.
على مدى عقود، ارتبط اسم شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (ThyssenKrupp Marine Systems – TKMS) الألمانية بكونها إحدى أبرز الشركات العالمية المتخصصة في تصميم وبناء الغواصات والسفن الحربية، إلا أن عام 2026 حمل للشركة ما يمكن وصفه بأنه نقطة تحول تاريخية. فخلال أشهر قليلة فقط، نجحت الشركة في تعزيز مكانتها داخل السوق المحلية الألمانية، وتوسيع حضورها في الأسواق الدولية، ورفع قيمة دفتر طلباتها إلى مستوى غير مسبوق، بالتزامن مع الفوز بعقود استراتيجية، والتقدم في عدد من أكبر برامج التسلح البحري في العالم.
ولا تعود أهمية هذا العام إلى القيمة المالية للعقود وحدها، بل إلى طبيعة هذه البرامج أيضاً. فمعظمها يتعلق بمنصات بحرية متطورة ستظل قيد الإنتاج والدعم الفني لعقود مقبلة، وهو ما يضمن للشركة تدفقات مالية مستقرة، ويعزز موقعها بين أكبر الشركات الغربية المتخصصة في الصناعات البحرية العسكرية. ولهذا وصفت مجلة MarineForum الألمانية، المتخصصة في الشؤون البحرية، عام 2026 بأنه عام "الرياح المواتية" بالنسبة لـTKMS، في إشارة إلى التحول الكبير الذي شهدته أوضاع الشركة الصناعية والتجارية.
ولا يمكن فهم هذا التحول بعيداً عن البيئة الأمنية الأوروبية. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، اتجهت دول أوروبا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بصورة غير مسبوقة، مع إعطاء أولوية خاصة لتعزيز القدرات البحرية وحماية خطوط الملاحة والبنية التحتية البحرية. وقد انعكس هذا التوجه مباشرة على الشركات الأوروبية المصنعة للقطع البحرية، وفي مقدمتها TKMS، التي تمتلك خبرة تمتد لعقود في بناء الغواصات والفرقاطات المتقدمة.
كما ارتفعت المبيعات إلى نحو 1.5 مليار يورو مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما زادت الأرباح التشغيلية المعدلة بنحو 14%، وهي مؤشرات تعكس انتقال الشركة من مرحلة النمو التقليدي إلى مرحلة التوسع طويل الأجل.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تمثل أعمالاً متعاقداً عليها بالفعل، وليست مجرد توقعات مستقبلية، الأمر الذي يوفر رؤية إنتاجية تمتد لسنوات عديدة، ويسمح للشركة بزيادة استثماراتها في أحواض بناء السفن، وتوسيع قدراتها التصنيعية، واستقطاب كوادر هندسية وفنية جديدة.
وفي الوقت نفسه، واصلت الشركة تنفيذ خطة إعادة هيكلة أعمالها استعداداً للتحول إلى شركة دفاعية أكثر استقلالية، بما يتناسب مع حجم الطلب العالمي المتزايد على منتجاتها.
ففي مجال السفن السطحية، طورت الشركة مفهوم السفن الحربية متعددة المهام "ميكو" (MEKO – Mehrzweck-Kombination)، وهو تصميم يعتمد على البناء المعياري الذي يسمح بتغيير أنظمة التسليح والرادارات والمعدات الإلكترونية بسهولة نسبية وفق احتياجات كل بحرية، مع تقليل تكاليف الصيانة والتحديث مستقبلاً. وقد أسهم هذا المفهوم في نجاح فرقاطات "ميكو" داخل عدد من القوات البحرية، من بينها ألمانيا، وجنوب أفريقيا، والجزائر، ومصر، وأستراليا، وتركيا، والبرتغال وغيرها.
أما في مجال الغواصات، فقد رسخت الشركة مكانتها العالمية من خلال عائلة غواصات "تايب 212" (Type 212)، التي تُعد من أكثر الغواصات التقليدية تطوراً في العالم. ويعود ذلك إلى استخدامها منظومة الدفع المستقل عن الهواء (Air Independent Propulsion – AIP)، التي تتيح للغواصة البقاء مغمورة تحت سطح البحر لفترات أطول مقارنة بالغواصات التقليدية، إضافة إلى انخفاض بصمتها الصوتية بدرجة كبيرة، وهو ما يزيد من قدرتها على تنفيذ المهام الاستخبارية والهجومية بسرية عالية.
وقد شكلت هذه المزايا التقنية الأساس الذي استندت إليه TKMS في الفوز أو المنافسة على عدد من أكبر البرامج البحرية خلال عام 2026.
ففي يوليو 2026 وافقت لجنة الموازنة في البرلمان الألماني على تمويل عقد بناء أربع فرقاطات متعددة المهام "ميكو A-200 دي إي يو" (MEKO A-200 DEU) لصالح البحرية الألمانية.
وتبلغ قيمة العقد الأساسي نحو 6.4 مليار يورو، مع منح الحكومة الألمانية خيار شراء أربع فرقاطات إضافية بقيمة تقارب 5.3 مليار يورو. وفي حال تفعيل هذا الخيار، سترتفع القيمة الإجمالية للبرنامج إلى نحو 11.7 مليار يورو، ليصبح أكبر برنامج لسفن سطحية في تاريخ TKMS.
وتتولى شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (TKMS) مسؤولية التصميم والبناء، بينما تتولى شركة ساب السويدية تطوير منظومة إدارة القتال (Combat Management System – CMS)، إلى جانب مساهمة عدد كبير من الشركات الألمانية في أنظمة الدفع والاتصالات والإلكترونيات والتسليح.
ولا تكمن أهمية هذا البرنامج في قيمته المالية فحسب، بل في كونه يمثل عودة البحرية الألمانية إلى الاعتماد على تصميم "ميكو" بعد سنوات من التركيز على فئات أخرى من السفن، وهو ما يعكس ثقة المؤسسة العسكرية الألمانية في هذا التصميم، ويمنحه زخماً إضافياً في أسواق التصدير.
يمثل الفوز بالعقد الألماني أكثر من مجرد نجاح تجاري, فهو يمنح TKMS شهادة ثقة من أكبر عملائها، وهي الحكومة الألمانية نفسها. وعادة ما تنظر الدول المستوردة إلى العقود المحلية بوصفها مؤشراً على استمرار الدعم الحكومي للتصميم، وتوافر خطوط الإنتاج وقطع الغيار والتحديثات المستقبلية.
ومن هنا، جاء توقيت هذا العقد مثالياً، إذ تزامن مع توسع الشركة في المنافسة على عدد من البرامج الدولية الكبرى، وعلى رأسها البرنامج الكندي لتحديث أسطول الغواصات، الذي يُعد أكبر فرصة تصديرية في تاريخ الشركة.
ففي 7 يوليو 2026 أعلنت الحكومة الكندية اختيار عرض TKMS بوصفه المورد المفضل لتزويد البحرية الملكية الكندية بما يصل إلى 12 غواصة هجومية تقليدية من طراز "تايب 212 سي دي" (Type 212CD)، متفوقة بذلك على عروض منافسة من شركات أوروبية وآسيوية.
وتتجاوز القيمة التقديرية للعقد الأساسي 12 مليار يورو، وهو ما يجعله أكبر عقد تصديري محتمل في تاريخ الشركة. أما الرقم الذي يتجاوز 70 مليار دولار كندي والمتداول في وسائل الإعلام، فلا يمثل قيمة عقد TKMS نفسه، وإنما يعبر عن التكلفة الكلية للبرنامج طوال دورة حياته (Life Cycle Cost)، والتي تشمل إنشاء البنية التحتية، والتدريب، والمحاكاة، والدعم الفني، والصيانة، والتحديثات المستقبلية، وتشغيل الأسطول لعقود طويلة.
ورغم أن العقد النهائي كان لا يزال قيد التفاوض عند إعداد هذه الدراسة، فإن اختيار TKMS كمورد مفضل يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ يعني عملياً أن الشركة أصبحت في صدارة المشروع، ولم يتبق سوى استكمال الإجراءات الحكومية والتعاقدية النهائية.
ويُنظر إلى هذا البرنامج بوصفه أحد أهم مشاريع الغواصات التقليدية في العالم خلال العقد الحالي، كما يعكس الثقة الدولية المتزايدة في قدرات الصناعة البحرية الألمانية.
وخلال عام 2026 أعلنت الحكومة النرويجية عزمها توسيع البرنامج من خلال شراء غواصتين إضافيتين، الأمر الذي من شأنه زيادة حجم الإنتاج وإطالة فترة تشغيل خطوط التصنيع، إلا أن العقد النهائي الخاص بهذه الغواصتين لم يكن قد أُبرم بعد.
وفي موازاة ذلك، حصلت شركة أطلس إلكترونيك المحدودة (Atlas Elektronik GmbH) الألمانية، التابعة لمجموعة TKMS والمتخصصة في الأنظمة البحرية والطوربيدات، على أكبر عقد في تاريخها لتوريد الطوربيد الثقيل "دي إم 2 إيه 4 سيهيشت" (DM2A4 Seehecht) لصالح ألمانيا والنرويج، إضافة إلى أنظمة الإطلاق والدعم الفني والخدمات اللوجستية المرتبطة به.
ويعكس هذا العقد أن المكاسب التي حققتها TKMS لم تقتصر على بناء السفن والغواصات، بل امتدت أيضاً إلى الشركات التابعة لها العاملة في مجال الأنظمة القتالية البحرية.
ولم تُعلن القيمة المالية للبرنامج رسمياً، إلا أن المشروع يشمل تحديث منظومات القتال، وأجهزة الاستشعار، والإلكترونيات، وأنظمة القيادة والسيطرة، ومنظومات الدفع، بما يضمن استمرار الخدمة التشغيلية للغواصات لسنوات طويلة.
وتتجاوز أهمية هذه الاتفاقية أعمال التحديث نفسها، إذ تمنح TKMS موطئ قدم صناعي داخل اليونان في وقت تستعد فيه أثينا لإطلاق برنامج جديد لبناء أربع غواصات إضافية، وتُعد الشركة الألمانية من أبرز المرشحين للفوز به بفضل سجلها الطويل في تزويد البحرية اليونانية بالغواصات.
وإلى جانب برنامج تحديث الغواصات، تواصل TKMS دعم برنامج تحديث منتصف العمر للفرقاطات الأربع من فئة "ميكو 200 إتش إن" (MEKO 200HN) التابعة للبحرية اليونانية، بصفتها المصمم الأصلي لهذه الفئة من السفن. ويهدف البرنامج إلى تحديث منظومات القتال والرادارات وأجهزة الاستشعار والحرب الإلكترونية والاتصالات، بما يسهم في إطالة العمر التشغيلي للفرقاطات وتعزيز قدراتها القتالية، وهو ما يعكس اتساع التعاون البحري بين الشركة والصناعة الدفاعية اليونانية ليشمل الغواصات والقطع السطحية على حد سواء.
فقد أنهت شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (TKMS) وشريكتها شركة مازاغون دوك لبناء السفن المحدودة الهندية المفاوضات التجارية الخاصة ببرنامج المشروع 75 (الهند) ، الذي يهدف إلى بناء ست غواصات هجومية تقليدية مزودة بمنظومة الدفع المستقل عن الهواء (Air Independent Propulsion – AIP) داخل الهند، مع نقل واسع للتكنولوجيا وتعظيم نسبة التصنيع المحلي.
وتبلغ القيمة التقديرية للمشروع نحو 8 مليارات يورو، ما يجعله أحد أكبر برامج التسلح البحري في تاريخ الهند، وأحد أكبر العقود المحتملة في تاريخ الصناعة البحرية الألمانية.
ورغم اكتمال معظم الجوانب التجارية والفنية، فإن المشروع ما زال ينتظر استكمال الموافقات الحكومية الهندية قبل توقيع العقد النهائي.
وفي حال إبرام العقد، فإن القيمة الإجمالية للعقود والبرامج التي حصلت عليها TKMS أو وصلت فيها إلى المراحل النهائية من الاختيار والتفاوض خلال عام 2026 سترتفع بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي سيعزز مكانة الشركة بوصفها أكبر مصدر أوروبي للغواصات التقليدية.
كما استمرت الشركة في تطوير مفهوم الفرقاطة المستقبلية "ميكو أ 400 (MEKO A-400 AMD)، الذي يمثل الجيل التالي من السفن السطحية متعددة المهام، والمصمم لتلبية متطلبات البحريات الأوروبية والدولية خلال العقود المقبلة.
وتشير المؤشرات أيضاً إلى استمرار اهتمام عدد من الدول الأوروبية والآسيوية بمنتجات الشركة، مستفيدة من نجاح الغواصات الألمانية والسمعة التي اكتسبها التصميم المعياري لسفن "ميكو"، وهو ما يمنح TKMS فرصاً إضافية للحصول على عقود جديدة خلال السنوات المقبلة.
تقييم استراتيجي
تكشف تطورات عام 2026 أن شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (ThyssenKrupp Marine Systems – TKMS) لم تحقق مجرد زيادة في حجم مبيعاتها أو عدد عقودها، بل دخلت مرحلة جديدة في مسيرتها الصناعية والاستراتيجية. فقد تزامن الارتفاع غير المسبوق في قيمة دفتر الطلبات مع توسع ملحوظ في نطاق أعمالها، امتد من أوروبا إلى أمريكا الشمالية وآسيا، وهو ما عزز مكانتها بوصفها إحدى أبرز الشركات الغربية المتخصصة في تصميم وبناء الغواصات والسفن الحربية.
وجاءت هذه الطفرة بعد أشهر قليلة من استكمال فصل الشركة عن مجموعة تيسنكروب إيه جي (thyssenkrupp AG) وإدراجها كشركة مستقلة في بورصة فرانكفورت في أكتوبر 2025. وقد أتاح هذا التحول المؤسسي لـTKMS قدراً أكبر من الاستقلالية في إدارة أعمالها وتركيز استثماراتها على قطاع الصناعات البحرية العسكرية، لتدخل عام 2026 وهي تمتلك زخماً تجارياً وصناعياً انعكس بوضوح في حجم العقود التي حصلت عليها والبرامج التي تنافس عليها.
كما تكشف العقود والبرامج التي أبرمتها الشركة أو وصلت فيها إلى مراحل متقدمة من الاختيار والتفاوض عن تنوع غير مسبوق في طبيعتها، إذ شملت بناء الفرقاطات، والغواصات، وتحديث القطع البحرية، وأنظمة التسليح البحري، والدعم اللوجستي، ونقل التكنولوجيا، وهو ما يعزز مصادر إيرادات الشركة ويقلل اعتمادها على برنامج أو سوق واحدة.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن TKMS أصبحت من أبرز المستفيدين من الزيادة العالمية في الإنفاق الدفاعي، ومن التوجه الأوروبي نحو تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، إلى جانب الطلب الدولي المتزايد على الغواصات التقليدية المتقدمة والتصاميم البحرية المعيارية التي أثبتت كفاءتها التشغيلية في عدد من البحريات حول العالم.
وإذا استُكملت الإجراءات النهائية للبرنامجين الكندي والهندي، فإن الشركة لن تكون قد أضافت فقط اثنين من أكبر برامج الغواصات في العالم إلى سجلها، بل ستكون قد رسخت مكانتها بوصفها أحد أهم اللاعبين العالميين في الصناعات البحرية العسكرية. وعندها، قد يُنظر إلى عام 2026 باعتباره العام الذي انتقلت فيه TKMS من شركة أوروبية رائدة إلى قوة عالمية ذات حضور مؤثر في أبرز برامج بناء الغواصات والقطع البحرية خلال العقود المقبلة.
.
على مدى عقود، ارتبط اسم شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (ThyssenKrupp Marine Systems – TKMS) الألمانية بكونها إحدى أبرز الشركات العالمية المتخصصة في تصميم وبناء الغواصات والسفن الحربية، إلا أن عام 2026 حمل للشركة ما يمكن وصفه بأنه نقطة تحول تاريخية. فخلال أشهر قليلة فقط، نجحت الشركة في تعزيز مكانتها داخل السوق المحلية الألمانية، وتوسيع حضورها في الأسواق الدولية، ورفع قيمة دفتر طلباتها إلى مستوى غير مسبوق، بالتزامن مع الفوز بعقود استراتيجية، والتقدم في عدد من أكبر برامج التسلح البحري في العالم.
ولا تعود أهمية هذا العام إلى القيمة المالية للعقود وحدها، بل إلى طبيعة هذه البرامج أيضاً. فمعظمها يتعلق بمنصات بحرية متطورة ستظل قيد الإنتاج والدعم الفني لعقود مقبلة، وهو ما يضمن للشركة تدفقات مالية مستقرة، ويعزز موقعها بين أكبر الشركات الغربية المتخصصة في الصناعات البحرية العسكرية. ولهذا وصفت مجلة MarineForum الألمانية، المتخصصة في الشؤون البحرية، عام 2026 بأنه عام "الرياح المواتية" بالنسبة لـTKMS، في إشارة إلى التحول الكبير الذي شهدته أوضاع الشركة الصناعية والتجارية.
ولا يمكن فهم هذا التحول بعيداً عن البيئة الأمنية الأوروبية. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، اتجهت دول أوروبا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بصورة غير مسبوقة، مع إعطاء أولوية خاصة لتعزيز القدرات البحرية وحماية خطوط الملاحة والبنية التحتية البحرية. وقد انعكس هذا التوجه مباشرة على الشركات الأوروبية المصنعة للقطع البحرية، وفي مقدمتها TKMS، التي تمتلك خبرة تمتد لعقود في بناء الغواصات والفرقاطات المتقدمة.
نمو مالي يعكس توسعاً صناعياً غير مسبوق
أعلنت شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (TKMS) في مايو 2026 نتائج النصف الأول من سنتها المالية 2025/2026، والتي كشفت عن وصول دفتر الطلبات إلى 20.6 مليار يورو، وهو أعلى مستوى في تاريخ الشركة.كما ارتفعت المبيعات إلى نحو 1.5 مليار يورو مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما زادت الأرباح التشغيلية المعدلة بنحو 14%، وهي مؤشرات تعكس انتقال الشركة من مرحلة النمو التقليدي إلى مرحلة التوسع طويل الأجل.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تمثل أعمالاً متعاقداً عليها بالفعل، وليست مجرد توقعات مستقبلية، الأمر الذي يوفر رؤية إنتاجية تمتد لسنوات عديدة، ويسمح للشركة بزيادة استثماراتها في أحواض بناء السفن، وتوسيع قدراتها التصنيعية، واستقطاب كوادر هندسية وفنية جديدة.
وفي الوقت نفسه، واصلت الشركة تنفيذ خطة إعادة هيكلة أعمالها استعداداً للتحول إلى شركة دفاعية أكثر استقلالية، بما يتناسب مع حجم الطلب العالمي المتزايد على منتجاتها.
سر نجاح منتجات TKMS
لم يكن النجاح الذي حققته الشركة خلال عام 2026 وليد الصدفة، بل استند إلى سجل طويل من التطوير التقني.ففي مجال السفن السطحية، طورت الشركة مفهوم السفن الحربية متعددة المهام "ميكو" (MEKO – Mehrzweck-Kombination)، وهو تصميم يعتمد على البناء المعياري الذي يسمح بتغيير أنظمة التسليح والرادارات والمعدات الإلكترونية بسهولة نسبية وفق احتياجات كل بحرية، مع تقليل تكاليف الصيانة والتحديث مستقبلاً. وقد أسهم هذا المفهوم في نجاح فرقاطات "ميكو" داخل عدد من القوات البحرية، من بينها ألمانيا، وجنوب أفريقيا، والجزائر، ومصر، وأستراليا، وتركيا، والبرتغال وغيرها.
أما في مجال الغواصات، فقد رسخت الشركة مكانتها العالمية من خلال عائلة غواصات "تايب 212" (Type 212)، التي تُعد من أكثر الغواصات التقليدية تطوراً في العالم. ويعود ذلك إلى استخدامها منظومة الدفع المستقل عن الهواء (Air Independent Propulsion – AIP)، التي تتيح للغواصة البقاء مغمورة تحت سطح البحر لفترات أطول مقارنة بالغواصات التقليدية، إضافة إلى انخفاض بصمتها الصوتية بدرجة كبيرة، وهو ما يزيد من قدرتها على تنفيذ المهام الاستخبارية والهجومية بسرية عالية.
وقد شكلت هذه المزايا التقنية الأساس الذي استندت إليه TKMS في الفوز أو المنافسة على عدد من أكبر البرامج البحرية خلال عام 2026.
أكبر عقد لسفن سطحية في تاريخ الشركة
جاء أول الإنجازات الكبرى خلال عام 2026 من السوق المحلية الألمانية.ففي يوليو 2026 وافقت لجنة الموازنة في البرلمان الألماني على تمويل عقد بناء أربع فرقاطات متعددة المهام "ميكو A-200 دي إي يو" (MEKO A-200 DEU) لصالح البحرية الألمانية.
وتبلغ قيمة العقد الأساسي نحو 6.4 مليار يورو، مع منح الحكومة الألمانية خيار شراء أربع فرقاطات إضافية بقيمة تقارب 5.3 مليار يورو. وفي حال تفعيل هذا الخيار، سترتفع القيمة الإجمالية للبرنامج إلى نحو 11.7 مليار يورو، ليصبح أكبر برنامج لسفن سطحية في تاريخ TKMS.
وتتولى شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (TKMS) مسؤولية التصميم والبناء، بينما تتولى شركة ساب السويدية تطوير منظومة إدارة القتال (Combat Management System – CMS)، إلى جانب مساهمة عدد كبير من الشركات الألمانية في أنظمة الدفع والاتصالات والإلكترونيات والتسليح.
ولا تكمن أهمية هذا البرنامج في قيمته المالية فحسب، بل في كونه يمثل عودة البحرية الألمانية إلى الاعتماد على تصميم "ميكو" بعد سنوات من التركيز على فئات أخرى من السفن، وهو ما يعكس ثقة المؤسسة العسكرية الألمانية في هذا التصميم، ويمنحه زخماً إضافياً في أسواق التصدير.
يمثل الفوز بالعقد الألماني أكثر من مجرد نجاح تجاري, فهو يمنح TKMS شهادة ثقة من أكبر عملائها، وهي الحكومة الألمانية نفسها. وعادة ما تنظر الدول المستوردة إلى العقود المحلية بوصفها مؤشراً على استمرار الدعم الحكومي للتصميم، وتوافر خطوط الإنتاج وقطع الغيار والتحديثات المستقبلية.
ومن هنا، جاء توقيت هذا العقد مثالياً، إذ تزامن مع توسع الشركة في المنافسة على عدد من البرامج الدولية الكبرى، وعلى رأسها البرنامج الكندي لتحديث أسطول الغواصات، الذي يُعد أكبر فرصة تصديرية في تاريخ الشركة.
البرنامج الكندي... أكبر فرصة تصديرية في تاريخ الشركة
لم يقتصر نجاح شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (TKMS) خلال عام 2026 على السوق الأوروبية، بل امتد إلى أمريكا الشمالية، حيث حققت الشركة أحد أهم إنجازاتها على الإطلاق ضمن مشروع تحديث أسطول الغواصات الكندي .ففي 7 يوليو 2026 أعلنت الحكومة الكندية اختيار عرض TKMS بوصفه المورد المفضل لتزويد البحرية الملكية الكندية بما يصل إلى 12 غواصة هجومية تقليدية من طراز "تايب 212 سي دي" (Type 212CD)، متفوقة بذلك على عروض منافسة من شركات أوروبية وآسيوية.
وتتجاوز القيمة التقديرية للعقد الأساسي 12 مليار يورو، وهو ما يجعله أكبر عقد تصديري محتمل في تاريخ الشركة. أما الرقم الذي يتجاوز 70 مليار دولار كندي والمتداول في وسائل الإعلام، فلا يمثل قيمة عقد TKMS نفسه، وإنما يعبر عن التكلفة الكلية للبرنامج طوال دورة حياته (Life Cycle Cost)، والتي تشمل إنشاء البنية التحتية، والتدريب، والمحاكاة، والدعم الفني، والصيانة، والتحديثات المستقبلية، وتشغيل الأسطول لعقود طويلة.
ورغم أن العقد النهائي كان لا يزال قيد التفاوض عند إعداد هذه الدراسة، فإن اختيار TKMS كمورد مفضل يمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ يعني عملياً أن الشركة أصبحت في صدارة المشروع، ولم يتبق سوى استكمال الإجراءات الحكومية والتعاقدية النهائية.
ويُنظر إلى هذا البرنامج بوصفه أحد أهم مشاريع الغواصات التقليدية في العالم خلال العقد الحالي، كما يعكس الثقة الدولية المتزايدة في قدرات الصناعة البحرية الألمانية.
استمرار التعاون مع النرويج وتعزيز قدرات المجموعة
إلى جانب البرامج الجديدة، واصلت TKMS تنفيذ مشروعها المشترك مع كل من البحرية الألمانية والبحرية الملكية النرويجية لإنتاج غواصات "تايب 212 سي دي" (Type 212CD)، والذي يُعد من أكثر برامج الغواصات الأوروبية تطوراً.وخلال عام 2026 أعلنت الحكومة النرويجية عزمها توسيع البرنامج من خلال شراء غواصتين إضافيتين، الأمر الذي من شأنه زيادة حجم الإنتاج وإطالة فترة تشغيل خطوط التصنيع، إلا أن العقد النهائي الخاص بهذه الغواصتين لم يكن قد أُبرم بعد.
وفي موازاة ذلك، حصلت شركة أطلس إلكترونيك المحدودة (Atlas Elektronik GmbH) الألمانية، التابعة لمجموعة TKMS والمتخصصة في الأنظمة البحرية والطوربيدات، على أكبر عقد في تاريخها لتوريد الطوربيد الثقيل "دي إم 2 إيه 4 سيهيشت" (DM2A4 Seehecht) لصالح ألمانيا والنرويج، إضافة إلى أنظمة الإطلاق والدعم الفني والخدمات اللوجستية المرتبطة به.
ويعكس هذا العقد أن المكاسب التي حققتها TKMS لم تقتصر على بناء السفن والغواصات، بل امتدت أيضاً إلى الشركات التابعة لها العاملة في مجال الأنظمة القتالية البحرية.
اليونان... حضور صناعي يتجاوز أعمال التحديث
في 29 أبريل 2026 وقعت شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (TKMS) اتفاقية تعاون استراتيجية مع شركة أحواض سكارامانغا لبناء السفن اليونانية، لتنفيذ برنامج تحديث منتصف العمر (Mid-Life Upgrade – MLU) لأربع غواصات يونانية من طراز "تايب 214" (Type 214) العاملة لدى البحرية اليونانية (Hellenic Navy).
ولم تُعلن القيمة المالية للبرنامج رسمياً، إلا أن المشروع يشمل تحديث منظومات القتال، وأجهزة الاستشعار، والإلكترونيات، وأنظمة القيادة والسيطرة، ومنظومات الدفع، بما يضمن استمرار الخدمة التشغيلية للغواصات لسنوات طويلة.
وتتجاوز أهمية هذه الاتفاقية أعمال التحديث نفسها، إذ تمنح TKMS موطئ قدم صناعي داخل اليونان في وقت تستعد فيه أثينا لإطلاق برنامج جديد لبناء أربع غواصات إضافية، وتُعد الشركة الألمانية من أبرز المرشحين للفوز به بفضل سجلها الطويل في تزويد البحرية اليونانية بالغواصات.
وإلى جانب برنامج تحديث الغواصات، تواصل TKMS دعم برنامج تحديث منتصف العمر للفرقاطات الأربع من فئة "ميكو 200 إتش إن" (MEKO 200HN) التابعة للبحرية اليونانية، بصفتها المصمم الأصلي لهذه الفئة من السفن. ويهدف البرنامج إلى تحديث منظومات القتال والرادارات وأجهزة الاستشعار والحرب الإلكترونية والاتصالات، بما يسهم في إطالة العمر التشغيلي للفرقاطات وتعزيز قدراتها القتالية، وهو ما يعكس اتساع التعاون البحري بين الشركة والصناعة الدفاعية اليونانية ليشمل الغواصات والقطع السطحية على حد سواء.
الهند... مشروع استراتيجي بانتظار التوقيع النهائي
إذا كان البرنامج الكندي يمثل أكبر نجاح تحقق خلال عام 2026، فإن المشروع الهندي قد يكون الحدث الأكثر تأثيراً في مستقبل الشركة إذا دخل حيز التنفيذ.فقد أنهت شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (TKMS) وشريكتها شركة مازاغون دوك لبناء السفن المحدودة الهندية المفاوضات التجارية الخاصة ببرنامج المشروع 75 (الهند) ، الذي يهدف إلى بناء ست غواصات هجومية تقليدية مزودة بمنظومة الدفع المستقل عن الهواء (Air Independent Propulsion – AIP) داخل الهند، مع نقل واسع للتكنولوجيا وتعظيم نسبة التصنيع المحلي.
وتبلغ القيمة التقديرية للمشروع نحو 8 مليارات يورو، ما يجعله أحد أكبر برامج التسلح البحري في تاريخ الهند، وأحد أكبر العقود المحتملة في تاريخ الصناعة البحرية الألمانية.
ورغم اكتمال معظم الجوانب التجارية والفنية، فإن المشروع ما زال ينتظر استكمال الموافقات الحكومية الهندية قبل توقيع العقد النهائي.
وفي حال إبرام العقد، فإن القيمة الإجمالية للعقود والبرامج التي حصلت عليها TKMS أو وصلت فيها إلى المراحل النهائية من الاختيار والتفاوض خلال عام 2026 سترتفع بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي سيعزز مكانة الشركة بوصفها أكبر مصدر أوروبي للغواصات التقليدية.
فرص إضافية تعزز مستقبل الشركة
إلى جانب العقود الرئيسة، واصلت TKMS خلال عام 2026 تنفيذ عدد من البرامج طويلة الأجل، من بينها استكمال بناء غواصات "تايب 212 سي دي" (Type 212CD) لصالح ألمانيا والنرويج، وتنفيذ برامج الدعم اللوجستي والصيانة للأساطيل العاملة، ومواصلة تسويق الفرقاطات متعددة المهام "ميكو أ 200 (MEKO A-200) و"ميكو أ 300 (MEKO A-300) في عدد من الأسواق الدولية.كما استمرت الشركة في تطوير مفهوم الفرقاطة المستقبلية "ميكو أ 400 (MEKO A-400 AMD)، الذي يمثل الجيل التالي من السفن السطحية متعددة المهام، والمصمم لتلبية متطلبات البحريات الأوروبية والدولية خلال العقود المقبلة.
وتشير المؤشرات أيضاً إلى استمرار اهتمام عدد من الدول الأوروبية والآسيوية بمنتجات الشركة، مستفيدة من نجاح الغواصات الألمانية والسمعة التي اكتسبها التصميم المعياري لسفن "ميكو"، وهو ما يمنح TKMS فرصاً إضافية للحصول على عقود جديدة خلال السنوات المقبلة.
تقييم استراتيجي
تكشف تطورات عام 2026 أن شركة تيسنكروب للأنظمة البحرية (ThyssenKrupp Marine Systems – TKMS) لم تحقق مجرد زيادة في حجم مبيعاتها أو عدد عقودها، بل دخلت مرحلة جديدة في مسيرتها الصناعية والاستراتيجية. فقد تزامن الارتفاع غير المسبوق في قيمة دفتر الطلبات مع توسع ملحوظ في نطاق أعمالها، امتد من أوروبا إلى أمريكا الشمالية وآسيا، وهو ما عزز مكانتها بوصفها إحدى أبرز الشركات الغربية المتخصصة في تصميم وبناء الغواصات والسفن الحربية.
وجاءت هذه الطفرة بعد أشهر قليلة من استكمال فصل الشركة عن مجموعة تيسنكروب إيه جي (thyssenkrupp AG) وإدراجها كشركة مستقلة في بورصة فرانكفورت في أكتوبر 2025. وقد أتاح هذا التحول المؤسسي لـTKMS قدراً أكبر من الاستقلالية في إدارة أعمالها وتركيز استثماراتها على قطاع الصناعات البحرية العسكرية، لتدخل عام 2026 وهي تمتلك زخماً تجارياً وصناعياً انعكس بوضوح في حجم العقود التي حصلت عليها والبرامج التي تنافس عليها.
كما تكشف العقود والبرامج التي أبرمتها الشركة أو وصلت فيها إلى مراحل متقدمة من الاختيار والتفاوض عن تنوع غير مسبوق في طبيعتها، إذ شملت بناء الفرقاطات، والغواصات، وتحديث القطع البحرية، وأنظمة التسليح البحري، والدعم اللوجستي، ونقل التكنولوجيا، وهو ما يعزز مصادر إيرادات الشركة ويقلل اعتمادها على برنامج أو سوق واحدة.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن TKMS أصبحت من أبرز المستفيدين من الزيادة العالمية في الإنفاق الدفاعي، ومن التوجه الأوروبي نحو تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، إلى جانب الطلب الدولي المتزايد على الغواصات التقليدية المتقدمة والتصاميم البحرية المعيارية التي أثبتت كفاءتها التشغيلية في عدد من البحريات حول العالم.
وإذا استُكملت الإجراءات النهائية للبرنامجين الكندي والهندي، فإن الشركة لن تكون قد أضافت فقط اثنين من أكبر برامج الغواصات في العالم إلى سجلها، بل ستكون قد رسخت مكانتها بوصفها أحد أهم اللاعبين العالميين في الصناعات البحرية العسكرية. وعندها، قد يُنظر إلى عام 2026 باعتباره العام الذي انتقلت فيه TKMS من شركة أوروبية رائدة إلى قوة عالمية ذات حضور مؤثر في أبرز برامج بناء الغواصات والقطع البحرية خلال العقود المقبلة.
.