الدعم الإداري

سورة الجن عجيبة مليئة بالدروس العميقة التي تتكشف معانيها كلما تدبرها الإنسان

ابو مهند الزهراني

صقور الدفاع
إنضم
8 يونيو 2015
المشاركات
26,613
التفاعل
89,179 3,006 6
الدولة
Saudi Arabia
1782043062686.png




لما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف راجعا إلى مكة
حين يئس من خير ثقيف و حتى إذا كان بوادي نخلة قام من جوف الليل يصلي

1782045692983.png



فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى ، وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين ، فاستمعوا له
فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا .

فقص الله خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل :
وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن إلى قوله ( ويجركم من عذاب أليم ) .
وقال تبارك وتعالى : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن )إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة .


سورة الجن مكية وآيتها ثمان وعشرون
هذه السورة رهيفة الحس - قبل أن ينظر إلى المعاني والحقائق الواردة فيها
يرى شيء آخر واضح كل الوضوح فيها
إنها قطعة موسيقية مطردة الإيقاع ، قوية التنغيم ، ظاهرة الرنين ؛ مع صبغة من الحزن في إيقاعها


انها شهادة من عالم آخر بكثير من قضايا العقيدة التي كان المشركون يجحدونها ويجادلون فيها أشد الجدل
ويرجمون في أمرها رجما لا يستندون فيه إلى حجة
ويزعمون أحيانا أن محمدا صلى الله عليه وسلم يتلقى من الجن ما يقوله لهم عنها
فتجيء الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها ؛ وبتكذيب دعواهم في استمداد محمد من الجن شيئا .


والجن لم يعلموا بهذا القرآن إلا حين سمعوه من محمد صلى الله عليه وسلم فهالهم وراعهم ومسهم منه ما يدهش ويذهل
وملأ نفوسهم وفاض حتى ما يملكون السكوت على ما سمعوا ، ولا الإجمال فيما عرفوا ، ولا الاختصار فيما شعروا
فانطلقوا يحدثون في روعة المأخوذ ، ووهلة المشدوه ، عن هذا الحادث العظيم ، الذي شغل السماء والأرض والإنس والجن والملائكة والكواكب

1782044161130.png


وهي شهادة لها قيمتها في النفس البشرية حتما

ثم إنها تصحيح لأوهام كثيرة عن عالم الجن في نفوس المخاطبين ابتداء بهذه السورة
وفي نفوس الناس جميعا من قبل ومن بعد

ووضع حقيقة هذا الخلق المغيب في موضعها بلا غلو ولا اعتساف
فقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعتقدون أن للجن سلطانا في الأرض ، فكان الواحد منهم إذا أمسى بواد أو قفر
لجأ إلى الاستعاذة بعظيم الجن الحاكم لما نزل فيه من الأرض
فقال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه . . ثم بات آمنا

كذلك كانوا يعتقدون أن الجن تعلم الغيب وتخبر به الكهان فيتنبأون بما يتنبأون
وفيهم من عبد الجن وجعل بينهم وبين الله نسبا
وزعم له سبحانه وتعالى زوجة منهم تلد له الملائكة !
1782044384361.png


تدمير دين الرافضة والصوفية والاشاعرة وعباد القبور والاضرحة

( قل : إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا . .
قل : إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا . .

قل : إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ، إلا بلاغا من الله ورسالاته
ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا
حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا . .


قل : إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ، عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا
إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا

ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ، وأحاط بما لديهم ، وأحصى كل شيء عددا )

الجن لهم حقيقة موجودة فعلا وهم كما يصفون أنفسهم هنا :
1782044641608.png

( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا )
ومنهم الضالون المضلون ومنهم السذج الأبرياء الذين ينخدعون :
( وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ، وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا )
وهم قابلون للهداية من الضلال ، مستعدون لإدراك القرآن سماعا وفهما وتأثرا :

( قل : أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا ) . .
وأنهم قابلون بخلقتهم لتوقيع الجزاء عليهم وتحقيق نتائج الإيمان و الكفر فيهم :
( وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ، فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا
وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ، فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ، وأما القاسطون ، فكانوا لجهنم حطبا )


وأنهم لا ينفعون الإنس حين يلوذون بهم بل يرهقونهم :
( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) . .
وأنهم لا يعلمون الغيب ، ولم تعد لهم صلة بالسماء :
وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا
وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا . .


وأنهم لا صهر بينهم وبين الله - سبحانه وتعالى - ولا نسب :
( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا )
وأن الجن لا قوة لهم مع قوة الله ولا حيلة :
( وأنا ظننا أن لن نعجزالله في الأرض ولن نعجزه هربا ) . .


السورة التي بين أيدينا تساهم مساهمة كبيرة في إنشاء التصور الإسلامي
عن حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية
ثم عن هذا الكون وخلائقه ، والصلة بين هذه الخلائق المنوعة

سورة الجن شهادة بوحدانية الله ، ونفي الصاحبة والولد ، وإثبات الجزاء في الآخرة
وأن أحدا من خلق الله لا يعجزه في الأرض ولا يفلت من يديه ويفوته ، فلا يلاقي جزاءه العادل

وتتكرر بعض هذه الحقائق فيما يوجه للرسول صلى الله عليه وسلم من الخطاب :
( قل : إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ) . . ( قل : إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) .
وذلك بعد شهادة الجن بهذه الحقيقة شهادة كاملة صريحة

كما أن تلك الشهادة تقرر أن الألوهية لله وحده
وأن العبودية هي أسمى درجة يرتفع إليها البشر : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا )

ويؤكد السياق هذه الحقيقة فيما يوجه للرسول صلى الله عليه وسلم من خطاب :
( قل : إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا )
والغيب موكول لله وحده ؛ لا تعرفه الجن : ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا )
ولا تعرفه الرسل إلا ما يطلعهم الله عليه منه لحكمة يعلمها : ( قل : إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا . عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا

أما العباد والعبيد في هذا الكون ، فقد علمتنا السورة أن بين بعضها والبعض الآخر مشاركات ومنافذ ، ولو اختلف تكوينها
كالمشاركات التي بين الجن والإنس ، مما حكته السورة وحكاه القرآن في مواضع أخرى
فالإنسان ليس بمعزل - حتى في هذه الأرض - عن الخلائق الأخرى
وبينه وبينها اتصال وتفاعل في صورة من الصور


( إنا سمعنا قرآنا عجبا )
أنه( عجب )غير مألوف ، وأنه يثير الدهش في القلوب ، وهذه صفة القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح ، ومشاعر مرهفة . . عجب
ذو سلطان متسلط ، وذو جاذبية غلابة ، وذو إيقاع يلمس المشاعر ويهز أوتار القلوب . .
 
عودة
أعلى