البعد الدينى فى الصراع العربي الإسرائيلي

إنضم
22 أغسطس 2010
المشاركات
136
التفاعلات
2 0 0
البعد الدينى فى الصراع العربي الإسرائيلي


كان لزاما التعرض لتلك النقطة فى محور الصراع العربي الإسرائيلي عامة , لنعرف الفارق الهام من إجابة السؤال الذى تردد كثيرا عبر سنوات الصراع واختلفت إجابته بحسب الخلفية الثقافية لكل متعرض له
وهو هل الصراع دينى أم قومى ؟! إسلامى أم عربي ؟!
ورغم إختلاف الإجابات بين مؤيد ومعارض , إلا أن هذا لا يعنى أن هناك حيرة فى إجابة السؤال أصلا
بل هى حقيقة واقعة ـ على الأقل من الجانب الإسرائيلي ـ أن هناك بعدا دينيا بالصراع , وليس هذا البعد مجرد لمحة من لمحات المعارك بل هو الدافع الرئيسي والمكون الأصلي لمشكلة الصراع العربي الإسرائيلي بأكملها
وإغفال تلك النقطة ومحاولة حصر الصراع فى القومية أو الإحتلال المسلح لأرض عربية هو قصور عنيف فى الرؤية كان دافعه للأسف وجود العديد من التيارات الثقافية التى ترى فى إشراك الجانب الدينى بأى مشكلة ـ أيا كان نوعها ـ هو ضرب من التخلف , مع أن التخلف الحقيقي يتمثل فى هذا التصرف
ولكى نعرف حقيقة الصورة لابد لنا من الإطلاع على فكر الخصم فى معالجة الصراع ثم يكون رد فعلنا مبنيا على هذا التحليل
وكل ما كشفه المحللون على اختلاف مشاربهم سياسيين أو إسلاميين أو غيرهم يؤكد على حقيقة وجود البعد الدينى فى الصراع منذ أول فكرة لإنشاء وطن قومى لليهود وحتى قيام الدولة ومرورا بعمرها الذى تعدى سبعين عاما
شواهد وجود البعد الدينى


لو نظرنا إلى الفكرة الأصلية التى تبلورت قبل نيف ومائة عام وقام بقيادتها تيودور هيرتزل الذى قام بتأسيس أول مؤتمر للصهيونية العالمية فى بروكسل برعاية إنجلترا التى كانت تهدف إلى منافع سياسية جمة بتكوين الدولة اليهودية
سنجد أن الحديث كله يتبلور حول وطن قومى لليهود , ونكرر لليهود ,, بمعنى أن الهدف أصلا يخص جماعة دينية وهم اليهود المشردون فى أصقاع الأرض
ثم بدأ الإعداد الفعلى لتحديد أين يقع الوطن القومى المقترح ,

ومن مفاجآت الوثائق السرية التى تم كشفها عن تلك الفترة أن تيودور هيرتزل لم يفكر فى فلسطين بالتحديد كوطن مقترح بل إنه وضع فلسطين كحل أخير يأتى فى المركز الثالث بعد الولايات المتحدة الأمريكية التى عبر عنها هرتزل بأنها أرض المعاد الحقيقية لليهود , ثم الأرجنتين " 1 "
لكن هذا المسار لم يكن يعجب الممولين وهم قادة الصهيونية المسيحية فى إنجلترا والولايات المتحدة "2"
وأصدروا أوامرهم إلى هرتزل بأن مسار المؤتمر ونشاطه يجب أن يتركز فى البدء على تحديد فلسطين وليس غيرها باعتبارها أرض المعاد وإلا سيقوم الممثلون وعلى رأسهم أسرة روتشيلد البريطانية ودزرائيلي ثم بالمرستون رئيسا الحكومة البريطانية بسحب التمويل وعدم إكمال المشروع

وكان هذا طبيعيا لأن هدف الصهيونية العالمية لم يكن إفادة اليهود أو البحث عن وطن لهم تعاطفا مع قضيتهم وإنما هذا كان قناعا للهدف الرئيسي وهو إستغلال القومية الدينية لليهود فى إنشاء الكيان اليهودى الغريب فى تلك البقعة تحديدا لهدفين رئيسيين
* فكرة نابليون وهى فصل مصر عن الشام لضمان عدم وجود دولة إسلامية قوية تهدد مصالح الغرب بالمنطقة
* العمل على إستغلال تلك الدولة فى تحقيق هدف الصهيونية العالمية فى ضرب الإنتماءات الدينية للديانات السماوية الثلاث وعلى رأسها وأولها الإسلام

ونفذ هرتزل الأوامر الصادرة إليه بتركيز الحديث عن فلسطين وحدها باعتبارها أرض المعاد اليهودية وهو الذى يهدم بالطبع أى أساس واقعى لدعاوى اليهود فيما بعد بأن لهم حقوقا تاريخية فى فلسطين " 3 "

من هذا العرض يتضح لنا أن تأسيس إسرائيل من الأصل كان نبتا لغرضين مختلفين كلاهما يشترك فى أنه غرض دينى بحت
الأول : دعوى اليهود التى مثلت نداء لليهود بمفهوم الديانة للمطالبة بالحق الدينى فى فلسطين
الثانى : رغبة الصهيونية المؤسسة لفكرة الدولة اليهودية فى ضرب الإنتماءات الدينية التى تعوق المصالح الإقتصادية والسياسية لها فى العالم

وفيما بعد ,
وعقب التأسيس الفعلى للدولة اشترك الهدفان معا حيث صارت العداوة من الأصل للإسلام قبل أن تكون للعرب , وبدأت حركة الإستيطان اليهودى وحماسة الدولة اليهودية الجارفة لجلب المزيد من المهاجرين رغم أن الدولة لا تمتلك موارد ذاتية تؤهلها لرعاية مواطنيها , وهذا يوضح بالطبع أن الهدف الأصلي هو جلب المواطنين اليهود لا إعاشتهم أو العمل على رفاهيتهم ,
ولذلك فقد استمرت الدعاية اليهودية حتى اليوم تكافح عبر الوكالة اليهودية لجلب اليهود من كل أنحاء العالم بدعاوى كاذبة تصور لهم أن إسرائيل أصبحت بالفعل جنة الله فى الأرض , أما على الواقع فقد ندم المهاجرون ندما رهيبا على ترك بلادهم الأصلية والإستماع للمغريات اليهودية بعد إكتشافهم أن إسرائيل ليست دولة بالمعنى المفهوم وإنما هى شركة يسيطر عليها موظفون كبار , بينما يقع عامة الموظفين تحت خدمتهم بأقصي طاقة نظير أقل أجر

هذا بالإضافة إلى غياب الأمن نهائيا عن الدولة اليهودية إما لاعتبارات المجاهدين وعملياتهم الفدائية وإما لتفشي الجريمة كرد فعل طبيعى لعدم وجود ضمانات إقتصادية آمنة للمواطنين
واستمرت إسرائيل برعاية الصهيونية فى مخططها الذى يتحكم فى مواطنى الدولة كعرائس خشبية مهمتها فقط أن تشغل حيزا من الفراغ حول المسجد الأقصي بطريقة الإحلال بدلا من العرب وتغييب الهوية الإسلامية نهائيا عن المدينة كهدف أسمى يجب أن يستمر مهما كانت الضغوط
واتضح هذا الهدف جليا فى بعض الممارسات السياسية التى كانت تنم عن تناقض فى بعض الأحيان إذا تم النظر إلى القضية كقضية صراع على أرض

وكان هذا واضحا منذ عام 1977 م أو قبلها بفترة قليلة عام 1967 م فى شكل المشاهد التالية
* إنعدام الهدف من التكلفة الطائلة والعناء الرهيب من الإحتفاظ بسيناء محتلة والإصرار عليه بالرغم من أن قادة إسرائيل أنفسهم واثقين أن هذا الوضع من المستحيل أن يستمر نظرا لما تكابده القوات الإسرائيلية من الإحتفاظ بالجيش بحالة تأهب مرضي خوفا من الهجمة المصرية بالإضافة إلى التكلفة الطائلة من أثر احتلال سيناء الذى لم يدر عليها أى نفع إقتصادى فلم تقم إسرائيل باستغلال سيناء من أى وجه يعوض التكاليف العسكرية التى قصمت وسط الإقتصاد الإسرائيلي , وكأنها تعلم مسبقا أنها لن تُبقي سيناء فى قبضتها
* بعد ضربة أكتوبر ومحادثات فك الإشتباك الأول والثانى أبدت إسرائيل مرونة غير متوقعة فى الإستجابة للضغط المصري لكنها تمسكت بشرط وحيد أصرت عليه وهو إقامة معاهدة سلام أو حتى معاهدة عدم اعتداء مع مصر , وهو الأمر الذى عزاه بعض المحللين لتأثير حرب أكتوبر وهو تأثير رهيب دون شك أفقد الجيش الإسرائيلي توازنه وثقته لكن هذا لم يكن السبب الوحيد وإنما كان هذا الطلب هو الهدف الأصلي من حرب 1967 م من الأصل !
فإسرائيل لو ضمنت أن جمال عبد الناصر سيوقع معاهدة سلام تخرج بها مصر من معادلة القوة العربية لأعادت سيناء دون قيد أو شرط , لأن إحتلال سيناء لم يكن بهدف إحتلال أرض جديدة بل لوضع معادلة إسرائيلية تفاوض بها إسرائيل على السلام مقابل سيناء
* تلقي السادات قبل عقد معاهدة السلام عرضا حمله إليه إيريل شارون وكان العرض غريب الوقع على أذن السادات لأن هذا الأخير نظر إليه من منطلق سياسي بحت بينما كان عرض شارون منطقيا لو نظرنا إليه من وجهة نظر الهدف من تأسيس إسرائيل أصلا , حيث عرض شارون على السادات منحه صكا مفتوحا ليقوم السادات بالسيطرة على ليبيا وضمها لمصر بتشجيع من الولايات المتحدة نظير إنهاء أى حالة حرب مستقبلة بين مصر وإسرائيل , وبالطبع رفض السادات

وفيما بعد ,
وبعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية لم تكترث إسرائيل مطلقا بأى تأخير فى معاهدات أو حروب مع الأطراف الأخرى وكأن التهديدات الأمنية لا تقلقها بل إن الإعلام الإسرائيلي احتفي بالسادات إحتفاء مبالغا فيه عندما عرض مبادرته , وكان هذا غريبا فى عيون المحللين إذ أن الشعور الطبيعى لأى شعب فى العالم يتلقي هزيمة ساحقة على يد خصمه لا يمكن أن ينقلب حاله من منتهى الكره إلى منتهى التقدير لمجرد عقد سلام عقب حرب ضروس انتصر فيها هذا الخصم وأبكى كل بيت إسرائيلي بضحية أو مصاب
والأمر على هذه الصورة من الناحية السياسية البحتة وحدها يمثل خسارة رهيبة لإسرائيل على طول الخط بل بينما يرتفع المكسب المصري بالحرب التى قهر فيها عقدة الرهبة والخوف ثم بالمعاهدة التى استعادت كامل أرضه
غير أن الأمر من حيث صورته الأصلية يوضح العكس تماما , وهو نصر إسرائيلي يتمثل فى تحقيق مكسبها البعيد من وراء الحرب مع مصر ألا وهو إبعادها عن معادلة الصراع بكل ما تمثله من ثقل إسلامى وعربي , وهذا الهدف الذى لم يدر لحظة بمخيلة السادات أو أى قائد عربي آخر كان يمثل المقابل المنطقي للخسارة الفادحة التى منيت بها إسرائيل بإحتلال سيناء ثم الجلاء عنها دون مكسب واحد ظاهر أو خفي
ويؤكد هذا المعنى أن حرب 1967 كانت مختلقة أصلا عن طريق إستفزاز مصر بالحشد على سوريا لتسارع مصر باتخاذ إجراءات عسكرية مضادة بحشد جيشها فى سيناء , فتستغل إسرائيل الفرصة للتهليل بأن مصر تنوى العدوان أو على حد تعبير ليفي أشكول ـ رئيس الحكومة الإسرائيلية وقتها ـ أن العدوان بدأ بالفعل وأطلقت فيه مصر الطلقة الأولى بغلق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية , " 4 "

وكان مبرر التمثيلية ضمان عدم تحرك المجتمع الدولى لردع العدوان كما حدث عام 1956 م بظهور صورة إسرائيل على أنها خاضت حربا دفاعية لا هجومية وهو ما تم بالفعل وقامت إسرائيل بضرب الجيش المصري فى سيناء واستقرت بها
هنا ..
لو أن هدف إسرائيل كان هدفا سياسيا فقط يتمثل فى توجيه ضربة عسكرية قاصمة لمصر لاكتفت بالضربة وانسحبت لا سيما أنها لا تمتلك الكفاءة أو القوة للسيطرة على تلك المساحة الهائلة , غير أنها احتفظت بها بتكاليف مذهلة ودون أن تمارس علي سيناء نشاط إستيطانى أو إستثمارى يوحى بنيتها الإستفادة من الأرض التى احتلتها ,
غير أن الهدف كان الإحتفاظ بسيناء كورقة ضغط دائمة تجبر مصر على إجراء تنتظره إسرائيل لتنفرد بالعرب جميعا فى غياب القائد ودوره سواء القيادة العسكرية أو القيادة الدينية اليقظة التى يمثلها الأزهر

ولهذا السبب وعلى الرغم من الهزيمة الفاضحة لإسرائيل فى عام 1973 م , والتى كانت كفيلة بالقضاء على مستقبل ومكانة جيل إسرائيل المؤسس كله إلا أن هذا الإنتصار لم ينه مستقبل أحدا منهم إلا صغار القادة فى المؤسسة العسكرية والإستخبارات
فى حين شغل موشي ديان منصب وزير الخارجية فى حكومة بيجن التالية لحكومة الهزيمة , كما شغل شارون منصب وزير الدفاع رغم كونه أحد قواد 1973 م , واستمرت جولدا مائير مستكملة مدتها كرئيسة وزارة رغم الهزيمة
الأكثر من ذلك أن مجئ مناحم بيجن كرئيس وزارة فى إسرائيل قبل بدء مفاوضات مصر معهم لم يمنع ـ كما هو متوقع ـ إستمرار المفاوضات بل على العكس تمت معاهدة السلام فى عهد بيجن اليمينى المتطرف الذى أسس حزبه نفسه على مبدأ حرب بلا نهاية !
وأيضا كان المشهد غريبا بالنسبة للنظرة السياسية بينما النظرة الأخرى وهى هدف إسرائيل البعيد لا يمثل تناقضا مع موقف بيجن كما لم يمثل تناقضا فى استمرار صعود ديان وشارون لأنهما قادا الفكرة المطلوبة بنجاح من معركة 1967 م

وفى المذكرات المنشورة لقادة إسرائيل منذ تم تأسيسها على يد بن جوريون سنلاحظ أن العبارة المتكررة التى يشير إليها كل رئيس وزارة هو مدى أهمية إبعاد مصر عن معادلة الصراع بأى وسيلة كانت
وكدليل آخر على مدى الإطمئنان الذى جلبته معاهدة السلام للإسرائيليين هو أن حركة الإستيطان وبناء المستوطنات لم تبدأ إلا بعد عام 1977 م
ونعود للفكرة الأصلية من هذا الشرح وهو سبب الرعب المستمر من وجود مصر فى بؤرة الصراع وهو ليس رعبا من دافع قوة مصر العسكرية بل هو رعب من شعار أى معركة تقودها مصر ضد إسرائيل وهو الشعار الإسلامى الصرف
 
إنضم
22 أغسطس 2010
المشاركات
136
التفاعلات
2 0 0
رد: البعد الدينى فى الصراع العربي الإسرائيلي

لماذا لم يتضح الهدف الإسرائيلي بشكل صريح


لم يتضح هدف إسرائيل من ضرب الهوية الإسلامية فى المنطقة وشعورها الدائم بالرعب من سطوتها لسبب بسيط وهو أن النظم الحاكمة تكفلت بهذا الأمر عوضا عنها دون أن تدرى ,
فمع ظهور التيارات المتشددة أو تيار الجهاد الإسلامى فى مصر والجزائر ولبنان وسوريا وتهديدها لأمن واستقرار الحكومات حتى تفجرت الصراعات بين الجانبين واستمر الصراع يزداد عنفا مرحلة تلو مرحلة حتى وصل الأمر فى مصر مثلا إلى الخوف من كل من يرتدى جلبابا أبيض ويطلق لحيته !
فاكتفت الآلة الإعلامية الإسرائيلية والقوى المحركة من خلفها إلى العمل فقط على نصرة دعاوى التغريب ومناهضة أى صحوة دينية تظهر بتشجيع الفكر الغربي والعلمانى , وهناك من الأقلام من تم إستئجاره صراحة للقيام بهذا الدور وهو هناك من أدى هذا الدور بمناصرة خفية تمكنت فى احتفاء مؤسسات دولية أو عالمية بأى نفكر يظهر عليه بوادر أى هجوم من أى نوع على الإسلام أو الثوابت الأخلاقية
وتلك المؤسسات إما مؤسسات ثقافية وهمية وإما رسمية تابعة لمنظمات دولية وتخضع للتوجيه الصهيونى

والأمثلة أكثر من أن تحصي ويكفينا بيانا مثال كسلمان رشدى الروائي النكرة الذى جعلت منه بريطانيا شهيدا للفكر ومنحته دعما إعلاميا وماديا ورعاية لم يحظ بها وليام شكسبير فى زمانه لمجرد أنه قام بدوره المطلوب فى رواية " آيات شيطانية "
بالإضافة لعلى سالم الكاتب المسرحي الشهير الذى بدأ أفكاره بالدعوة للسلام بحسن نية فى البداية ثم تلقفته الأيدى شيئا فشيئا بدعم مادى ومعنوى لم يحلم به طيلة عمره فانغمس فى اللعبة وهو الآن يكتب فى الواشنطن بوست بالولايات المتحدة وتنعقد المؤتمرات لمناقشة أفكاره العبقرية بينما هو فى قيمته الفكرية التى يدعى الغرب نصرتها لا يساوى فى نظهرهم هم مثقال ذرة وإلا لماذا اكتشفوا عبقريته فجأة بعد مرور ثلاثين عاما على ممارسته الكتابة ؟!
وأيضا نسرين تسليمة التى بالغت جدا فى تمثيل دورها لتستفز عليها الآلة الإعلامية الغيورة لتلفت النظر إليها , والتفت إليها الغرب بالفعل وأخذت تزايد فى نشاطها للدرجة التى دعت بعض المنظمات بالولايات المتحدة للفت نظرها أن ما تدافع عنه من العربدة الأمريكية بالشرق الأوسط ينكره الأمريكيون أنفسهم فكيف بها وهى عربية أن تتفوق عليهم !
بل إن الأمر وصل حاليا إلى أن الطريق أصبح معروفا لكل كاتب مغمور أو طامح إلى الجوائز والتقدير الغربي فما هى إلا بعض الكتابات التى تهاجم الدين وعقائده بشكل صريح ـ غبي كالمعتاد ولا يستحق الرد عليه ـ حتى تقوم الأيدى المتلهفة بإنقاذه وتصويره على أنه منقذ البشرية من الضلال

الطريف أن بعض من يقومون بهذا الفعل للفت النظر لا يلتفت إليهم ممثلوا تلك المنظمات إما لعدم التفات المجتمعات إليهم أو لقلة تأثيرهم فما كان من بعض هؤلاء إلا كتابة الكتب المتهجمة على العقيدة وإرسالها بطرود إلى قيادات الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية طمعا فى صدور قرار بسحب الكتاب من الأسواق وبالتالى يتحقق المطلوب للقيام بدعوى الإضطهاد
وتأشيرة السفر الغربية أو الأمريكية أو حق اللجوء السياسي تمثل حلما بعيد المنال لأى شخص فى حين أنها جاهزة ـ حتى قبل طلبها ـ لكل من يختار الطريق الصحيح لذلك وهو الهتاف ضد أى دعوى تحيي ذرة من الحضارة الإسلامية ولهذا كان هم إسرائيل الأول هو اسقاط حماس وإبعادها عن تيارها الأول القائم على مبدأ إسلامية الأراضي المقدسة

كيف أسقطوا حماس

سبق الإيضاح كيف نجحت إسرائيل فى تحقيق هدفها بإبعاد مصر عن معادلة الصراع حتى لا يظل تهديد قيادتها قائما , ولم تخش إسرائيل من أى حركات مقاومة فى الأرض المحتلة مهما بلغت مقاومتها قدر خشيتها من وجود مقاومة بزى إسلامى يرفع راية الجهاد ضدها , لأن هذا معناه تعاطف وتأييد مليار مسلم
ولذلك أهملت سائر الفصائل وركزت إهتمامها على حماس فور ظهورها بقيادة الشيخ أحمد ياسين ,وتمكنت حماس بسرعة مذهلة من ترسيخ نفسها فى وجدان الشعب الفلسطينى والعربي مع الخط الإسلامى الذى أصر عليه مؤسسها أحمد ياسين ونائبها عبد العزيز الرنتيسي
وعندما دخلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى النفق المظلم للمفاوضات والإعتراف بإسرائيل أعلن الشيخ أحمد ياسين أنه ماض فى طريقه فلا مفاوضات قبل إجبار إسرائيل على ذلك من منطلق قوة , ولا دخول فى دهاليز إقامة السلطة المنقوصة والحكومات فاقدة الأهلية
وقامت إسرائيل باعتقال الشيخ لسنوات رغم كونه فى أرذل العمر ومقعد , ومع ذلك ظلت حماس على نفس الخط من عام 90 حتى عام 2000 م
وكلما كانت السلطة الفلسطينية ممثلة فى عرفات وأبو مازن تتورط فى التنازلات كانت قامة حماس لا تزال تواصل الإرتفاع نتيجة لبقاء توجيهات الشيخ أحمد ياسين وقبضه على مقاليد الأمور فيها ومعه مناضل آخر من نفس الطراز هو عبد العزيز الرنتيسي
وبمجرد إدراكها لذلك ,
وبرغم أن الشيخ أحمد ياسين رجل مقعد فى أواخر العمر , اغتالته إسرائيل بصواريخ مروحية عسكرية بطريقة وحشية , ولم تمض أيام حتى أتبعتها مروحية أخرى نالت من عبد العزيز الرنتيسي وهما قائدى حماس المحافظين على الأسس التى قامت عليها المنظمة وهذا هو المبرر الوحيد لقيام إسرائيل بإجراء كهذا المفروض أنه لن يقدم أو يؤخر مع استقرار الحركة وازدياد شعبيتها وعدم افتقادها للكوادر القيادية التى تواصل المسيرة إلا أن إسرائيل كانت تدرك قيمة وجود الرجلين وكيف أن وجودهما يعنى استمرار حماس على خطها الثابت دون تغيير
ثم بدأت الإغراءات تنال من قادة حماس الذين خلفوا الشهيدين بطريقة غير مباشرة , وكانت البداية مع التفكير فى اكتساب حماس لشرعية وجود دولية وسلب السلطة الفلسطينية التى تمثلها منظمة التحرير وفتح مكانها القيادى المظهرى على رأس الدولة ورأس المجلس التشريعى والسيطرة على مصادر التمويل التى تذهب للسلطة القائمة باعتبارها ممثلة رسمية أمام العالم للشعب الفلسطينى

وظهرت أصوات معارضة لهذا التوجه والإنخراط فى العمل السياسي الذى لن يقدم أو يؤخر فى القضية إلا أن التيار الغالب كان لصالح خوض التجربة , وبالتالى وعقب إنتهاء دور عرفات ودحلان وأبي مازن لم تجد إسرائيل بدا من التضحية بهم كأوراق محترقة والإلتفات إلى التيار الصاعد لحرفه على توجهه

ولهذا جاء إعلان شارون انتهاء عرفات كممثل وشريك تفاوض رغم كونه لم يرفض لإسرائيل طلبا أو يتوانى لحظة عن الإعتراف بعدم شرعية الهجمات الإنتحارية بل وقام بالمطلوب منه حرفيا فى صدد اعتقال عناصر حماس التى قامت بعمليات فدائية حازت إعجاب العالم وحصدت إستنكار عرفات أمام وسائل الإعلام
أيضا وبالمثل قامت إسرائيل بنفس الدور مع أبى مازن ومحمد دحلان فسربت عمدا كل المؤشرات التى تظهر التعاون الوثيق بين الطرفين
كل هذا فرّغ الساحة أمام حماس لتفكر جديا فى لعبة السياسة التى وقعت فيها بقبولها الخوض فى الإنتخابات مع ما يلزم من مظاهر الإستنكار والرفض من جانب إسرائيل لفوز حماس , وهو إستنكار ضرورى لتكوين الذريعة المناسبة لتجاوزات إسرائيل مع توافر طرف متطرف على الجانب الآخر كما تزعم

وتم استقبال قيادات حماس من جانب أطراف عربية تلقنها ما يجب أن تكون عليه كحكومة ونظام ديبلوماسي ! وبدأت التنازلات تترى من أول لحظة عندما أوقفت تقريبا سائر العمليات العسكرية من الحكومة الجديدة وبدأت لعبة اتفاقات الهدنة , ومد جسور مفاوضات السلام
ثم خرجت حكومة حماس للعالم الخارجى حيث دنيا سيارات الليموزين والإستقبالات الرسمية التى حفلت بالتغيير فى مواقف سابقة قطعتها حماس على نفسها وكان أبرزها تناولها عن الإرتباط مع قضايا العالم الإسلامى وظهر ذلك مع تصريح من أحد أطراف الحكومة أثناء زيارته لموسكو قال فيه علنا أن حكومة حماس تعتبر الشيشان مسألة داخلية !
وعندما تفجرت الخلافات الدموية بين مختلف الفصائل وحماس سكنت سائر الأصوات ونسي جميع الأطراف كل شيئ إلا ضرورة انتصار كل منهما على الآخر .. وكان الهدف أيضا شغل حماس بصراع داخلى عن طريق إظهار إسرائيل عدم اعترافها بحكومة حماس لتعلن بقية الفصائل أن حماس لن تفيد الشعب الفلسطينى وبالتالى فعليها التنحى لتعود نفس الوجوه القديمة لمقاعد الحكومة حتى تقبل إسرائيل بالتفاوض

وهكذا نجحت نفس اللعبة اليهودية التى نجحت مع مصر وتمكنت إسرائيل من إبعاد حماس عن خطها كمنظمة نشأت للدفاع عن الحق الإسلامى والعربي وفقط ,
أما لعبة غزة الأخيرة التى أثارت دهشة العالم من حماقتها لكونها عملية وحشية لا مبرر لها , وقد خمنت بعض الدوائر السياسية أنها حرب للقضاء على حماس والخلاص منها , فلما أسفرت الحرب عن بقاء حماس كما هى وفى نفس الوقت تعلن إسرائيل أنها حققت هدف العمليات
كان لابد من التساؤل وما هو هذا الهدف الذى تحقق والذى استحق الهزة التى تلقتها إسرائيل من ردود فعل العالم أجمع فضلا على الخسارة الإقتصادية مع تركيا ؟!
وكان هذا الهدف إسقاط بقية التعاطف الباقية مع حماس وسد الطريق على أى محاولة لتصفية الأجواء بين الفصائل عندما تتخلى تلك الفصائل ـ كما حدث بالفعل ـ عن حماس فى مأزقها بغزة ومحاولة تصوير الدمار والخراب الذى حل بغزة على أنه بسبب حماس وحدها وبالتالى تكون حماس هى التى جرت على شعبها وابل الدمار واهتمت فقط بمصلحتها وبقائها , وبالفعل دافعت حماس عن مصالحها أمام فتح بشراسة وطردتها نهائيا من غزة بينما اكتفت بالصمت إزاء العدوان الإسرائيلي

بالإضافة لنتيجة أعظم تخدم المخطط الإسرائيلي تتمثل فى أن الإنقسام لم يقتصر هذه المرة على الفصائل المتحاربة بل امتد إلى الشعب نفسه الذى انقسم فعليا بين غزة وأريحا وتفجرت أجواء الصراع بينهما
هذا الصراع الذى بدأ منذ اللحظة الأولى سياسيا محضا لا علاقة له برسالة حماس القديمة التى رفعت راية الإسلام فتربصت بها إسرائيل وأنهت وجود تلك الراية للأبد , وستجرى الأيام القادمة لتعلن عن المخبوء عندما تقبل إسرائيل الإعتراف بحماس كشريك تفاوض وهو غاية المنى بالنسبة لإسرائيل لخبرتها السابقة فى كيفية اللعب بعصا المعز وذهبه ولثقتها أن غياب الوجه الإسلامى معناه غياب التمسك بالثوابت جميعا

وغاية القول ونتيجة المقال تتلخص فى طريقين انحرفت عنهما المقاومة ـ كل مقاومة ـ وانشغلت بالصراعات الجانبية
الطريق الأول : حصر الإشكال فى قضية أرض لا قضية عقيدة
الطريق الثانى : البحث عن شرعية الحكومات بدلا من شرعية القتال التى تظل دائما وأبدا هى الشرعية الوحيدة المقبولة طالما كان هناك إحتلال

وآخر النتائج التى أوصلتنا إليها مراحل التخلى هى ضياع مسألة القدس والمسجد الأقصي نهائيا من طاولة الإهتمام والحوار بعد أن نجحت إسرائيل فى حصر الإنجاز المتوقع على تكوين دولة فلسطينية وتعايش سلمى رددها الأطراف المعنيون كالببغاوات فى حين أن مراحل تهويد القدس قاربت الكمال !
 
إنضم
22 أغسطس 2010
المشاركات
136
التفاعلات
2 0 0
رد: البعد الدينى فى الصراع العربي الإسرائيلي

ماذا يعنى غياب البعد الدينى عن الطرف العربي


لم نعان فى العالم العربي بصفته الرافد الأصلي للعالم الإسلامي قدر ما عانينا من أبواق الغرب الفكرية التى مسخت معظم التوجهات الدينية عبر تيارات مختلفة , وأحيانا مختلقة لمحو فكرة أن الغرب به ترصد للإسلام !
ورغم الشواهد التى كشفت عن نفسها فى إدارة الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية والتى أفسحت المجال لتقديم دليل قطعى على أن الغرب يهدف للإسلام قبل الأرض عبر تصريحه بالحرب الصليبية التى نفذها فعلا , إلا أن نفس الأبواق لا زالت تكرر أن المسلمين بهم عقدة اضطهاد !
ولست أدرى هل ينتظر أولئك المتعالمون بخفايا الأمور أدلة أكثر من التاريخ والحاضر والكتابات الفكرية والأعمال السياسية إضافة للعقل , كلها تقر بوجود هذا الترصد حتى يعترفوا به !

فمن ناحية التاريخ فلا حاجة بنا للتذكير بالحملات الصليبية التى جعلت مسماها وفعلها مبنيا على محاربة الإسلام , ولا ننسي ـ بعد فشل الحملات الصليبية ـ ظهور الجانب الفكرى المتمثل فى قرون طويلة قضاها المستشرفون فى حركة فكرية معلنة الأهداف لضرب الإسلام عن طريق خلق تناقضات من داخله واستمرت هذه الحركة حتى منتصف القرن العشرين فاعلة وقائمة ,
بل إن الجهد الذى بذله المستشرقون ـ برأيي ـ يفوق جهد الأساطيل والحملات العسكرية بعد أن قاموا بدراسة الإسلام من مختلف جوانبه بعملية تمحيص مذهلة قاربت الجهد الذى بذله فقهاء وعلماء المسلمين فى حفظ السنة وإستخراج الأحكام
!

بل إنهم قدّموا ـ دون أن يتعمدوا ـ خدمة خرافية للمحدثين فى الحفاظ على السنة النبوية عندما قاموا بتأليف وإعداد الفهارس للأحاديث النبوية بغية تسهيل عملية الفحص عليهم فوقعت نسخة من تلك الفهارس فى يد علماء العراق ونشروها , وكانت ضربة قاصمة لجهد المستشرقين عندما وفروا جهد أعوام طويلة على المحدثين ويسروا عليهم السعى فى تحقيق السنة
وفى الحاضر فإن الغرب عمد إلى نشر العلمانية بالرواج الفكرى بعد فشل خيار الإحتلال العسكري وبذلت القوى الغربية جهدا جهيدا لهدم أى صلة بين المسلمين ودينهم وتراثهم حتى أصبحت النظم القائمة لا ترى فى إسرائيل خطرا يفوق خطر التيار الدينى
وفى مجال الأعمال السياسية فأمامنا تاريخ عريق للولايات المتحدة الأمريكية لم تترك فيه جهدا إلا وأعلنت نيتها المستمرة بالأعمال السياسية وبالنشر العلنى للأفكار عن ترصدها للإسلام أينما حل , ووقف رونالد ريجان يقول كلمته الشهيرة عقب سقوط الإتحاد السوفياتى ـ فرغنا من الشيوعية ولم يبق إلا الإسلام ـ

وعن طريق العقل , لنا أن نتأمل ببساطة كيف أن الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي لا يتناسون عهودهم بحقوق الإنسان وحرية الفكر إلا فى مواجهة كل ما هو إسلامى ويعمدون بإلحاح مستمر إلى عقد المؤتمرات التى تبشر بالعلمانية وبغيرها باذلين فى ذلك أقصي جهد مادى ومعنوى !
وكان آخر التصرفات ما قامت به ملكة بريطانيا العظمى من تكريم لسلمان رشدى بمنحه أرفع وسام بريطانى على الإطلاق وهو وسام الفارس { لقب سير } والذى لا يصل من البريطانيين أنفسهم إلا من أدى خدمة جليلة عم أثرها سائر الإمبراطورية , ولا تمنح للأجانب إلا من زمرة المفكرين والعلماء الندرة الذين قدموا للعالم فنا أو أدبا أو علما عميم الأثر ,
ثم يخرج قائل فيقول أن بريطانيا لم تمنح لقب السير لسلمان رشدى عقب إسباغها الحماية عليه بهدف النيل من الإسلام وإنما جاء هذا الإجراء فى إطار رعاية بريطانيا للعلوم والفنون ,

وحق لنا أن نتعجب بالفعل !
فما هى القيمة الفكرية التى مثلها سلمان رشدى يا ترى وأين هى الإضافة التى عم أثرها سائر أصقاع الأرض أو استفادت منها بريطانيا , ولماذا لم يمنح هذا الوسام لمن هم أعلى قامة من سلمان رشدى بفارق يتسع لما بين السماء والأرض
مثل محمد حسنين هيكل الذى تعتبر لندن إحدى محطات نشر كتبه الرئيسية والتى يحتفظ لها برحلة سنوية قبل شروعه فى كتابة أى مؤلف جديد وله من الأثر الفكرى والسياسي ما تمكن به من الجلوس على عرش المحللين السياسيين فى الشرق الأوسط منفردا , وأثر هيكل بلندن ممتد عبر أربعين عاما , وحين استفتى النقاد أولى الإختصاص فى أبرع عشر محللين سياسيين بالعالم كان هيكل هو الوحيد من منطقة الشرق الأوسط ,
بل إن دار النشر التى تنشر كتب سلمان رشدى هى ذاتها دار النشر التى تعامل معها هيكل قبل أربعين عاما وأكثر , فلماذا لم يتم منح هيكل الوسام لوأن الأمر بالأثر
لكن كيف يتم منحه الوسام وقد كان الكاتب الوحيد الذى رفض التوقيع على وثيقة مناصرة سلمان رشدى من سائر الكتّاب المتعاملين مع هذه الدار ؟
الأمر ليس بحاجة إلى كثير توقف ,

ويمكننا القول بإطمئنان كامل , أن جحافل العسكرية الغربية ومعها جحافل المستشرقين الفكرية لم تزد الإسلام إلا عزا , فقد فشلت الحملات الصليبية فشلا ذريعا أمام أبواب الشام ومصر التى أسرت لويس التاسع بدار بن لقمان ,
وفى المجال الفكرى أهدى المستشرقون ـ كما سبق القول ـ هدية لا تقدر بثمن بتصنيفهم فهارس الحديث , بالإضافة إلى أثر أعظم عندما تصدى الفقهاء والمفكرون لشبهات المستشرقين فاستنبطوا ـ بسبب الشبهات ـ أروع آيات الإعجاز والبلاغة فى القرآن والسنة

ولكن الجهة الوحيدة التى تمكنت من النيل من المسلمين ـ ولا أقول من الإسلام ـ كانت الجبهة الأخيرة التى أثبتت نجاحا فى مواجهة الإسلام وهى عينة عملاء القلم والفكر الذين بذلوا الجهود فى تقويض أى التفات للحضارة الإسلامية داعين المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها إلى ترك هذه المواريث طواعية وهى التى بذلنا فيها الدماء عبر أجيال لنحافظ عليها فأتى هؤلاء ليكون نصحهم أن نهديها للغرب بلا مقابل !
وكان نجاحهم النسبي ليس لأنهم برعوا فى التنفيذ بل لأنهم سلكوا طريق التسطيح والجهل وبرعوا فيه وساعدهم لجوء أغلب الحكومات العربية بالذات إلى النظم العلمانية وفتح الباب لمحاربة التيار الإسلامى المناهض
فهؤلاء الزمرة لم تدخل لمعركة الفكر حجة بحجة ـ كما فعل المستشرقون ـ وإنما لجئوا إلى الآلة الإعلامية والإنفراد بها على ساحة الجماهير عبر عشرات المقالات والدراسات والتبشيرات بل والمسلسلات والأفلام التى تؤكد أن الحضارة معدنها أوربي , والتقدم فكرة أمريكية !

ورغم أن قضية الصراع العربي الإسرائيلي ـ فى الأصل ـ هى قضية دينية محضة كما سبق الإيضاح ,
ورغم أننا هنا نعالج غياب البعد الدينى عند العرب وحدهم , لأنه بعد موجود وفاعل بل ورئيسي فى الناحية الأخرى
إلا أن اللعبة الغربية نجحت نجاحا تاما فى جعلها قضية وطن وساعد على ذلك ـ بجهل أو بقصد ـ تيار القومية العربية الذى ظن أنه بنسبة القضية لتيار القومية فإنه بذلك جعلها قضية العرب جميعا وقضية أمن قومى عربي , وتلك منتهى الخفة فى المعالجة
ففضلا على فشل تيار القومية فشلا ذريعا منذ عام 1967 م , وانتهائه إلى الأبد عام 1990 بالعدوان العراقي على الكويت ..
كان هناك أثر آخر أدى إلى قتل قضية الصراع العربي الإسرائيلي فى مهدها ,

السبب فى ذلك أن من فتح الباب للتفاوض والإعتراف بإسرائيل " 5 " لم يكن يضع بذهنه مطلقا أهمية قضية القدس وإنما كان تركيزه على الفوز بدولة فلسطينية ترتكز أساسا على نتائج المفاوضات , حتى لو كانت ورقة القدس مجرد ورقة يمكنها أن تكسب ما على الطاولة إذا ما تم قبول تقسيم القدس بين العرب وإسرائيل
بينما التوجه الإسلامى للقضية كان سيضع قضية القدس ـ كما هو واجب ـ فى إطارها الصحيح بعيدا عن أى نتائج تخص الأرض أو الضحايا , فلا فارق بين الضحايا التى وقعت فى فلسطين وبين الضحايا فى سائر الأقطار العربية التى بذلت أضعاف هذا العدد فى سبيل حريتها
هذا بالإضافة إلى أن تيار القومية العربية الذى كان يتحدث عن فلسطين باعتبارها قضية أمن قومى عربي , أخذ فى التضاؤل حتى انتهى شعاعه تماما عام 1992 م وفى العام التالى وقف عرفات فى مفاوضات أوسلو ليعلن أن القضية الفلسطينية آن لها أن تعود إلى أصحابها الأصليين !
وهى نتيجة نالت منها إسرائيل من المكاسب ما لم يتحقق لها بالسلاح طيلة ثلاث حروب مع العرب !

فأول الكوارث أن إنتهاء تيار القومية دفع بالقضية إلى حيز التضييق حتى انقلبت من قضية عربية إلى قضية تخص فلسطين وأرضها وشعبها
مع الوضع فى الإعتبار أن التيار القومى أصلا حصر القضية من قضية إسلامية تعالج ثالث أقدس مساجد المسلمين إلى قضية عربية فقط فضلا على أنه لم يكن بأجندته المبادئ الإسلامية التى تعلى قيم الجهاد ولا تقبل الإخلال بالثوابت نتيجة الضعف أو قوة العدو , ولنا أن نتخيل الفارق الشاسع بين البعدين الدينى والقومى عندما نلقي نظرة واحدة على تجربة أفغانستان مع الإتحاد السوفياتى والولايات المتحدة الأمريكية " 6 "
بل وتجربة الشيشان التى قادها جوهر دوادييف وخلدت اسمه فى مواجهة القوة السوفيتية الغاشمة , " 7 "

وأيضا تجربة باكستان مع الهند , والتى وقفنا فيها إلى جوار الهند ـ كعرب ـ وتناسينا الإنتماء الإسلامى بسبب وجود التيار القومى الذى كان يعتبر الهند حليفا إستراتيجيا فى حركة التضامن الإفريقي الآسيوى " 8 " , ورغم ذلك نجحت باكستان نجاحا مبهرا بالبعد الدينى وحده
بل إن حرب أكتوبر وحدها التى افتتحت بصيحة الله أكبر كان مسببها الأصلي والعامل الفاعل فيها هو البعد الدينى وحده " 9 " , ولو أن مصر واجهت فى حرب أكتوبر عدوا غير اليهود لما كان للمعركة الكبري هذا الدوى العظيم والمعجزات التى غيرت بعض المفاهيم العسكرية فى العالم وحتى اليوم " 10 "
ولو لم يكن هناك أثر لغياب البعد الدينى مطلقا إلا أنه منح مصر حق التفاوض المنفرد ـ بسبب أن القضية أصبحت قضية قوميات ـ والإبتعاد , لكفانا كارثة !
ورغم كل هذا البيان الواضح لمدى خطورة حصر القضية فى تيار القومية ,

إلا أنه وللأسف لم يقتصر الأمر على ذلك !
بل إستمر حاجز التضييق مع مفاوضات أوسلو التى هلل لها الإعلام العربي على نحو مضحك , رغم أن الشواهد كانت بادية الوضوح فى أن الجلوس إلى المفاوضات قبل الحصول على مكاسب واقعية على الأرض بقوة السلاح , لا تعتبر مفاوضات بل مهاترات , فالطرفان فى التفاوض ـ أى تفاوض ـ يتحدث كل منهما وهو يستند إلى ما يملكه فيفاوض به , فما الذى كان يملكه عرفات ـ غير الكلام الإنشائي طبعا ـ ليحتج به فى مفاوضات قوة لا مفاوضات مبادئ " 11 "

وضاقت القضية أكثر مع مسلسل التفاوض الرسمى لتصبح قضية غزة وأريحا بدلا من قضية فلسطين , وبالطبع إنتهت من الصورة نهائيا قضية القدس , ثم جاء عام 2000 م ليصبح التفاوض حول وقف المستوطنات لا إنشاء الدولة ,
ثم ضاقت أكثر وأكثر حتى أتى شارون على البقية الباقية من قضية فلسطين بضربة واحدة عندما أعلن انتهاء الشرعية عن عرفات كممثل تفاوض وقام بالإنسحاب المنفرد من غزة تاركا عرفات يثير سخرية العالم أجمع وهو يحتج أمام الكاميرات على الإنسحاب المنفرد لإسرائيل من غزة !!
وجاء مسلسل حماس فى الحكومة الإسرائيلية على نفس النسق السابق شرحه لتنقلب دوامات الصراع من قضية مستوطنات ومفاوضات إلى قضية صراع فصائل عربي لا دخل لإسرائيل فيه , والتى وقفت تراقبه وتنتظر النتيجة الطبيعية له وهى خسارة الطرفين لصالح إسرائيل , بالضبط كما وقفت قبل خمس عشرة سنة الولايات المتحدة تنظر للحرب المستعرة بين العراق وإيران فتتركها دون تدخل بقرار وقف إطلاق نار معتاد من مجلس الأمن لمدة ثمان سنوات كاملة , طحن فيها الخصمان بعضهما البعض , ووقف وزير الخارجية الأمريكى وقتها يقول { هذه هى المعركة الوحيدة التى نتمنى فيها ألا يخرج منها منتصر بل تنال الخسارة من الجانبين }
وقد كان ,
والمثير للسخرية المريرة أن تصريح وزير الخارجية الأمريكى لم يطلقه بجلسة خاصة أو يسجله فى دفتر أوراقه السرية بل قابله علنا فى الصحف , ومع ذلك استمرت الحرب وتورطت إيران بفضيحة إيران كونترا التى مولت فيها إسرائيل الجيش الإيرانى بالسلاح ! وبتمويل عربي !" 12 "

ورغم التصريح استمرت الحرب , ولا غرابة فى ذلك , فالغرب مقتنع إلى الثمالة أننا شعوب بلا ذاكرة , وجماجم بلا عقول ! ويثق أن لنا عيون لا تقرأ , وإن قرأت لا تفهم , وإن فهمت لا تدرك , وإن أدركت لا تتصرف بناء على هذا الإدراك !
ثم جاءت كارثة غزة الأخيرة لتضيق القضية أكثر وأكثر فتصبح قضية حماس فى غزة !
ثم ضاقت أضعاف ذلك لتصبح قضية فتح وحماس
وإذا سألت عن القدس فى تلك المعمعة , لم تجد إلا الفراغ

وأظن أنه بات واضحا ما هو قيمة دور المفكرين والمحللين لبيان ذلك وللتركيز على أن القدس عاصمة للإسلام كالحرمين تماما
باعتبار هذه القضية المحسومة أصبحت فى عداد النسيان رغم أننا نردد فى كل مناسبة ,
يا قدس يا ثالث الحرمين ؟!

 
إنضم
22 أغسطس 2010
المشاركات
136
التفاعلات
2 0 0
رد: البعد الدينى فى الصراع العربي الإسرائيلي

الهوامش


"1" الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية ـ محمد حسنين هيكل ـ طبعة دار الشروق

" 2 " الصهيونية تختلف عن اليهودية وليست كما يتصور البعض كلمتان مترادفتان , فاليهودية ترمز لديانة سماوية بينما الصهيونية منظمة سياسية هدفها الرئيسي نزع التدين من سائر الجماعات والدول والأفراد حتى من اليهود أنفسهم , فهى تريد من اليهود أن يكونوا زنادقة لا يهود متعلقين باليهودية
والصهيونية لها نوعان أولهما الصهيونية بمعناها بنشاطها اليهودى والنوع الآخر بالمعنى المسيحى والإختلاف بينهما يكمن فى الرغبة المختلفة لكل منهما فى رعاية إسرائيل , فالصهيونية اليهودية تهدف لتحريك اليهود انطلاقا من فلسطين تحديدا بينما المسيحية تهدف لإستغلال اليهود فى شتى بقاع العالم ثم فلسطين بعد ذلك

" 3 " لمزيد من التفاصيل فى تفنيد المزاعم اليهودية رجاء مراجعة موضوع " ردود متنوعة على منكرى الحق العربي بفلسطين " للكاتب

" 4 " الإنفجار ـ محمد حسنين هيكل ـ طبعة مركز الأهرام للترجمة والنشر

" 5 " يظن البعض خطأ أن المفاوضات للإعتراف بإسرائيل لم تبدأ إلا بعد حرب أكتوبر , وهذا غير صحيح , بل إن المفاوضات وقبول قرار التقسيم جاء من العرب لإسرائيل على طبق من فضة قبل إشتعال معارك 1948 م , وكان الرفض من جانب إسرائيل لا من جانب العرب لأنها رفضت التنازل عن شبر واحد من الأرض التى سطت عليها وتمثل ضعفي المساحة المقررة لها بقرار التقسيم 242
وقد جرت مفاوضات أخرى عام 1952 م فى مؤتمر باندونج وافقت فيه الأطراف العربية على قبول عقد سلام كامل مع إسرائيل إذا التزمت بقرار التقسيم , وفى ظل قبولها المبدأ فإن الأعضاء العرب والأفارقة فى مؤتمر باندونج كان عندهم إستعداد لقبولها بالمؤتمر كشريك , ورفضت إسرائيل أيضا !

" 6 " خف المسلمون من كل أنحاء الأرض للجهاد فى أفغانستان , ومن المفارقات أن أحد أهم العوامل فى تصوير الحرب وإظهارها على أنها حرب إسلامية فى مواجهة الإلحاد الشيوعى كان دعم الولايات المتحدة الأمريكية التى بالغت جدا فى إظهار تأييدها لهذا المفهوم ضمن حربها لتقويض أهداف غريمها الإتحاد السوفياتى فساعدت المجاهدين بالمال والسلاح والإعلام , وقامت هوليود بإنتاج الجزء الثالث من سلسلة أفلام رامبو للممثل الشهير سيلفستر ستالونى فى إطار هذا الدعم حيث كانت قصة الفيلم توضح عزم المجاهدين العرب والمسلمين وبراعة وصمود الشعب الأفغانى الحر ,
وبعد أقل من عشر سنوات من هذا التاريخ تحول الإعلام الأمريكى وحلفائه إلى النقيض دونما حياء , ليندد بالإرهاب الإسلامى وبالشعب الأفغانى المتطرف , وتحولت الفتاوى السابقة التى كانت تشجع على الجهاد فى أفغانستان إلى فتاوى تناقض الجهاد فى العراق عندما تغير إتجاه الريح فهبت على البيت الأبيض لا منه , ومن المعروف أيضا أن استخدام سلاح الدين الإسلامى كسلاح سياسي لم يأت بثماره لمن استغله بل انقلب نفس السلاح ضده , فقد رعت الولايات المتحدة هذا التيار عندما كانت تحارب الإتحاد السوفياتى وعندما فرغ التيار من حرب أفغانستان إستدار للبطش الأمريكى بنفس المبادئ التى أيقظها الأمريكيون وحلفاءهم لأن الإسلام كما حارب الإلحاد يحارب الصليبيين أيضا ,
وبالمثل عندما استخدم السادات فى مصر التيار الإسلامى لتصفية البؤر الشيوعية والناصرية انقلب عليه على الفور لمحاسبته على معاهدة السلام والفساد والبذخ

" 7 " كانت تجربة الشيشان التى تجربة إسلامية مبهرة بكل المقاييس وختمت باستشهاد جوهر دوداييف الزعيم الأسطورى للشيشان بصواريخ السوفيات وتفتت جسده وكان عدم العثور على بقاياه سببا فى منحه صورة أسطورية خالدة

" 8 " مع ظهور حركات التحرر الوطنى بافريقيا وآسيا بالخمسينيات وظهور الأحلاف العسكرية المنتمية للإتحاد السوفياتى والولايات المتحدة فى صراع الشرق والغرب , قامت مصر والهند ويوغسلافيا بتأسيس حركة عدم الإنحياز فى مؤتمر باندونج وهدفها الحفاظ على إستقلال الدول الإفريقية والآسيوية من إنتماءات الأحلاف كما استقلت من براثن الإستعمار

" 9 " وقفت صفوف القوات المسلحة المصرية ظهر السادس من أكتوبر , العاشر من رمضان تهدر ـ دون توجيهات أو أوامر ـ بصيحة الله أكبر التى بثت رعبا هائلا فى جنود خط بارليف وهرول منهم الكثيرون خارج مواقعهم المحصنة رغم أنهم كانوا يواجهون المشاة بأسلحتهم الخفيفة فقط , وشهدت المعركة عبر 22 يوما من أيامها مئات البطولات ومعانى الفداء لا سيما بأجواء شهر رمضان
ولم يرق البعد الإيمانى للمعركة لبعض المفكرين فقال أحدهم أن إسباغ صفات النصر الإلهى على نصر أكتوبر ظلم حضاري لهذا الإنجاز , ولم تمر أربع وعشرين ساعة على هذا التصريح حتى وقعت مصر فى معركة الثغرة , وهى المعركة الوحيدة من معارك الحرب التى لم تكسبها مصر

" 10 " لم يحدث أن تغيرت مفاهيم الحرب العالمية الثانية فى حرب إلا فى حرب 1973 م , حيث أسقطت الحرب نظرية الدفاع الثابت للأبد مع الإنهيار الفادح لخط بارليف , كما أنها أنهت عصر الدبابة الذى كان له اليد الطولى فى الحرب العالمية الثانية عقب ابتكار الصاعقة المصرية لنظرية الجندى ضد الدبابة والتى تفنن فيها المصريون بمدافع الآر بي جى المحمولة كتفا ليصطاد بعضهم 30 دبابة
ورغم مرور بضع وثلاثين سنة على تلك الحرب إلا أن ذكرى أكتوبر كل عام تحفل بعشرات الدراسات الإستراتيجية والسياسية لتلك الحرب , وهو الأمر الذى لم يفعله العرب أو المصريون فتوقفت كتاباتهم فى هذا المجال إلا محمد حسنين هيكل الذى سجل الحرب عام 1994 م بالجزء الرابع من سلسلة حرب الثلاثين سنة بعنوان " السلاح والسياسة "

" 11 " من المعروف أن القانون الدولى هو قانون بلا قوة تنفيذ حقيقية , كما تمثل الحكومات للشعوب , فالأمر راجع بالدرجة الأولى لسياسة المصالح المتفق عليها , ومما زاد على إنهاء شرعية السياسة الدولية كسياسة ملزمة وجود مجلس الأمن بخمس أعضاء دائم يملكون حق النقض وفقا لمصالحهم ,
ولهذا فليس هناك سابقة واحدة فى السياسة الدولية أتت فيها المفاوضات بنتيجة ملموسة بين الدول المختلفة بغير وجود رصيد تملكه أطراف التفاوض أو على الأقل مساندة دولية فاعلة كما كان الأمر أيام الحرب الباردة


" 12 " فضيحة إيران كونترا , فضيحة سياسية شهيرة تورطت فيها المخابرات الأمريكية التى كانت تحتاج تمويلا كبيرا ـ غير رسمى ـ للقيام بمساندة نظام الساندستا فى نيكارجوا ضد مناهضيه , فلجأت إلى طرف عربي فمول صفقة سلاح إسرائيلية لإيران وأخذت المخابرات المركزية أرباح العملية لتمويل عملية نيكارجوا ,
وكان سبب كشف الفضيحة أن إسرائيل لم تتخل على نزعتها اليهودية فقامت بغش الصفقة ومنح الإيرانيين أسلحة أقل تطورا
لمزيد من التفاصيل ـ راجع " حرب الخليج ـ محمد حسنين هيكل , أسرار حرب الخليج ـ ايريك لوران , بيير سالنجر "
 

" بناء على توجيهات الادارة لتحسين محتوى المنتدى. فنأمل منكم الالتزام بالقوانين و عدم نشر الصور الحساسة و الدموية.
أعلى