلبت منهم أن يكونوا على استعداد دائم فنحن قد نتحرك فى أى وقت، إنى من المؤمنين بالمفاجأة وأنا أحلم بمفاجأة من نوع غير سار للعدو، وأعتقد أن نجاحنا يتوقف على قوة هذه المفاجأة فهى فى رأيى الوسيلة الأولى لنجاح كل غاية أو مبدأ.. صحيح أن بعض القواد ومنهم «فوش» لا يعتبرون المفاجأة مبدأ خاصا من مبادئ الحرب، لكن الظروف الحديثة تجعلها «بالنسبة لجسامة الارتباك والرعب الذى تحدثه فى قوات العدو»، مبدأ صحيحا قائما بذاته.. لا ينبغى أن يشعر اليهود بدخولنا. ولقد وجدت اليوم الطريق الذى يجب أن نسلكه.. سوف يكون طريقنا هذا خير طريق يحقق لنا المفاجأة. ؟ الثلاثــاء أول مايــو ســنة 1948: سنبدأ غدا والله معنا. تحادثت مع جنودى لآخر مرة قبل المعركة، بعد أن أبديت لهم سرورى بما رأيته من روحهم واستعدادهم، قلت لهم «سوف نبدأ غدا». أصدرت اليوم أول منشور مصرى فى فلسطين، وقد وزع على جميع المتطوعين وسنوزعه على أهالى فلسطين عندما ندخل كى يعلموا مهمتنا، وهذا هو نص المنشور: «من القائد العام لقوات المتطوعين بالجبهة الجنوبية بفلسطين إلى المتطوعين: أيها المتطوعون .. قبل أن نتحرك إلى جبهة القتال يجب أن نؤمن تماما بالغاية النبيلة التى نحارب من أجلها أننا سنقاتل اليهود بفلسطين لأنهم قوم جحدوا نعمة الله عليهم وإحسان المسلمين إليهم الذين تركوهم بينهم ينعمون فى بلادهم ويثرون ويتكاثرون، حتى إذا ما أنسوا فى أنفسهم بعض القوة غدروا بالمسلمين وشرعوا فى اغتصاب أقدس ما لديهم وهو وطنهم العربى وتراثهم الإسلامى. إننا نحارب دفاعا عن تراث العروبة ودرءا لخطر جسيم يهدد كيان الدول العربية ومستقبلها، نحن نحارب فى سبيل الله لأننا لا نبغى استعمارا، بل نريد أن نمنع أشنع خيانة وأفظع نوع من أنواع الظلم الذى لم يجد التاريخ مثيلا له، نحن نحارب عدوا غادرا خائنا خبيثا يقتل ويمثل بالأبرياء الذين آووه وتسامحوا معه كثيرا. نحن نحارب لحماية بلادنا وأولادنا وأحفادنا وأعراضنا وآمالنا فى المستقبل من خطر اليهود الذى لا يضاهيه خطر فى الشرق. أيها المتطوعون. إن حربا هذه أهدافها هى الحرب المقدسة وهى الجهاد الصحيح الذى يفتح أمامنا أبواب الجنة ويضع على هامتنا أكاليل المجد والشرف. ولا تنسوا أن هذه الأراضى التى سنحارب عليها قد حارب أجدادنا عليها فى عصور مختلفة، وسجلوا لنا مجدا عظيما خالدا فلنرد هذا المجد الأبدى ولنخش غضب الله وكلمة التاريخ إذا نحن قصرنا فى أمانة هذا الجهاد العظيم». ؟ الحدود المصرية فى أول مايو 1948. القائد العام لقوات المتطوعين بالجبهة الجنوبية لفلسطين. ؟الخميس 3 مايو 1948: قضينا يومين حافلين. فى الساعة التاسعة من مساء أول أمس اخترق طابورنا الحدود وعند الفجر أتممنا احتلال تل «على منطار» وفى الصباح فوجئت «خان يونس» بدخول فرقتنا إلى البلدة، وكان الناس ينظرون إلى معداتنا وهم يفركون أعينهم من الذهول، وكأنما هم لا يصدقون أننا هنا، أخيرا، ومضى النهار ونحن ننظم مواقعنا وفى الليل بدأت مدفعيتنا تدق «بيرون إسحاق»، وكانت مفاجأة شاملة للعدو. ولقد سمعت غزة لأول مرة فى هذه الحرب صوت المدفعية، وكانت مدفعية «فرقتنا» واسترحت لأننى صدقت وعدى مع اللجنة القومية لغزة. ودخلنا غزة نحمل أول الشهداء وكان بطلا من المتطوعين اسمه «فتحى»، لقد عدت منذ قليل من حفل تأبينه، وكنت قد قررت أن نحتفل رسميا بأول شهيد من الجنود وأول شهيد من الضباط. إننى فخور بروح فرقتنا .. لقد سمعت جنديا من المتطوعين يقول لأحد الضباط متحدثا عن الشهيد «فتحى» شهيدنا الأول «أنه سعيد الحظ» وهذا هو الذى أتاح له الفرصة ليكون أول الشهداء، وكان احتفالنا بشهيدنا الأول من الجنود رائعا، وتذكرت أننا سنحتفل أيضا بأول شهيد من الضباط وأجلت النظر فى ضباطى وهم وقوف حولى وقلت فى نفسى «ليحفظهم الله جميعا»، وأعترف أننى أشعرت بالحزن عندما سألت نفسى «ترى أيهم»؟ وسمعت شيئا فى ضميرى يهتف بى «قد تكون أنت»، سنترك غزة الليلة ونخرج إلى العراء.. إننى أريد أن نختبر أساليب العدو فى القتال وأود لو استطعنا أن نحصل على شىء له قيمة للجيش النظامى عندما يتدخل فى 15 مايو. ؟ الجمعة 21 مايو 1948: كان يوما من أروع أيام فرقتنا. لقد نطحنا كل مستعمرات الجنوب واشتبكنا معها فى الأيام الماضية، وقد فرغنا أمس فقط من معاركنا مع مستعمرتى «بيره» و«بيت إيشيل» ودخلنا «بئر سبع» نحمل جثة أول شهيد من الضباط وكان الملازم «أنور الصيحى»، لم أستطع حضور الجنازة العسكرية فقد خرجنا قبل الفجر نحو «الخليل» لنؤمن مؤخرة الجيش الرئيسى الواقف على الساحل. وكان طوافنا حول «الخليل» مظاهرة عسكرية رائعة ولقد طاف جنودى حول القبر المقدس لسيدنا إبراهيم وهم بملابس الميدان كاملى التسليح ولعمرى ما رأيت منظرا كهذا اختلطت فيه معانى القداسة بمعانى القوة العسكرية. واستفاد الجنود من الدوران حول قبر الخليل.. وكان لهذا أثره فى زحفنا السريع إلى «بيت لحم»، ومن حسن الحظ أن المعركة مع «رامات راحيل» كانت تنتظر وصولنا. ؟ الأربعاء 14 يوليه 1948: مرت العاصفة بسلام. لقد كانت الأيام التى مضت هى أعصب الأيام التى مرت بنا، فلقد استطاع اليهود فى فترة الهدنة التى دامت شهرا أن يضاعفوا استعدادهم، وكان من أثر الاجتماعات السياسية الأخيرة فى عمان أن الجيش العربى اتخذ شمال القدس المسرح الأول لعملياته وترك لنا كل منطقة الجنوب، ولم يكن هناك مفر من أن «نمدد» خطوطنا فى الوقت الذى قام فيه العدو بأعنف هجماته. وكنا وحدنا نواجه العاصفة. ومرت بنا لحظات رهيبة. ولقد كان تفكيرى عجيبا فى أعنف لحظات المعركة، ولم أكن أتصور أن الإنسان يمكن وهو فى أحرج لحظات حياته أن يسمح لنفسه بالتفكير الخيالى ويسبح فى أحلام عديمة القيمة بالنسبة لمواقفه. كنت واقفا فى أحرج الدقائق على الطريق من بيت لحم إلى القدس. وكان المفروض أن يكون هذا الطريق هو الهدف الرئيسى للهجوم علينا، وكان الطريق ملغما بشدة وقلت لنفسى: «حتى لو تمكن العدو من التغلب على حقول الألغام فإنه لن يخترق الجبهة». ونظرت حولى فى الخنادق والمراكز المتقدمة وكانت تتراءى على مرمى البصر، وكنت ألمح خوذات الجنود داخل الخنادق، ويترامى إلى فى بعض الأحيان التى تهدأ فيها النيران همساتهم وضحكاتهم ونظرت إلى السماء وقلت: «باركهم يا رب»، وتقدمت على الطريق، ووقفت أمام وحدة من مدافعى متجهة إلى مواقع اليهود، وأمسكت بيدى تليفون الميدان وهو متصل بكل المواقع وكنت أرفع السماعة إلى أذنى لأتصل بموقع من المواقع البعيدة التى تتحمل أعنف هبات العاصفة وكان ضابط الموقع يرد على وكانت النيران الشجاعة والكلمات الحازمة من هؤلاء الشبان ذوى العزم والرجولة تجعلنى أقول «لا يمكن أن نقهر». ورميت بصرى إلى الطريق والمعركة على أعنف ما تكون والتليفون يحمل إلى كل ثانية أخبار الهجوم على مواقع جديدة. وتنهدت ولمست الطبنجة المعلقة فى حزامى وقلت لنفسى: «ماذا لو تقدم اليهود إلى هنا»؟! ودار رأسى وقلت: «أحارب حتى بطلقات الطبنجة ثم أبقى طلقة منها لنفسى»، وأجلت النظر فيما حولى.. دير «ماريا إلياس» الأثرى الجميل أمامى على نهاية الطريق والجبل الذى تقع على قمته قرية «بيت جالا» والوادى تحت أقدامنا والزهور البرية تفوح عطرا وتبدو كما لو كانت تسبح بألوانها الجميلة المتناسقة فوق موجات من أشعة الشمس السائلة. وقبضت بيدى عللى الطبنجة وقلت «ومع ذلك فهذه هى أحرج لحظاتنا»، وتذكرت الناس فى الوطن.. ماذا يفعلون الآن؟ وهل تراهم يعرفون؟ ومضت دقيقة أخرى وهمست لنفسى شيئا وسمعنى ضابط الموقع وقال« أوامر يا فندم»؟ وغمغمت كمن يحدث نفسه: «كلا.. أعرف أنهم سيتذكرون هذا اليوم وسيتذكرون أننا كنا من الشهداء وسوف يقولون: كانت هذه أروع لحظات حياتهم. وسألت نفسى: هل نستشهد؟ ودار فى ذهنى شريط سريع.. ماذا يحدث عندما يرفع ضابط الموقع المجاور لى تليفون الميدان ليتصل بمساعدى ويقول له حضرة «البكباشى استشهد يا فندم»، ماذا يحدث لضباطى وجنودى؟ والناس فى الوطن ماذا يقولون؟ وأسرتى كيف يقع النبأ عليها؟ وألقيت على نفسى أغرب سؤال: «وأنا.. ماذا أقول عندما أستشهد»؟ وضحكت وقلت لنفسى»: لن تقول شيئا يا أخى.. إنك ستكون شهيدا قتيلا فى عالم آخر لا تستطيع أن تقول فيه شيئا». وأجلت حولى نظرة أخرى وقلت «يا له من مكان رائع يختتم فيه القدر مسرحية حياتى أنهم سيضعون على الأقل لوحة يكتبون فيها اسمى ويوم استشهادى.. أجل لوحة بسيطة تكفى وسوف يجىء كثيرون .. سيجىء ابنى «خالد» أيضا وسيكون رجلا وسيما ويحنى رأسه أمام هذا المكان ويقول فخورا «هنا استشهد أبى ودخل مع الأبطال». ولن يبكى ابنى.. ورنت فى خاطرى كلمة الأبطال.. وذكرت قول نيتشة «إن البطل هو الذى يعرف كيف يموت فى الوقت المناسب والمكان المناسب»، ونظرت مرة أخرى فيما حولى. الوادى: ودير ماريا إلياس وورائى «بيت لحم» مهد المسيح ووراءها «الخليل» قبر إبراهيم.. وقلت لنفسى: «أجل.. هذا مكان يرضى عنه نيتشة». ومرت العاصفة بسلام»! أحد أبطال حرب فلسطين 1948، وربما لايعرف الكثيرون أنه كتب مذكراته ويومياته. هذه المذكرات الناقصة نشرها المؤرخ والكاتب العسكرى «محمد فيصل عبدالمنعم» فى كتابه المهم والفريد «أسرار 1948» الذى صدر عام 1968، واستند فيها إلى كتاب المؤلف «أبوالحجاج حافظ» عن البطل «أحمد عبدالعزيز». «صباح الخير» تنشر هذه المذكرات تقديراً وامتناناً للبطل العظيم.. الأربعاء 31 مارس 1948: إن هذا اليوم هو أسعد أيام حياتى. لقد قابلت اليوم «محمد حيدر باشا» وقال لى وهو يصافحنى «يا عبدالعزيز إننى أتبع خطاك منذ كنت عضوا فى لجنة الحكام فى مباريات الفروسية وكنت متسابقا دائما فيها وعندما تلقيت جائزة الموضوعات العسكرية وضعت عينى عليك وعرفت أنه سيجىء يوم تكلف فيه بعمل مهم .. إن أمامك مهمة خطيرة.. وأنا أرجو كفارس قديم أن ينجح واحد من الفرسان فى مهمة خطيرة.. لقد قررت أن أعهد إليك بقيادة القوات الخفيفة». وبينما نحن نتحدث دخل عزام باشا «الأمين العام لجامعة الدول العربية». واستمر الحديث وعلمت أن الجامعة العربية ستعهد إلى بقيادة فرقة المتطوعين التى تم تكوينها من أبطال ذوى همة وعزم.. أبطال من مصر، ورجال عاديين وضباط جيش وجنود طلبوا الإحالة إلى الاستيداع ليجاهدوا من أجل فلسطين.. وأبطال من ليبيا ومن تونس ومراكش والسودان ومن غيرها من البلاد العربية المجاهدة. ولقد حدد عملى ورسمت لى مهمتى وقال لى حيدر باشا وهو يشد على يدى بعد أن أديت له التحية العسكرية «ليكن شعار قوتك كما قال فردريك الأكبر.. اضرب.. واضرب بكل شدة .. إذا عرفت أحوال عدوك استطعت أن تتفوق عليه». ؟ العريش فى 6 أبريل سنة 1948: أعددت كل شىء وغدا أتسلل عند منتصف الليل عبر الحدود مع الملازم أول «ص» وهو مثلى من الذين طلبوا إحالتهم إلى الاستيداع لينضموا إلى صفوف فرقتنا.. فرقة المتطوعين. ولقد التقيت به أمس فى القاهرة وأحس كل منا أنه يعرف صاحبه منذ سنين وعلى أى حال فلم تكن هذه أول مرة تقابلنا فيها. ولقد قضينا اليوم كله فى العريش نجمع المعلومات من القادمين من الناحية الأخرى من الحدود وثمة سؤال يهمنى أن أعرفه «كيف يحارب اليهود»؟ إن أساس الخطط الاستراتيجية هو ما يمكن الحصول عليه من معلومات عن العدو، ولقد قلت للملازم أول «ص» أننى أعرف أننا حصلنا على معلومات كثيرة، لكننى أعتقد أنه لا شىء يفيدنا كرحلة نقوم بها بأنفسنا عبر الحدود. واتفقنا على التسلل غدا عند منتصف الليل. ؟ السبت 7 أبريل سنة 1948: عدنا فجر اليوم من رحلتنا عبر الحدود. إن المعلومات التى عرفناها لا تقدر بثمن.. لقد طفت بالمواقع المحيطة بغزة التى أعتقد أن فرقتنا ستقوم فيها بأول اشتباكاتها مع العدو. ولقد تسللنا قرب بعض المستعمرات ونحن بملابس البدو وأنا أظن أن معلوماتنا عن التسليح اليهودى يجب أن تتغير.. وعلينا أن نضع كلمة «قلعة» مكان كلمة «مستعمرة». وطفت بشوارع غزة واتصلت بالأفراد الذين كان يلزم أن أتصل بهم لمساعدتى فى مهمتى ومن سوء الحظ أن أحدهم لم يقدر ضرورة السرية فى مهمتى، فقد جاءنى فى اليوم التالى للقائنا السرى يقول لى «إن اللجنة القومية لغزة تنتظرك وأعضاؤها يتحرقون شوقا لمقابلتك». وذهلت وقلت له: ومن أخبر أعضاء اللجنة أننى هنا؟ وقال لى ببساطة: أنا .. لكن لا تخف. وقررت أن أذهب لسبب واحد هو أن أرجو أعضاء اللجنة أن يحفظوا السر ودخلت اجتماع اللجنة ومعى الملازم «ص» وقلت لأعضائها «ليس هناك ما يمكن أن تسمعوه منى.. إن الشىء الوحيد الذى أرجو أن تسمعوه هو صوت مدافعى عندما تجىء هنا». ؟ الخمـيس 22 أبـريل سـنة 1948: مررت اليوم فى صفوف الأبطال الذين اصطفوا فى طابور الاستعراض وأخذت أتفرس فى وجوههم وأحاول أن أستشف خلال التقاطيع الصارمة روح الإيمان المتدفق. ثم بدأت أتحدث إليهم: حدثتهم عن مهمتنا ولماذا نحارب وشرحت لهم هدفنا من القتال وقبل أن أتركهم طلبت منهم أن يكونوا على استعداد دائم فنحن قد نتحرك فى أى وقت، إنى من المؤمنين بالمفاجأة وأنا أحلم بمفاجأة من نوع غير سار للعدو، وأعتقد أن نجاحنا يتوقف على قوة هذه المفاجأة فهى فى رأيى الوسيلة الأولى لنجاح كل غاية أو مبدأ.. صحيح أن بعض القواد ومنهم «فوش» لا يعتبرون المفاجأة مبدأ خاصا من مبادئ الحرب، لكن الظروف الحديثة تجعلها «بالنسبة لجسامة الارتباك والرعب الذى تحدثه فى قوات العدو»، مبدأ صحيحا قائما بذاته.. لا ينبغى أن يشعر اليهود بدخولنا. ولقد وجدت اليوم الطريق الذى يجب أن نسلكه.. سوف يكون طريقنا هذا خير طريق يحقق لنا المفاجأة. ؟ الثلاثــاء أول مايــو ســنة 1948: سنبدأ غدا والله معنا. تحادثت مع جنودى لآخر مرة قبل المعركة، بعد أن أبديت لهم سرورى بما رأيته من روحهم واستعدادهم، قلت لهم «سوف نبدأ غدا». أصدرت اليوم أول منشور مصرى فى فلسطين، وقد وزع على جميع المتطوعين وسنوزعه على أهالى فلسطين عندما ندخل كى يعلموا مهمتنا، وهذا هو نص المنشور: «من القائد العام لقوات المتطوعين بالجبهة الجنوبية بفلسطين إلى المتطوعين: أيها المتطوعون .. قبل أن نتحرك إلى جبهة القتال يجب أن نؤمن تماما بالغاية النبيلة التى نحارب من أجلها أننا سنقاتل اليهود بفلسطين لأنهم قوم جحدوا نعمة الله عليهم وإحسان المسلمين إليهم الذين تركوهم بينهم ينعمون فى بلادهم ويثرون ويتكاثرون، حتى إذا ما أنسوا فى أنفسهم بعض القوة غدروا بالمسلمين وشرعوا فى اغتصاب أقدس ما لديهم وهو وطنهم العربى وتراثهم الإسلامى. إننا نحارب دفاعا عن تراث العروبة ودرءا لخطر جسيم يهدد كيان الدول العربية ومستقبلها، نحن نحارب فى سبيل الله لأننا لا نبغى استعمارا، بل نريد أن نمنع أشنع خيانة وأفظع نوع من أنواع الظلم الذى لم يجد التاريخ مثيلا له، نحن نحارب عدوا غادرا خائنا خبيثا يقتل ويمثل بالأبرياء الذين آووه وتسامحوا معه كثيرا. نحن نحارب لحماية بلادنا وأولادنا وأحفادنا وأعراضنا وآمالنا فى المستقبل من خطر اليهود الذى لا يضاهيه خطر فى الشرق. أيها المتطوعون. إن حربا هذه أهدافها هى الحرب المقدسة وهى الجهاد الصحيح الذى يفتح أمامنا أبواب الجنة ويضع على هامتنا أكاليل المجد والشرف. ولا تنسوا أن هذه الأراضى التى سنحارب عليها قد حارب أجدادنا عليها فى عصور مختلفة، وسجلوا لنا مجدا عظيما خالدا فلنرد هذا المجد الأبدى ولنخش غضب الله وكلمة التاريخ إذا نحن قصرنا فى أمانة هذا الجهاد العظيم». ؟ الحدود المصرية فى أول مايو 1948. القائد العام لقوات المتطوعين بالجبهة الجنوبية لفلسطين. ؟الخميس 3 مايو 1948: قضينا يومين حافلين. فى الساعة التاسعة من مساء أول أمس اخترق طابورنا الحدود وعند الفجر أتممنا احتلال تل «على منطار» وفى الصباح فوجئت «خان يونس» بدخول فرقتنا إلى البلدة، وكان الناس ينظرون إلى معداتنا وهم يفركون أعينهم من الذهول، وكأنما هم لا يصدقون أننا هنا، أخيرا، ومضى النهار ونحن ننظم مواقعنا وفى الليل بدأت مدفعيتنا تدق «بيرون إسحاق»، وكانت مفاجأة شاملة للعدو. ولقد سمعت غزة لأول مرة فى هذه الحرب صوت المدفعية، وكانت مدفعية «فرقتنا» واسترحت لأننى صدقت وعدى مع اللجنة القومية لغزة. ودخلنا غزة نحمل أول الشهداء وكان بطلا من المتطوعين اسمه «فتحى»، لقد عدت منذ قليل من حفل تأبينه، وكنت قد قررت أن نحتفل رسميا بأول شهيد من الجنود وأول شهيد من الضباط. إننى فخور بروح فرقتنا .. لقد سمعت جنديا من المتطوعين يقول لأحد الضباط متحدثا عن الشهيد «فتحى» شهيدنا الأول «أنه سعيد الحظ» وهذا هو الذى أتاح له الفرصة ليكون أول الشهداء، وكان احتفالنا بشهيدنا الأول من الجنود رائعا، وتذكرت أننا سنحتفل أيضا بأول شهيد من الضباط وأجلت النظر فى ضباطى وهم وقوف حولى وقلت فى نفسى «ليحفظهم الله جميعا»، وأعترف أننى أشعرت بالحزن عندما سألت نفسى «ترى أيهم»؟ وسمعت شيئا فى ضميرى يهتف بى «قد تكون أنت»، سنترك غزة الليلة ونخرج إلى العراء.. إننى أريد أن نختبر أساليب العدو فى القتال وأود لو استطعنا أن نحصل على شىء له قيمة للجيش النظامى عندما يتدخل فى 15 مايو. ؟ الجمعة 21 مايو 1948: كان يوما من أروع أيام فرقتنا. لقد نطحنا كل مستعمرات الجنوب واشتبكنا معها فى الأيام الماضية، وقد فرغنا أمس فقط من معاركنا مع مستعمرتى «بيره» و«بيت إيشيل» ودخلنا «بئر سبع» نحمل جثة أول شهيد من الضباط وكان الملازم «أنور الصيحى»، لم أستطع حضور الجنازة العسكرية فقد خرجنا قبل الفجر نحو «الخليل» لنؤمن مؤخرة الجيش الرئيسى الواقف على الساحل. وكان طوافنا حول «الخليل» مظاهرة عسكرية رائعة ولقد طاف جنودى حول القبر المقدس لسيدنا إبراهيم وهم بملابس الميدان كاملى التسليح ولعمرى ما رأيت منظرا كهذا اختلطت فيه معانى القداسة بمعانى القوة العسكرية. واستفاد الجنود من الدوران حول قبر الخليل.. وكان لهذا أثره فى زحفنا السريع إلى «بيت لحم»، ومن حسن الحظ أن المعركة مع «رامات راحيل» كانت تنتظر وصولنا. ؟ الأربعاء 14 يوليه 1948: مرت العاصفة بسلام. لقد كانت الأيام التى مضت هى أعصب الأيام التى مرت بنا، فلقد استطاع اليهود فى فترة الهدنة التى دامت شهرا أن يضاعفوا استعدادهم، وكان من أثر الاجتماعات السياسية الأخيرة فى عمان أن الجيش العربى اتخذ شمال القدس المسرح الأول لعملياته وترك لنا كل منطقة الجنوب، ولم يكن هناك مفر من أن «نمدد» خطوطنا فى الوقت الذى قام فيه العدو بأعنف هجماته. وكنا وحدنا نواجه العاصفة. ومرت بنا لحظات رهيبة. ولقد كان تفكيرى عجيبا فى أعنف لحظات المعركة، ولم أكن أتصور أن الإنسان يمكن وهو فى أحرج لحظات حياته أن يسمح لنفسه بالتفكير الخيالى ويسبح فى أحلام عديمة القيمة بالنسبة لمواقفه. كنت واقفا فى أحرج الدقائق على الطريق من بيت لحم إلى القدس. وكان المفروض أن يكون هذا الطريق هو الهدف الرئيسى للهجوم علينا، وكان الطريق ملغما بشدة وقلت لنفسى: «حتى لو تمكن العدو من التغلب على حقول الألغام فإنه لن يخترق الجبهة». ونظرت حولى فى الخنادق والمراكز المتقدمة وكانت تتراءى على مرمى البصر، وكنت ألمح خوذات الجنود داخل الخنادق، ويترامى إلى فى بعض الأحيان التى تهدأ فيها النيران همساتهم وضحكاتهم ونظرت إلى السماء وقلت: «باركهم يا رب»، وتقدمت على الطريق، ووقفت أمام وحدة من مدافعى متجهة إلى مواقع اليهود، وأمسكت بيدى تليفون الميدان وهو متصل بكل المواقع وكنت أرفع السماعة إلى أذنى لأتصل بموقع من المواقع البعيدة التى تتحمل أعنف هبات العاصفة وكان ضابط الموقع يرد على وكانت النيران الشجاعة والكلمات الحازمة من هؤلاء الشبان ذوى العزم والرجولة تجعلنى أقول «لا يمكن أن نقهر». ورميت بصرى إلى الطريق والمعركة على أعنف ما تكون والتليفون يحمل إلى كل ثانية أخبار الهجوم على مواقع جديدة. وتنهدت ولمست الطبنجة المعلقة فى حزامى وقلت لنفسى: «ماذا لو تقدم اليهود إلى هنا»؟! ودار رأسى وقلت: «أحارب حتى بطلقات الطبنجة ثم أبقى طلقة منها لنفسى»، وأجلت النظر فيما حولى.. دير «ماريا إلياس» الأثرى الجميل أمامى على نهاية الطريق والجبل الذى تقع على قمته قرية «بيت جالا» والوادى تحت أقدامنا والزهور البرية تفوح عطرا وتبدو كما لو كانت تسبح بألوانها الجميلة المتناسقة فوق موجات من أشعة الشمس السائلة. وقبضت بيدى عللى الطبنجة وقلت «ومع ذلك فهذه هى أحرج لحظاتنا»، وتذكرت الناس فى الوطن.. ماذا يفعلون الآن؟ وهل تراهم يعرفون؟ ومضت دقيقة أخرى وهمست لنفسى شيئا وسمعنى ضابط الموقع وقال« أوامر يا فندم»؟ وغمغمت كمن يحدث نفسه: «كلا.. أعرف أنهم سيتذكرون هذا اليوم وسيتذكرون أننا كنا من الشهداء وسوف يقولون: كانت هذه أروع لحظات حياتهم. وسألت نفسى: هل نستشهد؟ ودار فى ذهنى شريط سريع.. ماذا يحدث عندما يرفع ضابط الموقع المجاور لى تليفون الميدان ليتصل بمساعدى ويقول له حضرة «البكباشى استشهد يا فندم»، ماذا يحدث لضباطى وجنودى؟ والناس فى الوطن ماذا يقولون؟ وأسرتى كيف يقع النبأ عليها؟ وألقيت على نفسى أغرب سؤال: «وأنا.. ماذا أقول عندما أستشهد»؟ وضحكت وقلت لنفسى»: لن تقول شيئا يا أخى.. إنك ستكون شهيدا قتيلا فى عالم آخر لا تستطيع أن تقول فيه شيئا». وأجلت حولى نظرة أخرى وقلت «يا له من مكان رائع يختتم فيه القدر مسرحية حياتى أنهم سيضعون على الأقل لوحة يكتبون فيها اسمى ويوم استشهادى.. أجل لوحة بسيطة تكفى وسوف يجىء كثيرون .. سيجىء ابنى «خالد» أيضا وسيكون رجلا وسيما ويحنى رأسه أمام هذا المكان ويقول فخورا «هنا استشهد أبى ودخل مع الأبطال». ولن يبكى ابنى.. ورنت فى خاطرى كلمة الأبطال.. وذكرت قول نيتشة «إن البطل هو الذى يعرف كيف يموت فى الوقت المناسب والمكان المناسب»، ونظرت مرة أخرى فيما حولى. الوادى: ودير ماريا إلياس وورائى «بيت لحم» مهد المسيح ووراءها «الخليل» قبر إبراهيم.. وقلت لنفسى: «أجل.. هذا مكان يرضى عنه نيتشة». ومرت العاصفة بسلام»!
 

abd9

عضو
إنضم
6 ديسمبر 2008
المشاركات
292
التفاعلات
1
مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووور
 

" بناء على توجيهات الادارة لتحسين محتوى المنتدى. فنأمل منكم الالتزام بالقوانين و عدم نشر الصور الحساسة و الدموية.
أعلى