تشهد العقيدة القتالية لقوات الدفاع الجوي المصري تحولاً جذرياً يمزج بين أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وشبكات الرصد الراداري المتقدمة، والتكتيكات الهندسية الميدانية المعقدة. وقد تجلى هذا بوضوح من خلال التحديثات الأخيرة التي استعرضتها القوات لمواجهة تهديدات الجيل الرابع، والتي شملت استخدام درونات اعتراضية متطورة، والكشف عن تكتيك "الخنادق المحصنة" لمنظومات الصواريخ، بالإضافة إلى دمج رادارات ألمانية فائقة التطور ضمن شبكات الإنذار المبكر.
أولاً: "المسيرات لاصطياد المسيرات" والذكاء الاصطناعي
كشفت اللقطات الميدانية الحديثة عن اعتماد الدفاع الجوي المصري على تقنيات غير تقليدية للتعامل مع أسراب الطائرات المسيرة الانتحارية (الدرونات). ظهر في الميدان درون اعتراضي تكتيكي (FPV) مطلي باللون الرمادي، مصمم بهيكل أيروديناميكي على شكل حرف (X) ومزود بأربع مراوح في أطراف الأجنحة، مما يمنحه قدرة استثنائية على المناورة الحادة وتغيير الاتجاهات بسرعات عالية.لا يعتمد هذا الدرون على التوجيه اليدوي البحت، بل يرتبط بشاشة توجيه بصرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. تقوم واجهة النظام برصد الأهداف الجوية المعادية آلياً، وتُتيح للمشغل خيارات متقدمة مثل التتبع أو الإطباق والاعتراض المباشر. وبمجرد تحديد الهدف، تقوم علامة التصويب بالإطباق الذكي، مما يضمن تدمير الدرونات المعادية بتكلفة اقتصادية.
ثانياً: تكتيك "الضربة الخفية" لمنظومة Buk-M2 الروسية
في نقلة نوعية لزيادة القدرة على البقاء في بيئات الحرب الإلكترونية المعقدة، كشفت القوات عن تكتيك عملياتي جديد يعتمد على إخفاء منظومات الدفاع الجوي متوسطة المدى ذاتية الحركة "بوك إم 2" (Buk-M2) داخل خنادق وتجهيزات هندسية محصنة تحت مستوى سطح الأرض.يسمح هذا التحصين بتقليص البصمة الرادارية والحرارية والبصرية للمنظومة إلى أدنى حد. يظل النظام كامناً في خندقه حتى تقترب الأهداف، ثم يخرج بسرعة للسطح عبر منصاته الرادارية والصاروخية، ينفذ الاشتباك مع أهداف تحلق بسرعة تصل إلى 1200 متر في الثانية على مدى 45 كيلومتراً، ثم يعود للاختفاء مجدداً.
(صورة لمنظومة بوك إم 2 أثناء خروجها من المخابئ الأرضية)
ثالثاً: دمج الرادارات الألمانية (TwInvis و TRML-4D) بشبكات الإنذار المبكر
لتعزيز قدرات الكشف والإنذار المبكر ضمن شبكة "صقر" المصرية وتأمين المجال الجوي بشكل مطلق، قامت مصر بإدخال ودمج منظومات رادارية ألمانية فائقة التطور من إنتاج شركة "HENSOLDT" لتعمل جنباً إلى جنب مع منظومة الدفاع الجوي (IRIS-T SLM).1. الرادار السلبي الصامت TwInvis يُعد رادار TwInvis ثورة في عالم الاستطلاع الجوي، حيث يعمل كرادار سلبي (Passive Radar) ثلاثي الأبعاد بالكامل، ولا يُصدر أي انبعاثات أو موجات كهرومغناطيسية يمكن تتبعها. يعتمد هذا الرادار على تحليل ارتدادات موجات البث الإذاعي (VHF و UHF) والتلفزيوني الموجودة مسبقاً في البيئة المحيطة لاكتشاف الأهداف. هذه التقنية تجعله محصناً تماماً ضد التشويش الإلكتروني، والأهم من ذلك، تمنحه القدرة على اكتشاف الطائرات الشبحية (Stealth) التي لا تستطيع الرادارات التقليدية رصدها، وذلك بمدى يصل إلى 250 كيلومتراً.
(صورة لمنظومة الرادار السلبي الألماني TwInvis)
2. الرادار الإيجابي النشط TRML-4D (إيسا) لتعزيز دقة التوجيه النيراني، تم دمج رادار TRML-4D، وهو رادار ذو مصفوفة مسح إلكتروني نشط (AESA) يعمل في النطاق الترددي C (NATO G band) ويعتمد على تقنية نترات الغاليوم (GaN) الصلبة. يتمتع هذا الرادار بالقدرة على اكتشاف وتتبع أكثر من 1500 هدف جوي في وقت واحد، بما في ذلك الأهداف الصغيرة السريعة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة مثل صواريخ الكروز والمروحيات المعلقة. يبلغ مدى الكشف الأقصى لهذا الرادار 250 كيلومتراً، مع قدرة تتبع تصل إلى ارتفاع 30 كيلومتراً.
(صورة لرادار TRML-4D AESA الألماني)
جدول مقارنة: القدرات الرادارية الألمانية المدمجة في الدفاع الجوي المصري
| المواصفات | رادار TRML-4D (إيسا) | رادار TwInvis (السلبي) |
| التقنية الأساسية | مصفوفة مسح إلكتروني نشط (AESA) | رادار استطلاع سلبي صامت (Passive) |
| النطاق الترددي | النطاق C (NATO G band) | التقاط موجات VHF و UHF والإشارات التلفزيونية |
| المدى الأقصى للكشف | 250 كم | 250 كم |
| عدد الأهداف المتتبعة | أكثر من 1500 هدف في آن واحد | تتبع متزامن متعدد الأهداف 3D |
| الحصانة الإلكترونية | يمتلك قدرات متقدمة لمقاومة التشويش | محصن تماماً وغير قابل للاكتشاف (Zero Emissions) |
| المهام الرئيسية | التتبع الدقيق وتوجيه النيران للمنظومات | كشف الطائرات الشبحية والمراقبة الصامتة |
خلاصة:
من خلال المزج بين خفية ومناورة المنظومات الصاروخية الروسية مثل "بوك إم 2"، والمسيرات الاعتراضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وقدرات الرصد الراداري الألماني (النشط والسلبي)، تبني مصر جداراً جوياً متعدد الطبقات يصعب اختراقه، محولةً سماءها إلى منطقة تكتيكية بالغة التعقيد والخطورة أمام أي تهديدات معادية.

