فضيحة لافون

إنضم
20 مايو 2008
المشاركات
373
التفاعلات
138
أحد أشهر عمليات المخابرات على المستوى المصري – الإسرائيلي وربما على المستوى العالمي أيضا، جرت العملية في أوائل الخمسينيات في مصر بعد قيام ثورة يوليو 1952، يطلق عليها أيضا "فضيحة لافون" في إشارة إلى
بنحاس لافون وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق غير أن الإسم الحقيقي للعملية هو "سوزانا".
تم التخطيط للعملية بحيث يقوم مجموعة من الشباب الإسرائيلي المدرب بتخريب بعض المنشأت الأمريكية الموجودة في مصر بهدف زعزعة الأمن المصري وتوتير الأوضاع بين مصر والولايات المتحدة.
الخلفية السياسية لوضع اسرائيل عام 1954
كان بن جوريون أحد أشهر الشخصيات الإسرائيلية وزيرا للدفاع ورئيسا للوزراء وفي هذا العام أستقال بن جوريون من رئاسة الوزارة ووزارة الدفاع، وتوجه الى الاستيطان في كيبوتس (مستوطنة) سد بوكر في النقب.
وجاء بدلا منه موشي شاريت في رئاسة الوزراء وبنحاس لافون في وزارة الدفاع، في الوقت الذي أصبح وضع اسرائيل دوليا في منتهى التعقيد، فالاتحاد السوفييتي أصبح دولة عظمى معادية، وبريطانيا على وشك سحب قواتها المرابطة في منطقة السويس، والادارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس ايزنهاور تنكرت جزئيا لاسرائيل، على أمل فتح قنوات جديدة مع
النظام المصري بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر.
وكان الإعتقاد السائد لدى إسرائيل في هذا الوقت هو أن الدول العربية لن تلبث أن تعمل على الانتقام لكرامتها المهدورة في حرب 1948، وستستعد لحرب جديدة ضد اسرائيل، ولذلك فمن الأفضل توجيه ضربة وقائية لمصر قبل أن تتسلح بالعدة والعتاد. وبناء على هذا الإعتقاد وضعت المخابرات العسكرية في الجيش الاسرائيلي – وهي المختصة بتفعيل شباب اليهود - خطة للتخريب والتجسس في مصر تقوم باعتداءات على دور السينما والمؤسسات العامة، وبعض المؤسسات الأمريكية والبريطانية، وكان الأمل معقودا على أن تؤدي هذه الأعمال الى توتر العلاقات المصرية الأمريكية، وعدول بريطانيا عن اجلاء قواتها من السويس.
وبالفعل تم تشكيل المجموعة وأطلق عليها الرمز (131) وتم تعيين المقدم موردخاي بن تسور مسؤولا عن الوحدة عام 1951، وكان بن تسور هو صاحب فكرة انشاء شبكات تجسس في مصر، ولذلك قام بتجنيد الرائد "أبراهام دار" الذى ارتحل على الفور إلى مصر ودخلها بجواز سفر لرجل أعمال بريطاني يحمل اسم "جون دارلينج".
فضيحة لافون (عملية سوزانا2)
بداية العملية:
عبر اللاسلكي أرسل إلى الخلية في مصر برقية توضح أسلوب العمل كالتالي:أولا: العمل فورا على الحيلولة دون التوصل إلى إتفاقية مصرية بريطانية.
الأهداف: المراكز الثقافية والإعلامية
1. المؤسسات الإقتصادية
2. سيارات الممثلين الدبلوماسيين البريطانيين وغيرهم من الرعايا الإنكلبز.
3. أي هدف يؤدي تدميره إلى توتر العلاقات الدبلوماسية بين مصر وبريطانيا
ثانيا: أحيطونا علما بإمكانيات العمل في منطقة القناة.
ثالثا: استمعوا إلينا في الساعة السابعة من كل يوم على موجه طولها (g) لتلقي التعليمات...
وفيما بعد أتضح أن الموجه (g) هي موجة راديو إسرائيل وأن السابعة هي الساعة السابعة صباحا وهو موعد برنامج منزلي يومي كانت المعلومات تصل عبره يوميا إلى الشبكة .. وعندما أذاع البرنامج طريقة "الكيك الإنجليزي" كانت هذه هي الإشارة لبدء العملية..!!.
وفي يوم الأربعاء الثاني من يوليو 1954، أنفجرت فجأة ثلاثة صناديق في مبنى البريد الرئيسي في الاسكندرية ملحقين أضراراً طفيفة وعثرت السلطات المصرية على بعد الأدلة عبارة عن:
علبة اسطوانية الشكل لنوع من المنظفات الصناعية كان شائعا في هذا الوقت أسمه "فيم".جراب نظارة يحمل أسم محل شهير في الإسكندرية يملكه أجنبي يدعي "مارون أياك".
وكان من تولى التحقيقات هو الصاغ ممدوح سالم وزير الداخلية فيما بعد ثم رئيس الوزراء ثم مساعد رئيس الجمهورية! وبعد الفحص تبين أن العلبة الإسطوانية كانت تحتوى على مواد كيميائية وقطع صغيرة من الفوسفور الأحمر، ولأن الخسائر لم تكن بالضخامة الكافية فقد تجاهلت الصحافة المصرية الموضوع برمته.وفي الرابع عشر من يوليو انفجرت قنبلة في المركز الثقافي الأمريكي (وكالة الإستعلامات الأمريكية) في الاسكندرية. وعثر في بقايا الحريق على جراب نظارة مماثل لذلك الذى عثر عليه في الحادث الأول، غير أن السلطات المصرية رأت أن الشبهات تنحصر حول الشيوعيين والأخوان المسلمين. وبرغم أن الصحافة لم تتجاهل الموضوع هذه المرة لكنها أشارت إلى الحريق بإعتباره ناتج عن "ماس كهربائي"!.
وفي مساء اليوم نفسه أنفجرت قنبلة آخرى في المركز الثقافي الأمريكي بالقاهرة وعثر على جرابين من نفس النوع يحتويان على بقايا مواد كيميائية.
وفي الثالث والعشرين من يوليو (الذكرى السنوية الثانية للثورة) كان من المفترض وضع متفجرات في محطة القطارات ومسرح ريفولي بالقاهرة وداري السينما (مترو وريو) في الاسكندرية، غير أن سوء الحظ لعب دوره وأشتعلت
إحدى المتفجرات في جيب العميل المكلف بوضع المتفجرات بدار سينما ريو فأنقذه المارة ولسوء حظه تواجد رجل شرطة في المكان تشكك في تصرفاته فاصطحبه إلى المستشفى بدعوى إسعافه من أثار الحريق وهناك قال الأطباء
أن جسم الشاب ملطخ بمسحوق فضي لامع وأن ثمة مسحوق مشابه في جراب نظاره يحمله في يده ورجح الأطباء أن يكون الاشتعال ناتج عن تفاعل كيميائي.وبتفتيش الشاب عثر معه على قنبلة آخرى عليها أسم "مارون أياك" صاحب محل
النظارات. وتم إعتقاله، وقال أن أسمه فيليب ناتاسون يهودي الديانه وعمره 21 عام وجنسيته غير معروفه، وأعترف بأنه عضو في منظمة إرهابية هي المسئولة عن الحرائق.وعثر في منزله على مصنع صغير للمفرقعات ومواد كيميائيه سريعة الإشتعال وقنابل حارقة جاهزة للإستخدام وأوراق تشرح طريقة صنع القنابل.وبناء على أعترافات ناتاسون تم القبض على كل من:
فيكتور موين ليفي مصري الجنسية يهودي الديانة يبلغ من العمر 21 عام مهندس زراعي.
روبير نسيم داسا مصري المولد يهودي الديانة يبلغ من العمر 21 عاما يعمل في التجارة.
وأمام المحققين أصر الثلاثة على أنهم يعملون بشكل فردي دون محرضين أو ممولين، أم الأسباب فهي "حبهم لمصر ومساهمة في قضيتها الوطنية ولكي يعرف الإنجليز والأمريكان أنهم سيخرجون من مصر بالقوة والإرهاب!!".وحينما سؤلوا: لماذا أحرقتم مبنى البريد وهو ملك المصريين .. لم يجدوا جوابا!
وقبل أن تنتهى التحقيقات جاء تقرير للمعمل الجنائي يثبت العثور على شرائح ميكروفيلم في منزل فيليب ناتاسون، وثبت فيما بعد أن هذه الشرائح دخلت مصر قادمة من باريس بالتتابع بأن لصقت على ظهور طوابع البريد!
ولأن الميكروفيلم كان أعجوبة هذا العصر وكان قاصرا فقط على أجهزة المخابرات وشبكات التجسس فقد بدأت شبهة التجسس تحوم حول العملية.وبعد تكبير الشرائح، بوسائل بدائية، أتضح أنها تحتوى على سبع وثائق عن
تركيب وأستعمال القنابل الحارقة إضافة إلى شفرة لاسلكي وأشياء آخرى.
فضيحة لافون (عملية سوزانا3)
وبمواصلة التحريات تم القبض على:صمويل باخور عازار يهودي الديانة يبلغ من العمر 24 عام مهندس وهو
مؤسس خلية الإسكندرية وزعيمها لبعض الوقت قبل أن يتنازل عن الزعامة لفيكتور ليفي الذي يفوقه تدريبا.
ومن أعترافات عازار وصلت السلطات إلى ماير موحاس ذو الأصل البولندي وهو يهودي الجنسية عمره 22 عام يعمل كوسيط تجاري (مندوب مبيعات).وكان أخطر ما أعترف به موحاس هو إشارته إلى جون دغرايغ أو ابراهام دار
الذى اتضح فيما بعد أنه قائد الشبكة ومؤسس فرعيها بالقاهرة والإسكندرية وأحد أخطر رجال المخابرات الإسرائيلية في ذلك الوقت.كما كشف ميوحاس عن الطبيب اليهودي موسى ليتو وهو طبيب جراح وهو مسؤول فرع القاهرة، وتم القبض عليه ومن أعترفاته تم القبض على فيكتورين نينو الشهيرة بمارسيل وماكس بينيت وإيلي جاكوب ويوسف زعفران وسيزار يوسف كوهين وإيلي كوهين الجاسوس الشهير الذى أفرج عنه فيما بعد.
وأعدت النيابة قرار الإتهام كالتالي:
1. إبراهام دار (جون دارلينج) ضابط بالمخابرات الإسرائيلية – هارب – مؤسس التنظيم.
2. بول فرانك – هارب – المشرف على التنظيم.
3. ماكس بينيت حلقة الإتصال بين الخارج والداخل.
4. صمويل عازار مدرس بهندسة الإسكندرية مسؤول خلية الإسكندرية في البداية.
5. فيكتور مويز ليفي مسؤول خلية الإسكندرية عند القبض عليه.
6. د. موسى ليتو مرزوق طبيب بالمستشفى الاسرائيلي مسؤول خلية القاهرة.
7. فيكتورين نينو الشهيرة بمارسيل مسؤولة الاتصال بين خلايا التنظيم.
8. ماير ميوحاس مسؤول التمويل في خلية الاسكندرية.
9. فيليب هرمان ناتاسون عضو.
10. روبير نسيم داسا عضو.
11. إيلي جاكوب نعيم عضو.
12. يوسف زعفران عضو.
13. سيزار يوسف كوهين عضو.
بعد الفضيحة
في أعقاب سقوط الشبكة في مصر وما صاحبها من دوي عالمي أصدر موشي ديان رئيس الأركان في ذلك الوقت قرارا بعزل مردخاي بن تسور من قيادة الوحدة 131 وتعيين يوسي هارئيل بدلا منه فما كان من الأخير الا أن اتخذ أحد
أكثر القرارات غرابة في تاريخ المخابرات بأن استدعى جميع العملاء في البلاد العربية وأوقف جميع النشاطات.
المحاكمة:
في الحادي عشر من ديسمبر عام 1954 جرت محاكمة أفراد الشبكة في محكمة القاهرة العسكرية التي أصدرت أحكامها كالتالي:
الإعدام شنقا لموسى ليتو مرزوق وصمويل بخور عازار (تم تنفيذ الحكم في 31 يناير 1955).
الأشغال الشاقة المؤبدة لفيكتور ليفي وفيليب هرمان ناتاسون.
الأشغال الشاقة لمدة 15 سنة لفيكتورين نينو وروبير نسيم داسا.
الأشغال الشاقة لمدة 7 سنوات لماير يوسف زعفران وماير صمويل ميوحاس.
براءة إيلي جاكوب نعيم وسيزار يوسف كوهين.
مصادرة أجهزة اللاسلكي والأموال وسياراة ماكس بينيت.
وتجاهل الحكم ماكس بينت لأنه كان قد أنتحر في السجن!، وأعيدت جثته لاسرائيل بعد ذلك بأعوام.
فضيحة لافون (عملية سوزانا4)
في أعقاب المحاكمة حاولت إسرائيل استرضاء مصر للإفراج عن التنظيم بعد أن وصل الشارع الإسرائيلي الى مرحلة الغليان، والعجيب أن الولايات المتحدة وبريطانيا اشتركتا في هذا الطلب فقد بعث الرئيس الأمريكي
ايزنهاور برسالة شخصية الى الرئيس عبد الناصر يطلب الإفراج عن المحتجزين "لدوافع إنسانية" وبعث أنتوني إيدن وونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني ومسؤولين فرنسيين بخطابات وطلبات مماثلة غير أنها جميعا قُوبلت بالرفض المطلق.وقالت وكالة الأنباء الإسرائيلية وقتها أن "هذا الرفض يعد صفعة على أقفية حكام الغرب ويدل على أن مصر تمضي في طريقها غير عابئة بغير مصلحتها".
وفي 31 يناير 1955 تم تنفيذ حكمي الإعدام في موسى ليتو مرزوق (دُفن بمقابر اليهود بالبساتين) وصمويل بخور عازار (دُفن بمقابر اليهود بالإسكندرية) وعلى الفور أعلنهما موشي شاريت "شهداء".. ووقف أعضاء الكنيست حددا على وفاتهما وأعلن في اليوم التالي الحداد الرسمي ونكست الأعلام الإسرائيلية وخرجت الصحف بدون ألوان وأطلق أسما الجاسوسين على شوارع بئر سبع.
وأستمرت الفضيحة في إسرائيل..
فقد أتضح أن موشي شاريت رئيس الوزراء لم يكن على علم بالعملية على الإطلاق!، وكان لابد من كبش فداء وأتجهت الأنظار الى بنحاس لافون وزير الدفاع الذى أنكر معرفته بأى عملية تحمل أسم "سوزانا"! .. وتم التحقيق
معه لكن التحقيق لم يسفر عن شئ.وأستقال بنحاس لافون من منصبه مجبرا وعاد بن جوريون من جديد لتسلمه،
كما عزل بنيامين جيلبي مسئول شعبة المخابرات العسكرية ليحل محله نائبه هركافي.
وفي بداية عام 1968 تم الافراج عن سجناء القضية ضمن صفقة تبادل للأسرى مع مصر في أعقاب نكسة يونيو.وأستقبلوا في إسرائيل "إستقبال الأبطال" وحضرت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير بنفسها حفل زفاف مرسيل نينو بصحبة وزير الدفاع موشي ديان ورئيس الأركان.
وتم تعيين معظم هؤلاء الجواسيس في الجيش الإسرائيلي كوسيلة مضمونة لمنعهم من التحدث بشأن القضية.
وبعد 20 سنة من أحداث عملية سوزانا ظهرت مارسيل نينو وروبير داسا ويوسف زعفران للمرة الأولى على شاشة التلفزيون الإسرائيلي وهاجموا الحكومات الإسرائيلية التى لم تكلف نفسها عناء البحث عن طريقة للإفراج عنهم!!.​
 

Nabil

خـــــبراء المنتـــــدى
إنضم
19 أبريل 2008
المشاركات
29,063
التفاعلات
13,888 8
من ملف الموساد القذر ـ الجزء الثاني

فضيحة لافون




عملية "سوزانا" في سجلات المخابرات العسكرية الإسرائيلية ، التي عرفت فيما بعد باسم "فضيحة لافون" ، تعتبر من أشهر العمليات الإرهابية في العصر الحديث التي تسلط الضوء على دور إسرائيل التخريبي في المنطقة العربية بصفة عامة ومصر بصفة خاصة من خلال ما يسمى بـ "الضربات الوقائية" التي يتبناها "المحافظون الجدد" في الإدارة الأمريكية الحالية.
جمال عبد الناصر
فتلك العملية تطلق على عمليات التفجير المدبرة التي شهدتها الأراضي المصرية عام 1954 واستهدفت على وجه الخصوص تدمير المنشآت الأمريكية والبريطانية، الموجودة في مصر، لأجل زعزعة الأمن المصري وتوتير العلاقات بين مصر والولايات المتحدة وعرقلة الخطط البريطانية بالجلاء عن مصر.

وترجع وقائعها إلى عام 1954 ، ففي هذا العام استقال ديفيد بن جوريون من رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع وجاء بدلا منه موشي شاريت في رئاسة الوزراء وبنحاس لافون في وزارة الدفاع، هذا في الوقت الذي كانت فيه مصر تتهيأ للحصول على الاستقلال التام من بريطانيا بسحب الأخيرة قواتها المرابطة في منطقة القناة، كما حاولت الإدارة الأمريكية الجديدة حينذاك بقيادة "ايزنهاور" فتح قنوات اتصال جيدة مع النظام المصري الجديد بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر وقد كانت رغبة واشنطن في ذلك عارمة للدرجة التي لم تكن تمانع فيها من كسب ود ناصر حتى لو كان الثمن التضحية جزئيا بإسرائيل.

ولذا سارعت إسرائيل لاجهاض هذا الانفتاح عبر خطة للتخريب والتجسس في مصر وضعتها المخابرات العسكرية في الجيش الإسرائيلي وكانت تقضي بقيام مجموعة من الشباب اليهودي بتنفيذ اعتداءات على دور السينما والمؤسسات العامة وبعض المؤسسات الأمريكية والبريطانية في مصر ، وذلك على أمل أن تؤدي نتائجها إلى تجميد الانسحاب البريطاني من مصر وتوتير العلاقات المصرية الأمريكية الناشئة وهى في مهدها.

بنحاس لافون وزير الدفاع الإسرائيلي أشرف بنفسه على التخطيط للعملية ولذا بعد إحباط السلطات المصرية لها اشتهرت باسم فضيحة لافون .

تفاصيل العملية

أسس بنحاس لافون في البداية ما سمي بالمجموعة "131" برئاسة المقدم موردخاي بن تسور، الذي قام بدوره بتكليف الرائد إبراهام دار في الجيش الإسرائيلي، بالسفر إلى مصر، والبدء في تجنيد العناصر اللازمة لتنفيذ الخطة.

وفي نهاية عام 1953 نجح دار في دخول مصر بجواز سفر لرجل أعمال بريطاني تحت اسم "جون دارلينج"، ولم تمض سوى أسابيع قليلة على استقراره في القاهرة، حتى تلقى دارلينج تعليمات بالتنفيذ وشملت العملية ثلاث مراحل :

المرحلة الأولى

تم التركيز خلالها على السعي لإجهاض المحاولات التي بدأها مجلس قيادة الثورة للتوصل إلى اتفاقية لجلاء القوات البريطانية عن مصر بالعمل على إحداث حالة من التوتر الدائم في العلاقات الدبلوماسية بين مصر وبريطانيا، وخلق حالة من الفوضى الأمنية، باستهداف المراكز والمؤسسات الأجنبية في القاهرة والإسكندرية، وسيارات الممثلين الدبلوماسيين البريطانيين وغيرهم من الرعايا الإنجليز، إلى جانب بعض المنشآت العامة.

وبالفعل في 2 يوليو 1954 ، انفجرت ثلاثة صناديق في مبنى البريد الرئيس في الإسكندرية، لكن الحادث لم يسفر إلا عن أضرار طفيفة، عثر بعدها فريق التحقيقات المصري برئاسة الصاغ ممدوح سالم، وزير الداخلية فيما بعد، على بعض الأدلة وكانت عبارة عن علبة اسطوانية الشكل لنوع من المنظفات الصناعية كان شائعا في هذا الوقت، إلى جانب جراب نظارة طبية يحمل اسم محل شهير في الإسكندرية كان يملكه أجنبي يدعى "مارون أياك"، وقد تبين فيما بعد أن العلبة كانت تحتوى على مواد كيميائية، وقطع صغيرة من الفوسفور الأحمر.

المرحلة الثانية

لم يكد يمر سوى اثني عشر يوما على التفجير الأول، حتى استيقظت الإسكندرية في 14 يوليو على انفجار قنبلة في مبنى المركز الثقافي الأمريكي، وبينما كان فريق التحقيقات يواصل عمله على مسرح الحادث، كان هناك انفجار ثان يضرب المركز الثقافي الأمريكي بالقاهرة، وقد عثر فريق التحقيقات على نفس البقايا للمواد الكيميائية، التي عثر عليها في تفجير 2 يوليو ، إلى جانب "جراب نظارة" مماثل لذلك الذي عثر عليه في مبنى البريد ، ووقتها عزت الصحف المصرية السبب في تلك التفجيرات الغامضة إلى "ماس كهربائي" .

المرحلة الثالثة

في 23 يوليو 1954 والذي يصادف الذكرى السنوية الثانية للثورة، كانت مجموعة "دارلينج" قد أنهت استعداداتها لوضع كميات مختلفة من المتفجرات في عدد من المرافق العامة في القاهرة والإسكندرية، من بينها محطة باب الحديد، ومسرح "ريفولي" بالقاهرة، وسينما "مترو" و"ريو" في الإسكندرية.

إلا أن المرحلة الثالثة كان مآلها الفشل وذلك بعد أن اشتعلت النيران فجأة في جيب أحد العملاء المكلفين بوضع المتفجرات بدار سينما "ريو"، وبينما كان المارة يهرعون إلى الرجل وقد أمسكت به النيران لإطفائه، ظنا منهم أنها محاولة انتحار، ساورت الشكوك رجل شرطة كان موجودا أمام دار العرض السينمائي، فاصطحب الرجل الذي أصيب بحروق إلى المستشفى، وأبلغ مرؤوسيه بالحادث الغريب.

في المستشفى صدر التقرير الطبي عن الحادث يقول إن جسم الشاب المحترق كان ملطخا بمسحوق فضي غريب، طال "جراب نظارة" يحملها في يده، مرجحا أن يكون الاشتعال قد نتج عن تفاعل كيميائي، وبتفتيش الشاب كانت المفاجأة ، حيث عثرت أجهزة الأمن معه على قنبلة أخرى عليها اسم "مارون أياك" صاحب محل النظارات.

في إفادته أمام جهاز المخابرات المصري اعترف اليهودي فيليب ناتاسون، البالغ من العمر 21 عاما، بعضويته في منظمة إرهابية هي المسئولة عن التفجيرات الغامضة ، وقد عثر في منزله حينذاك على مصنع صغير للمفرقعات وبعض الأواني التي تضم مواد كيميائية سريعة الاشتعال، وبعض القنابل الحارقة الجاهزة للاستخدام، فضلا عن بعض الأوراق التي تشرح طريقة صنع القنابل.

كشف هوية الشبكة

اعترافات ناتاسون أدت إلى القبض على اثنين آخرين هما فيكتور موين ليفي، مصري الجنسية يهودي الديانة، ويبلغ من العمر 21 عاما، وكان يعمل مهندسا زراعيا، وروبير نسيم داسا، وهو مصري المولد يهودي الديانة يعمل في التجارة، ويبلغ من العمر 21 عاما .

في البداية ، زعم الثلاثة أنهم يحبون مصر، ويرغبون في المساهمة في قضيتها الوطنية، بمحاربة الإنجليز والأمريكان حتى يخرجوا من البلاد بالقوة، لكن قبل أن تنتهي التحقيقات فجر تقرير المعمل الجنائي مفاجأة تدحض تلك المزاعم ، مشيرا إلى العثور على شرائح ميكروفيلم دقيقة للغاية، لصقت في ظهور بعض طوابع للبريد، كانت أجهزة الأمن قد عثرت عليها في منزل فيليب ناتاسون.

الميكروفيلم وقتها كان مقصورا في استخداماته على أجهزة المخابرات وشبكات التجسس، ومن ثم فقد بدأت شبهة التجسس تحوم حول العملية، وبعد تكبير الشرائح، تبين أنها تحتوى على سبع وثائق عن تركيب واستعمال القنابل الحارقة، إضافة إلى شفرة لاسلكي.

لم تمر أيام على هذا الكشف المثير حتى أوقفت أجهزة الأمن المصرية ما وصف حينها بزعيم خلية الإسكندرية، صمويل باخور عازار ، وهو مهندس يهودي الديانة، كان يبلغ من العمر حينذاك 24 عاما، تولى لفترة مسئولية الخلية قبل أن يتنازل عنها لفيكتور ليفي الذي كان يفوقه تدريبا، وقد اعترف عازار في أثناء التحقيقات معه على شريك آخر هو ماير موحاس، وهو يهودي الديانة من أصول بولندية يبلغ من العمر 22 عاما، وكان يعمل مندوبا للمبيعات.

كاتساف كرم إرهابيي فضيحة لافون

وتشير وثائق المخابرات المصرية إلى أن اعترافات "موحاس" في أثناء التحقيق معه أدت إلى الكشف عن "جون دارلينج" الذي اتضح فيما بعد أنه القائد الأكبر للشبكة ومؤسس فرعيها بالقاهرة والإسكندرية.

المعلومات التي حصلت عليها المخابرات المصرية أدت أيضا إلى توقيف عدد آخر من عناصر الشبكة في مصر من بينهم: طبيب يدعى موسى ليتو، وفيكتورين نينو الشهيرة بمارسيل، وماكس بينيت وإيلي جاكوب ويوسف زعفران، وسيزار يوسف كوهين، وإيلي كوهين .

أحكام بالإعدام

وبصفة عامة ، شملت قائمة المتهمين في القضية 11 متهماً، أصدرت محكمة القاهرة العسكرية في ديسمبر عام 1954، عقوبات مختلفة في حق معظمهم تراوحت ما بين الإعدام لشخصين هما: موسى ليتو مرزوق (مسئول خلية القاهرة) وصمويل بخور عازار (مسئول خلية الإسكندرية في البداية)، والأشغال الشاقة لكل من: فيكتور ليفي (مسؤول خلية الإسكندرية عند القبض عليه) وفيليب هرمان ناتاسون (عضو)، والأشغال الشاقة لمدة 15 سنة لكل من: فيكتورين نينو (مسئولة الاتصال بين خلايا التنظيم) وروبير نسيم داسا(عضو)، والأشغال الشاقة لمدة 7 سنوات لكل من: مائير يوسف زعفران (عضو) وماير صمويل ميوحاس (مسئول التمويل في خلية الاسكندرية).

وتجاهل الحكم ماكس بينت (حلقة الاتصال بين الخارج والداخل) لأنه كان قد انتحر في السجن، وأعيدت جثته لإسرائيل بعد ذلك بأعوام ، كما تم تبرئة إيلي جاكوب نعيم (عضو) وسيزار يوسف كوهين (عضو).

وفي نهاية يناير 1955 تم تنفيذ حكمي الإعدام في موسى ليتو مرزوق وصمويل بخور عازار، وقد دفن الأول في مقابر اليهود بمنطقة البساتين بالقاهرة، فيما دفن الثاني بمقابر اليهود بالإسكندرية ، ووقف أعضاء الكنيست حدادا على إعدامهما كما أعلن الحداد الرسمي ونكست الأعلام الإسرائيلية وخرجت الصحف بدون ألوان وأطلق اسما الجاسوسين على شوارع بئر سبع.

زلزال سياسي

الكشف عن العملية أثار موجة من الغليان داخل إسرائيل، بعد أن اتضح أن رئيس الوزراء آنذاك موشي شاريت لم يكن على علم بالعملية قبل حدوثها على الإطلاق، ووجهت أصابع الاتهام إلى وزير الدفاع بنحاس لافون ، الذي استقال على إثرها من منصبه ، وعاد بن جوريون من جديد لتسلم منصب وزير الدفاع، كما عزل بنيامين جيلبي مسئول شعبة المخابرات العسكرية ليحل محله نائبه هركافي.

النظام المصري تعرض وقتذاك لضغوطات من أطراف دولية لحثه على الإفراج عن الإرهابيين اليهود ، فقد بعث الرئيس الأمريكي ايزنهاور برسالة شخصية إلى الرئيس جمال عبد الناصر يطلب الإفراج عنهم "لدوافع إنسانية" وبعث ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني ومسئولين فرنسيين بخطابات وطلبات مماثلة ، غير أنها جميعا قُوبلت بالرفض المطلق.

لكن بعد نكسة 1967 ، وتحديدا في بداية عام 1968 تم الإفراج عن هؤلاء الإرهابيين ضمن صفقة تبادل للأسرى مع مصر واستقبلوا في إسرائيل استقبال الأبطال وحضرت رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك جولدا مائير بنفسها حفل زفاف مارسيل نينو بصحبة وزير الدفاع موشيه دايان ، كما تم تعيين معظمهم في الجيش الإسرائيلي .

رسائل وحقائق

وفي السنوات الأخيرة ، عادت أسماء هؤلاء الإرهابيين لتتردد في وسائل الإعلام الإسرائيلية ، بل وقام الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كاتساف أيضا بتكريم ثلاثة منهم ما زالوا على قيد الحياة باعتبارهم قاموا بعمل بطولي استحقوا عليه التقدير، وهم مارسيل نينو، روبير داسا، ومائير زعفران ، وهو الأمر الذي اعتبره كثيرون بأنه رسالة إلى المدافعين عن إسرائيل بأنها كيان لايعرف إلا لغة الإرهاب .

وتبقى هناك عدة حقائق فيما يتعلق بـ "عملية سوزانا" أو فضيحة لافون ومن أبرزها أن تداعياتها لم تقف فقط عند الإطاحة بوزير الدفاع بنحاس لافون وإنما أدت أيضا إلى نتائج على المستوى الدولي ، حيث تكشف الوجه الأكثر قبحا للصهيونية أمام العالم بما تمارسه إسرائيل من عمليات قذرة تستهدف في النهاية تحقيق مصالحها، حتى لو دفع ثمن هذه العمليات أبرياء وأصدقاء وحلفاء تقليديون لها في واشنطن أو بريطانيا.




منقول/محيط
 

" بناء على توجيهات الادارة لتحسين محتوى المنتدى. فنأمل منكم الالتزام بالقوانين و عدم نشر الصور الحساسة و الدموية.
أعلى