الدعم الإداري

القضيانية

الشرق

عضو
إنضم
7 فبراير 2025
المشاركات
1,907
التفاعل
3,592 159 0
الدولة
Egypt
القضيانية

القضيانية ليست مذهبًا فقهيًا، ولا تيارًا سياسيًا عابرًا، بل حالة فكرية هجينة تمزج بين السياسة والدين حتى تخلق دينًا موازيًا داخل الدين نفسه. هي فكرة تبدأ بقضية عادلة، ثم تنتهي بتحويل هذه القضية إلى معيار إيمان وكفر، وميزان نجاة وهلاك، حتى تصبح “القضية” عند بعض أتباعها ركنًا سادسًا غير معلن، يتقدم أحيانًا على التوحيد ذاته. في هذا التصور، قد يُمنح غير المسلم منزلة أعلى من المسلم فقط لأنه يتبنى الموقف السياسي الذي يوافقههم ، بينما يُطعن في دين المسلم أو يُخرج من دائرة الأمة لأنه خالفهم في موقف سياسي أو قراءة معينة للصراع.

جوهر الإشكال هنا أن هذا الفكر يعيد ترتيب أولويات الدين بطريقة خطيرة. فالإسلام بُعث بالتوحيد أولًا، والرسول صلى الله عليه وسلم عاش ومات وبيت المقدس تحت الاحتلال، ومع ذلك لم تتحول القضية السياسية إلى مركز العقيدة ولا إلى معيار النجاة. ترك النبي مكة مهاجرًا حفاظًا على العقيدة لا على الأرض، وبقيت الأولوية لترسيخ الإيمان وبناء الإنسان والمجتمع. أما القضيانية فتجعل الصراع السياسي هو المحور الذي تدور حوله الهوية الدينية كلها.

ومن أخطر ما في هذا الفكر أنه يصنع ثقافة تمجيد الموت وازدراء الحياة. فالإنسان عندهم ما دام يقاتل أو يُقتل فهو محل تمجيد، لكن بمجرد أن يفكر في إعادة البناء أو الاستقرار أو تحسين الاقتصاد أو البحث عن مصالح شعبه يصبح “مطبّعًا” أو “صهيونيًا”. ويتجلى هذا التناقض بوضوح في الحالة السورية؛ فحين كان السوري يُقتل ويعيش وسط الحرب والدمار كان يُقدَّم عند أصحاب هذا الفكر بوصفه رمزًا للصمود والكرامة، لكن عندما بدأ جزء من السوريين يفكر في إعادة البناء، واستعادة حياتهم الطبيعية، والبحث عن الاستقرار والمصالح الاقتصادية، انقلب الخطاب عليهم، وأصبحوا متهمين بالخيانة أو “الانبطاح” أو حتى “الصهينة”. وكأن الإنسان لا يُقبل إلا ضحية أو مقاتلًا، أما إذا أراد أن يعيش ويعمر ويبني وطنه فإنه يفقد قيمته الرمزية لديهم. هذه النظرة لا تقدّس الإنسان بقدر ما تقدّس حالة الصراع نفسها، حتى تصبح الحرب غاية مستمرة لا وسيلة اضطرارية. وهذا كله يتناقض مع روح الإسلام الذي جعل النفس البشرية عظيمة الحرمة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: “قَتْلُ المؤمنِ أعظمُ عند اللهِ من زوالِ الدنيا”. لكن القضيانية تنقل الإنسان من تقديس الحياة إلى تقديس الفناء.

ثم يتوسع هذا الفكر حتى لا يكتفي باعتبار القدس محتلة، بل يصل ببعض رموزه إلى اعتبار مكة والمدينة أيضًا “محتلتين”، فقط لأن الأنظمة السياسية القائمة لا تتوافق مع رؤيتهم. ومن هنا خرجت حملات وفتاوى تدعو إلى مقاطعة الحج والعمرة أو التشكيك في مشروعيتها السياسية، وكأن أقدس شعائر الإسلام أصبحت رهينة لموقف أيديولوجي.

كما أن لهذا الفكر “ثوابت” خاصة به تُعامل وكأنها مسلمات دينية، مثل المقاطعة الاقتصادية المطلقة. حتى وصل الأمر إلى تصوير أشخاص عادوا من العمرة ثم تناولوا الطعام في مطعم ضمن قوائم المقاطعة، فقيل إنهم “أحبطوا عملهم”، في لغة تشبه أحكام سقوط الأعمال والذنوب الكبرى، لا مجرد نقاش استهلاكي أو سياسي. هنا تتحول الخيارات اليومية إلى اختبارات عقائدية، ويتحول الاختلاف السياسي إلى إثم أخلاقي وديني.

ومن ثوابته أيضًا تقديس جماعات بعينها، وعلى رأسها حركة حماس، بحيث يصبح دعمها واجبًا مطلقًا مهما ارتكبت من أخطاء أو كوارث أو حسابات خاطئة. النقد ممنوع، والمراجعة خيانة، والخطايا مغفورة لأن “القضية” تعلو فوق كل شيء. ومع الوقت تتشكل حصانة نفسية وفكرية تجعل أتباع هذا التيار فوق النقد، وكأنهم طبقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها.

ولأن هذا الفكر قائم على العاطفة أكثر من الحقائق، فهو مستعد لتغيير رواياته باستمرار طالما أنها تخدم هدفه الدعائي. فمرة يظهر مصطلح “طريق القدس”، ثم يتحول إلى “الجسر البري”، وتبدأ الاتهامات المتنقلة لدول مختلفة بحسب الحاجة السياسية. مرة يبدأ الجسر من الإمارات، ومرة من البحرين، ويمر بالسعودية أو الأردن ويمكن أن يضيفوا حتى سوريا ولبنان. الفكرة ليست البحث عن الحقيقة بقدر ما هي صناعة سردية مستمرة للطعن في الدول التي اختارت الاستقرار والتنمية والبحث عن مصالح شعوبها.

وهنا يجب التفريق بوضوح بين القضية الفلسطينية نفسها وبين القضيانية. فالقضية الفلسطينية قضية حق وعدالة وإنسان وأرض، ودعمها لا يعني بالضرورة تبني هذا الفكر المؤدلج. الاعتراض ليس على فلسطين، بل على تحويلها إلى أداة لإعادة تشكيل الدين والوعي والولاءات. فالتاريخ الإسلامي والمسيحي مليء بأمثلة خلافات سياسية بدأت كشعارات عادلة، ثم تحولت مع الزمن إلى طوائف ومذاهب مغلقة، وبعضها انتهى كدين منفصل بالكامل عن جذوره الأولى. ولهذا فإن من يتبنى هذا الفكر يحتاج إلى مراجعة صادقة: هل ما يدافع عنه هو حق وعدل فعلًا، أم أنه انزلق دون أن يشعر إلى أيديولوجيا تجعل السياسة دينًا، وتجعل القضية فوق الإنسان والدين والحياة نفسها؟
 
ليس هناك مصدر متكامل بل هي مشاهدات مختلفة على مدار العدة سنوات السابقة واساسًا هو دراسة للوضع مني كيف يكون لها مصدر
 
عودة
أعلى