خاص: مصدر فرنسي يكشف لـ"الصحيفة إنجليزية" تفاصيل "مُعاهدة الصداقة" التي سيوقعها الملك محمد السادس وماكرون لتعويض إرث "لاسيل سان كلو"
الأربعاء 3 يونيو 2026 - 12:00تتجه العلاقات المغربية الفرنسية نحو منعطف تاريخي غير مسبوق خلال سنة 2026، حيث تعكف نخبة من صناع القرار والخبراء في كلا البلدين على صياغة اللمسات الأخيرة لـ"معاهدة صداقة جديدة مرتقبة"، تهدف إلى إعادة هندسة العلاقة الثنائية على أسس استراتيجية بعيدة المدى.
وتأتي هذه الخطوة المفصلية بين باريس والرباط، التي سيُتوجها التوقيع الرسمي بين العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارة الدولة المرتقبة للملك إلى فرنسا، قبل نهاية السنة الجارية، لتضع نقطة النهاية رسميا لإرث اتفاقية "لاسيل سان كلو" التاريخية الموقعة عام 1955، والتي حكمت منطق استقلال المغرب وعلاقاته بباريس لسبعة عقود.
ووفق مصادر فرنسية تحدثت لـ"الصحيفة الإنجليزية" فإن الاتفاقية الجديدة تنطلق من وعي مشترك بضرورة تجاوز "الحبل السري" التقليدي لمغرب ما بعد الاستقلال، وتأسيس وضع جديد أكثر ندية، يجعل من المغرب شريكا استراتيجيا أول لفرنسا خارج الاتحاد الأوروبي، وبالمثل يجعل من فرنسا شريكا استراتيجيا راسخا للمملكة، وفق أربعة محاور كبرى:
استثمارات ضخمة مُقابل "حق الأولوية"
وفق مصادر "الصحيفة الإنجليزية"، يرتكز الشق الاقتصادي في هذه الاتفاقية على التزام باريس بضخ استثمارات فرنسية ضخمة في المجال الصناعي المغربي ونقل التكنولوجيا الحيوية، لا سيما في قطاعات صناعة السيارات، والقطارات، ومجال التصنيع العسكري، والنقل البحري، لدعم الصادرات المغربية ذات القدرة التنافسية، الذي تنشط فيه أكثر من 100 شركة فرنسية في المغرب.
في المقابل، تمنح الرباط امتيازات "الأولوية" للشركات الفرنسية لولوج السوق المغربية الواعدة، خصوصا في قطاعات البنية التحتية، وتطوير النقل البحري والسككي، ومشاريع الطاقة المتجددة، وامتيازات ضريبية لمشاريع تخص الصناعة الدفاعية، مما يمنح المجموعات الفرنسية "تفوقا تكتيكيا" في المنافسة المحمومة مع القوى الأجنبية الأخرى الساعية للاستثمار في المملكة
نحو التصنيع الحربي المشترك
الاتفاقية التي يعكف عليها إعدادها نخبة فرنسية ومغربية، تشمل قفزة نوعية في مجالات الدفاع، وتعكس حجم الثقة بين العاصمتين، حيث أشارات مصادر "الصحيفة الإنجليزية" إلى أنها تتضمن دعما فرنسيا قويا للمغرب في مجال "التصنيع العسكري" عبر نقل تدريجي للتكنولوجيا الحربية، بهدف تحويل المملكة إلى مركز إقليمي لصناعة الأسلحة الخفيفة والثقيلة، خصوصا في قطاعات الطيران الحربي، الذخيرة، الشاحنات العسكرية، والمدرعات. ويتوازى هذا مع تعزيز برامج التدريب والتمارين العسكرية المشتركة، وتقوية التنسيق الأمني والاستخباراتي وتبادل المعلومات الحساسة لمواجهة التحديات العابرة للحدود.
معركة "الفرنكفونية" وصناعة النخب
ما يلفت الانتباه في الاتفاقية المزمع توقيعها قبل نهاية السنة الجارية، وفق مصادر "الصحيفة الإنجليزية" يتمثل في الجانب الثقافي الذي يعد أحد أكثر الملفات عمقا وحساسية في المعاهدة الجديدة، إذ تدفع باريس بقوة نحو الحفاظ على "امتيازات" اللغة الفرنسية في المنظومة التعليمية والإدارية والاقتصادية بالمغرب، وجعلها لغة "البيزنس" الأولى، لإدراكها أن اللغة هي وعاء التفكير وبوابة "الهيمنة الثقافية" المباشرة.
وتعني هذه البنود أن النخبة المغربية ستظل صياغتها "مفرنسة" بالضرورة على مدى العقدين المقبلين. بالمقابل، يبدو أن المغرب الرسمي يقبل هذا الطرح شريطة عدم تحجيم انفتاحه التنافسي على اللغات الأخرى، وعلى رأسها الإنجليزية. ولإنجاح هذه المقاربة، تقترح فرنسا فتح آفاق أوسع وحصص إضافية للطلبة المغاربة في كبريات الجامعات والمعاهد الفرنسية التي تتولى تاريخيا صناعة "النخب الفرنكفونية" المؤثرة في القرار السياسي والاقتصادي.
كما تقترح فرنسا دعما ماليا لتعليم "الفرنسية" بالمغرب. وتعزيز حضورها في شرايين الحياة اليومية للمغاربة، من خلال تعزيز فتح معاهد فرنسية جديدة التي وصلت إلى اليوم 12 معهدا في مختلف المدن المغربية، كما لفرنسا مركزان لـ"شبكة الرابطة الفرنسية"، هذا في الوقت الذي تدير باريس شبكة ضخمة من المدارس التعليمية بالمغرب، تسمى "البعثة الفرنسية" وتضم أكثر من 40 مؤسسة تعليمية ما بين مدارس ابتدائية وثانويات، وتضم أكثر من 46 ألف طالب، وهي التي تصنع تاريخيا النخبة "الفرنكفونية" في الإدارة والاقتصاد والسياسة بالمملكة.
حماية القضايا الكبرى والامتداد الإفريقي
في الشق السياسي، تضمن المعاهدة للمغرب التزاما فرنسيا صارما بالدعم المطلق في مجلس الأمن الدولي في قضاياه السيادية الكبرى (وعلى رأسها ملف الصحراء)، إلى جانب توفير مظلة دعم دبلوماسية قوية داخل أروقة الاتحاد الأوروبي لحماية مصالح المملكة في قطاعات الفلاحة، الصيد البحري، واللجان المشتركة الموازية.
وفي خطوة لافتة تعكس التحول في موازين القوى، أكدت مصادر "الصحيفة الإنجليزية" أن باريس منفتحة على فتح أرشيف الاستعمار في المنطقة، والحدود الحقبة والتاريخية للمملكة، بما في ذلك الأرشيف الحساس المتعلق بالمنطقة الشرقية للمملكة، وهو ما قالت المصادر أن الجانب المغربي طرحه علي الجانب الفرنسي أكثر من مرة.
إلى ذلك، تقترح فرنسا، بشدة، دعم المغرب لها في دول غرب إفريقيا من خلال صيغة "الشراكة الاستراتيجية" مع الشركات والمؤسسات المغربية للاستثمار في هذه الدول التي تعاني فرنسا معها خلال العقد الأخير نظرا لثقل إرثها الاستعماري الطويل.
وترغب فرنسا وفق ذات المصادر إلى تعزيز حضورها في هذه الأسواق من خلال الشراكات مع المؤسسات المغربية، الحاضرة بقوة في دول غرب إفريقيا، باعتبار المغرب المستثمر الأول والأكثر تأثيرا في تلك المنطقة المعقدة جيوسياسيا.
ومن خلال هذه النقاط التي اعتبرها مصدرنا تمثل الخطوط العريضة لـ"المعاهدة المغربية الفرنسية" التي ستوقع قبل نهاية السنة الجارية من طرف رئيسي البلدين، تبرز مؤشر جديد في العلاقات الدولية بين ضفتي المتوسط، فبينما تسعى فرنسا لتحصين نفوذها الثقافي والاقتصادي التقليدي من بوابة الشراكة الندية، ينجح المغرب في انتزاع اعترافات سياسية، تكنولوجية، وعسكرية وازنة، تُخرجه تماما من عباءة اتفاقيات 1955، وتضعه في مصاف القوى الإقليمية الشريكة لأوروبا دون التخلي عن عمقه الإفريقي واستقلالية قراره الاستراتيجي.

