الدعم الإداري

التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالبلاد التونسية إثر الحرب العالمية الأولى أو منعرج العشرينات

Obergruppenführer Smith

طاقم الإدارة
مـراقــب عـــام
إنضم
23 أكتوبر 2017
المشاركات
3,860
التفاعل
21,846 332 0
الدولة
Tunisia
الأستاذ محمد الأزهر الغربي

سنحاول - من خلال هذه الورقة - البحث في المنعرج التاريخي الذي أسّس إلى ميلاد نخب جديدة ومجتمع تونسي حديث. فهل الثلاثينات هي المنعرج الذي دخلت البلاد التونسية من خلاله القرن العشرين؟ وهل يمكن اعتبار العشرينات في ارتباطها بنتائج الحرب العالمية الأولى مرحلة جديدة وحاسمة مكّنت البلاد التونسية من أن تطرق باب القرن العشرين؟

I) أسطورة الثلاثينات ومحاولة تأسيس ذاكرة جديدة:

شهدت البلاد التونسية منعرجا حاسما غداة الاستقلال تمثّل أساسا في وضع حدّ للنظام الملكي وإعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957. وعرفت مناهج كتابة تاريخ تونس المعاصرة تنوّعا، ولكنها التقت جميعها في التركيز على فترة الثلاثينات. ويمكن أن نختزل الكتابات الجامعية في هذا الشأن في ثلاث تيارات تلتقي كلها في نهاية الأمر وهي المنهاج الرسمي، المنهاج المحايد ومنهاج المادية التاريخية.

المنهاج الرسمي:

تمثّل خاصة في "المشروع الوطني للبحث" الذي انطلق سنة 1981 ويهدف إلى جمع الوثائق التاريخية المتعلقة بالحركة الوطنية والمودعة بالأرشيفات الفرنسية ثمّ استنساخها وجلب نظائرها إلى تونس. وقد ساهم المؤرّخ شارل أندري جوليان (Charles André Julien) في تسهيل هذه المهمة. وتطوّر هذا المشروع في مرحلة لاحقة ليصبح المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية - المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر حاليا - والذي نظم ندوات عديدة من بينها التحوّلات الاجتماعية بتونس خلال الثلاثينات.

المنهاج "المحايد":

أنجز بعض الجامعيين بحوثا أكاديمية تعتبر نفسها بعيدة عن دائرة السياسة والإيديولوجيا وتتمحور جميعها حول مرحلة الثلاثينات وما تلاها - على سبيل الذكر لا الحصر - إلى أطروحة لطفي الشايبي حول الاشتراكيين الفرنسيين ومواقفهم من الوطنيين التونسيين، وكذلك بحث الأستاذ حسن العنابي حول أزمة الثلاثينات وتداعياتها بتونس، وأطروحة الأستاذ عبد السلام بن حميدة حول الرأسمالية والحركة النقابية بتونس.
ومع ظهور المكروهستوريا كمنهاج جديد في البحث أنجز بعض الباحثين الشبان في إطار الماجستير أو الدكتوراه دراسات منوغرافية تشمل بعض الجهات من البلاد التونسية (مثل بنزرت والساحل والقيروان وباجة والكاف وغيرها) وتتناول جلّها فترة "ما بين الحربين" لتؤكّد في نهاية المطاف على انخراط هذه المناطق في المسار العام للحركة الوطنية.

منهاج المادية التاريخية:

خصّص بعض المؤرّخين الجامعيين جانبا هاما من كتاباتهم لفترة الثلاثينات ليبيّنوا العلاقة الجدلية بين تدهور أوضاع التونسيين المادية والمعاشية من جرّاء الأزمة الاقتصادية العالمية من ناحية ونشأة الحزب الجديد سنة 1934 من ناحية ثانية. ويعتبر المؤرّخ الفرنسي André Nouschi رائد هذه النظرة للأحداث، في مقاله الشهير والمنشور بـ"الكرّاسات التونسية". وقد أخذ على المحجوبي في كتابه جذور الحركة الوطنية التونسية نفس التوجّه. وحدت حذوه بحوث عديدة ركّزت على قضيّة التداين بالساحل وانعكاساتها على التوجهات السياسية الجديدة خلال الثلاثينات.
لقد أدّى تركيز أغلب الباحثين على دراسة فترة الثلاثينات إلى تغييب الحرب العالمية الأولى وانعكاساتها على البلاد التونسية. وباعتبار أنّ هذه القراءة ركّزت على المعطى الاقتصادي، فإنّنا سنتوخّى نفس المنهج لنصل إلى نتائج قد تكون مغايرة.

II) الحرب العالمية والتحوّلات الاقتصادية في تونس خلال العشرينات:

من الغريب أنّ الأكاديميين التونسيين لم يكتبوا إلا النزر القليل حول هذه الفترة وحول هذا الموضوع. ولسنا على علم بوجود بحث أكاديمي تونسي مستقلّ بذاته تناول فترة العشرينات في علاقتها بالحرب العالمية الأولى باستثناء بعض المقالات، أو رسائل الماجستير، في حين خصّص بعض الباحثين الفرنسيين دراسات لهذا الموضوع. وممّا يزيد في الاستغراب أنّ الفاعلين التونسيين خلال العشرينات قد دوّنوا كتابات عديدة تحتوي على مادّة غزيرة تدلّ على زخم الفترة. نذكر منها كتاب محمد صالح مزالي "تطوّر تونس الاقتصادي 1881-1920" وكتاب عبد العزيز الثعالبي: "تونس الشهيدة". ومع الوعي بأنّ ما كتبه الفاعلون ميادين مختلفة فإنّنا سنركّز على أهمّ التحوّلات الاقتصادية في صلتها بالحرب لنخلص فيما بعد إلى التحوّلات الاجتماعية والثقافية للربط جميع ذلك في نهاية المطاف بالمعطى السياسي.
أكّدت جلّ الدراسات التي تناولت الحقبة الاستعمارية من تاريخ البلاد التونسية على أنّ فرنسا كانت تهدف أساسا إلى استغلال الثروات الفلاحية والمنجمية المتنوّعة. ولئن خاض أغلب الباحثين في كنه الاستعمار وطبيعته، فإنّه قد حصل شبه إجماع على طابعه الاقتصادي والاستغلالي، ممّا دفع بعضهم إلى التأكيد على علاقة "التبعيّة" التي هي في حقيقة الأمر "تبعيّة اقتصادية" ناتجة عن مرحلة هيمنة زراعية واكبت العشرية الأخيرة من القرن التاسع عشر، ثمّ مرحلة استغلال منجمي استمرّت من مطلع القرن العشرين إلى الحرب العالمية الأولى.
فما هي حقيقة التحوّلات الاقتصادية التي حصلت في تونس غداة هذه الحرب؟

أزمة المتروبول أو التبعية المتبادلة
كانت العلاقة بين الاقتصاد الفرنسي والاقتصاد التونسي منذ بدء الاحتلال سنة 1881 خاضعة لجدلية ارتباط الأطراف بالمركز، وكانت فرنسا هي الممول والمصدر والمورد للإنتاج التونسي الذي كان يدور في فلك السوق الفرنسية، وبمجرّد اندلاع الحرب تغيّرت المعطيات لتترتّب عنها علاقات جديدة خلال العشرينات وذلك في عدّة مستويات وذلك أهمّها:

  • التزوّد بالإنتاج التونسي: تعطّلت الآلة الفرنسية عن الإنتاج وتغيّرت صبغة بعض المصانع التي أصبحت تنتج ما يحتاجه الجنود من أسلحة وعتاد ومؤونة، كما ساهمت عوامل أخرى في انخراط الشبان والكهول في الحرب. في ظلّ هذه التحوّلات أصبحت السوق الفرنسية بحاجة كبرى للمنتوجات الفلاحية وبكميات وافرة من المواد الخام التي يحتاجها مصنّعها، فانجرّ عن ذلك نموّ نسق الإنتاج في قطاع المناجم - أساسا الفسفاط والحديد - وكذلك في المجال الفلاحي حيث ارتفعت المردودية بسبب تظافر عدّة عوامل بعضها طبيعي
  • تطوّر الإنتاج الفلاحي خلال فترة الحرب
المواد
1910 - 1914
1915 - 1919
القمح
7.320.000 قنطار
10.890.000 قنطار
الشعير
7.220.00 قنطار
9.120.000 قنطار
القصبية
2.224.000 قنطار
2.650.000 قنطار
الزيت
959.171 قنطار
1.437.987 قنطار
الخمر
1.580.000 هكتولتر
2.059.263 هكتولتر


وكانت النتيجة أن تغيّرت نظرة البلد الأم للمستعمرات بصفة عامة فبعد أن كان البعض يشكّك في جدواها ويعتبرها البعض الآخر "متلفا" للاقتصاد الفرنسي، فإنّ الجميع اقتنع بضرورة المستعمرات وجدواها، إذ أصبح ينظر إليها على أنّها "مجال احتياطي" يفعّل عند الحاجة. ولم تقتصر هذه الحاجة على فترة الحرب التي جعلت الملاحة البحرية مرتبطة بتزويد "المتروبول"، بل تواصل الأمر على جميع الأصعدة مع بداية العشرينات. مع عودة الملاحة البحرية إلى سالف نشاطها ارتفع نسق الصادرات التونسية مثل الحبوب والزيوت والمواد المنجمية.


ساهمت الحرب وتبعاتها الاقتصادية في وعي سكان البلاد التونسية بقدرتهم على الإنتاج، وبحاجة فرنسا الملحّة لهم، بل تبعيّتها لهم في هذا الشأن، ولم تقتصر هذه التبعيّة على الإنتاج الفلاحي والمنجمي بل شملت جوانب أخرى مثل الجانب المالي.

  • الدعم المالي التونسي: تفاقمت حاجة فرنسا للأموال لمواجهة تكاليف الحرب، كصناعة الأسلحة أو شرائها والإنفاق على الفيالق العسكرية وغيرها من مقتضيات تمويل حرب مدمّرة استمرّت مدّة طويلة. وبمجرّد انتهاء العمليات العسكرية برزت الحاجة إلى أموال جديدة لإعادة بناء ما دمّرته الآلة العسكرية ولتمويل الصناعات الاستهلاكية وإعادة تنشيط الاقتصاد والاستثمار. وانجرّ عن جميع ذلك عجز مالي في خزينة الدولة دفعها إلى الاقتراض من بنوك الإصدار الفرنسية (بنك فرنسا وبنك الجزائر) التابعة لها، وهو ما نتج عنه انخرام في المعادلة بين احتياطي الذهب والعملة المتداولة، وآل الأمر إلى تخلّي فرنسا عن معيار الذهب (Etalon-or) الذي كان يعتمد طوال تاريخها لتحديد قيمة العملة، وأفرز ذلك واقعا جديدا في فرنسا ومستعمراتها بما في ذلك تونس.

    أصبحت فرنسا على المستوى المالي في حاجة إلى ضخّ مستعمراتها لتنهض باقتصادها ولتواجه أزمتها المالية والاقتصادية. فبمجرّد الإعلان عن القانون الفرنسي المؤرّخ في 03 أفريل 1918 والذي يمنع رؤوس الأموال الفرنسية من أن تستثمر في الخارج، صدر في تونس الأمر العلي المؤرّخ في 24 أفريل 1918 والذي يمنع الأموال الفرنسية الموجودة في تونس أن تستثمر في مجالات تونسية على اعتبار أولوية فرنسا بذلك.
ولم تقف آنية "المتروبول" عند هذا الحدّ بل انتهجت سياسة الاقتراض لتمويل اقتصادها ودفعت سكان المستعمرة التونسية إلى المساهمة في "الاكتتاب الوطني" لجمع الأموال لمعاضدة الاقتصاد الفرنسي، ولئن ساهم بعض الفرنسيين في هذه القروض فإنّه تمّ تحفيز التونسيين على ذلك عن طريق أوامر أصدرها الباي. كما قامت السلطة الفرنسية في تونس بعدّة حملات "الدعم الفرنك الفرنسي".
لئن كانت تبعيّة الاقتصاد التونسي للاقتصاد الفرنسي أمرا ثابتا منذ مطلع القرن العشرين، فإنّ الحرب العالمية الأولى أنّت - على الأقل خلال العشرينات - إلى تبعيّة جديدة في علاقة الاقتصاد الفرنسي بالمستعمرات وذلك في مستوى المواد الخام والمواد الفلاحية التي اشتغال بها فرنسا والتي تواصلت فيما بعد ليضاف إليها فيما بعد الدعم المالي والنقدي.
ولم يكن لهذا التحوّل في العلاقة بين الطرفين ليغيب على أذهان الجاليات الأوروبية المستوطنة في تونس - بما في ذلك الفرنسيين - وعلى أذهان التونسيين فأصبح جميعهم يندّد بـ"آنية المتروبول". وانفرد التونسيون بنوع من الوعي الجديد يرتكز على أسس نظرية وواقعية أهمّها:

  • أنّ تونس لها شخصيّتها الاقتصادية وبإمكانها أن تعوّل على نفسها بسبب الثروات التي تزخر بها والتي وظّفها الفرنسيون لفائدتهم، وقد تأكّد لهم نظرتهم تلك أثناء الحرب عندما تراجع توريد البضائع الفرنسية حيث عادت الصناعات المحلّيّة إلى سالف نشاطها.
  • السعي إلى بديل اقتصادي "وطني": لقد نشطت الصناعات المحلّيّة خلال الحرب فبالإضافة إلى الصناعات التقليدية برزت غداة الحرب صناعات تونسية جديدة في مجال تحويل المواد الغذائية والنسيج. وقد قام بعض زعماء الشباب التونسي مثل عبد الجليل الزاوش بهذه التجربة. وفي المجال المالي خاض محمد شفيق غمار محاولة بعث مصرف تونسي هو "بنك التعاضد" الذي أُنشئ في بداية العشرينات قصد تمويل الصناعات "الوطنية" الناشئة.
ولئن طرح البديل الاشتراكي غداة الحرب في بعض البلدان، فإنّ النخبة التونسية انفردت بتبنّي النموذج التعاوني كمنهاج لبناء اقتصاد تونسي مواز للاقتصاد الفرنسي. ويمتاز هذا النموذج بتعاون الرأسمال الخاص والدولة، وهي الطريقة التي توخّتها ألمانيا لتحقيق ثورتها الصناعية في أواخر القرن التاسع عشر. وقد تطوّر دور هذه النخب الاقتصادية التونسية التي برزت في بداية العشرينات لتتحوّل إلى فئات ضاغطة من خلال الندوة الاستثمارية والمجلس الكبير، وذلك دفاعا عن مصالحها كفئة فاعلة في الحقل الاقتصادي لها طموحاتها وتطلّعاتها التي تختلف عن طموحات الفاعلين الاقتصاديين الفرنسيين.

لقد أدّت الحرب والتحوّلات التي أفرزتها إلى تغيير هيكلي في البنى الاقتصادية في تونس. ولئن ركّزت جلّ الدراسات التاريخية على تبعيّة الاقتصاد التونسي للمتروبول فإنّ الاقتصاد الفرنسي أصبح بدوره يعاني من بعض التبعيّة للمنتوجات التونسية. ولعلّ الفارق يكمن في مجالات وفي حجم هذه التبعية المتبادلة.
ومهما يكن من أمر فإنّ هذا الحراك جعل التونسيين يدركون أنّ بلادهم أصبحت تمتلك مقوّمات "الاقتصاد الوطني" وذلك على المستويات التالية:

  • وجود فئة جديدة فاعلة على المستوى الاقتصادي يمكن اعتبارها بمثابة البرجوازية الناشئة المنفتحة على العالم الخارجي والتي تمتلك مقوّمات الفعل الاقتصادي.
  • تشكّل طبقة عمّاليّة لها كلّ مقوّمات القدرة على الإنتاج غير أنّ المعمّرين والشركات المنجمية الفرنسية سخّرتها لفائدتها، ولعلّه من الأجدى تحويل هذه الطاقة الإنتاجية لصالح الاقتصاد التونسي.
  • تشكّل سوق وطنية مكّنت التجهيزات التي أحدثها الاستعمار من موانئ وسكك حديدية وطرقات من توحيد المجال التونسي، الأمر الذي من شأنه أن ييسّر نقل البضائع بين مختلف أجزاء هذا "المجال الوطني" الذي أصبح قاعدة لسوق وطنية منفتحة على البحر وعلى البلدان المجاورة بفضل شبكة المواصلات الجديدة.
يمكن أن نجزم في الأخير، بأنّ الحراك الاقتصادي الذي أحدثته الحرب حوّل مقوّمات الاقتصاد التونسي إلى بداية قوّة اقتصادية مساعدة تمتلك مقوّمات الاقتصاد الوطني، وأدّى وعي الفاعلين التونسيين بهذه المسألة إلى النضال من أجل تحقيق هذه الاستراتيجية المتمثلة في مواصلة إنجاز مشروعهم الاقتصادي الذي سيحرّرهم من التبعيّة الاقتصادية لفرنسا.
لقد بدأت فكرة التحرّر الاقتصادي بصفة موازية لفكرة التحرّر السياسي والاجتماعي الذي ناضل من أجله بعض الفاعلين السياسيين والاجتماعيين غداة الحرب العالمية الأولى.

III) مشاركة التونسيين في الحرب وتبلور الوعي الوطني

لم تشمل الحرب العالمية الأولى - التي كانت بالأساس حربا أوروبية - مجال المستعمرات. إذ لم تشهد بلدان المغرب العربي عمليات عسكرية، ومع ذلك أثّرت هذه الأحداث على سكان البلاد التونسية وخاصة المسلمين منهم. وبصرف النظر عن الضرر الحاصل من جرّاء صعوبة تزويد البلاد بما تحتاجه من معدّات ومن موادّ استهلاكية فإنّ الحرب استنفرت عددا هاما من التونسيين الذين وقع تجنيدهم قسرا لينتقلوا إلى ساحة الوغى.

تجنيد التونسيين وبروز ثقافة سياسية جديدة:
تمّ إعلان التعبئة العامة بالبلاد منذ 02 أوت 1914 وتبعا لذلك صدرت مجموعة أوامر من قبل الباي والمقيم العام الفرنسي نذكر منها:

  • أمر 01 أوت 1914 الذي يجنّد الرديف الأهلي التابع للسنوات السابقة انطلاقا من 1904.
  • أمر 9 أوت 1914: الذي سمح بتعبئة جنود سنوات 1901 و1902 و1903.
  • أمر 10 أوت 1914 حول التونسيين التطوّع للحرب.
  • أمر 11 أوت 1914 حول إمكانية المراقبين المدنيين تكوين قوّات احتياطيّة.
استنفرت السلطة الفرنسية كلّ طاقاتها لتسخير البلاد والعباد لمجهودها الحربي وهو ما دفع بعض الباحثين الفرنسيين إلى اعتبار أنّ "التجنيد قد بلغ أقصاه" فأنهك البلاد والعباد. وكانت عمليات التجنيد تتمّ عن طريق "القرعة" التي كانت بالنسبة إلى الأهالي يوم مأتم حيث خلّدت الذاكرة الشعبية أمثلة عديدة تجسّد بكاء النساء وحزنهنّ نقلها الشعر الشعبي. وشملت عمليات التجنيد كلّ الفئات والجهات التونسية ولم يسلم من ذلك سوى اليهود وسكان الحاضرة وحاملي الشهادات العلميّة. وتمكّن بعض المطلوبين للجندية من تعويض ذلك بمبلغ مالي لم يكن بالإمكان تسديده من قبل السواد الأعظم من الأهالي.
وإجمالا ضبطت الإحصائيات الرسميّة عدد المجنّدين التونسيين خلال سنوات الحرب كلّها حيث بلغ 62.461 مجنّدا مع العلم أنّ عدد سكان الإيالة في نفس الفترة بـ 1.686.533 نسمة. وبالتالي فإنّ نسبة المجنّدين تبلغ 3,70% من العدد الإجمالي للسكّان، وهي أرفع نسبة في بلدان المغرب إذا ما قارنّاها بالجزائر حيث بلغت نفس النسبة 3,5% وبالمغرب 0,1%.

يتّضح أنّ الحرب العالمية الأولى كلّفت البلاد التونسية ثمنا باهظا أكثر من غيرها من المستعمرات خاصّة وأنّها فقدت بين 1914 و1918 عددا هاما من هؤلاء المجنّدين بلغ 10.723 رجلا (13% من المجنّدين) وذلك بصرف النظر عن عدد الجرحى.
مكّنت مشاركة التونسيين في الحرب - على سلبيّاتها - من اطلاع هؤلاء المجنّدين على البلاد الأوروبية وحضاراتها وتنظيماتها وهو ما أوجد لديهم نوعا من الوعي السياسي والحضاري رغم محدوديّة مستواهم الثقافي. كما أنّ ويلات الحرب ولّدت لديهم نقمة ضدّ فرنسا التي جنّدتهم عنوة أو حشرت بهم في ساحة الوغى دفاعا عن مصالحها مع العلم بأنّ العديد من هؤلاء - شأنه شأن جانب هامّ من سكان البلاد التونسية - كان يميل إلى الدفاع عن المعسكر المقابل الذي تزعّمته ألمانيا وانخرطت فيه تركيا. لذلك تنامت ظاهرة الفرار من الجنديّة معلنة بداية رفع بعضهم السلاح ضدّ فرنسا أو الصدام مع بعض الفئات التونسية التي وقفت إلى جانب فرنسا مثل بعض أفراد الجالية اليهودية. وتعدّدت حالات التمرّد والعصيان مثل العصيان الكبير في جهة بنزرت في خريف 1914 أو تمرّد الكتائب بجهة صفاقس في نفس الفترة، أو انتفاضة الجنوب في خريف 1915 والتي كانت كلّها ردّة فعل ضدّ التجنيد القصري ومحاولة لحماية أبناء العشيرة الفارّين من الجنديّة.
وبعد الحرب عاد الجنود المسرّحون إلى البلاد التونسية ليبثّوا في جهاتهم وعائلاتهم مواقفهم العدائيّة لفرنسا والتي كانوا قد عبّروا عنها من قبل من خلال مراسلاتهم. فتكوّنت حينئذ الأسس الأولى للوعي الوطني في دواخل البلاد وجاءت لتغذّي العمل السياسي الذي قادته حركة الشباب التونسي في المدن قبل اندلاع الحرب والذي أُخمد أثناءها.
وإلى جانب هذا التحوّل الذي أحدثته مساهمة المجنّدين في صلب المجتمع التونسي، حصل حراك آخر تمثّل في هجرة اليد العاملة خلال الحرب، حيث كانت نسبة من الذين وقع تعبئتهم للحرب تشتغل في الفلاحة أو في المصانع الفرنسية.

هجرة التونسيين إلى فرنسا غداة الحرب والآفاق الجديدة:

قدّرت بعض الدراسات عدد العمّال التونسيين في فرنسا أثناء الحرب بـ 30.000 عاملا. ولم تقف هذه الظاهرة إثر انتهاء الحرب بل تزايد عدد هؤلاء العمّال التونسيين الذين ساهموا في إعداد الذروة الإنتاجية للاقتصاد الفرنسي، فأوكلت إليهم أصعب المهام، وكانوا يعملون في ظروف قاسية إضافة إلى تدهور أوضاعهم السكنيّة وسوء التغذية وأشكال العنصريّة التي كانوا يلاقونها من الفرنسيين. لقد كانت وضعيّة هؤلاء العمّال شبيهة بأوضاع المجنّدين: إجبارهم على الخدمة لصالح فرنسا، التعرّف على حقيقة الممارسات العنصرية، واكتشافهم لنمط حياة جديد يمكّنهم من الترقّي إلى أفق أرحب (الحصول على مرتّبات، الاقتصاد الرأسمالي، ثقافة "الحريّة"...).
إجمالا ترسّخ الوعي لدى هؤلاء المجنّدين والعمّال بتضارب مصالحهم وكذلك مصالح بلادهم مع فرنسا وأصبح لديهم هاجس جديد: الحفاظ على هويّتهم والسعي إلى تخليص بلادهم من الهيمنة الاستعمارية.
ولئن اتّسم هؤلاء المجنّدون والعمّال بانتمائهم إلى فئات اجتماعيّة فقيرة وضعيفة الحال فإنّ هجرتهم إلى فرنسا دفعت بعض النخب إلى التفكير في هذا الأفق الجديد وهو ما يفسّر - إلى جانب عوامل أخرى - هجرة بعض الطلبة الذين ينتمون إلى فئات ميسورة أو متوسطة إلى فرنسا ليواصلوا دراساتهم بجامعاتها. ولذلك لاحظت بعض الدراسات المختصّة في هذا الحقل أنّ الاقتحام الفعلي للجامعات الفرنسية من قبل الطلبة التونسيين "بدأ مع مطلع العشرينات ليمتدّ إلى نهاية الثلاثينات". وبذلك تكوّنت نخبة جديدة ستنهل من الثقافة السياسية الفرنسية (العمل الجمعياتي، الأحزاب، الدعاية، العمل السرّي...) لتوظّفها لصالح العمل الوطني. مكّنت الحرب التونسيين من اكتشاف أوروبا فاقتنعوا بضرورة تحويل معركتهم ضدّ فرنسا إلى هذا المجال الخارجي قصد التأثير على الفاعلين السياسيين بها.

النشاط السياسي انطلاقا من أوروبا ومن فرنسا نفسها:

التقت جميع النخب والفئات التونسية المستقرّة في فرنسا لتتّخذ منها قاعدة لنشاطها السياسي الموجّه ضدّ المستعمر ويمكن أن نستدلّ على ذلك بأمثلة عديدة من بينها:

  • الدعاية الإصلاحية بأوروبا: لقد أخمد الاستعمار حركة الشباب التونسي إثر أحداث الجلّاز (1911) والترامواي (1912) ونفى بعض زعمائها (علي باش حانبه بالقسطنطينية) واختار البعض الآخر الهجرة إلى أوروبا مثل محمد باش حانبه الذي استقرّ قبيل الحرب بجنيف ليلتقي بزعماء الحركة الإصلاحية والجامعة الإسلامية ويقوم بالدعاية ضدّ الاستعمار الفرنسي الذي يحلّ في بلدان المغرب، فأصدر مجلّة "المغرب" أثناء الحرب ونشر سنة 1918 كتاب "الشعب الجزائري التونسي وفرنسا" الذي كان موجّها للرأي العام الفرنسي ولذلك أصدره باللغة الفرنسية.
  • الدعاية الوطنية بفرنسا: اعتقد التونسيون أنّ مساندتهم الفعليّة لفرنسا أثناء الحرب وخاصّة عن طريق الزجّ بأبنائهم في ساحة الوغى ستمكّن في الأخيرة من الاعتراف بمطالبهم، واعتقدوا أنّ فرنسا تمثّل خير مجال للتعبير عن هذه المطالب، فكان صدور كتاب "تونس الشهيدة" سنة 1920 في باريس والذي ألّفه عبد العزيز الثعالبي بالتعاون مع المحامي أحمد السقا الذي نقله إلى الفرنسية.
  • محاولات تنظّم الطلبة والعمّال التونسيين بفرنسا في صلة بوطنهم الأصلي: وبقياداته السياسية التي شجّعتهم على التنظّم قصد فضح الضغط على فرنسا بأوجه متعدّدة، فقد حاول عبد العزيز الثعالبي أثناء إقامته بباريس (من جويلية 1919 إلى جوان 1920) السعي إلى تأسيس جمعية الطلبة التونسيين بباريس. ومن جهة أخرى تأسّست في مارس 1926 "جمعية نجم شمال إفريقيا" التي تضمّ أعضاء من البلدان المغاربية الثلاثة، ولم يمنع توجّه هذه الجمعية للعمّال ولكلّ المغاربة من انضمام الطلبة التونسيين إليها، بل تحوّل بعضهم إلى قيادات فاعلة في صلبها مثل الشاذلي خير الله وغيره.
أحدثت الحرب العالمية الأولى حراكا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا جعل التونسيين يدركون طبيعة الهيمنة الفرنسية ممّا أدّى إلى تحوّل في تصوّرات النخبة التي كانت تدعو قبل 1914 إلى سياسة المشاركة، فتجذّرت مواقفها وأصبحت تؤمن بالهويّة التونسيّة التي يخشى ذوبانها تحت تأثير الاستعمار.
انطلقت نار الحرب العالمية لتنير العمل الوطني الذي اختزلت له النخب الجديدة المجال الأوروبي عامّة والمجال الفرنسي خاصّة لأنّ يكون فيه يصنع القرار وأين يكون الفعل السياسي والثقافي.
ولم تكن تلك الواجهة الأوروبية - أو الفرنسية - لتخفي واجهة أخرى لنضال التونسيين ونعني بذلك المجال التونسي حيث ترك حراك آخر أفرز واقعا اجتماعيا وثقافيا جديدا ذي صلة بالحرب وتأثيراتها المباشرة.

IV) الحراك الاجتماعي وتشكّل فئات جديدة في مدينة تونس غداة الحرب

أدخل الاستعمار منذ بدايته تغييرات هيكلية مثل هجرة جاليات أوروبية إلى تونس وإدخال الاقتصاد الرأسمالي وإقحام ثقافة جديدة (الصحافة، المدارس، المسرح...) ونمط حياة حديث. كلّ هذه التغيّرات التي أدخلت في بدايتها اضطرابا في صلب البنى السائدة لم تغيّر من طبيعة المجتمع المحلّي ومؤسساته وثقافته إلا بعد قرابة النصف قرن من التواجد الفرنسي الذي بدأ سنة 1881. وجاءت الحرب العالمية الأولى لتترك هذا التأثير أو توجّهه لكي يتجلّى بصفة واضحة إثر انتهائها.
ولعلّ السلطات الفرنسية شعرت بذلك فحدّدت استراتيجياتها انطلاقا من هذا الحراك الجديد، وتندرج في هذا السياق محاولات التعداد الذي قامت به السلطات الفرنسية انطلاقا من سنة 1921 والذي شمل كلّ السكان، بعد أن اقتصر قبل ذلك على الفرنسيين، ثمّ اتّسع ليشمل بعض الفئات الأوروبية الأخرى كالإيطاليين، ليبيّن ضعف الجالية الفرنسية أمام الجالية الإيطالية التي اعتُبرت بمثابة "الخطر" نظرا لوزنها الديمغرافي. ومنذ تعداد 6 مارس 1921 الذي شمل البلدان المغربية الثلاثة أصبحت هذه العملية تنظّم تقليديا بصفة دورية إثر كلّ خمس سنوات.

تطوّر سكان البلاد التونسية (1921 - 1936)

السنة
التونسيون – نتائج التعداد
التونسيون – التعديلات إثر التعداد
الأوروبيون غير الفرنسيين
الفرنسيون
الإيطاليون
الأجانب المسلمون
بقية الأجانب (المالطيون)
1921
1,875,000
2.000.000
156,115
54,476
84,799
62,843
17,565
1926
1,919,000
2,120,000
173,281
71,000
89,216
67,276
14,266
1931
2,143,000
2,260,000
195,393
91,427
91,178
72,389
13,596



منذ 1921 تشكّل هرم السكّان بالبلاد التونسية ليحافظ على نفس الخصائص التي لن تتغيّر سوى بعد الحرب العالمية الثانية. ولعلّ أهمّ ما يميّز هذه التركيبة هيمنة العنصر المحلّي الذي ازداد مقارنة بسنة 1911 بنسبة 7%. وقد شعر الفرنسيون بضعف وزنهم الديمغرافي مقارنة بالإيطاليين وبالأهالي فانتهجوا أسلوبا جديدا يعتمد تشجيع الفرنسيين على الهجرة إلى تونس واعتمدوا سياسة التجنيس معتبرين أنّ الهيمنة الفرنسية لا يمكن أن تكون بدون تفوّق سكاني. فبعد التشجيع على التجنيس الذي ضبطته قبل الحرب مجرّد أوامر، صدر قانون 20 ديسمبر 1923 ليسهّل إدماج الأوروبيين وبعض المحليّين تحت غطاء الجنسية الفرنسية.
وإلى جانب هذا الحراك الديمغرافي الذي حدّد تركيبة البلاد السكّانية مع مطلع العشرينات فإنّه يلاحظ حصول حراك اجتماعي تمثّل في تشكّل فئات اجتماعية جديدة إثر الحرب. فكما أسلفنا كثّفت السلطات الفرنسية استغلالها لثروات البلاد أثناء الحرب وبعدها فاعتمدت من جديد سياسة الاستحواذ العقاري التي مكّنت من افتكاك أراضي جديدة وضعتها على ذمّة المعمّرين، وسنّت قانون الثلث المستعمري وأدّى جميع ذلك إلى تفقير فئات عديدة من الأهالي. فبرزت ظواهر جديدة مثل النزوح إلى المدن، أو ظاهرة العملة الفلاحيين دون أن ننسى لجوء البعض الآخر للعمل في المناجم. وقد انجرّ عن هذه التحوّلات الهيكلية بروز طبقة عمّالية مهمّشة استقرّت في مناطق المناجم التي شغّلت أيضا جاليات أخرى كالطرابلسية والمغاربة والقبائلية.
أدركت هذه الطبقة استغلال الرأسمال الاستعماري لطاقاتها الإنتاجية فانخرطت في النقابات الفرنسية ولكنّها شعرت أيضا بانتمائها إلى الوطن فسعت إلى الدفاع عن هويّتها إلى جانب الدفاع عن مصالحها المادية ولذلك برز كتاب الطاهر الحدّاد "العمّال التونسيون" وظهرت أوّل نقابة تونسية وهي "جامعة عموم العملة التونسية" والتي أسّسها محمد علي الحامي في 1 نوفمبر 1924 بعد سلسلة من الإضرابات ابتدأت من بنزرت لتشمل مناجم الجنوب الغربي.
وقد كوّنت هذه الفئة العمّالية مع النخبة المثقّفة والنخب الاقتصادية التونسية التي ذكرناها سالفا أساسا للمجتمع التونسي الجديد الذي بدأت ملامحه تبرز منذ أوائل العشرينات والذي تشكّل بصفة واضحة في مدينة تونس. كانت قاعدة هذه التركيبة الاجتماعية الجديدة مدينة تونس التي تضخّم دورها إذ كانت بمثابة قلب الرّحى للإدارة الاستعمارية، حيث تعاظم دورها منذ أن أصبحت نقطة الالتقاء لشبكة حديدية بناؤها قبيل الحرب، وعاضدتها فيما بعد شبكة الطرقات التي أنجزت خلال العشرينات. فأصبحت بذلك منطقة عبور للبضائع وللمهاجرين من داخل البلاد ومن خارجها.
كما أنّ مدينة تونس اتّسع مجالها بسبب حركة الوافدين إليها من الأوروبيين القادمين من الخارج والمحلّيين النازحين إليها بغية الاستقرار، فبرزت ظاهرة الضواحي الشمالية والجنوبية وامتدّ نسيجها، وبعثت خلال العشرينات شركات وتعاونيات قامت بإنجاز أحياء أوروبية جديدة (ميتيال فيل، سان جرمان، بوست...). وإلى جانب ذلك نشأت أحياء ضمّت الفقراء والنازحين والمهمشين مثل "الملاسين" و"الجبل الأحمر" و"إكاكي" التي خصّصت لقدماء المحاربين من الأهالي.
شهدت مدينة تونس منذ نهاية الحرب ظاهرة "تعاظم الرأس" وسكنتها جاليات مختلفة لكلّ منها مدينتها وأحياؤها ومدارسها وثقافتها، وحصل نوع من التثاقف بين كلّ هذه الفئات والأجناس التي استفادت من ثقافة الآخر، وهو ما يفسّر ظهور أوّل فيلم تونسي سنة 1922 بعنوان "عين غزال" أنتجه ألبير شمامة وتُرجم إلى الفرنسية سنة 1924 تحت عنوان "La Fille de Carthage". ومنذ ذلك الوقت وظّف التونسيون السينما للدفاع عن واقعهم ومأساتهم مستفيدين في ذلك من استعمال الصحافة بما في ذلك الصحافة الهزلية، كما استعملوا الأدب والشعر لتصوير واقعهم ومواقفهم. وقد برزت "جماعة تحت السور" التي كان علي الدعاجي أحد روّادها، وظهر صراع فكري بين "القديم" و"الحديث" تجلّى بصفة خاصّة في كتاب الطاهر الحدّاد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". ولعلّ من أهمّ نتائج الحراك الاجتماعي والثقافي الذي كان مجاله مدينة تونس بروز الفرد كفاعل أساسي. فقد تخلّص عمّال المناجم والطلبة الوافدين إليها من هيمنة القبيلة وأصبح البعض يتقاضى مرتّبا - وإن كان ضعيفا - ممّا زاد في شعوره بالحريّة والمسؤوليّة.
كما أنّ تآكل الهياكل الاقتصادية التقليدية داخل مدينة تونس التي كانت تضمّ عائلات كبيرة دفع بعض أفرادها للاشتغال في الوظيفة أو في بعض المهن الحرّة ممّا أدّى إلى تفكّك هذه العائلات الكبيرة وبروز العائلة النوويّة. فتغيّرت حينئذ البنية الاجتماعية داخل مدينة تونس التي أصبحت تضمّ - إلى جانب المتفوّقين الأوروبيين وبعض العائلات المحلّية التقليدية - قاعدة عريضة من النازحين والعمّال والمهمشين وبعض الطلبة والمثقفين الذين وحّدت بينهم ظروف الحياة الصعبة فأصبحوا يكوّنون فئة جديدة هي فئة "الشعب" التي تشكّلت في العشرينات لتتّسع قاعدتها شيئا فشيئا خلال الفترات اللاحقة، وأصبحت هذه الفئة الجديدة قائمة الذات وعبّر عن طموحاتها أبو القاسم الشابي بقصيدته "إرادة الحياة" والتي اشتهرت بمطلعها:
"إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر"
أصبحت هذه الفئة الجديدة فاعلة أكثر من غيرها فجلبت إليها النخب الاقتصادية المحلّية الجديدة التي أفرزتها محاولات الاقتصاد الوطني ثمّ ضمّت إليها فيما بعد بعض الفئات النقابية، وأدّى انصهار هذه الفئات في بوتقة فئة "الشعب" إلى بروز العمل الوطني بمختلف تشكيلاته التي نشأت بعد انتهاء الحرب، وانجرّ عنها ميلاد الحزب الحر الدستوري التونسي في 22 جوان 1922.

خاتمة

تشكّلت الوطنية التونسية في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في بداية العشرينات. وهي الفترة التي برز خلالها رأي عام تونسي و"قضية تونسية" أصبح الجميع يدافع ويستميت من أجلها.
سعت الحركة الإصلاحية التونسية منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى التصدّي للمشروع الاستعماري لكنّها فشلت في ذلك، وإثر غزو البلاد التونسية حاولت القبائل والنخب مقاومة الهيمنة الاستعمارية بشتى الوسائل، لكن دون جدوى. وتمخّض عن الحرب العالمية الأولى واقع جديد مكّن من اكتمال المشروع الوطني التونسي بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وكان من تبعات هذا الواقع نشأة الحزب الحر الدستوري، ومن هنا يبدو أنّ البناء اكتمل في العشرينات.
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى