الدعم الإداري

جواسيس

إنضم
16 سبتمبر 2017
المشاركات
8,533
التفاعل
14,586 220 2
الدولة
Algeria
هذا الرجل ولمدة 22 عاماً، هز أركان الاستخبارات الأمريكية،جعلهم يبحثون عن" شبح".

كان يُطارد الجواسيس والعملاء نهاراً، ويُطعمهم أسرار بلاده ليلاً.

إنه روبرت هانسن، الملقب بـ "الفأر الميت" أو "الخائن المقدس".

في داخل أروقة الـ FBI، لم يكن أحد يشك أبداً في "بوب". كيف يشكون فيه وهو هذا الرجل المتدين، الملتزم ،أباً لستة أطفال، وعضواً في جماعات كنسية محافظة.

إنه مثال الرجل الأمريكي المحافظ الوطني...

كان يرتدي بدلات سوداء قاتمة، ولا يبتسم أبداً، ويُعرف بصرامته الأخلاقية وفي العمل.

لكن خلف هذا القناع البارد والالتزام، كان هانسن يمتلك "عبقرية تقنية" سمحت له بالدخول إلى أكثر أنظمة الـ FBI سرية.

وفي عام 1979، اتخذ قراره ليبيع أمريكا للسوفييت.

ما جعل هانسن "أسطورة" في عالم التجسس هو حذره المرضي.

على مدار 22 عاماً من عمله مع الروس لم يقابل روسياً قط،و رفض تماماً مقابلة أي ضابط مخابرات سوفيتي.

كان يستخدم ما يعرف بـالنقاط الميتة حيث كان يترك الوثائق تحت جسر خشبي في متنزه "فوكستون" بفرجينيا، ويضع علامة بشريط لاصق على عمود إنارة ليخبرهم أن "البضاعة جاهزة".

كان السوفييت يعرفونه فقط باسم "رامون غارسيا". لم يكونوا يعرفون حتى وجهه أو منصبه الحقيقي!

باع هانسن أسراراً تفوق الخيال، منها على سبيل المثال وليس الحصر ،الخطة النووية الشاملة و كيف سترد أمريكا في حال حدوث حرب نووية.

ونفق التجسس حيث كشف للسوفييت عن نفق سري للغاية بنته المخابرات الأمريكية تحت السفارة السوفيتية في واشنطن للتنصت عليهم.

و وشى بأسماء ضباط روس يعملون لصالح أمريكا، وتم إعدامهم فوراً.

مقابل هذا، استلم هانسن 1.4 مليون دولار (نقدًا وماسات)، لكنه لم يصرف سنتاً واحداً منها بشكل علني!

ظل يعيش في منزله المتواضع ويقود سيارته القديمة، مخبئاً المال في حسابات سرية وتحت أرضية منزله.

عجزت الـ FBI لسنوات عن كشف "الثقب" في نظامها.و ظنوا أن الخائن في الـ CIA، لكن الحقيقة كانت صادمة.

وطبعاً النهاية لم تأتِ من خطأ ارتكبه هانسن، فهو كان حذر للغاية بل أتت من "صفقة بيع".

دفعت الاستخبارات الأمريكية 7 ملايين دولار لضابط مخابرات روسي سابق لسرقة ملف "رامون غارسيا" من أرشيف موسكو.

وعندما فتح المحققون الملف، وجدوا تسجيلاً صوتياً لـ "رامون" وهو يتحدث مع مشغله الروسي.

وبمجرد سماع الصوت، صرخ أحد الضباط من زملائه "هذا ليس غارسيا.. هذا بوب هانسن!"

وفي 18 فبراير 2001، ذهب هانسن لمتنزه "فوكستون" ليضع طرداً أخيراً تحت الجسر. وبمجرد أن استدار ليعود لسيارته، حاصرته فوهات البنادق من كل جانب.

ببروده المعتاد، نظر هانسن إلى زملائه في الـ FBI وقال جملته الشهيرة التي لخصت غطرسته:
"ما الذي أخركم كل هذا الوقت؟" (What took you so long?)

حُكم على هانسن بالسجن المؤبد في زنزانة انفرادية لقضاء 23 ساعة يومياً وحيداً، حتى وُجد ميتاً في زنزانته عام 2023.

المحير في قصة هانسن ليس "كيف" تجسس، بل "لماذا"؟
فهو لم يكن بحاجة للمال (لم يصرفه)، ولم يكن يؤمن بالشيوعية (كان يكرهها بشدة).

برأيك، ما الذي يدفع رجلاً يمتلك عائلة مثالية ووظيفة مرموقة ليصبح "خائناً" لـ 22 عاماً؟

هل هو "إدمان المخاطرة" والشعور بالتفوق على الجميع؟

أم أنه كان يعاني من "انفصام شخصية" بين تدينه الظاهري وظلامه الداخلي؟

FB_IMG_1774813729502.jpg
 
في عام 1985، غرق أميس في ديون طائلة بسبب طلاقه ونمط حياة زوجته الجديدة، ماريا ديل روزاريو كاساس، التي كانت تعشق الرفاهية. وبدلاً من طلب سلفة بنكية، قرر أميس بيع أغلى ما تملكه أمريكا أرواح عملائها..

في داخل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، حيث يُفترض أن يكون "الولاء" هو العقيدة الأولى، كان هو الخنجر المسموم الذي غُرس في ظهورهم .

لم يكن العدو قادماً من الخارج أو من موسكو العدو اللدود، بل كان جالساً في المكتب رقم 4B44 في مقر الوكالة بـ "لانغلي".

كان ألدريتش أميس يبدو للجميع كموظف حكومي باهت مثله مثل أي موظف مهمل؛ يعاني من مشاكل مع الكحول، تقارير أداؤه المهني متذبذبة، وهندامه غير مرتب.

لكن خلف هذا القناع الخامل، كان هناك وحش ..وحش جشع للمال نائم يريد أن يستيقظ.

و في ظهيرة يوم ربيعي، سار أميس ببساطة إلى السفارة السوفيتية في واشنطن وسلمهم مغلفاً يحتوي على أسماء ثلاثة عملاء مزدوجين.

كان يظن أنه سيقبض بضعة آلاف من الدولارات، لكن السوفييت، الذين أدركوا قيمة "الصيد السمين"، منحوه 50 ألف دولار فوراً كعربون!

و بدأت اللعبة الكبرى. أصبح أميس "آلة طباعة نقود" بشرية.

كان يخرج من مقر الـ CIA بحقائب صفراء مليئة بالوثائق السرية، ليعود في المساء بحقائب مليئة برزم الدولارات.

يقدر ما تقاضاه بأكثر من 4.6 مليون دولار، وهو رقم فلكي في ذلك الوقت.

ما فعله أميس لم يكن مجرد تسريب معلومات تقنية؛ لقد قدم للسوفييت "قائمة الموت" كما اسمها.

فجأة، وبشكل غامض، بدأ أفضل عملاء الـ CIA في الاتحاد السوفيتي يختفون واحداً تلو الآخر،دون معرفة الأسباب.

أحدهم سُحب من سيارته في وضح النهار بـ "موسكو".و آخر أُعدم برصاصة في مؤخرة الرأس في زنزانة مظلمة.لقد قُتل أكثر من 10 عملاء من النخبة بسبب وشاية أميس.

بدأت الوكالة تشعر بالرعب. "هناك ثقب أسود يبتلع رجالنا!" صرخ القادة. لكن أميس كان ذكياً، أو هكذا ظن. بدأ يصرف المال ببذخ غير منطقي لراتب موظف حكومي..

ذهب و اشترى سيارة Jaguar فاخرة (حمراء فاقعة!).
و دفع 540 ألف دولار كاش لشراء منزل فخم.
* كانت فواتير هاتفه الشهرية تتجاوز الـ 600 دولار (بأسعار الثمانينات!).

و عندما سألوه: "من أين لك هذا؟"، ادعى ببرود أن زوجته تنتمي لعائلة غنية في كولومبيا.

لكن فريقاً صغيراً من المحققين بينهم نساء ذكيات جداً لم يصدقوا القصة.

بدأوا في مراقبته، زرعوا أجهزة تنصت في منزله، بل وفتشوا قمامة منزله ليلاً.

و في فبراير 1994، بينما كان أميس يستعد للسفر إلى موسكو (في مهمة رسمية للوكالة!)، حاصرته سيارات الـ FBI. حاول المقاومة بكلمات جوفاء، لكن القيود كانت أسرع.

حُكم عليه بالسجن المؤبد دون أي فرصة للخروج. أما زوجته "ماريا" لم تنجُ هي الأخرى، حيث حُكم عليها بالسجن بتهمة التآمر والتهرب الضريبي، بعد أن كانت المحرك الخفي لجشع زوجها.

ألدريتش أميس كان أغبى عميل استخباراتي يمكن أن تراه ،قبل القبض عليه.

وإلي الأن تعتبر قصته وعدم اكتراثه مثال على عدم الفطنة والحرص الذي يجب أن كان يتمتع به

FB_IMG_1774813817336.jpg
 
عام 1944،في أروقة واشنطن الخانقة برائحة التبغ والقرارات المصيرية،لم يكن هناك صوت يعلو فوق صرير أقلام هاري ديكستر وايت.

لم يكن مجرد موظف في وزارة الخزانة، بل كان "العقل" الذي يعيد رسم خريطة العالم الاقتصادية بينما كانت المدافع لا تزال تقصف في أوروبا.

إليك رواية الصعود والسقوط لرجل كان يحكم العالم من خلف ستار، وقلبه ينبض لجهة أخرى تماماً.

تخيل قاعة فخمة في فندق "ماونت واشنطن"، حيث اجتمع ممثلو 44 دولة.

في المركز، يقف رجل نحيل بنظارات طبية، يتحدث بيقين لا يتزعزع.

إنه هاري وايت.

في تلك اللحظة، كان وايت يضع حجر الأساس لـ صندوق النقد الدولي.

بينما كان الجميع يظن أنه يؤسس لسيادة الدولار الأمريكي، كان وايت يمرر في الخفاء تقارير سرية للغاية عبر قنوات معقدة.

لم تكن هذه التقارير تحتوي على أرقام عادية، بل كانت خارطة طريق للنفوذ السوفيتي داخل قلب النظام الرأسمالي.

كان الرجل الذي يثق به الرئيس روزفلت ثقة عمياء، هو نفسه المصدر "كاسيوس" في سجلات المخابرات السوفيتية.

لم يكن وايت جاسوساً يسرق المخططات من الخزائن المصفحة؛ بل كان أخطر من ذلك بكثير. فقد كان "جاسوس السياسات".

ذات ليلة، صاغ وايت "خطة مورجنثاو" التي تهدف لتحويل ألمانيا بعد الحرب إلى مجرد أرض زراعية فقيرة.

ظاهرياً، كان الهدف معاقبة النازية، لكن باطنياً، كانت الخطة تهدف لترك فراغ قوة في أوروبا لا يملؤه إلا ستالين.

كان قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح وزيراً للخزانة الأمريكية.

وكان التعيين جاهزاً، والكرسي ينتظر "البطل" الذي أنقذ اقتصاد العالم.

لكن، في مكان ما في الظلام، بدأت الخيوط تتشابك.

عام 1948، انقلب السحر على الساحر. وقف وايت أمام "لجنة الأنشطة غير الأمريكية". كانت الكاميرات تلاحق كل رمشة عين.

سأله المُدعي: "سيد وايت، هل أنت عضو في الحزب الشيوعي؟"

ليرد عليه وايت (بثبات مخيف): "عقيدتي هي الحرية، وإيماني هو الديمقراطية الأمريكية."

دافع عن نفسه ببراعة شيطانية، لدرجة أن الجمهور صفق له!

لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن "الخونة" الذين انقلبوا على السوفييت بدأوا يتحدثون.

كان يعلم أن أوراق اليقطين (وثائق سرية مخبأة) أصبحت في يد المخابرات.

وبعد يومين فقط من شهادته البطولية، وُجد هاري ديكستر وايت ميتاً في منزله الريفي.

والسبب الرسمي دائماً في هذه الحالات كما تعرفون نوبة قلبية مفاجئة.

وبدأت الشائعات تتطائر هنا وهناك،هل كان انهى حياته بجرعة زائدة من "الديجيتال" هرباً من حبل المشنقة، أم هي ربما "تصفية" من رفاقه القدامى في موسكو لضمان صمته للأبد.

مات وايت، وبقيت المؤسسات التي أسسها (البنك الدولي وصندوق النقد) تحكم العالم حتى يومنا هذا.

لقد رحل الرجل، لكن "نظامه" ما زال يعيش بيننا.

تخيل لو أن وايت لم يمت في ذلك اليوم، وأصبح فعلياً وزيراً للخزانة الأمريكية في ذروة الحرب الباردة..

برأيك، هل كان سينجح في تحويل أمريكا إلى حليف استراتيجي للسوفييت من الداخل؟

أم أن "الدولة العميقة" كانت ستسحقه في النهاية؟

FB_IMG_1774813899371.jpg
 
هذا القصير المبتسم أمامك هو "غاربو" الذي هزم الألمان بجيش من خياله .

في عام 1940، ومع اشتعال نيران الحرب العالمية الثانية، كان هناك رجل إسباني غريب الأطوار يدعى خوان بوجول غارسيا. لم يكن ضابطاً ولا بطلاً، بل كان ممثلاً يحب الضحك والحياة و يكره الفاشية والنازية لدرجة دفعته لابتكار أعظم "خديعة" في التاريخ العسكري.

عرض غارسيا خدماته على المخابرات البريطانية (MI6) مرتين، فرفضوه ببرود قائلين: "لسنا بحاجة لهواة".

لكن "غارسيا" لم يستسلم، فقرر أن يذهب إلى العدو ليصبح جاسوساً لهم، ثم يعود لبريطانيا بـ "صيد ثمين".

وفي عام 1941،ذهب غارسيا إلى المخابرات الألمانية (Abwehr) في مدريد، وأقنعهم بأنه محب لهم و يريد التجسس لصالحهم من قلب لندن.

صدقه النازيون وأعطوه المال وأجهزة اللاسلكي.
المفارقة المذهلة؟
غارسيا لم يذهب إلى لندن أبداً!
لقد استقر في "لشبونة" بالبرتغال، وبدأ يراسل الألمان بتقارير يومية مفصلة عن تحركات الجيش البريطاني، مستعيناً بخرائط سياحية، جداول قطارات قديمة، وخيال خصب وأصبح يؤلف لهم كل يوم قصة من غرفة نومه.

بل والأدهى من ذلك كله ،اخترع قصة 27 جاسوساً وهمياً وأقنع الألمان بأنهم يعملون تحت إمرته في بريطانيا، وكان يطلب من النازيين رواتب شهرية لهؤلاء "الأشباح" ويقبضها هو!

وفي عام 1942،عندما ذهب إلي المخابرات البريطانية ليخبرهم إلي ما وصل إليه مع الألمان.

انحنى ضباط الـ MI6 للعبقرية هذا القصير.

عندما اكتشفت المخابرات البريطانية أن هناك شخصاً يغرق الألمان بمعلومات مضللة "متقنة"، أدركوا قيمته فوراً.

استدعوه إلى لندن ومنحوه الاسم الحركي "غاربو" (تيمناً بالممثلة الشهيرة "غريتا غاربو" لبراعته في التمثيل).

وأصبح غاربو "عميلاً مزدوجاً"، وكانت مهمته الكبرى هي "عملية الثبات" (Operation Fortitude).

وهي إقناع هتلر بأن غزو الحلفاء لأوروبا (يوم D-Day) سيكون في منطقة "با دو كاليه"، وليس في "نورماندي".

و بمساعدة المخابرات البريطانية، أنشأ غاربو جيشاً وهمياً بالكامل في جنوب إنجلترا.

استخدموا دبابات مطاطية منفوخة بالهواء، طائرات خشبية، ومعسكرات فارغة يراها الطيارون الألمان من الأعلى.

وفي ليلة الغزو الحقيقية في يونيو 1944، أرسل غاربو برقية عاجلة للألمان يقول فيها: "هذا الهجوم في نورماندي هو مجرد فخ لتشتيت انتباهكم، الهجوم الرئيسي الحقيقي سيكون في كاليه بعد يومين!".

صدقه هتلر تماماً، وأمر ببقاء فرقتين مدرعتين من "النخبة" في كاليه، منتظراً هجوماً لن يأتي أبداً، بينما كان الحلفاء يسيطرون على شواطئ نورماندي ويحسمون مصير الحرب.

وصلت براعة غاربو إلى حد لا يُصدق؛ ففي الوقت الذي منحه فيه الملك جورج السادس وسام "عضوية الإمبراطورية البريطانية"، منحه هتلر (وهو لا يعلم الحقيقة) وسام "الصليب الحديدي" تقديراً لخدماته الجليلة لألمانيا!

اختفى هذا الجاسوس القصير "غاربو" بعد الحرب، وأشاع خبر وفاته في أفريقيا ليعيش في هدوء بفنزويلا، تاركاً خلفه أغرب قصة في تاريخ الجاسوسية؛ الرجل الذي هزم جيوشاً بـ "رسائل بريدية" و"دبابات منفوخة".

FB_IMG_1774813994877.jpg
 
في عام 1967،وفي خضم الحرب الباردة، كانت الغواصات النووية الأمريكية هي "الحصن المنيع" الذي يحمي العالم الغربي.

كانت تتحرك في أعماق المحيطات بصمت كلي، مستحيلة التتبع، تضمن الردع النووي للولايات المتحدة.

لكن...!!

في يوماً ما قرر رجل واحد أن يفتح "أبواب الجحيم" ويبيع مفاتيح هذا الحصن الغواص لعدو بلاده اللدود.. مقابل حفنة من الدولارات.

جون ووكر، ضابط الاتصالات في البحرية الأمريكية، لم يكن يحلم بتغيير العالم أو نصرة الشيوعية، بل كان يحلم بحياة الرفاهية والهروب من ديونه المتراكمة.

بدأت القصة عندما سار ووكر ببساطة إلى السفارة السوفيتية في واشنطن، حاملاً معه "مفاتيح التشفير" الخاصة بالبحرية الأمريكية.

نعم، الأمر يبدو كأنه مشهد من فيلم سينمائي رخيص، لكن الحقيقة كانت أكثر غرابة وبساطة؛ ففي ليلة ممطرة من شهر أكتوبر عام 1967، ركن جون ووكر سيارته بالقرب من السفارة السوفيتية في واشنطن، وترجل بهدوء، ثم دخل من الباب الأمامي حاملاً حقيبة تحتوي على "أثمن أسرار البحرية الأمريكية".

لم يكن ووكر مؤمناً بالشيوعية،ولا يفكر في عواقب خيانته قط، ولم يكن يحمل ضغينة سياسية ضد واشنطن.

ولكن كان دافعه "الجشع المحض".

كان ووكر يمتلك حانة فاشلة في ولاية كارولاينا الجنوبية، وكانت ديونه تتراكم بشكل مرعب.

وفوق هذا كله كان يعشق النساء، الطائرات الخاصة، والسيارات الفاخرة، وهي حياة لم يكن راتبه كضابط اتصالات في البحرية قادراً على تغطيتها.

وكان الحل أمامه ،عندما رأى في أسرار التشفير التي يمررها يومياً "سلعة" يمكن أن تدر عليه الملايين، فقرر أن "يتاجر" بما يأتمنه عليه وطنه.

دخل ووكر السفارة السوفيتية ببساطة لأن المراقبة الأمنية في ذلك الوقت لم تكن كما نتخيلها اليوم بالذكاء الاصطناعي والكاميرات الحرارية، كان ووكر يرتدي ملابسه المدنية، ودخل بجرأة "الواثق".

و طلب مقابلة الملحق العسكري، وعندما جلس معه، أخرج قائمة بـ "مفاتيح التشفير" للغواصات النووية.

وهنا كانت الصدمة للسوفييت...

ضباط الـ KGB داخل السفارة أصيبوا بالذهول؛ و ظنوا في البداية أنه "فخ" من المخابرات الأمريكية (CIA) لاختبارهم.

لم يتخيلوا أن ضابطاً أمريكياً سيأتي بنفسه ليبيع أسراراً بهذه الخطورة مقابل ألف دولار أسبوعياً (كدفعة أولى).

في الستينيات، كانت الـ FBI تراقب السفارات، لكن ووكر استغل وقت "تغيير الورديات" التي كان يعرفها تماماً ،واستغل لحظات الزحام للدخول والخروج دون أن تُلتقط له صورة واضحة تربطه بالبحرية.

وبعد أن ساومهم على الثمن،وبعد أن تمكنوا من التثبت مما يقول ،وافقت المخابرات السوفيتية (KGB)على هذا التعاون،و فتحت له أبوابها، مدركةً أنها وضعت يدها على "منجم ذهب" استخباراتي لا يقدر بثمن.

لمدة 18 عاماً، كان السوفييت يقرؤون كل رسالة مشفرة ترسلها البحرية الأمريكية لغواصاتها وسفنها في المحيطات.

كانوا يعرفون أماكن تحرك الغواصات "الصامتة"، وخطط الحرب السرية، وتكنولوجيا التشفير التي أنفقت أمريكا مليارات الدولارات لتطويرها.

ووكر تصاعد معه الأمر أكثر فأكثر،و لم يكتفي بأن يصبح جاسوساً منفرداً، بل أسس "شركة عائلية للتجسس"؛ جند شقيقه وابنه وحتى صديقه المقرب، محولاً الخيانة إلى تجارة مربحة تدر عليه آلاف الدولارات التي كان ينفقها على الطائرات الخاصة واليخوت والنساء، بينما كان زملاؤه في البحرية يعتقدون أنه مجرد ضابط مجتهد.

وفي عام 1985 كان عام نهاية الجاسوس التاجر،وعلى يد من ؟
امرأة ،وقد كان سقوط ووكر درامياً بقدر حياته ومسيرته في عالم الجاسوسية.

لم تسقطه المخابرات الأمريكية بذكائها، بل أسقطته هذه المرأة الغاضبة.

نعم...زوجته السابقة، فبعد سنوات من المعاناة مع إدمانه و خياناته و أكاذيبه المتكررة،فاض بها الكيل و اتصلت بمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)وكشفت المستور.كانت تريد الانتقام منه وبشدة .

وبالفعل فعلت هذا ،و بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي البحث أكثر وراء هذا الرجل ..وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها الجميع ...!!

في ليلة سقوط "تاجر الأسرار"، عثر المحققون على حقيبة تحتوي على 129 وثيقة سرية كانت معدة للتسليم.

وصف مدير المخابرات المركزية (CIA) آنذاك خيانة ووكر بأنها "الأكثر تدميراً في تاريخ البحرية الأمريكية"، حيث منحت السوفييت تفوقاً استراتيجياً كان من الممكن أن يغير نتيجة أي حرب قادمة بين البلدين.

مات ووكر في سجنه عام 2014، تاركاً خلفه درساً قاسياً: أن أخطر الجواسيس ليس بالضرورة من يملك قضية، بل من لا يملك ضميراً ويرى في أسرار وطنه مجرد "بضاعة" لمن يدفع أكثر.

FB_IMG_1774814071519.jpg
 
في ذروة الحرب الباردة، وتحديداً في عام 1956، عبر رجل وزوجته الحدود من ألمانيا الشرقية الشيوعية إلى ألمانيا الغربية الرأسمالية كـ "لاجئين" يفرون من بطش النظام.

كان اسم هذا الرجل غونتر غيوم.
لم يكن غيوم مجرد لاجئ، بل كان "زرعة" استخباراتية وضعتها منظمة "شتازي" (المخابرات الشرقية الأسطورية) في قلب العدو، مع أمر واحد فقط: "اصعد إلى القمة ببطء".

بدأ غيوم من الصفر؛ انضم للحزب الديمقراطي الاشتراكي، وعمل بجد لسنوات كـ "نحلة" لا تكل.

كان يتمتع بصفة نادرة يعشقها السياسيون: الولاء المطلق والقدرة على الاختفاء في الخلفية.

بفضل كفاءته وتفانيه الظاهري، بدأ يتسلق السلم الوظيفي حتى حدث ما لم يتخيله أحد؛ أصبح غيوم المساعد الشخصي والمقرب جداً لمستشار ألمانيا الغربية "فيلي براندت".

بحلول عام 1972، أصبح غيوم هو "الرجل الذي يعرف كل شيء".

كان يطلع على المراسلات السرية بين ألمانيا الغربية وحلف الناتو، ويحضر الاجتماعات المغلقة التي تُناقش فيها استراتيجيات مواجهة الاتحاد السوفيتي.

والأدهى من ذلك، أنه كان يرافق المستشار "براندت" في عطلاته الخاصة، ويحمل له حقيبته التي تحتوي على "أسرار الدولة العليا"، بينما كانت زوجته (وهي جاسوسة أيضاً) ترسل كل تلك التفاصيل إلى برلين الشرقية عبر أجهزة لاسلكية مخبأة.

في 1974 بدأ السقوط الذي زلزل أوروبا

حيث بدأت الشكوك تحوم حوله عندما اعترضت المخابرات الغربية رسائل مشفرة قديمة كانت تُرسل لـ "عميل مجهول" في أعياد ميلاده، وتصادف أنها كانت نفس تواريخ ميلاد غيوم.

وفي أبريل 1974، اقتحمت الشرطة منزله. وبدلاً من الإنكار، فاجأهم غيوم بجملة شهيرة تعكس كبرياء الجاسوس: "أنا ضابط في جيش التحرير الشعبي لألمانيا الشرقية ومسؤول في وزارة أمن الدولة.. أرجو احترام رتبتي العسكرية!".

كانت الصدمة أكبر من أن تتحملها الحكومة؛ كيف وصل جاسوس شيوعي ليكون "الساعد الأيمن" للمستشار؟

أدت الفضيحة إلى استقالة "فيلي براندت" فوراً، في واحدة من أكبر الهزات السياسية في تاريخ ألمانيا الحديث.

وعاد غيوم إلى ألمانيا الشرقية في "عملية تبادل جواسيس" عام 1981، حيث استُقبل كبطل قومي، تاركاً خلفه درساً مرعباً: أخطر الجواسيس ليس من يكسر قفل مكتبك، بل من يحمل لك مفاتيحه بابتسامة كل صباح.

FB_IMG_1774814165671.jpg
 
الخنجر الذي غرزه الكرملين في قلب الغرب لثلاثين عاماً ودون أن يشعروا به..

في عالم الجاسوسية، هناك من يخترق الجدران، وهناك من هو "الجدار" ذاته.

هارولد أدريان راسل فيلبي، الشهير بـ "كيم"، لم يكن جاسوساً عادياً تسلل إلى المخابرات البريطانية، بل كان الوريث الشرعي لكل تقاليدها، والفتى المدلل لنخبتها، والرجل الذي كان من المتوقع أن يجلس يوماً على رأس هرمها.

لكن خلف تلك الابتسامة الإنجليزية الواثقة وهدوء شاربيه، كان "فيلبي"الذئب الذي لا يمكن توقعه .

في عام 1934 ،بدأت الخديعة في أروقة جامعة كامبريدج العريقة فيما يعرف بـ"خماسية كامبريدج".

هناك، وبينما كان العالم يغوص في أزماته، وقع فيلبي هذا الأرستقراطي الذي تربى على العقلية الانكليزية الرصينة في حب "الشيوعية" كعقيدة لا تقبل الجدل.

والغريب أنه لم يكن ليسمح لانتماءاته السياسية أن تطفو على السطح، فقد وأد نقاشاتها في العلن، واستبقاها سراً عصياً حتى على أقرب خُلصائه.

تم تجنيده من قبل المخابرات السوفيتية (KGB) ليتحول من طالب أرستقراطي إلى "عميل نائم".
(كنا قد تحدثنا عن العملاء النائمين من قبل ، التخصص الذي برع فيه ال(KGB).

لم تكن مهمته السرقة، بل كانت "الانتظار" الانتظار الطويل إلي أن يأتي اليوم الذي يستفاد منه.

انتظر فيلبي بصبر الأفاعي حتى فتحت له المخابرات البريطانية (MI6) أبوابها على مصراعيها، معتقدة أنها تضمه إلى صفوفها، بينما كانت تضمه إلى نهايتها.

وفي عام 1944 أصبح الثعلب هو من يدير الدجاج.

وصلت السخرية إلى ذروتها عندما عُين فيلبي رئيساً لـ "القسم التاسع" في الاستخبارات البريطانية؛ وهو القسم المسؤول عن "مكافحة التجسس السوفيتي"!

نعم، لقد كان الجاسوس السوفيتي هو نفسه المسؤول عن صيد الجواسيس السوفيت.

في مكتبه الفاخر بلندن، كان فيلبي يقرأ التقارير السرية عن العملاء البريطانيين في موسكو، ثم يرسل أسماءهم قبل غروب الشمس إلى الكرملين.

و بدم بارد، كان يشرب الشاي مع زملائه، بينما تُنفذ أحكام الإعدام في أولئك الذين وشى بهم خلف الجدار الحديدي.

وفي عام 1949 ،انتقل فيلبي إلى واشنطن ليكون حلقة الوصل بين المخابرات البريطانية والـ CIA.

وهناك، كان يطلع على أشد الأسرار النووية والسياسية حساسية.

في تلك الفترة، تسبب فيلبي في فشل عملية إنزال كبرى في "ألبانيا"، حيث أرسل مئات العملاء إلى حتفهم مباشرة فور وصولهم، لأن "الشبح" الذي يجلس في المكتب المجاور كان قد أخبر موسكو بموعد وصولهم ومكان هبوطهم.

ومنذ العام 1955 إلي العام 1963 كان هذا الثعلب على قمة جبل الرقص على حافة الهاوية.

فلكل كذبةٍ وخديعةٍ -مهما بلغت قوتُهما وقوةُ مؤدّيهما- يومٌ تخرجان فيه إلى العلن، مهما طال الزمن..

حيث بدأت الشكوك تحوم حوله بعد فرار زميليه فيما يعرف ب "خماسية كامبريدج" إلى روسيا.

استُدعي على وجه السرعة للتحقيق، لكن ببراعة "ممثل هوليوودي"، وقف فيلبي أمام الكاميرات في مؤتمر صحفي شهير، وببرود أعصاب لا يصدق، نفى كل التهم.

صدقه الجميع.. حتى رؤساؤه اعتذروا له في هذا اليوم!

لكن الحقيقة كانت كالجثة التي لا يمكن إخفاء رائحتها تحت التراب.

وفي ليلة ممطرة من عام 1963 في بيروت لبنان، اختفى فيلبي فجأة.

فهو لن ينتظر إلي أن يتم تأكيد الشكوك ،مهما كانت براعته في إخفائها.

لم يترك فليبي وراءه سوى فنجان قهوة فارغ، ليظهر بعدها بأيام في موسكو، معلناً للعالم أكبر خديعة في تاريخ الاستخبارات الحديث.

عاش فيلبي ما تبقى من عمره في روسيا، حاصلاً على أرفع الأوسمة السوفيتية، لكنه مات وهو يحن إلى "المربى الإنجليزي" ولعبة الكريكيت، تاركاً خلفه ثقباً في جدار الثقة البريطاني لم يلتئم حتى اليوم.

FB_IMG_1774814296520.jpg
 
في عام 1971،في مدينة لندن الصاخبة لم يكن أحد يشك في ذلك الرجل الأنيق ذو البدلات الفاخرة والإنجليزية المثالية.

كان أوليج ليالين يتحرك في حانات لندن كالإعصار؛ يوزع الكافيار، يسكب الفودكا، ويغرق في حفلات صاخبة مع عشيقاته.

لكن خلف قناع "زير النساء " المرح هذا، كان يختبئ كابتن غامض في "القسم V" – النخبة المرعبة في المخابرات السوفيتية المتخصصة في الاغتيالات والتخريب.

بينما كانت "سوزان"، ابنة صاحب الحانة الشابة، تراه مجرد صديق كريم يحب الحياة، كان ليالين يدير حياة مزدوجة شديدة الخطورة.

يختفي فجأة ليلتقي عملاء سريين، ثم يعود ليطلق النكات في الحانة.

لكن اللعبة المعقدة بدأت تنهار بخطأ بسيط فعله ولم يحسب له حساب وهو القيادة تحت تأثير الكحول.

تم القبض عليه و نشر الخبر في الصحف،وهنا تغير كل شىء.

قصاصة جريدة صغيرة، وخبر اعتقال عابر، كانا كفيلين بكشف المستور.

موسكو استدعته فوراً، وهو ما يعني "حكماً بالإعدام" أو "اختفاءً أبدياً" في دهاليز السوفييت.

هنا، قرر ليالين أن يلعب ورقته الأخيرة والرهيبة.

بدلاً من العودة لموسكو، اختار ليالين الانشقاق،كان يحب حياته في حانات لندن ولم يرغب في العودة مجدداً إلي موسكو.

أخذ معه عشيقة فاتنة وأسراراً زلزلت أركان الحرب الباردة.

وذهب مباشرةً إلي بيت من البيوت السرية التابعة للمخابرات البريطانية (MI5)،و بدأ ليالين "يغرد" بكل ما يملك عن القسم الذي كان يعمل به.

الاسماء ،الخطط ،طرق التنفيذ .

باح بكل شىء..

لم يكن ليالين مجرد جاسوس عادي، بل كان خريطة طريق لخطط شيطانية لم تكن المخابرات البريطانية تعلم عنها شيئاً.

شرح لهم خطط عن تسميم بحيرات و تلويث المياه بنفايات مشعة لضرب أسطول الغواصات النووية.

وكشف بالتفاصيل عن جيش كامل من الظل، قائمة تضم أكثر من 100 جاسوس وضابط مخابرات سوفيتي يعملون تحت غطاء دبلوماسي في بريطانيا.

وحدد لهم الثغرات و النقاط السرية على شواطئ يوركشاير لإنزال فرق التخريب السوفيتية.

و بفضل المعلومات التي قدمها ، شنت بريطانيا أكبر عملية طرد للجواسيس في تاريخها. في ليلة وضحاها، أُصيب الكرملين بالشلل والبارانويا.

لم يقتصر الأمر على كشف الجواسيس، بل أدت اعترافاته إلى إغلاق "القسم V" السوفيتي بالكامل، بعد أن فضح ليالين أساليبهم في القتل والتخريب.

انتهت قصة ليالين بكونه الرجل الذي "أنقذ الـ MI5" بالصدفة من سنوات الفشل، محولاً ليلة سكر عابرة إلى أكبر نكسة استخباراتية في تاريخ الاتحاد السوفيتي.

هكذا سقطت إمبراطورية "القسم V" السوفيتية في لندن؛ لا برصاصة قناص أو عملية اختراق معقدة، بل بزجاجة فودكا وقصاصة جريدة عابرة، لتثبت قصة "أوليج ليالين" أن أعتى شبكات التجسس قد تنهار بسبب تفصيل صغير لم يكن في الحسبان.

FB_IMG_1774814550660.jpg
 
عودة
أعلى