الدعم الإداري

السعودية تصنع نموذجها الخاص في السيادة الرقمية

رابح2012

عضو مميز
إنضم
23 نوفمبر 2020
المشاركات
3,314
التفاعل
8,170 775 0
الدولة
Saudi Arabia

السعودية تصنع نموذجها الخاص في السيادة الرقمية​

شركات عالمية لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تجمع بين الانفتاح التقني والسيطرة على البيانات

1778925119796.png

في عالم تتداخل فيه الحدود الرقمية وتتصاعد فيه المنافسة بين الدول على امتلاك البيانات وتعزيز القدرات التقنية، اختارت السعودية أن ترسم مسارها الرقمي الخاص برؤية استراتيجية طموحة، فأطلقت منظومة متكاملة من السياسات والاستثمارات والشراكات النوعية، لتتحول إلى نموذج عالمي في التحول الرقمي، وتتصدر مؤشر الجاهزية الرقمية العالمي لعام 2025 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات بدرجة بلغت 94 من 100.

غير أن الأهم من الرقم ذاته، هو ما يكشفه عن تحوّل عميق في طريقة تفكير السعودية في السيادة الرقمية؛ فهي لم تعد مجرد درع واقية للبيانات؛ بل أصبحت محركاً حقيقياً للنمو الاقتصادي وأداة لصناعة المستقبل.

لفهم هذا التحول، لا بد من إعادة تعريف المفهوم ذاته. يرى أيمن الراشد، نائب الرئيس الإقليمي لشركة «آي بي إم» في السعودية، أن ثمة خطأً شائعاً في النظر إلى السيادة الرقمية باعتبارها مسألة تقنية تتعلق بمكان تخزين البيانات. «من المهم النظر إلى السيادة الرقمية بوصفها قدرة تشغيلية متكاملة»، يقول الراشد لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنها تشمل قدرة المؤسسات على التحكم في بياناتها وحوكمتها وتشغيل أنظمتها الرقمية ونتائجها بثقة واستمرارية على المدى الطويل.

هذا التعريف الموسع يمنح السيادة الرقمية أبعاداً أعمق بكثير مما يبدو عليه في ظاهره؛ فهي ليست جداراً يحول دون خروج البيانات، بل هي نظام حوكمة متكامل يضمن المساءلة وضوابط الوصول والرقابة وقابلية التدقيق، بما يحافظ على موثوقية الأنظمة الرقمية وقدرتها على التوسع بأمان وامتثال.

من جهته، يؤكد نائب الرئيس لمنطقة السعودية ومصر وشمال أفريقيا وبلاد الشام في «ديل تكنولوجيز»، محمد طلعت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا النهج ترجمته المملكة إلى واقع ملموس من خلال أطر تنظيمية واضحة، في مقدمتها نظام حماية البيانات الشخصية، الذي أسهم في خلق بيئة تعزز التوسع العالمي مع ضمان السيطرة الصارمة على البيانات. فضلاً عن ذلك، عملت المملكة على تعزيز جاذبيتها للشركات التقنية الدولية عبر المناطق الاقتصادية والحوافز الضريبية والشراكات مع مزودي الخدمات السحابية.

1778925172256.png


كيف ازدهرت التقنية المالية؟

لعل قطاع التقنية المالية يمثل النموذج الأوضح على الدور التحويلي للسيادة الرقمية في الاقتصاد السعودي. فقد شهد هذا القطاع تضاعفاً لافتاً خلال السنوات القليلة الماضية، ويرى الراشد أن السيادة الرقمية كانت أحد العوامل الجوهرية التي مهدت لهذا النمو.

الآلية التي يصفها واضحة: حين أصبح من الممكن معالجة البيانات المالية الحساسة وتخزينها داخل المملكة ووفق الأطر التنظيمية المحلية، ارتفعت ثقة المستثمرين والبنوك وشركات التأمين والعملاء النهائيين في التعامل مع حلول التقنية المالية. وبالتالي، فإن السيادة الرقمية أزالت أحد أكبر العوائق التي كانت تثبط نمو هذا القطاع، وهو القلق المتعلق بمكان وجود البيانات الحساسة ومن يتحكم فيها.

والأهم أن هذا لم يأتِ على حساب الابتكار؛ فقد قدمت «آي بي إم» حلولاً سحابية سيادية وهجينة تتيح للمؤسسات المالية الاحتفاظ بالبيانات الحساسة محلياً، مع الاستفادة في الوقت نفسه من قدرات السحابة المتقدمة. هذا النموذج مكّن شركات التقنية المالية من تحقيق توازن عملي بين سرعة الابتكار والامتثال الصارم للأنظمة دون التضحية بأي منهما.

من الامتثال إلى التوسع

السيادة الرقمية لم تنفع المؤسسات الكبرى وحدها؛ بل أسهمت أيضاً في تغيير قواعد اللعبة لصالح الشركات الناشئة السعودية. ويوضح الراشد أن تخزين البيانات ومعالجتها داخل المملكة ضمن أطر تنظيمية واضحة مكّنا هذه الشركات من الانطلاق والنمو، وهي متوافقة مع الأنظمة منذ اليوم الأول.

غير أن الأثر الاقتصادي يتجاوز مجرد تبسيط الامتثال؛ فالسيادة الرقمية عزّزت ثقة العملاء والشركاء في الحلول المحلية، وانعكس ذلك اقتصادياً في تسريع تبني المنتجات الرقمية، وزيادة فرص التوسع في قاعدة العملاء، وتحسين القدرة على جذب الاستثمارات، وبناء شراكات مع مؤسسات كبرى، إلى جانب تعزيز فرص تحقيق إيرادات مبكرة.

ويبيّن الراشد أن أبعد تأثيرات السيادة الرقمية مدىً، يتمثّل في تحسين جاهزية الشركات الناشئة للتوسع الإقليمي؛ فبناء الحلول الرقمية وفق معايير سيادية قوية داخل المملكة، منح الشركات السعودية ميزة تنافسية واضحة، لا سيما مع تقارب السياسات التنظيمية في عدد من أسواق المنطقة، ما يعني أن ما بنته هذه الشركات محلياً أصبح قابلاً للتصدير والتوسع.

معادلة التوازن

أحد أكثر التساؤلات تعقيداً في هذا الملف هو كيف نجحت المملكة في استقطاب كبرى شركات التقنية العالمية للاستثمار محلياً، دون أن تتنازل عن سيادتها على البيانات الوطنية. ويرى طلعت أن المملكة نجحت في تحقيق توازن دقيق من خلال منح الشركات الدولية بيئة تنظيمية واضحة وحوافز جذابة، في مقابل ضمانات صارمة تكفل بقاء البيانات الحساسة تحت السيطرة الوطنية.

وتجلّت هذه الفلسفة عملياً، بحسب طلعت، في تطوير بنية تحتية محلية وآمنة تدعم أجندات الذكاء الاصطناعي الوطنية. ومن الأمثلة الدالة، افتتاح «ديل تكنولوجيز» عام 2024 مركزاً جديداً للدمج والتوزيع في الدمام، في إطار استثمار بملايين الدولارات لتعزيز العمليات المحلية ومرونة سلسلة التوريد، وهو ما يعكس نموذجاً تصبح فيه الشركات الدولية شريكة في بناء السيادة لا تهديداً لها.

مركز رقمي إقليمي

ماذا ستبدو عليه هذه المنظومة بحلول عام 2030؟ يرسم طلعت صورة طموحة: اقتصاد رقمي سيادي يُتوقع أن يكون الأكبر في الشرق الأوسط، مع مساهمة متوقعة للذكاء الاصطناعي وحده بمبلغ 135 مليار دولار في الاقتصاد، مدعوماً بسعة مراكز بيانات محلية تزيد عن 1.5 غيغاواط. وتسعى المملكة إلى ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للحوسبة السحابية وابتكار الذكاء الاصطناعي وتصنيع التكنولوجيا المستدامة، مدعومة بمدن ذكية متكاملة وأنظمة بيانات سيادية وآمنة.

أما الراشد فيرى أن المملكة تمتلك فرصة حقيقية لتجاوز الدور المحلي نحو الإسهام في تشكيل نماذج رقمية سيادية عالمية، عبر منظومة متنامية من الشراكات المحلية والإقليمية والدولية، وهو توجه يعكس انتقالاً من موقع المستورد للتقنية إلى موقع المُصدِّر للنماذج والمعايير.

بيد أن كلاهما يُقرّ بأن تحقيق هذه الرؤية يتطلب مواجهة تحدٍّ محوري؛ وهو سد فجوات المهارات البشرية. فالبنية التحتية المتقدمة ضرورة لكنها ليست كافية؛ إذ يستلزم الأمر استثماراً متوازياً وعميقاً في تطوير الكوادر السعودية القادرة على إدارة هذا المستقبل الرقمي وقيادته.

وفي نهاية المطاف، تكشف تجربة السعودية أن السيادة الرقمية ليست خياراً دفاعياً يهدف إلى عزل البيانات عن العالم؛ بل هي استراتيجية تمنح الدول والشركات القدرة على الانخراط في منظومة الابتكار العالمية من موقع القوة، لا من موقع التبعية.

 
السوق يرتفع ٢٥% سنوي الثلاث الكبار تزيد ارباحهم بسبب هذا لكن نسبهم تنقص لكن لازال عندهم ٣/٤ السوق

الفلوس كلها هنا
 

«سيمنس السعودية» لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تعيد صياغة نموذج اقتصاد المستقبل الرقمي​

رئيسها التنفيذي: تحديث الشبكات وبناء الكفاءات أبرز تحديات التنفيذ في السعودية

1783420443763.png

ينتقل استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي من المشروعات التجريبية إلى التشغيل الفعلي في المباني والمصانع والشبكات (شاترستوك)

تدخل البنية التحتية في الشرق الأوسط مرحلة لا تقتصر على بناء المزيد من الأصول، بل تقوم على جعل شبكات الطاقة والمصانع والمباني ومراكز البيانات أكثر ذكاءً وكفاءة وقدرة على مواجهة الاضطرابات. ويظهر تقرير جديد صادر عن «سيمنس» أن مؤسسات المنطقة تتقدم على المتوسط العالمي في وضع أهداف خفض الانبعاثات، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي، والاستثمار في الشبكات الذكية.

لكن هذا التقدم لا يلغي فجوات التنفيذ، حيث إن الأهداف المعلنة تحتاج إلى خطط ممولة، وأطر قياس موحدة، وأنظمة بيانات مترابطة، وشبكات كهرباء قادرة على استيعاب الأحمال الجديدة، إضافة إلى كفاءات بشرية تستطيع تشغيل أصول تعتمد بصورة متزايدة على البرمجيات.

ويستند تقرير «تمكين التحول: كيف يعيد جيل جديد من أصول البنية التحتية رسم ملامح الشرق الأوسط» إلى استطلاع شمل 400 من كبار التنفيذيين، إلى جانب مقابلات معمقة مع قادة وخبراء في المنطقة. وأفاد 70 في المائة من المؤسسات بأنها وضعت أهدافاً مباشرة وغير مباشرة لخفض الانبعاثات، مقارنة بـ58 في المائة عالمياً، فيما يتوقع 62 في المائة أن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عمليات البنية التحتية خلال السنوات الثلاث المقبلة.

1783420513617.png

أحمد هوساوي الرئيس التنفيذي لشركة «سيمنس السعودية» (سيمنس)


خفض الانبعاثات يتصدر الأولويات​

لا يظهر تقدم المنطقة في عدد الأهداف المعلنة فحسب، بل في موقعها داخل أولويات المؤسسات. فقد أصبح خفض الانبعاثات الناتجة عن العمليات التشغيلية الأساسية الأولوية الأولى للمؤسسات في الشرق الأوسط، بينما يأتي هذا الملف في المرتبة السابعة عالمياً.

وفي لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، قال أحمد هوساوي الرئيس التنفيذي لشركة «سيمنس السعودية»، إن نتائج التقرير تعكس تحولاً تقوده رؤية واضحة وتتقدم بوتيرة مدروسة، مشيراً إلى أن 66 في المائة من التنفيذيين في المنطقة يطالبون بتسريع تحول قطاع الطاقة. وأضاف أن الأهم «لا يكمن في وجود هذه الأهداف فحسب، بل في ترتيب الأولويات نفسها»، إذ نجحت القيادات في المنطقة في ربط تحديث القطاع الصناعي بصورة مباشرة بتعزيز التنافسية الوطنية على المدى الطويل.

ويشير التقرير كذلك إلى أن 68 في المائة من المشاركين ينظرون إلى الرقمنة باعتبارها عاملاً أساسياً لتمكين تحول البنية التحتية، فيما أفادت 65 في المائة من الشركات بأنها تعمل بصورة وثيقة مع الجهات الحكومية في سياسات أنظمة الطاقة، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 59 في المائة.

بدوره، ذكر هاكان أوزديمير، الرئيس التنفيذي لشركة «سيمنس» للبنية التحتية الذكية في الشرق الأوسط و«سيمنس قطر»، أن تطور البنية التحتية يجعلها محركاً للتنافسية والمرونة والنمو المستدام، موضحاً أن النجاح سيعتمد على ربط البيانات والذكاء والبنية التحتية المادية على نطاق واسع.

1783420605395.png

يتقدم الشرق الأوسط على المتوسط العالمي في وضع أهداف خفض الانبعاثات وتسريع تحول البنية التحتية (شاترستوك)

فجوة بين الهدف وآليات التنفيذ​

رغم أن 70 في المائة من المؤسسات وضعت أهدافاً لخفض الانبعاثات، فإن نسبة من لديها مسارات واضحة لتحقيقها تبلغ نحو 61 في المائة، بينما تستخدم أقل من نصف المؤسسات أطر قياس موحدة تستند إلى أسس علمية. وأفادت نسبة مماثلة بأنها تتمتع بوصول سلس إلى التمويل المخصص لتحول البنية التحتية. وصرح هوساوي: «من السهل الإعلان عن هدف، لكن العمل الحقيقي يبدأ عند بناء المنظومة الهندسية والمالية القادرة على تحويله إلى واقع».

وتبرز هذه الفجوة الحاجة إلى أنظمة رقمية تستطيع قياس استهلاك الطاقة والانبعاثات بصورة مستمرة، وربط البيانات التشغيلية بالقرارات المالية والهندسية، بدلاً من الاكتفاء بأهداف بعيدة المدى يصعب التحقق من التقدم نحوها.

وأعد هوساوي أن «الاستراتيجية التي تفتقر إلى آليات قياس وتحقق آنية تظل معرضة لأن تبقى مجرد طموح»، مشيراً إلى أن الشفافية الرقمية أصبحت أساساً للتشغيل وليست ميزة إضافية.

كما يتطلب تحويل الالتزامات الكربونية إلى نتائج قابلة للقياس بنية رقمية تتابع استهلاك كل أصل، وتحدد فرص خفض الهدر، وتؤتمت جوانب من الكفاءة، وتوفر معلومات يمكن استخدامها في التحقق والمحاسبة.

1783420678673.png

تحتاج شبكات الكهرباء إلى برمجيات أكثر ذكاءً لاستيعاب الطاقة المتجددة (غيتي)


من التجارب إلى التوسع​

تظهر نتائج التقرير أن استخدام التقنيات الرقمية في المنطقة بدأ يتجاوز مرحلة التجارب المحدودة. فأكثر من نصف قادة البنية التحتية المشاركين يستخدمون بالفعل الذكاء الاصطناعي الصناعي لإدارة العمليات أو يطبقون تقنيات المباني المستقلة بدعم من ميزانيات رأسمالية. كما اعتبرت 56 في المائة من المؤسسات أنها مستعدة لتطبيق أنظمة مستقلة في المباني، فيما تخطط 57 في المائة لضخ استثمارات كبيرة في هذا المجال خلال العام المقبل.

ولفت هوساوي أن المنطقة تشهد «تحولاً حاسماً من مرحلة إثبات المفهوم والمشروعات التجريبية الاستكشافية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على نطاق واسع». لكن التوسع يضع الأنظمة القديمة تحت ضغط أكبر. فعندما تنتقل المؤسسة من تجربة محدودة إلى تشغيل التقنية عبر مواقع وأصول متعددة، تظهر مشكلات فصل البيانات، وصعوبة ربط المعدات القديمة بالمنصات الحديثة، وتعدد الأنظمة التي لا تتبادل المعلومات بسهولة. وأفاد 69 في المائة من المشاركين بأن مؤسساتهم تحتاج إلى حلول أكثر تطوراً لتسريع تكامل البيانات، فيما تخطط النسبة نفسها تقريباً لزيادة الإنفاق على تقنيات التكامل. وبرأي هوساوي «التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الرؤية أو محدودية رأس المال، بل في التعقيد التشغيلي الناتج عن الأنظمة القديمة المنعزلة».

تقليل مخاطر الاعتماد المركزي​

يزيد ترابط أصول البنية التحتية من قدرتها على تبادل البيانات والعمل بصورة منسقة، لكنه يثير في المقابل مخاطر جديدة إذا اعتمدت عدة قطاعات على المنصة نفسها، أو مصادر البيانات ذاتها، أو مجموعة محدودة من نماذج الذكاء الاصطناعي.

وقال هوساوي إن مخاطر التركّز تمثل مصدر قلق مشروع، وإن الحد منها يتطلب «أنظمة مفتوحة، وتصميماً معيارياً قابلاً للفصل، وتوزيعاً جغرافياً يعزز المرونة». ويعني ذلك ألا تصبح البنية التحتية مترابطة إلى درجة يؤدي فيها تعطل منصة واحدة إلى تعطيل شبكة من المباني والمصانع وأنظمة الطاقة في وقت واحد. لذلك تحتاج الأصول إلى القدرة على الانفصال والعمل بصورة مستقلة عند الضرورة، مع الحفاظ على التشغيل البيني خلال الظروف الطبيعية.

وأشار هوساوي إلى منصة «سيمنس إكسيليريتور» بوصفها نموذجاً لهذه المقاربة، إذ تقوم على منظومة رقمية مفتوحة تتيح تكامل المباني الذكية والمصانع والشبكات، مع الحفاظ على قدرة كل نظام على العمل بصورة مستقلة عند الحاجة. وقال إن مؤسسات المنطقة «لا تركز اليوم على بناء المزيد من البنية التحتية فحسب، بل على إعادة تصميمها لتكون أكثر قدرة على الصمود والعمل بكفاءة تحت مختلف الظروف».

1783420790903.png

تبقى فجوات القياس والتمويل وتكامل البيانات من أبرز العوائق أمام تحويل الأهداف إلى نتائج ملموسة (شاترستوك)

نمو الكهرباء يختبر الالتزامات المناخية​

يتزامن تحول البنية التحتية مع نمو كبير في الطلب على الكهرباء. فبحسب البيانات، تضاعف الطلب في الشرق الأوسط ثلاث مرات منذ مطلع القرن، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة 50 في المائة إضافية خلال العقد المقبل. يأتي هذا النمو مدفوعاً بالتوسع الصناعي والعمراني، والطلب على التبريد وتحلية المياه، وانتشار المركبات الكهربائية، وبناء مراكز البيانات اللازمة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وأشار هوساوي إلى أن الاقتصادات لا يمكن مطالبتها بإبطاء نموها من أجل تحقيق أهداف الاستدامة، ولذلك يتمثل التحدي في جعل البنية التحتية أكثر ذكاءً، بما يسمح بتحقيق أداء أعلى باستخدام موارد أقل.

وتظهر مراكز البيانات هذه المعادلة بوضوح باعتبارها تضيف طلباً كبيراً على الكهرباء، كما تستهلك أنظمة التبريد فيها نسبة مهمة من الطاقة.

ووفق هوساوي، يمكن لدمج الذكاء الاصطناعي الصناعي في تصميم المنشآت منذ مراحلها الأولى أن يخفض استهلاك الطاقة المخصصة للتبريد بنسبة تصل إلى 30 في المائة. ويوضح أن «المؤسسات الأكثر نجاحاً ستكون تلك التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي ليس بوصفه محركاً إضافياً للطلب على الطاقة فحسب، بل باعتباره الأداة التي تجعل منظومة الطاقة بأكملها أكثر كفاءة ومرونة». كما تشير نتائج التقرير إلى أن 61 في المائة من قادة المنطقة يرون أن الذكاء الاصطناعي الصناعي يسهم بالفعل في تعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية.

الشبكات القديمة تواجه تدفقات جديدة​

يُعد تحديث شبكات الكهرباء أحد المحاور الأساسية لتحول الطاقة، إذ قال 64 في المائة من المشاركين إن الشبكات الذكية وبرمجيات إدارة الشبكات تمثل عوامل تمكين رئيسية للطاقة النظيفة.

وصُممت شبكات الكهرباء التقليدية لتعمل في اتجاه واحد، من محطات توليد مركزية إلى مستهلكين نهائيين. أما اليوم، فعليها استيعاب تدفقات متغيرة ومتعددة الاتجاهات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب الأحمال الجديدة الناتجة عن المركبات الكهربائية والمصانع المؤتمتة ومراكز البيانات. وأفاد 62 في المائة من التنفيذيين بأن قيود الشبكات تعرقل بالفعل التوسع في كهربة القطاع الصناعي.

وشدد هوساوي على أن الاعتماد على التوسع المادي وحده لن يكون كافياً، نظراً إلى التكلفة والمدة الزمنية اللازمتين لإنشاء محطات وخطوط نقل جديدة. وتابع: «الحل لا يكمن في بناء شبكة أكبر فحسب، بل في بناء شبكة أكثر ذكاءً وكفاءة». وتستطيع منصات البرمجيات الصناعية التنبؤ بالأحمال قبل بلوغها مستويات حرجة، وإدارة مرونة الطلب، وتحسين موازنة العرض والطلب في الوقت الفعلي.

وبحسب هوساوي، يمكن لهذه التقنيات رفع القدرة الاستيعابية للشبكات القائمة بنسبة تصل إلى 20 في المائة، من دون الاعتماد الكامل على توسعات مادية تستغرق سنوات. كما تسهم مشروعات الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون الخليجي والربط العابر للحدود مع مصر في تعزيز مرونة الإمدادات وتبادل الطاقة خلال فترات الضغط أو الاضطراب. ونوه هوساوي إلى مراكز التحكم الرقمية في مناطق مختلفة من السعودية، التي تمنح المشغلين رؤية فورية لأداء الشبكة، وتدعم إدارة الطلب خلال فترات الذروة الاستثنائية، مثل موسم الحج.

1783420855764.png

تواجه السعودية تحديين رئيسيين هما تحديث الشبكات وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة الأصول الرقمية المعقدة (شاترستوك)

الإنسان يبقى داخل دائرة القرار​

رغم توسع الذكاء الاصطناعي والأتمتة، لا يتوقع هوساوي أن تعمل البنية التحتية الحيوية بصورة مستقلة تماماً في المستقبل القريب. ويرى أن شبكات الكهرباء والمياه والنقل لا يمكن التعامل معها «كما لو كانت تطبيقات برمجية لا تزال في مرحلة الاختبار»، لأن الأخطاء في هذه الأنظمة قد تؤثر في السلامة العامة واستمرارية الخدمات والإنتاج الصناعي. ويتمثل النموذج الأقرب في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل مليارات نقاط البيانات، واكتشاف الأنماط، والتنبؤ بالأعطال، وتقديم توصيات فورية، بينما تبقى القرارات المصيرية خاضعة لإشراف المشغلين والخبراء. وأضاف: «ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه معززاً لقدرات الإنسان، لا بديلاً عنه». ويسمح هذا النموذج باستخدام التقنية في الصيانة التنبؤية وتحسين العمليات وإدارة الأحمال، مع احتفاظ العنصر البشري بالسيطرة النهائية عند اتخاذ قرارات تمس سلامة الأصول أو استمرارية الخدمات.

الترابط الرقمي يوسع سطح الهجمات​

يؤدي ربط المصانع والمباني والشبكات بالبرمجيات إلى تحسين الرؤية التشغيلية وسرعة الاستجابة، لكنه يزيد أيضاً عدد النقاط التي يمكن أن تستهدفها الهجمات السيبرانية.

وأوضح هوساوي الأمر قائلاً: «نعم، إن توسيع نطاق الترابط الرقمي يؤدي بطبيعته إلى اتساع مساحة التعرض للهجمات السيبرانية». لكنه أشار إلى أن إبقاء البنية التحتية محدودة الاتصال والرقمنة قد يخلق مخاطر تشغيلية أكبر، لأنه يقلل القدرة على رصد الأعطال والاستجابة للاضطرابات. ولذلك يجب دمج الأمن السيبراني في التصميم الهندسي منذ البداية، بدلاً من إضافته بعد تشغيل الأنظمة. ويشمل ذلك استخدام دفاعات متعددة الطبقات، وتصميم مكونات يمكن فصلها عند الحاجة، وضمان قدرة بعض الأنظمة على مواصلة العمل بصورة مستقلة إذا تعطل جزء آخر.

1783420941047.png

يجب أن يعمل الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الحيوية تحت إشراف بشري مع دمج الأمن السيبراني منذ التصميم (شاترستوك)

السعودية تعيد بناء قاعدة صناعية رقمية​

تتحرك السعودية ضمن هذا التحول باستثمارات واسعة في الطاقة والصناعة والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، مدفوعة بمستهدفات «رؤية 2030». وذكر هوساوي أن المملكة «لا تكتفي بتحديث بنيتها التحتية، بل تعيد صياغة النموذج الذي سيقوم عليه اقتصاد المستقبل الرقمي». وأشار إلى مبادرات واسعة النطاق، من بينها مشروع «ترانسندنس» للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بقيمة 100 مليار دولار، بوصفه مثالاً على حجم الطموح المرتبط ببناء القدرات الحاسوبية والرقمية داخل المملكة. واستشهد أيضاً بشراكة «سيمنس» مع شركة «سير» للسيارات، التي تتضمن المساهمة في بناء مصانع ذكية لإنتاج سيارات كهربائية، إلى جانب تدريب أكثر من مائة مهندس سعودي على تشغيل هذه المنشآت وإدارتها.

وتبقى أبرز فجوات التنفيذ مرتبطة بتحديث شبكات الكهرباء لاستيعاب الطاقة المتجددة والأحمال الصناعية، وتأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة أصول معقدة تعتمد على البرمجيات والبيانات.

وقال هوساوي إن توفير التكنولوجيا يمثل جزءاً واحداً من المسؤولية، بينما يتمثل الجزء الآخر في نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية. وتحتاج المرحلة المقبلة إلى مهارات في الذكاء الاصطناعي الصناعي، وبرمجيات الشبكات، والأمن السيبراني، والأتمتة، وتكامل الأنظمة. ولا ترتبط هذه المهارات بتشغيل المشروعات الحالية فقط، بل بقدرة المملكة على إدارة بنيتها التحتية الرقمية وتطويرها على المدى الطويل.

ويظهر التقرير أن الشرق الأوسط قطع خطوات أسرع من المتوسط العالمي في تحديد الاتجاه والاستثمار في التقنيات، إلا أن قياس النجاح سيعتمد على تحويل الالتزامات إلى نتائج موثقة، وربط الأنظمة القديمة، وتحديث الشبكات، وتأمين الأصول، وبناء الكفاءات القادرة على تشغيلها. وبذلك ينتقل اختبار تحول البنية التحتية من حجم الطموحات إلى قدرتها على تحقيق أثر قابل للقياس والتوسع والاستمرار.
 

الذكاء الاصطناعي يُعيد صياغة خريطة الاستثمار الجريء في السعودية​

«500 غلوبال» العالمية لـ«الشرق الأوسط»: المخاطر السيبرانية أصبحت عاملاً حاسماً في تمويل الشركات​


1783424819528.png


تسير السعودية بخطى متسارعة لترسيخ صدارتها مركزاً إقليمياً أول للاستثمار الجريء، وهو ما جسّدته قفزة قياسية بنسبة 38 في المائة في قاعدة المستثمرين الداعمين لشركاتها الناشئة، لتصل إلى 194 مستثمراً، مدفوعة بنمو المشاركة الدولية بمعدل 65 في المائة.

وفي خطوة تترجم هذا الزخم، كشفت أمل دخان، الشريكة الإدارية في شركة الاستثمار العالمية «500 غلوبال» – التي تدير أصولاً بقيمة 2.3 مليار دولار - في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، عن ملامح خريطة الاستثمار الجديدة في المملكة؛ مؤكدة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد «ميزة إضافية»، بل تحولت إلى الأداة الرئيسية لإعادة صياغة نماذج الأعمال وبناء ميزات تنافسية مستدامة، تمهد لولادة الموجة المقبلة من الشركات المليارية في المنطقة.

وقالت أمل دخان على هامش فعاليات «مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي» (Global AI Show)، الذي استضافته الرياض يومي 29 و30 يونيو (حزيران) الماضي، إن المملكة تمثل مزيجاً نادراً من المقومات التي يبحث عنها المستثمرون، إذ تجمع بين الالتزام الحكومي بدعم الابتكار، وقاعدة سكانية تتمتع بوعي رقمي مرتفع، وتوفر رؤوس الأموال، إلى جانب مستهدفات طموحة لتنويع الاقتصاد.
وأضافت أن ما يجعل السوق السعودية أكثر جاذبية هو أنها لا تشهد توسعاً في تبني التقنيات الحديثة فحسب، بل إعادة تشكيل لنماذج الأعمال في عدد من القطاعات الاقتصادية في الوقت نفسه، الأمر الذي يتيح للمؤسسين بناء شركات قادرة على إعادة تعريف أسواقها، بدلاً من الاكتفاء بتقديم حلول تطويرية محدودة.

رهان على الذكاء الاصطناعي

ورجحت أمل دخان أن تظهر الموجة المقبلة من الشركات التقنية المليارية في المنطقة في قطاعات تمثل أولوية استراتيجية للمملكة، تشمل برمجيات المؤسسات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للتقنية المالية، والتقنيات الصحية، وتقنيات الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، إضافة إلى تقنيات المناخ والطاقة، والتقنيات الصناعية، والمنصات التي تدعم التحول الرقمي في الجهات الحكومية والمؤسسات الكبرى.

وأشارت إلى أن «500 غلوبال» تولي اهتماماً متزايداً بالشركات الناشئة التي تطور البنية التحتية اللازمة لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي، وليس تلك التي تكتفي بإضافته كميزة داخل منتجاتها، مؤكدة أن الشركات الأعلى قيمة ستكون تلك التي تمتلك بيانات حصرية، أو تدير سير عمل أساسياً، أو تملك قنوات توزيع تزداد قيمتها مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

ميزة تنافسية مستدامة

وحول قدرة الشركات الناشئة على تحسين كفاءتها الاقتصادية، أوضحت أمل دخان أن خفض تكلفة اكتساب العملاء لا يتحقق عبر تقليص الإنفاق التسويقي فقط، وإنما من خلال بناء أنظمة تجعل الوصول إلى العملاء أكثر كفاءة مع نمو الشركة. وأضافت أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة يسهمان في تحسين استهداف العملاء وتأهيلهم، وتسهيل عمليات انضمامهم إلى الخدمات، وتعزيز الاحتفاظ بهم، بما يرفع معدلات التحويل بدلاً من الاعتماد على رفع الإنفاق التسويقي.

وأكدت أن التكنولوجيا وحدها لم تعد تشكل ميزة تنافسية مستدامة مع اتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن الأفضلية أصبحت تعتمد بصورة أكبر على امتلاك بيانات ورؤى حصرية عن العملاء، إلى جانب بناء الثقة بالعلامة التجارية وتطوير قنوات توزيع قوية.

وأضافت أن الشركات الأقوى ليست تلك التي تركز على خفض تكلفة اكتساب العميل فقط، وإنما التي تنجح في تحقيق علاقة متوازنة بين القيمة العمرية للعميل وتكلفة اكتسابه، بحيث تتحول كل عملية تفاعل مع العميل إلى بيانات تسهم في تطوير المنتج وتحسين تجربة المستخدم وخفض تكاليف الاكتساب مستقبلاً، بما يخلق ميزة تنافسية يصعب على المنافسين تقليدها.

كفاءة النمو

وفيما يتعلق بقابلية التوسع، أوضحت أمل دخان أن المستثمرين في رأس المال الجريء يركزون على الشركات القادرة على توسيع قاعدة عملائها وأسواقها مع نمو الإيرادات بوتيرة أسرع من نمو المصروفات التشغيلية، بما يعني أن التوسع في الأعمال لا يقابله ارتفاع مماثل في التكاليف.

وأضافت أن المستثمرين يبحثون عن مؤسسين يبنون أنظمة تشغيل قابلة للتوسع، وليس شركات يعتمد نموها على زيادة أعداد الموظفين، مشيرة إلى أهمية مراجعة العمليات المتكررة في خدمة العملاء والامتثال وإعداد التقارير بهدف «أتمتتها» منذ المراحل الأولى.

وأكدت أن تحقيق ذلك يتطلب الاستثمار مبكراً في بنية تقنية قابلة للتوسع، تشمل بنية بيانات قوية، وتصميماً يعتمد على واجهات البرمجة، وأنظمة سحابية حديثة، بما يتيح للشركة خدمة آلاف العملاء الإضافيين دون الحاجة إلى زيادة موازية في الموظفين أو البنية التشغيلية، الأمر الذي ينعكس في تحسن هوامش الربحية مع نمو الأعمال.

المرونة التشغيلية وإدارة المخاطر

وفي ملف الأمن السيبراني، رأت أمل دخان أن المخاطر الإلكترونية لم تعد قضية تقنية تخص إدارات تقنية المعلومات فقط، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في تقييم الشركات وقدرتها على جذب التمويل، موضحة أن أي اختراق أمني أو انقطاع طويل في الأنظمة قد يؤثر في الإيرادات، وثقة العملاء، والامتثال التنظيمي، وفرص الحصول على استثمارات جديدة.

وأضافت أن تزايد اعتماد الشركات على البيانات والذكاء الاصطناعي يرفع أيضاً من التكلفة الاقتصادية للثغرات الأمنية، وهو ما يجعل الأمن السيبراني جزءاً أساسياً من استراتيجية إدارة الأعمال، وليس مجرد متطلب تقني.

وأكدت أن المستثمرين يتوقعون من المؤسسين التعامل مع الأمن السيبراني بالانضباط نفسه الذي يطبقونه في الضوابط المالية، من خلال بناء منظومة حوكمة واضحة، وإجراء مراجعات أمنية دورية، ووضع خطط للتعافي من الكوارث، وتطبيق ضوابط الوصول وحماية البيانات، إلى جانب التدريب المستمر للموظفين والمراقبة الدائمة للأنظمة.

وختمت بأن المرونة التشغيلية أصبحت ميزة تنافسية بحد ذاتها، إذ يولي العملاء والشركات الكبرى والمستثمرون أهمية متزايدة لقدرة الشركات على اكتشاف الحوادث الأمنية واحتوائها والتعافي منها بسرعة، بما يعزز الثقة ويرسخ القيمة الاقتصادية للشركات على المدى الطويل.
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى