الدعم الإداري

معركة غزة 1244

الحاج سليمان الحاج سليمان عضو موثق.

خـــــبراء المنتـــــدى
إنضم
5 سبتمبر 2007
المشاركات
8,383
التفاعل
23,617 368 47
الدولة
Algeria
المعركة التي أخفاها التاريخ... وغيرت مصير الشرق!

المعركة التي كسرت شوكة الصليبيين... لكنها ليست حطين

إذا سألت معظم الناس عن المعركة التي غيّرت مجرى الحروب الصليبية، فستكون الإجابة بلا تردد: حطين. فهناك، عام 1187م، انتصر صلاح الدين الأيوبي واستعاد القدس بعد احتلال دام قرابة تسعين عامًا.
لكن التاريخ يخفي معركة أخرى، لا تقل أهمية عن حطين، بل يرى كثير من المؤرخين الغربيين أنها كانت أقسى ضربة عسكرية تلقاها الصليبيون في المشرق، لأنها حطمت نخبة فرسانهم، ومهّدت لبداية النهاية لوجودهم في بلاد الشام.
إنها معركة غزة، أو معركة لافوربيه، عام 1244م
صراع داخل البيت الأيوبي
بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي عام 1193م، لم تدم الوحدة التي صنعها طويلًا. فقد تقاسم أبناؤه وأقاربه الدولة الأيوبية، وسرعان ما تحولت المنافسة بينهم إلى صراع على الحكم، فأصبحت مصر والشام مسرحًا للحروب الداخلية، بينما استغل الصليبيون هذا الانقسام للحفاظ على ما بقي لهم من مدن وقلاع على الساحل الشامي.
وفي عام 1229م، عقد السلطان الكامل الأيوبي اتفاقية مع الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني، عُرفت بصلح يافا، سلّم بموجبها القدس للصليبيين مقابل هدنة، مع اشتراط بقاء المسجد الأقصى في أيدي المسلمين، ومنع الصليبيين من إعادة بناء أسوار المدينة.
أثارت الاتفاقية غضبًا واسعًا في العالم الإسلامي، لكنها أصبحت واقعًا سياسيًا فرضته ظروف ذلك العصر.
سلطان في القاهرة... وخصم في دمشق
بعد وفاة السلطان الكامل، تولى ابنه العادل الثاني الحكم، لكنه لم يكن قوي الشخصية، فاضطربت أحوال الدولة.
وفي المقابل، استطاع أخوه **الصالح نجم الدين أيوب** أن ينتزع عرش مصر عام 1239م، ليبدأ صراعًا جديدًا مع عمه **الصالح إسماعيل**، حاكم دمشق، الذي كان يطمح إلى ضم مصر إلى سلطانه.
ولتحقيق هذا الهدف، لم يتردد الصالح إسماعيل في التحالف مع الصليبيين، بل سلّم لهم عددًا من الحصون والمدن المهمة، مثل طبرية وعسقلان، مقابل أن يقاتلوا معه ضد ابن أخيه.
أثار هذا التحالف استياءً كبيرًا في العالم الإسلامي، وكان من أبرز معارضيه العالم عز الدين بن عبد السلام، الذي هاجم السلطان من فوق منبر دمشق، فنُفي إلى مصر، حيث استقبله الصالح أيوب، فازداد تأييد الناس له.
وأصبح الجميع يدرك أن المواجهة الكبرى باتت وشيكة.
جيش بلا وطن
وفي الوقت نفسه، كانت جيوش المغول تكتسح آسيا، وتسقط الدولة الخوارزمية.

وتشتت آلاف الفرسان الخوارزميين بعد انهيار دولتهم، فأصبحوا جيشًا بلا وطن، يبحث عن قائد وقضية يقاتل من أجلها.

أدرك الصالح أيوب قيمة هؤلاء المقاتلين، فأرسل إليهم يدعوهم للانضمام إلى جيشه، ووعدهم بالأموال والإقطاعات، فوافقوا على الفور.

وانطلقت جموعهم نحو بلاد الشام.
القدس تعود إلى المسلمين
وفي طريقهم، مرّ الخوارزميون بمدينة القدس.
ولأن المدينة كانت تفتقر إلى التحصينات القوية منذ صلح يافا، استطاعوا دخولها بعد قتال قصير، وطردوا الحامية الصليبية منها، فعادت القدس إلى الحكم الإسلامي.
لكن المدينة دفعت ثمنًا باهظًا؛ فقد تعرّضت لعمليات نهب واسعة، وأُلحق ضرر بعدد من الكنائس والمباني، ومن بينها **كنيسة القيامة**، دون أن تُدمَّر بالكامل كما تذكر بعض الروايات الشائعة.
وبعد ذلك، واصل الخوارزميون سيرهم جنوبًا حتى وصلوا إلى غزة، حيث كان الصالح أيوب ينتظرهم.
يوم تغيّر تاريخ الشام
في صباح 17 أكتوبر 1244م، الموافق جمادى الأولى 642هـ، اصطف الجيشان في سهل الحربية شمال غزة.
في أحد الجانبين، وقف جيش الصالح أيوب، يضم المماليك والفرسان الخوارزميين.
وفي الجانب الآخر، وقف تحالف غير مألوف، جمع قوات الصالح إسماعيل، والناصر داود صاحب الكرك، وعددًا من أمراء الشام، إلى جانب فرسان المعبد والإسبتارية الصليبيين.
كان مشهدًا غريبًا...
أمراء من البيت الأيوبي يقاتلون جنبًا إلى جنب مع الصليبيين.
بداية المعركة
بدأ الصليبيون القتال بهجوم فرسانهم المدرعين، معتمدين على قوة الصدمة التي طالما رجحت كفتهم في معارك سابقة.
لكن المماليك صمدوا أمام الهجوم، بينما اندفع الفرسان الخوارزميون بهجوم مضاد عنيف أربك صفوف التحالف.
وتذكر بعض المصادر الإسلامية أن عددًا من المقاتلين الشاميين انشقوا أثناء القتال وانضموا إلى جيش الصالح أيوب، وهو ما زاد من انهيار صفوف التحالف.
وخلال ساعات، تحولت المعركة إلى هزيمة ساحقة.
ضربة لم يتعافَ منها الصليبيون
تذكر بعض المصادر الإسلامية أن خسائر الصليبيين بلغت عشرات الآلاف، وهي أرقام يرى كثير من الباحثين أنها مبالغ فيها، لكن جميع المصادر، الإسلامية والغربية، تتفق على أن المعركة كانت من أعنف الهزائم التي تعرض لها الصليبيون في المشرق.
لقد فقدوا نخبة فرسانهم، وهم القوة العسكرية الأكثر تدريبًا وخبرة، وهي خسارة لم يتمكنوا من تعويضها فيما بعد.
ولهذا يعدّ كثير من المؤرخين الغربيين معركة لافوربيه نقطة التحول الكبرى التي أضعفت القوة العسكرية الصليبية بصورة حاسمة.
ثمار الانتصار
بعد النصر، استعاد الصالح أيوب القدس وعسقلان وعددًا من مدن فلسطين، بينما بقيت مدن ساحلية مهمة، مثل عكا وصور، تحت السيطرة الصليبية.

ثم توجه إلى دمشق، التي لم تستطع الصمود طويلًا، فدخلها، وعادت مصر والشام إلى حكم سلطان واحد مرة أخرى.
لكن التحالف مع الخوارزميين لم يدم طويلًا.
فبعد أن طمعوا في مزيد من النفوذ، انقلبوا على الصالح أيوب وتحالفوا مع خصومه.
غير أن نهايتهم جاءت سريعًا، إذ هزمهم الصالح أيوب وحلفاؤه قرب حمص، وقُتل قائدهم حسام الدين بركة خان، وتفرقت فلولهم، ولم يعد لهم بعدها تأثير سياسي أو عسكري يذكر.
بداية النهاية
لم ينسَ الصليبيون هزيمة غزة.

فقد دفعتهم الرغبة في استعادة هيبتهم إلى إطلاق حملة صليبية جديدة بقيادة **لويس التاسع**، ملك فرنسا، الذي قاد الحملة الصليبية السابعة إلى مصر عام 1248م.

لكنها انتهت بكارثة أخرى في المنصورة وفارسكور، حيث هُزم الجيش الصليبي، وأُسر لويس التاسع نفسه.

لم تُنهِ معركة غزة الوجود الصليبي في الشام مباشرة، لكنها وجّهت أقسى ضربة للقوة العسكرية الصليبية، ومهّدت لبداية النهاية لمشروعهم في المشرق

وفي الوقت نفسه، كشفت المعركة عن القوة المتصاعدة للمماليك، الذين أصبحوا عماد الجيش الأيوبي، قبل أن يتولوا حكم مصر والشام بعد سنوات قليلة.

وسيكون هؤلاء المماليك هم من يحققون لاحقًا انتصار عين جالوت على المغول عام 1260م، ثم ينهون الوجود الصليبي نهائيًا بفتح عكا عام 1291م.

وهكذا، قد لا تحظى معركة غزة بالشهرة التي نالتها حطين، لكنها كانت بلا شك إحدى أهم المعارك التي أعادت رسم خريطة الشرق الإسلامي، وغيّرت مسار الحروب الصليبية إلى الأبد.
 
عودة
أعلى