الدعم الإداري

كيف غير اغتيال السادات قواعد الأمن و الحماية المقربة

الحاج سليمان الحاج سليمان عضو موثق.

خـــــبراء المنتـــــدى
إنضم
5 سبتمبر 2007
المشاركات
8,405
التفاعل
23,677 369 47
الدولة
Algeria
اغتيال الرئيس المصري أنور السادات في 6 أكتوبر 1981 (حادث المنصة الشهير) لم يكن مجرد حدث سياسي ضخم، بل كان نقطة تحول جذرية صدمت أجهزة الأمن في العالم العربي وأعادت صياغة مفهوم "العقيدة الأمنية لحماية الرؤساء" بشكل كامل.


قبل الحادث، كانت إجراءات الأمن الرئاسي تعتمد بشكل كبير على "الثقة والبروتوكول التقليدي"، خاصة في المناسبات العسكرية وسط القوات المسلحة. لكن الثغرات الكارثية التي استغلها خالد الإسلامبولي ورفاقه غيرت القواعد إلى الأبد، وتلخصت هذه التغييرات في عدة محاور أساسية:

IMG_4990.jpeg
 
1. إلغاء مبدأ الثقة المطلقة والتحول إلى "الأمن الوقائي الاستباقي"


قبل الاغتيال: كان هناك اعتقاد سائد بأن رئيس الجمهورية آمن تماماً وسط جيشه وفي العروض العسكرية، مما أدى إلى تراخي الأمن الرئاسي وترك التفتيش لأمن الوحدات العسكرية.


بعد الاغتيال: تغيرت العقيدة الأمنية إلى "فرضية التهديد الدائم". أصبح أمن الرئاسة هو السلطة العليا والمباشرة والتنفيذية في تفتيش أي مكان يتواجد فيه الرئيس، حتى لو كان ثكنة عسكرية أو عرضاً للجيش، ولم يعد يُكتفى بالتقارير الأمنية الواردة من الجهات الأخرى.

IMG_4991.jpeg
 
2. بروتوكولات صارمة لتأمين الأسلحة والذخيرة في العروض


الثغرة الأكبر في حادث المنصة كانت تمكّن المنفذين من تهريب ذخيرة حية وقنابل يدوية داخل مركبة العرض العسكري. بناءً على ذلك تم فرض الآتي:


التفتيش اللصيق للعتاد: فحص كل قطعة سلاح ومركبة تشارك في أي بروتوكول يحضره الرئيس من قبل الحرس الجمهوري مباشرة.


نزع الإبر وباب الخزن: في العروض العسكرية اللاحقة، أصبحت القواعد تلزم نزع "إبرة ضرب النار" من الأسلحة الشخصية للجنود المشاركين، والتأكد التام من خلو الخزن من أي ذخيرة حية، واستبدالها بذخيرة فاشوش (صوتية) تحت رقابة صارمة جداً.


3. إعادة هيكلة وهندسة "موقع الرئيس" (المنصة)


المسافة الآمنة: تم فرض مسافات أمان شاسعة تفصل بين المنصة الرئيسية وبين خط سير الآليات أو الجماهير (حيث اقتربت سيارة الإسلامبولي إلى مسافة 30 متراً فقط من السادات بسهولة).


الدروع الواقية الثابتة: تم إدخال تعديلات هندسية على المنصات الرسمية لتشمل زجاجاً مضاداً للرصاص وحواجز خرسانية أو معدنية مخفية لحماية الجالسين من إطلاق النار المباشر أو الشظايا.
 
4. تغيير عقيدة "الحرس الخاص" (Close Protection)


خلال الهجوم، أصيب الحرس الخاص للسادات بالارتباك، وبعضهم تراجع أو بحث عن ساتر بدلاً من تشكيل درع بشري حول الرئيس (باستثناء محاولات قليلة مثل المصور الخاص واللواء حسن علام).


عقيدة الفداء والدرع البشري: أصبحت تدريبات حرس الرؤساء تركز على "التضحية الفورية" بجعل أجسادهم دروعاً لحجب الرئيس، والتدريب على سرعة "الانقضاض والانكفاء" فوق الشخصية المحمية لطمسها عن رؤية المهاجمين.


سيارات الإخلاء المدرعة: تم تشديد بروتوكولات الإخلاء السريع، حيث أصبحت السيارات الرئاسية المدرعة تقف في أقرب نقطة جاهزة للمغادرة فوراً في حال حدوث أي اختراق أمني.
 
. التدقيق الأمني الصارم (Vetting) وتطهير الصفوف


أثبتت التحقيقات أن التخطيط للاغتيال تم من داخل بنية النظام العسكري (عبر ضابط عامل وضباط احتياط)، مما دفع أجهزة الأمن إلى اعتماد نظام "التحريات الدورية اللصيقة".


أصبحت ملفات جميع الأفراد المحيطين بالرئيس، أو أولئك الذين يخدمون في نطاقه (حتى الطباخين، السائقين، وعمال النظافة)، تخضع لفحص سياسي وجنائي واجتماعي مستمر، واستبعاد أي شخص يُشتبه في تعاطفه مع تيارات متشددة أو معارضة.
 
خلاصة القول: لقد أنهى اغتيال السادات عصر "الرئيس الشعبي الذي يتحرك بعفوية" وسط الحشود، ودشن عصر "التأمين متعدد الطبقات والمعزول إلكترونياً وبشرياً"، وهي القواعد التي نجحت لاحقاً في حماية خليفته حسني مبارك في محاولة اغتياله الشهيرة في أديس أبابا عام 1995، حيث أنقذته السيارة المدرعة والرد السريع للحرس الرئاسي.
 
عودة
أعلى